البيان الأول للتيار السُنيّ لانقاذ مصر



الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقدمة

في هذه الأيام الحالكة الظُلمة، التي تمر بها مصرنا الحبيبة، مصرنا المسلمة، مصرنا المُنهكة ظلماً وعبودية، المَنهوبة الخيرات والثروات، كان لا بد أن يَخرج من في قلبه حب لله ورسوله، ومن شيمته نصرُ الحق، وإعلاء كلمة الدين، ليُبيّن وينصح، ويوجه، ويفضح زيف المبطلين، ويدحض شبهات المرجفين؛ غير عابئ في الحق بلومِ لائمٍ، أو ازْوِرار مُزْوَرّ.

كانت الصدمة التي صاحبت قيام إنتفاضة 18 صفر 1432هـ الموافق 25 يناير 2011، من القوة والشمولية في التأثير، لدرجة أصابت كلّ من عايشها باضطراب أشبه ما يكون "بإرتجاج المخ"؛ أعاد الكلّ حساباته، وأعاد ترتيب أوراقه على عجلٍ، نتيجة تسارع الأحداث بصورةٍ فاقت كلّ تصور.

وقد بَدت نتيجة هذا الارتجاج المُخيخي من اللحظة الأولى؛ إذ قد فات غالب من هم على أرض الساحة المصرية، أن الخطأ الذي وقعنا فيه عام 1952، يتكرّر مرة أخرى، وأننا، كما ظَللنا نُطلق اسم الثورة على انقلاب يوليو 52، تبديلاً للحقائق، فإننا أطلقنا ثورة 25 يناير على تلك الانتفاضة الشعبية، التي أدت إلى إنقلاب للعسكر بقيادة مَجلس مبارك العَسكريّ، الذي عَيّنه على عَيْنِه، قبل أن ينتقل للراحة والاستجمام في شَرم الشّيخ ثم في المُستشفي الطبى العالمي.

ثم تتالت الكوارث، واحدة تلو الأخرى، بعد أن اتّخذت هذه الأحداث إسم الثورة على غير مُسمّاها! فبدأ ذلك بتخلف ما يُدعى بالتيارات الإسلامية عن الصَدمة الأولى، ثم انضمامها في الموجة الثانية، بعد أن عرفت أن هذه الأحداث سيكون لها شأن عظيم.

وكان أن انقسم الفريقان الأكبر من هذه التيارات إلى قسمين؛ قسمٌ أخلص لأيديولوجيته السياسية، فسار عليها لا يحيد، وهم جماعة الإخوان؛ وهي الأيديولوجية التي تقوم على انتهاز الفرص للقفز في صدارة المواقف السياسية، وأحادية الهدف في الحصول على المقاعد البرلمانية، وعدم المُمانعة في التفاوض والتحالف مع الشيطان للوصول إلى هذه الأهداف، دون أي صدامٍ حقيقيّ مع العسكر، وهو ما رأيناه في "كامب سليمان" أول أيام الثورة، ثم في " كامب عنان".

أما التيار الثاني، هو تيار السلفية، بشكل عام، في القاهرة والإسكندرية، على تفاوت بينهما، وهم من فقد توازنه بالكامل من هذه الصدمة، فتخبط لا يدرى ما يفعل، ثم استقر على أن يسير على خطى الإخوان حذو القذة بالقذة! فلبسوا البزات وأربطة العنق، وأنشؤوا حزباً، يتصارع على مقاعد البرلمان، ويتودّد إلى العسكر، بل ويدعو لنصرتهم والدخول تحت طاعتهم.

هذا من باب السياسة التي ادعتها هذه "التيارات" الإسلامية"، وهو ما لم يأت من فراغ، بل نشأ من خَلفية عقدية لا تّنتجُ إلا هذا النَكَد!

فإن الباحثين الجادين المخلصين في باب العقيدة والفرق، يعلمون أن الإخوان على مذهب الإرجاء المعروف، في أبواب الإيمان والعمل، ثم هم، في الغالب أشعرية صوفية، من قرأ منهم في أصول الدين، على جهل عميق في غالب كوادِرهم العليا والسفلى.

أما السلفيون؛ فهم على توجّههم النظريّ التوحيديّ السليم، إلا إنهم زلّوا في مناط جزئية عقدية، وهي عجزهم، خوفاً وطمعاً، عن تطبيق مناط توحيد العبادة على الأمر الواقع، مما أدى إلى تخريب مواقفهم العملية، وتخبّطهم في رؤياهم وفتاواهم، ثم نصرتهم للعسكر دون مواربة، كما ناصروا المخلوع من قبل، فضلا عن نفاق من نافق من بعض المنتسبين لهم، طمعاً في المال والجاه، واعتمادا على جهل العامة في تقدير الأمور ووزن الشخصيات.

وكان من جراء هذه الإنحرافات في تناول العقيدة والسياسة جميعاً، أن نفذ العسكر إلى قلب الحركات الإسلامية، وضربوا إمكانية التغيير الحقيقيّ، إعتماداً على القوى الشعبية المُحبّة للإسلام عامة، وإن لم تميز بين ما، ومن، هو من الإسلام المحمديّ السنيّ السلفي الصحيح، وما، أو من، هو من أشباه المسلمين، من أصحاب الأغراض والوسائل المنحرفة.

من هنا، فقد رأينا، نحن الموقعين على هذا البيان، أنه أمانة للدين، وإحقاقاً للحق، وإعذاراً إلى الله سبحانه، وإقامة للحجة، أن نرعى ميثاق الله سبحانه في البيان، إذ قال "وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ" آل عمران 107، بأن نشكل تياراً، يتخطى تلك العقبات النكدات التي القاها الشيطان في مجرى ما يسمى "التيارات الإسلامية"، عقدية وسياسية.

ويقدم هذا التيار لشباب الأمة وشيوخها هذا التصور الذي نرى أن يجتمع عليه كلّ من أخلص لهذا الدين دون أن يتلوث بلوثاتٍ عقدية، رافضية أو إرجائية أو أشعرية، أو إعتزالية، أو صوفية، أو خارجية، وأن بلوثاتٍ سياسية، بأن يقدم الكراسي البرلمانية، التي لا فائدة تأتى منها دون أن يؤخذ الدين بقوة، وقبل أن يُنتزع الملك ممن سلبه.

من نحن:

1.نحن دعاة إلى الله تعالى ولسنا حزباً أو تنظيماً أو جماعة بالمعنى المتعارف عليه في القاموس الإعلامي السياسي

2.إن من حق أي مسلم ينتسب لأمة الإسلام أن يدافع عن دينه ويتصدى لكل دعوات الانسحاق والانهزام التي لا هم لها إلا تقزيم الإسلام وحصره في زوايا ضيقة، وعلاقة خاصة بين العبد وربه

3.وفي نفس الوقت ليس من حق أي مسلم (سواء كان فرداً أو جماعة) أن يزعم، تصريحاً أو تلميحاً، أنه يمثل الأمة، أو أنه مفوض في التوقيع باسمها .. مستغلاً حالة الخوف والضبابية التي باتت تعيشها الأمة في هذه الظروف الحالكة.

4.لقد غر البعض سكوتنا إذ قد أعجبتهم الآلة الإعلامية الجبارة التي تروج لهم فحسبوا أنهم يحسنون صنعاً ( (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الكهف آية 103.

إلام ندعو؟

5.إنّ إعلان دولة "لا إله إلا الله"، والتي تقوم على التسليم والطاعة لله وحده هو مقتضى الإسلام، وأساس التوحيد، وأنّ هذا القدر لا يصح فيه التأخير ولا التأجيل ولا التدرج، فهو مقام إعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا إله إلا الله".

6.أنّ هذه الطاعة المفروضة توحيدا وإيماناً، قد سُلبت من حياة الناس، وخَرجت الدولة عن مسار الإسلام بقوانينها الوضعية، وموّهت على العامة، وتواطأت مع الخَاصة، بزرع تلك المَادة الثانية التي هي في موضوعيتها، شِركية، تجعل الشريعة أحد مصادر التشريع، ولو كانت أساساً له، إلا إنها لا توحّد المَصدر التشريعيّ، لتكون ثغرة العلمانية ومدخل الشركية.

7.نؤكد على حقيقة قد لا تعجب البعض: لا صلاح لحال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ونردد قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

8.أن تطبيق الشريعة واجب على الحاكم، وجوباً ضَرورياً، لا حَاجياً أو تَحسينيّاً، فهو على مستوى التوحيد لا الأحكام التفصيلية. وأنه لا صحة لما يذيعه الإخوان، تواطئاً وعمالة، من أن تطبيق الشّريعة هو إلزامٍ أخلاقيّ فرديّ، بل هو التزام إجتماعيّ، فرضه الله على الجماعة، وما لم يذع بالقرآن يذع بالسلطان، وكما جاء في السياسة الشرعية من أن واجب الحاكم هو رعاية مصالح العباد، وإقامة حدود الدين، ومنع الفساد والإلحاد، وسدّ ذرائع الفسوق والعصيان.

9.لقد وصل الاستخفاف بأمتنا وحقها في التمسك بدينها أن تُفرض علينا بدائل مَمجوجة، وطفق كل من هب ودب يتكلم باسمنا ونحن مغيبون فانطبق علينا قول جرير في هجائه لبني تيم:

ويقضى الأمر حين تغيب تيمٍ ولا يُستأمرون وهم شهودُ

10.إنّ تلك الإنتخابات البرلمانية، ما هي إلا تمويه على العامة، ومداعبة لأحاسيسهم أنّها وسيلة الحرية والعدل والمساواة والرخاء، بينما هي وسيلة لغالب تلك "التيارات الإسلامية" للوصول إلى سدة الحكم، بعد تقديم كافة التنازلات لبنى صهيون والصليبيين والقبط، والعلمانيين، وكل طائفة ضالة على الأرض، بل ومعاداة من ينطق بالحق، ويقصد الصدق، إقصاءً له عن الساحة، حتى لا يكشف عُوارهم، وبفضْحِ أمرِهم أمام العامة الذاهلين! ومن ثم وجب البعد عنها وعدم الدعوة إلى نصرتها، حتى يستقيم أمر الله، وتقوم دولة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

11.إن ذلك ليس حُلماً، ولا خاطراً ولا احتمالاً، بل هو مقدورٌ عليه؛ إن اتحدت قوى المسلمين وفقدوا الأمل في هذه اللعبة، وناصروا الخروج على العسكر، وعدم القبول بالدنية في الدين.

وها هي ذي الفرصة متاحة اليوم، كما لم تتح من قبل، فإذا بنا ننكص على أعقابنا، ونترك ساحة المواجهة، حتى السلمية منها، لنختفى وراء تكتيكاتٍ وتفريعاتٍ وتحالفاتٍ برلمانية، ستعيد بنا عجلة الزمن إلى الوراء عقوداً منحوسات.

12.إن الإنتخابات، لم، ولن، تكون وسيلة للتغيير، بل هي آلية من آليات التنفيذ، واستخدامها بديلاً للوسائل التي نبّه الله سبحانه عليها، خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نراه اليوم رأي العين ، من تَسليم العَسكر للبرلمان إلى "الإسلاميين" حسب وثيقة "كامب سليمان"، ثم إصدار ملاحق الوثيقة من طرفٍ واحدٍ، بتفريغ هذا المجلس من سُلطاته وتقليم أظفاره، التي يعلم الله أنها مُقلّمة من قبل.

13.إن الكرامة والحرية والعدالة والمساواة والرخاء، لن تتحقق كلها إلا من خلال دولة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ففيها خير الدنيا وكسب الآخرة. وأن تلك الأشكال المُشوّهة من دولة الإسلام لن تأتي إلا بنكد من العيش وبغضبٍ من الله.

14.أن ما يشيعه العلمانيون، ويحذر منه اللادينيون، بل وما يستجيب له بعض "الإسلاميين" من تنازل عن الشريعة مطلقاً، والحديث عن تدرجها، أو أنها التزام فرديّ، يخير فيه المكلف بينه وبين ربه، وكأنه ليس للمجتمع حق في حماية الخلق العام، وهو أمر مرفوض شرعا؛ فتطبيق الشريعة له أصول وقواعد يجب مراعاتها، حسب شروطها وموانِعها، فإن المُقدم منها هو سدّ ذرائع الفساد أولا بإلغاء ما يدفع إلى الرزيلة والفساد، سواءً في الناحية الأخلاقية أو الإقتصادية، ثم يأتي بعدها الردع بالقصاص.

15.إن الحدود تُدرأُ بالشبهات، ومن ثم فلا خوف ولاهلع من تطبيق الحدود والقصاص (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) البقرة 179.. وفي سياق متواز يجب التركيز على البرامِج الاقتصادية والتطوير العلميّ والنهضة التعليمية، والاهتمام بالشباب، وتوفير فرص العمل، ومنع تسرب الأموال من خلال القوانين المفصلة على حسب مصالح أصحاب السلطة، وتشجيع أولويات الصِناعة الثقيلة، والعناية بالزراعة وغيرها، مما يقوى بناء الأمة، ويكسبها الثقة في النفس، والقدرة على المواجهة.

16.الاستمرار في الدّعوة إلى التوحيد، وبيان حدوده وإزاله الشبهات عنه، على أوسع نطاقٍ، ثم تقرير حدٍ أدنى من العلم بالشرع يكون لدى العاميّ، ليدرأ عنه هذا الجهل المُردى، ويدفع عنه هذه الخيارات الباطلة.

17.إنّ هذا التيار يفتح ذِراعيه لكلّ من هُمْ على هذا الطريق، فما ذكرنا هو الحدّ الأدنى للإنتساب إلى هذا التيار، سواء من الشيوخ الأفاضل، أو الشباب الأماجد.

18.إن تطبيق شرع الله سبحانه يستلزم سلطة تقيّمه وتحميه، لا سلطة تبتغى به مآرب دنيوية، فإنه قد انقضى من العُمر جُلّه، ولم يعد هناك وقت لطامعٍ، ولا غاية لمُهتبلٍ، إلا رِضاء الله، ورجاء لقاء رسوله صلى الله عليه سلم، على حوضِه يوم يقوم الحساب.



صفوة القول



ندعوا أبناء أمتنا الإسلامية إذا أرادوا تغييراً حقيقياً وفَلاحاً مُؤكداً، أن يعتصموا بحبل الله لا بحبائل الناس "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا" فالاعتصام بالله وبدينه الذي اختاره لنا هو طريق الهدى والصَلاح والفلاح في الدنيا والآخرة "وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" آل عمران آية 101.

وندعوهم أن يلتزموا بالوسائل المشروعة، فإن الوسائل في الإسلام حكمها حكم المقاصد، ولن يفلح المسلمون إلا بإتباع الوسيلة الشرعية، بالوقوف في وجه الطواغيت بعد أن ظهر زيف الصناديق وخدعة أهلها، فلا بد من التضحية من أجل نصرة هذا الدين ولو بكلمة الحق أمام جحافل الباطل؛ فالله تعالى قد بين لنا في محكم التزيل الشرط والجواب (إن تنصروا الله ينصركم) محمد آية 7. فكيف ينصرنا الله ونحن نطلب النصر من غيره؟! وهب أن المسلم لم ير ثمرة جهاده، فإن مشاهدة دولة الإسلام حية نقية على الأرض ستكون بإذن الله في عقبه وفي الأجيال التي تولد في رحم الأيام، أما هذا المسلم الذي دفع روحه ثمنا لدينه فنحسبه شهيداً عند مليك مقتدر. فإما النصر وإما الشهادة.

وندعوا كل من التزَم بهذا الفكر وطلب هذه الغاية، بتلك الوسيلة؛ من الشيوخ الأجِلّاء الفضلاء، ومن الشَباب المَاجد الواعد، أن ينتظم مَعنا في هذا الأمر، وأن يسير مع التيار الإسلاميّ السنيّ، لتحقيق دولة "لا إله إلا الله محمد رسول صلى الله عليهوسلم".

"هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" إبراهيم آية 52.



الأمين العام

الشيخ د.طارق عبد الحليم



الامين العام المساعد

الشيخ د.هاني السباعي



الأمانة العامة للتيار السني لانقاذ مصر

17 صفر 1433هـ الموافق 11 يناير 2011

الشرع أوالشيخ .. اختاروا يا شباب الأمة!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

يا شباب الإسلام، لم يعد هناك كثير وقت للحيرة والتردد، بل حان وقت العمل والحَركة. لم يعد ما يقال هو المعتبر، بل ما يُفعل هو المؤثر.

هناك ثلاثة معسكرات، ترسم كلها صورة للشرع، يريدكم أصحابها أن تعوّلوا عليها وتأخذوا بها.
معسكرٌ يقوده مشايخ السلفية التقليديين، وهم قد تخلفوا عن الإنتفاضة السابقة، بحجة أنّها خروج على وليّ الأمر (الذي يعتبر كافراً حسب ما كانوا يقولون نظرياً، لرفضه تحكيم شرع الله)، ثم إذا هم يباركون العمل السياسيّ، ويسارعون فيه، ويغيرون جلدهم ولسانهم، فيلبسون غير الملبس ويتحدثون غير الحديث، رغم أنّ النظام قد ظهر أنه لم يسقط، كما أحببنا له أن يسقط، ورغم أن العسكر قد صرحوا أن دولة العلمانية باقية، لا سبيل إلى تبديلها، إذ لن يسمحوا بهذا! لكن هؤلاء جاؤا بكل المتناقضات، في أقوالهم وأفعالهم، وظهر أن إتباعهم للسُّنة لم يتجاوز الهدي الظاهر، فزعموا أنهم لا يزالون متمسكين بأن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، ثم إنّ العسكر، الذين يدعون للحكم بغير ما أنزل الله، مسلمون موحدون، بل وإنهم بصفتهم الحكام، قد وجبت طاعتهم ... بل ويحلّ لهم قتل مخالفيهم (المنافق أحمد فريد)، وأنه لا بد أن نتعاون مع أمن الدولة للقضاء على المعارضة (المنافق محمد حسان)، وسبحان مثبّت العقول ومقلّب القلوب.
ومعسكرٌ يقوده الإخوان من أصحاب البرلمان، فهؤلاء قد تخلفوا كذلك عن الإنتفاضة، وخرجوا اليها بعد أنْ تيقن لهم أنها ستؤدى إلى تغيير في بعض الموازين، وإنما خرج بعض شبابهم مبكراً لنصرة المتظاهرين قبل أن تسمح الجماعة بهذا رسمياً. ثم، إن هؤلاء يرون أن الحاكم بغير ما أنزل الله عاصٍ، وهو ما كان عليه مبارك، طاغية عاصٍ، لكن يمكن التعامل معه والحركة من خلال تنظيماته، إذ هو وأولياؤه لا يزالون مسلمين. وهو الحُكم الذي استصحبوه في العسكر. فركزوا على حصد مقاعد البرلمان، وهم يعرفون تماما أن العسكر مُتربصٌ بهذه العملية السياسية، قد وضع لها حدّا لا تتخطاه، بل وأقام مجلساً موازياً يشرع له ما يراه ملائما لأغراضه في الإستيلاء على السلطة حقيقة، بتشريع قوانين تضعه فوق الدولة والدستور والبرلمان. وقد صرح أولياء هذا المعسكر بأن الشرع بالنسبة لهم ثانويّ في التطبيق، وأنهم راضون بوسائل العلمانية، مشاركون في وسائلها، ليتم رفع الفقر والجهل والمرض عن الشعب (وكأن أحكام الشرع لا تفعل ذلك)، وأن أحكام الشرع توجيهية للفرد، لا إلزامية للجماعة. بهذا، وبأشد منه نفاقاً وتلوّناً في دين الله، صرح قادة هذا المعسكر، حتى بلغ بهم الضلال ببعضهم إلى التسوية بين عقيدة المسلمين وعقيدة القبط من أصحاب التثليث! هذا دينهم وهذه عقيدتهم، عليها سيقابلون ربهم، وسبحان لله العظيم.
ومعسكر ثالث، ظل أولياؤه يدعون في العقود الستة الأخيرة، إلى أن لا حكم إلا لله، قولاً وعملاً، تصريحاً وتلميحاً، فرداً وجماعة. وهؤلاء قد شاركوا في الإنتفاضة منذ اللحظة الأولى، واستمروا على تحذيراتهم من خيانة العسكر، وحيلهم، واعتبروا مبارك وعصابته مارقين من دين الله صادّين عن سبيله، وكذلك مجلس عسكره من بعده، وأن النظام لم يسقط، بل لم تتبدل فيه شعرة، وأن الشَرعية المَدنية لا يمكن أن تتوازى مع حُكم العَسكر بشكلٍ من الأشكال. كما رأوا أنّ لا مقايضة على دولة لا إله إلا الله، فهي المراد واليها المسعى، لنيل رضا الله، ونصره، وبركاته في السماء والأرض، وأن التغيير الوحيد على الساحة المصرية كان تغييراً في الشكل لا في الموضوع، وذلك بتعديل نسب المشاركات البرلمانية، لا غير. وقد عرف أبناء هذا المعسكر ما يريده العسكر بأبناء هذه الأمة، ووقفوا ضد ممارساته الغاشمة في قتل وسحل الناس في الشوارع، وشاركوا في كافة التظاهرات والإحتجاجات التي مرت بها مصر في الشهور الماضية، كاشفين خداع العسكر، وتلون السلفيين ونفاق الإخوان.

ويظهر لكلِّ ذي عقل وضميرٍ وبصيرة ودين، أن المعسكرين الأوّلين، هما ظلٌّ تابعٌ لما يسمح به العسكر، يرضون بالفتات الظاهر الذي يلقونه اليهم، طالما أنّ مشايخهم وقادتهم لا تُمسّ مصالحهم، أيا كانت هذه المصالح، ولكن المبدأ العام هو أنهما تابعون لهؤلاء المشايخ والقادة، لا لشرع الله وحكمه ومنهجه. هذا قَدْرٌ لا يمكن الشّك فيه، إلا لمن فقد بوصلة الإيمان كلية، وفقد معها القدرة على النظر الدقيق وتمحيص المواقف، وهو عقابٌ من الله سبحانه لمن رضى بالدنية في دينه، وانحرفت بوصلة إيمانه.

إنّ لكل معسكر مشايخه وقادته، يدعون إلى منهجهم ورؤيتهم، وإنّ الإختيار ليس صعباً، وليس تعجيزياً، بل هو واضحٌ صريحٌ، لا غبش فيه، كما كان دائما، إما المشايخ والقادة ممن ثبت إنحراف بوصلتهم، وإما المشايخ والقادة ممن لم يبدّلوا ولم يغيروا، بل ثبتوا وصَمدوا ووافق قولهم عملهم، ووافق منهجهم منهج السُّنة المطهرة طاهراً وباطناً.

فتخيروا يا شباب الإسلام، بين شرع الله وبين مشايخ الفتنة وقادة الذلة، فوالله لم يعد هناك وقت للتردد، ولإن تجاوز الأمر 25 يناير، فعلى الثورة الرحمة، ولأهلها الصبر والسلوان.

د. طارق عبدالحليم

الأثنين 09 يناير 2012 

كفر الديمقراطية وكفر معتنقيها



الديمقراطية دينٌ كفريٌّ مبتدع وأهلها بين أرباب مشرِّعين وأتباع لهم عابدين
اعلم أن أصل هذه اللفظة الخبيثة (الديمقراطية) يوناني وليس بعربي... وهي دمجٌ واختصارٌ لكلمتين؛ (ديموس) وتعني الشعب.. و (كراتوس) وتعني الحكم أو السلطة أو التشريع... ومعنى هذا أن ترجمة كلمة (الديمقراطية) الحرفية هي: (حكم الشعب) أو (سلطة الشعب) أو (تشريع الشعب)..
وهذا هو أعظمُ خصائص الديمقراطية عند أهلها... ومن أجله يلهجون بمدحها، وهو يا أخا التوحيد في الوقت نفسه من أخص خصائص الكفر والشرك والباطل الذي يناقض دين الإسلام وملَّةَ التوحيد أشدَّ المناقضة ويُعارضه أشدَّ المعارضة... لأنك قد عرفتَ فيما مضى أنَّ أصل الأصول الذي خُلق من أجله الخلق وأنُزلت الكتب وبُعث الرسل، وأعظم عُروة في الإسلام هو توحيد العبادة لله تعالى واجتنابُ عبادة ما سواه.. وأنَّ الطاعة في التشريع مِن العبادات التي يجب أن تُوّحد لله تعالى وإلا كان الإنسان مُشركاً مع الهالكين..
وسواءٌ طبقت هذه الخاصية في الديمقراطية على حقيقتها، فكان الحكم للجماهير أو غالبية الشعب، كما هي أسمى أماني الديمقراطيين من علمانيين أو منتسبين للدين.. أو بقي على ما هو عليه في الواقع اليوم، حيث هو: حكم الملأ من الحكام وعصابتهم المقربة إليهم من عائلاتهم أو كبار التجار (الهوامير) والأثرياء الذين بيدهم رؤوس الأموال ووسائل الإعلام ويستطيعون بواسطتها أن يصلوا أو يُوصلوا إلى البرلمان (صرح الديمقراطية) من يشاؤون... كما يستطيع مولاهم أو ربُّهم (الملك أو الأمير) أن يحلَّ المجلس ويربطه في أي وقتٍ شاء وكيفما شاء...
فالديمقراطية على أي الوجهين كفرٌ بالله العظيم وشركٌ بربِّ السماوات والأرضين ومناقضةٌ لملِّةِ التوحيد ودين المرسلين...
لأسباب عديدة وعديدة... منها:-
أولاً: لأنها تشريعُ الجماهير أو حكمُ الطاغوت وليست حُكمَ الله تعالى... فالله جل ذكره يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحكم بما أنزل الله عليه، وينهاه عن اتباع أهواء الأمة أو الجماهير أو الشعب، ويُحَذِّره من أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله عليه فيقول سبحانه وتعالى: {وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}ا هذا في ملَّةِ التوحيد ودين الإسلام..
أما في دين الديمقراطية وملَّةِ الشرك فيقول عبيدها: (وأنِ احكم بينهم بما ارتضى الشعب واتبع أهواءهم واحذر أن تُفتن عن بعض ما يُريدون ويشتهون ويُشرِّعون)... هكذا يقولون... وهكذا تقرر الديمقراطية، وهو كفرٌ بواحٌ وشركٌ صراحٌ لو طبقوه... ومع هذا فالحق أن واقعهم أنتن من ذلك فإنه لو تكلم عن حالهم لقال: (وأنِ احكم بينهم بما يهوى الطاغوت وملؤه، ولا يُسن تشريعٌ ولا قانونٌ إلا بعد تصديقه وموافقته...)!!!
هذا ضلالٌ مبينٌ واضحٌ أبداً بل هو الشركُ بالمعبودِ عُدواناً
ثانياً: لأنها حُكم الجماهير أو الطاغوت، وفقاً للدستور وليس وِفقاً لشرع الله تعالى... وهكذا نصت دساتيرهم وكُتبهم التي يقدسونها أكثر من القرآن بدليل أن حُكمها مُقدّم على حُكمه وشرعها مُهيمنٌ على شرعه.. فالجماهير في دين الديمقراطية لا يقبل حُكمها وتشريعها ـ هذا إذا حَكمت فعلاً ـ إلا إذا كان مُنطلقاً من نصوص الدستور وَوِفقاً لمواده لأنه أبو القوانين وكتابها المقدس عندهم... ولا اعتبار في دين الديمقراطية لآيات القرآن أو لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يمكن سن تشريعٍ أو قانون وِفقاً لها إلا إذا كانت مُوافقة لنصوص كتابهم المقدس (الدستور).. واسألوا فقهاء!! القانون عن هذا إنْ كنتم في مِرية منه...
الله يقول: {فإنْ تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً}.
ودين الديمقراطية يقول: (إن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى الشعب ومجلسه ومليكه وفقاً للدستور الوضعي والقانون الأرضي)..!!
{أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون ا لله أفلا تعقلون}.
وعلى هذا فلو أرادت الجماهير تحكيم شرع الله تعالى عن طريق دين الديمقراطية هذا ومن خلال مجالسه الشركية التشريعية.. فلا يمكنها ذلك ـ إنْ سمح الطاغوت بذلك ـ إلا عن طريق الدستور ومن خلال مواده ونصوصه... لأنه هو كتاب الديمقراطية المقدس أو قُل توراتها وإنجيلها المحرّف تِبعاً للأهواء والشهوات...
ثالثاً: إنَّ الديمقراطية ثمرةُ العلمانية الخبيثة وبنتها غير الشرعية... لأن العلمانية: مذهبٌ كفريٌّ يرمي إلى عزل الدين عن الحياة أو فصل الدين عن الدولة والحكم...
والديمقراطية: هي حكمُ الشعب أو حُكم الطاغوت... لكنَّها على جميع الأحوال ليست حكم الله الكبير المتعال، فهي كما عرفت لا تضع أي اعتبار لشرع الله تعالى المحكم إلا إذا وافق قبل كلِّ شيءٍ مواد الدستور، وثانياً؛ أهواء الشعب، وقبل ذلك كلِّه رغبات الطاغوت أو الملأ...
لذلك لو قال الشعب كُله للطاغوت أو لأرباب الديمقراطية: نريد أن نُحكم بما أنزل الله، ولا يكون لأحدٍ لا الشعب ولا مُمثيله من النواب ولا الحاكم حق في التشريع أبداً... ونريد أن نُنفذ حُكم الله في المرتد وحُكم الله في الزاني والسارق وشارب الخمر...و... ونُريد أن نُلزم المرأة بالحجاب والعفاف... ونمنع التبرج والعُري والخنا والفجور والزنا واللواط وغير ذلك من الفواحش... سيقولون لهم على الفور: هذا مناقضٌ لدين الديمقراطية وحريته..!!!
إذاً هذه هي حرية الديمقراطية: التحرّر من دين الله وشرائعه وتعدّي حدوده.. أما شرع الدستور الأرضي وحدود القانون الوضعي فمحفوظةٌ مقدسةٌ محروسةٌ في ديمقراطيتهم العفنة بل ويُعاقب كلُّ من تعداها أو خالفها أو ناقضها...
فتباً لكم تباً لكم تباً لكم تباً لكم حتى يَكِلَّ لسانِ
فالديمقراطية ـ إخوة التوحيد ـ إذاً... دينٌ غير دين الله تعالى... إنها حُكمُ الطاغوت وليست حُكمُ الله تعالى... إنها شريعةُ أربابٍٍ مُتشاكسين متفرقين وليست شريعةَ الله الواحد القهار... والذي يقبل بها ويتواطأ عليها من الخلق... فهو في الحقيقة قد قبل أن يكون له حق التشريع وِفقاً لمواد الدستور وأن يكون تشريعه هذا مقدماً على شرع الله الواحد القهار...
وسواءٌ أَشرَّع بعد ذلك أم لم يُشرِّع وفاز بالإنتخابات الشركية أم لم يفز، فإنَّ تواطأه مع المشركين على دين الديمقراطية، وقبولَهُ بأن يكون الحكمُ والتشريعُ له، وأن تكون سلطته فوق سلطة الله وكتابه وشرعه هو الكفر بعينه؛ هذا ضلالٌ مبينٌ واضحٌ أبداً بل هو الشركُ بالمعبودِ عُدواناً.
فالشعبُ في دين الديمقراطية يُنيبُ عن نفسه هؤلاء النواب، فتتخير كلُّ طائفةٍ أو جماعةٍ أو قبيلةٍ منهم ربًّا من هؤلاء الأرباب المتفرقين، ليشرِّعوا لهم تبعاً لأهوائهم ورغباتهم... لكن كما عُلم: وِفقاً لمواد ونصوص الدستور وفي حدوده... فمنهم من يتخيّر معبوده ومشرِّعه تبعاً للفكر والايديولوجية... فإما ربٌّ من الحزبِ الفُلاني.. أو إلهٌ من الحزبِ العَلاّني... ومنهم من يتخيَّره تبعاً للقبيلةِ والعصبية... فإما إلهٌ منَ القبيلةِ الفُلانية... أو وثنٌ معبودٌ من القبيلة العَلانية... ومنهم من يتخيّره إلهاً سلفياً بزعمهم، وآخر يجعله ربًّا إخوانياً... أو معبوداً ملتحياً وآخر حليقاً... وهكذا ... {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضيَ بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم}
فهؤلاء النواب هم في الحقيقة أوثانٌ منصوبةٌ وأصنامٌ معبودةٌ وألهةٌ مزعومةٌ منصوبةٌ في معابدهم ومعاقلهم الوثنية (البرلمانات) يدينون هم وأتباعهم بدين الديمقراطية وشرع الدستور، إليه يحتكمون ووِفقاً لنصوصه ومواده يُشرِّعون ويُقننِّون... ويحكمهم قبل ذلك كلِّه ربُّهم وإلههم وصنمهم أو وثنهم الكبير الذي يُقر تشريعاتهم هذه ويُصدّق عليها أو يرفضها ويردها... وهو الأمير أو الملك أو الرئيس...
هذه يا إخوة التوحيد هي حقيقة الديمقراطية وملَّتها... دينُ الطاغوت... لا دينَ الله... وملَّة المشركين... لا ملَّة النبيِّين... وشرع أرباب وآلهة متفرقة متنازعة... لا شرعَ الله الواحد القهار..
{ءَأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}.
{ءَإلهٌ مع الله؟ ؟ تعالى الله عما يشركون}.
فلتختر يا عبد الله... إما دينَ الله وشرعه المطهر وسِراجه المنير وصِراطه المستقيم... أو دينَ الديمقراطية وشركها وكفرها وطريقها الأعوج المسدود... حُكمَ الله الواحد القهار... أم حُكمَ الطاغوت...
{قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها...}. {وقلِ الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً...}
{أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمــون * ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)

الجمعة 30 ديسمبر 2011 

تذكير أهل الإنتخابات أنه لا توحيد إلا بتقديم النفي على الإثبات

(لا إله إلا الله)
مقال (1)
كتبه/ أحمد بن محمد الشهاوي
هذه رسالة مختصرة أذكر بها نفسي قبل إخواني ممن يشتغلون بالسياسات الغير شرعية، التي طريقها الديمقراطية المزعومة والإنتخابات البرلمانية، ويسومها بعضهم بالمرحلة التيكتيكية للوصول للأهداف الإستراتيجية. فعلى أية حال فلن أدخل في الخلافات الفرعية، وإن كنت اوافق على الممارسات السياسية بالطرق الشرعية وليست الكفرية. لأن همي هو ألا ننحرف عن الأصول المرعية في توحيد رب البرية في كل أحوالنا التكتيكية أو الإستراتيجية.
فكما أنه لا تمكين إلا بالتوحيد ، فإنه لا حرب ولا تكتيك مع الأعداء إلا بالتوحيد. فقد قال تعالى ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأؤلئك هم الفاسقون)ً) النور:آية55 .
فتحقيق التوحيد الذي هو عبادة الله وعدم الإشراك به، الذي هو الطريق الوحيد للإيمان بالله والعمل الصالح ، هو الطريق الوحيد للإستخلاف في الأرض . وهذا باختصار شديد هو حقيقة معني كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) ، التي هي أربعة كلمات يتقدم فيها النفي بكلمتين عن الإثبات،( لا إله) كلمتي نفي تتقدم عن( إلا الله) كلمتي الإثبات! فتأمل النفي وتدبره في القرآن والسنة في مثل قوله تعالى( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) فما تقديم النفي إلا لتطهير الجنان والأركان قبل زراعة شجرة الإيمان. فتدبر رحمك الله!

(لا إله إلا الله)
(لا إله) تنفي في الدين كله أربعة أشياء : ( الطواغيت والأرباب و الأنداد والآلهة)
والنفي هو البراءة و الكراهية والبغضاء والعداء بالقلب واللسان والأفعال)
1-( لا إله) تنفي الطواغيت:
والطاغوت هوكل من تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع أو كل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت؛
فقد قال تعالي( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) البقرة:آية200 والعروة الوثقي هي لا إله إلا الله، والكفر بالطاغوت هو تحقيق شق النفي فيها وهو (فمن يكفر بالطاغوت) الذي سبق شق الإثبات (ويؤمن بالله) .
وقال تعالى( الله ولي الذين أمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور والذين كفروا أوليائهم الظاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة:آية257 .
وقال تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت و يقولون للذين كفروا آهؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)النساء: آية51 .
وقال تعالى(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلاً بعيدا)النساء:آية 60 .
وقال تعالى ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا)النساء آية 76.
وقال تعالى ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أؤلئك شرمكاناًً وأضل عن سواء السبيل)المائدة آية60 . فهل علم البرلمانيون الشعب في برامجهم الكفر بالطاغوت؟ أم علموهم طاعة الطواغيت؟!
2- ( لا إله) تنفي الأرباب :
و الرب الباطل، هو كل متشرع من دون الله يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله فقد نصب نفسه رباً باطلاً على الناس. وكل من أطاعه وقبل منه هذا التشريع الباطل فقد اتخذه رباً من دون الله.
فقد قال تعالى ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بانا مسلمون) آل عمران 64 .
وقال تعال(ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) آل عمران 80
و قد قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا سبحانه وتعالى عما يشركون) التوبة31 .
و قد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الرب لعدي ابن حاتم في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه ( أن عدي بن حاتم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتلوا قوله تعالى : أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم .....الآية) فقال عدي لم نعبدهم ( يقصدأنهم لم يصلوا للأحبار ولا للرهبان) ولم يعبدوهم ؛ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال، فاتبعتموهم ؟ قال بلى! فقال ،فتلك عبادتكم إياهم !).
فهل قال البرلمانيون للمنتخبين أن الله هو المشرع الشارع المطلق الذي لا يشاركه أحد في التشريع و أن سنة النبي ما هي إلا وحي يوحى إليه و أن القوانين والدساتير الوضعية الأرضية البشرية ما هي إلا شرائع كفرية أرضية؟ و هل قال البرلمانيون للنصارى تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله كما قالها النبي الكريم؟!
3- ( لا إله) تنفي الأنداد:
و الند هو كل محبوب أحببته حباً مساوياً أو أشد حباً من حب الله ورسوله، والند المحبوب بهذه الطريقة يجذب صاحبه بعيداً عن دين الإسلام تماماً . و الأنداد كثيرة و محبوبة بالفطرة ومجبول البشر على حبها . فلو طغى هذا الحب على حب الله وحب شرعه أو تساوى معه لكان باطلاً وكفراً.
فقد قال تعالى( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله) البقرة 165 .
وقال تعالى ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) البقرة 22 .
وقال تعالي(وجعلوا لله أندادا ليضلواعن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) ابراهيم 30
وقال تعالى (و قال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا و أسروا الندامة لما رأوا العذاب) سبأ33
وقال تعالى ( وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار)الزمر 8
وقال تعالى(قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين)فصلت 9 .
و إن كان أصل اتخاذ الأنداد هو مساواة المخلوق في الحب أو زيادته عن حب الله ورسوله فأعلم أن المحبوبات كثيرة وأخطرها ثمانية محبوبات إلى النفس بالفطرة.
كما في قوله تعالى( قل أن كان ءابائكم و أبنائكم و إخوانكم وازواجكم وعشيرتكم وأموال أقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله
فتربصوا حتى يآتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)التوبة24 . فإن كان لا ينبغي مساواة حب هذه المحبوبات المحبوبة إلى النفس بالفطرة و المحللة شرعاً، بحب الله ورسوله والجهاد في سبيله ، فما بالك بحب من يحب الكفر والكافرين والفسق والفاسقين والطغاة المفسدين وحب الليبرالية والليبرالين والديمقراطية والديمقراطيين و العلمانية والعلمانيين و القبور والقبوريين أكثر من حب الله ورسوله وشريعته والذين آمنوا؟!!! فهل علمتم أيها البرلمانيون المنتخبون حقيقة الأنداد وونفيها والبراءة منها بالقلب والقول والأعمال؟!
4- ( لا إله ) تنفي الآلهة :
و الإله الباطل هو كل من تلجأ إليه من المخلوقين ،محبة وتعظيماً وخوفاً وتوقيراً، طلباً لرفع ضر أو جلب خير ونفع، فيما لا يقدر عليه إلا الله الخالق البارئ؛ كطلب الشفاء والعافية ورفع الضر من المخلوق السبب المباح كالطبيب، او المخلوق السبب المحرم كالساحر، او المخلوق الضعيف أو الميت حتى لو كان ولياً، أو طلب الشفاعة من المخلوق بغير إذن الله و لو كانت من صديقاً نبياً.
فقد قال تعالى ( وأتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشوراً) الفرقان3 .
وقال تعالى(ءأتخذ من دونه آلهة! إن يردن الرحمن بضرلا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولاينقذون)يس23
وقال تعالى( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) يس 74 .
وقال تعالى ( أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ،لا يستطيعون نصرأنفسهم ولا هم منا يصحبون) الأنبياء 43
فتأمل رحمك الله حقيقة الإله الحق والألهة الباطلة المزعومة من الاولياء والقبور والطواغيت وعبادهم!1
فهل وضع البرلمانيون منهج لنفي الإلهية الباطلة عن غير الله والبراءة منها في برامجهم ؟ أم انهم مداهنون و موالون لأهلها ؟!!
فأخشى ما اخشاه أن يستمر البرلمانيون السياسيون الإسلاميون في مداهنتهم لكل من لم يحقق البراءة في الشق الأول من كلمة التوحيد من الليبراليين والعلمانيين والصوفيين، و يعلنون البراءة من أهل التوحيد المخالفين لهم من دعاة أهل السنة والجماعة ممن هم على ثغور الدعوة والجهاد!!
ولنا لقاء في المقال (2)القادم لنكمل الركن الثاني من أركان كلمة التوحيد وهو الإثبات( إلا الله)
كتبه
المولع بالتوحيد
أحمد بن محمد الشهاوي

الجمعة 30 ديسمبر 2011

الأحزاب الإسلامية إدعت التدرج في تحكيم الشريعة فتدرجت في تشريع العلمانية .

الحمد لله معز الإسلام بنصرهمذل الشرك بقهره مصرف الأمور بأمره ،
ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام دولا بعدله ، والصلاة
والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه أما بعد :-

مُنذ عشرات السنين والأحزاب الإسلامية تُمَنينا بتحكيم
الشريعة عن طريق الإحتكام للشعب وأن هذا هو خيارهم الوحيد
لأنهم مستضعفون .
فكانوا إما واهمون وإما مراوغون يخدعون عوام المسلمون
وأجيالهم القادمة كي يسيطروا على عقولهم ولا يتركوا لهم
حق الإختيار فحدثت عدة تجارب هي :-

تجربة الجزائر

هذه التجربة كانت من أكثر التجارب صدقاً في نوايا القائمين عليها
نحسبهم والله حسيبهم لتحكيم الشريعة وهذا ما أدركه أعداء الله
وشريعتة فانقلبوا عليهم وأعملوا فيهم قتلاً وتشريداً
فأدرك أصحاب هذا المنهج أن الشعب ضعيف ولا يستطيع
الدفاع عن خيارته وأن الحق في تحكيم الشريعة لا يوهب
وإنما ينتزع من أعداء الله إنتزاعاً فحملوا السلاح كي يقاتلوا من
أجل إستردرد الحق المسلوب فأول من تبرأ منهم إخوة المنهج .
وكان أهون على من إدعى إخوتهم إسقاطهم كي لا يضطر لإسقاط المنهج الذي أثبت فشله في الجزائر بالرغم من صدق نوايا
القائمين عليه نحسبهم والله حسيبهم .

تجربة غزة

خاضت حماس إنتخابات بإسم الجهاد والإسلام وبعدما وصلت للسلطة
قامت بقتل المجاهدين ومهادنة أعداء الدين من يهود وصليبيين
فبدل أن تتدرج في تحكيم الشريعة تدرجت في التنازلات عن تحكيم الشريعة وأُخوة الإسلام وهذا ما تلمسه في تصريحات الكثير من قادتها السياسيين وأفعال قادتها الميدانيين فتجدهم أشداء على المؤمنين أذلاء للصليبيين, اليهود والصفويين ولن ننسى عملائهم كالأخ الرئيس وطواغيت العرب .

تجربة تونس

فاز حزب النهضة الإسلامي وأنتخبه الشعب بعاطفته الإسلامية
فما كان منه إلا أن تحالف مع أحزاب علمانية وأستقدم رئيس حكومة علماني من فرنسا فضلاً عن تصريحات الغنوشي التي نقلتها صحيفة " تايمز" البريطانية الجمعة، إنه إذا تولت النهضة السلطة في تونس فإنها لن تمنع الخمور أو النساء من ارتداء البكيني في الشواطئ.


تجربة مصر

بعد أن سقط النظام السياسي في مصر وسيطر النظام الإقتصادي والعسكري أصبح الإسلاميون وحتى الجهاديون منهم الذين قبعوا عشرات السنين في السجون هناك يتدرجون في الوصول للعلمانية
بتصريحاتهم من أجل أن يقبلهم اليهود والنصارى والمرتدين .

الأحزاب الإسلامية

أصبحت الأحزاب الإسلامية مطلباً أمنياً يُراد منه إحتواء شباب الأُمة الإسلامية الثائر كي يعملوا في أُطر حزبية تحت أعين الأجهزة الأمنية وبذلك لا يفقدون السيطرة .

أسامة النرجسي

الثورة بين السلاح وداء استوكهولم

الكاتب : أبو المنذر الشنقيطي
تاريخ الإضافة: 2011-12-24

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

يقولون عن "داء استوكهولم" أنه يعني تعلق الضحية بالجلاد وتعاطفها معه ..

وقد رأينا أعراض هذا المرض بارزة في الأمة ومنتشرة بين المسلمين بشكل عام وجموع الثائرين بشكل خاص.

وقد ظهرت تلك الأعراض في عدة مواقف وتجلت في الكثير من الأزمات ..

ظهرت في إصرار الكثير من الثوار على تمسكهم بشعار سلمية الثورة مع تعرضهم للمذابح المستمرة والمجازر الوحشية من طرف هذه الأنظمة وجنودها.

حتى إن الثوار في اليمن يتركون أسلحتهم في البيوت ويخرجون إلى الشارع فيتلقون رصاص النظام بصدور عارية!

لم قاموا إذن بجمع السلاح طيلة السنوات الماضية ؟!

قالوا بأن الشعب اليميني شعب مسلح وأن تداول بيع السلاح مثل تداول بيع قطع الحلوى وأن لكل قبيلة سلاحها الخاص وربما كان لها دبابات ومدافع ..

فهل كدسوا هذا السلاح لبأس أعظم من بأس الطاغية على صالح ؟

أم أن الشاعر أحمد مطر عناهم بقوله :

لملم عباس ذخيرته والمتراس ،
ومضى يصقل سيفه ،
عبر اللص إليه، وحل ببيته ،
(أصبح ضيفه)
قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سيفه ،
صرخت زوجة عباس : " أبناؤك قتلى، عباس ،
ضيفك راودني، عباس ،
قم أنقذني يا عباس" ،
عباس ــ اليقظ الحساس ــ منتبه لم يسمع شيئا ،
(زوجته تغتاب الناس)
صرخت زوجته : "عباس، الضيف سيسرق نعجتنا" ،
قلب عباس القرطاس، ضرب الأخماس بأسداس ،
أرسل برقية تهديد ،
فلمن تصقل سيفك يا عباس" ؟"
( لوقت الشدة)
إذا، اصقل سيفك يا عباس .

***


وظهرت في تعامل الثوار مع القوات التي تواجههم وتبطش بهم ومن القصص التي سمعناها عن الثوار في مصر أن بعضهم كانوا يقدمون وجبات الطعام إلى هؤلاء الجند الذين يضربونهم ويقتلونهم !

وأن بعضهم قاموا بتأمين بعض الجنود وأخرجوهم من مكان كانوا محاصرين فيه فجازاهم أولئك الجنود بجزاء سنمار وأردوهم بين قتيل وجريح !

***


وظهرت في تأسف الكثير من الناس على الطريقة التي قتل بها الطاغية القذافي واستنكارهم لعرض جثمانه وقولهم بأنه كان من حقه أن يحاكم ويقتل قتلة شريفة ..

ونسي أولئك كل ما قام به هذا الطاغية من مجازر وحشية لآلاف مؤلفة دون أي محاكمة أو توجيه تهم ونسوا أنه هو من تفنن في القتل والتعذيب وانتهاك حرمة القتلى ..

أيكون من الظلم أن يعامل قصاصا بما فعله بضحية واحدة من ألوف الضحايا ؟

كلا .. ولو كان له ألوف من الأنفس لكان من العدل أن يقتل ألوف المرات دون أي محاكمات.

***


وظهرت في التأول لجند طواغيت الردة واعتبارهم مكرهين ومضطرين ومعذورين لأنهم إن لم يقوموا بمهمتهم الإجرامية "ذاق العيال مرارة الحرمان" كما قال الشاعر السجين وهو يطري (!) سجّانه :
والصمت يقطعه رنين سلاسل ٍ............ عبثت بهن أصابع السجان
ما بين آونة تمر وأختها....................... يرنو إلي بمقلتي شيطان
من كوة بالباب يرقب صيده................... ويعود في أمن إلى الدوران
أنا لا أحس بأي حقد نحوه................ ماذا جنى فتمسه أضغاني؟
هو طيب الأخلاق مثلك يا أبي ...........لم يبد في ظمأ إلى العدوان
فلربما وهو المروِّع سحنة.................. لو كان مثلي شاعراً لرثاني
أو عاد من يدري إلى أولاده.................. يوماً تذكر صورتي فبكاني
لكنه إن نام عني لحظةً...................:... ذاق العيالُ مرارة الحرمان


ويتناسى هؤلاء الذين عذروا جند الطاغوت بأنه كان عليهم أيضا أن يعذروا جند فرعون الذين قال الله تعالى في شأنهم : {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} ..

فلماذا لم يعذر الله تعالى جند فرعون وهامان ؟

ويتناسى من يعذر هؤلاء الجند أنه تقرر في القواعد الفقهية أن : (الاضطرار لا يبطل حق الغير) أي أن الضرورة لا تبيح الاعتداء على حقوق الآخرين أو النيل منها، وقد قال تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}.

وقال تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ولا شك أن المتعدي على حقوق الآخرين متجانف للإثم ومتعد وباغ فلا رخصة له في تلك الضرورة .

كما أجمع أهل العلم على أن من أكره على قتل مسلم لم يجز له قتله ولا تبيح له الضرورة الاعتداء على نفس غيره طلبا لسلامة نفسه .

قال القرطبي :

(أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الاقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.) تفسير القرطبي - (10 / 183).

ولا يجوز للمسلم أن ينضم إلى أي جيش يقاتل المسلمين ويعتدي عليهم وإن أكره على ذلك لقوله تعالى : { قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم .... } الآية، فقد نزلت هذه الآيات في المسلمين الذين لم يهاجروا وتخلفوا في مكة، فأكرههم المشركون على أن يقاتلوا معهم ضد المسلمين في معركة بدر فنزلت الآية تُبيّن عدم عذرهم، وإن مأواهم جهنم.

وحتى لو أكره شخص على الاعتداء على حقوق غيره فإن حق المعتدى عليه لا يسقط بهذا الاكراه بل يتعين على هذا المكره ضمان ما اعتدى عليه من حق غيره، كما قال في النظم :
والإثم والضمان يسقطان بالجهل والإكراه والنسيان
إن كان ذا في حق مولانا ولا تسقط ضمانا في حقوق للملا


***


وهذا المرض إن استشرى في البشر فلن يقاد من ظالم ولن ينصف مظلوم !

فمن الإجرام أن يعذر أهل الإجرام بحجة أنهم ضحية لملابسات وظروف دفعت بهم إلى ارتكاب الجريمة .

وهو يعني تشجيع الظالم على ظلمه ومكافأته على عدوانه وإجرامه ..

كما قال الشاعر :
أحسنوا العفو والتجاوز حتى مهدوا حرمة لأهل الجرائم


وهذا هو الداء الذي يعاني منه القانون الجنائي الغربي ..داء الشفقة على المجرم واعتباره ضحية !

يقول الشيخ محمد قطب :

(وتمتد هذه النظرة إلى الجريمة والعقاب، فتعطف هذه الدول على المجرم عطفاً بالغاً، وتدللـه باعتباره ضحية أوضاع فاسدة أو عقد نفسية أو اضطرابات عصبية لم يكن يملك التغلب عليها، ومن ثم تحاول تخفيف العقوبة عنه بقدر الإمكان، وتظل تخففها في الجرائم الخلقية خاصة حتى تكاد تخرج بها من دائرة العقاب.

وهنا يتدخل علم النفس التحليلي ليبرر الجريمة.

وقد كان فرويد بطل هذا الانقلاب التاريخي في النظر إلى المجرم على انه ضحية العقد الجنسية التي تنتج من كبت المجتمع والأخلاق والدين والتقاليد للطاقة الجنسية التي يجب أن تجد منصرفها الطليق! ثم تبعته مدارس التحليل النفسي سواء اعترفت مثله بأن الطاقة الجنسية هي مركز الحياة أم لم تعترف. والمجرم في نظرها جميعاً مخلوق سلبي لا يملك أمره من تأثير البيئة العامة والظروف الخاصة التي نشأ فيها وهو طفل صغير. فهم يؤمنون بما نسميه " الجبرية النفسية " أي أن الإنسان لا إرادة له ولا تصرف في الطاقة النفسية التي تتصرف بطرقة جبرية.) شبهات حول الإسلام - (1 / 135)

نعم إنه داء يفضي إلى النتيجة التي توصل إليها الجبرية عندما عذروا كل معتد أثيم لكونه مسيرا بالمشيئة الإلهية ..

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد عليهم :
وهبك كففت اللوم عن كل كافر.................... وكل غوي خارج عن محبة
فيلزمك الإعراض عن كل ظالم........ على الناس في نفس، ومال، وحرمة
ولا تغضبن يوما على سافك دما................... ولا سارق مالا لصاحب فاقة
ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ...................ولا ناكح فرجا على وجه غية
ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ولا............. مفسد في الأرض في كل وجهة
ولا شاهد بالزور إفكا وفرية............................... ولا قاذف للمحصنات بزنية
ولا مهلك للحرث والنسل عامدا........................ ولا حاكم للعالمين برشوة
وكف لسان اللوم عن كل مفسد...................... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة
وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى.................. من الأنبياء محييا للشريعة
على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا .........ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة
وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل................. فعال ردى، طردا لهذي المقيسة
فهل يمكن رفع الملام جميعه.................... عن الناس طرا عند كل قبيحة ؟
وترك عقوبات الذين قد اعتدوا..................... وترك الورى الإنصاف بين الرعية
فلا تُضمنن نفس ومال بمثله........................ ولا يُعقبن عاد بمثل الجريمة
وهل في عقول الناس أو في طباعهم .........قبول لقول النذل ما وجه حيلتي؟
وقول حليف الشر إني مقدر علي..................... كقول الذئب هذي طبيعتي


***


البعض يحاول أن يجعل من هذا الداء قيمة أخلاقية ملائكية رفيعة تسموا بصاحبها عن خلق الانتقام بما فيه من أحقاد وضغينة .

والحقيقة أن البشر لا يتسامى إلا بتحقيق بشريته، أما محاولة التسلق إلى الأفق الملائكي فهي محاولة عبثية وعرض من أعراض الخلل الفطري على شاكلة من يتعبد لله بترك الزواج!

ولربما أصبح بعض هؤلاء اليوم يرفع شعار : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر!

صحيح أن المسلم مأمور بالعفو ومطالب به ولكن العقوبة والأخذ بالحق لها محل ومقام، والعفو والصفح له محل ومقام .

كما قال الشاعر :
أرى الحلم في بعض المواطن ذلةً وفي بعضها عزاً يسود فاعله


وبيان ذلك أن لله تعالى أمر بالانتصار والأخذ بالحق فقال تعالى في وصف المؤمنين : {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}.

وأمر بالعفو والصفح فقال : {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.

ولا تعارض بين الآيتين بل لكل منهما محله ومقامه .

فالمقام الأول : حين يكون الظلم قائما والظالم متماد في غيه وعدوانه فيجب على المظلوم مواجهته وصد عدوانه ورفع الظلم عن نفسه حسب قدرته لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}.

قال الشوكاني :

({والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ } أي : أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح؛ لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[ المنافقون : 8 ]، فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة . قال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم السفهاء ،) فتح القدير - (6 / 386).

وقال الطاهر ابن عاشور :

(وإنما أثنى الله عليهم بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيها على أن ذلك الانتصار ناشئ على ما أصابهم من البغي فكان كل من السبب والمسبب موجب الثناء لأن الانتصار محمدة دينية إذ هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم مؤمنون، فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم،.) التحرير والتنوير - (25 / 172).

فالعفو عن الظالم لا يحسن إلا بعد الانتصار عليه والقدرة عليه ورفع ظلمه ..

قال البيضاوي :

(والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي ) تفسير البيضاوى ـ (5 / 133).

وهذا كما قال الشاعر :
يستحسن العفو إلا عن منابذة في العفو عنها لركن العز إيهان


وقال في الظلال :

(والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة. فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء. فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجئ ضعفا يخجل ويستحيي، ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى. والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو. فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا. .

وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز. فليس له ثمة وجود. وهو شر يطمع المعتدي ويذل المعتدى عليه، وينشر في الأرض الفساد! «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ») فى ظلال القرآن ـ (5 / 3167)
وبعض الحلم عند الجهــــــ ــــــــل للذلة إذعان
وفي الشر نجاةٌ حيـــ ـــن لا ينجيك إحسان


وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالانتصار وردع الظالم حسما للظلم وقطعا لأسبابه فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه » رواه الترمذي و أبو داود و أحمد.

وقال صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم.) رواه الطبراني في المعجم الكبير.

والانتصار أيضا متعين إن كان الظالم مسلما لوجوب نصرة الظالم المسلم أي منعه من الظلم لما روى البخاري في صحيحه عن أنس، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره.

وعن أبي هريرة قال : (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال أرأيت إن قتلني قال فأنت شهيد قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار) رواه مسلم .

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة من جاء يريد أخذ المال ولم يأمر بالعفو عنه والإعراض عنه وتركه يأخذ المال .

وعن سعيد بن زيد عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال : « من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد ».رواه أبو داود .

وهذا تحريض على التصدي للظالم وعدم الرضوخ له .

والمقام الثاني الذي يندب فيه العغو والصبر يتحدد في صورتين :

الصورة الأولى :

أشار إليها ابن العربي بقوله : (أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } وقوله تعالى : { فمن تصدق به فهو كفارة له } ) أحكام القرآن لابن العربي - (7 / 88).

الصورة الثانية :

أن يكون ذلك في الفتنة كالقتال على العصبية أو القتال الذي لم يعرف سببه ولم يتبين فيه وجه الحق، فقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على الأمر بالصبر وعدم التصدي للظالم في الفتنة.

ومن هذه الأحاديث :

1- حديث أبى ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم، قلت : ما خار الله لي ورسوله، قال عليك بمن أنت منه، قلت : يا رسول الله أفلا آخذ سيفى وأضعه على عاتقى قال : شاركت القوم إذن، قلت : فما تأمرنى ؟ قال : تلزم بيتك، قلت : فإن دخل على بيتى، قال : فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف، فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه ".أخرجه أبو داود وابن ماجه

2- حديث أبى موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسى كافرا، ويمسى مؤمنا، ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشى فيها خير من الساعى، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل بغى على أحد منكم فليكن كخير ابنى آدم " أخرجه أبو داود

3- حديث عبد الله بن خباب قال : سمعت أبي - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : - " تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل" - أخرجه ابن أبي خيثمة. والدارقطني والحديث مداره على رجل من عبد القيس، وهو" مجهول".

وهذه الاحاديث كلها خاصة بالفتنة ولا تعارض بين خاص وعام .

فالنصوص التي تأمر بمواجهة الظالم والنصوص التي تأمر بالعفو والصبر لا تعارض بينها لاختلاف المقام .

وفي ذالك يقول الطاهر ابن عاشور :

(وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} وبين قوله آنفا {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى : 37] تعارض لاختلاف المقامين كما علمت آنفا.) التحرير والتنوير - (25 / 172).

ومن المهم عند الحديث عن العفو معرفة موضعه ومجاله إذ ليس للإنسان ان يعفو إلا عن حق نفسه، وليس له العفو عن حق غيره من الناس، وليس له العفو عن حق الله عز وجل .

فالحدود من حق الله عز وجل ولا يجوز العفو فيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف عن بن جريج قال أخبرني عبد العزيز بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب قال لا عفو عن الحدود عن شيء منها بعد أن يبلغ الإمام فإن إقامتها من السنة .

ومن الحدود التي هي من حق الله حد الحرابة فلا يجوز مع أهل الحرابة عفو ولا صفح ولا مَن.

كما قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة :

(والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به فإن قتل أحدا فلا بد من قتله وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه وكثرة مقامه في فساده فإما قتله أو صلبه ثم قتله أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب).

وذالك لقوله تعالى : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة : 33].

ومن الحدود التي هي من حق الله حد الردة وقد نزلت الآيات السابقة في من جمعوا بين الردة والحرابة من العرنيين.

وقد قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيدي العرنيين وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم ولم يحسمهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا .

ونحن مهما بلغنا من الرحمة والعفو والصفح فلن نكون أرحم من الله عز وجل وهو الرحمن الرحيم وأرحم الراحمين .

وقد حذر الله تعالى عباده من الرحمة واللين عند استيفاء الحدود والحقوق فقال تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور : 2].

قال العلامة السعدي في تفسيره :

(ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب،) تفسير السعدي - (1 / 561).

قال صفي الدين الحلي :
لا تطمعن ذوي الفساد بتركهم، فالنذل تطغى نفسه إذ تكرم
فأقم حدود الله فيهم، إنهم وثقوا بأنك راحم لا تنقم
إن كنت تخشى أن تعد بظالم لهم، فإنك للرعية أظلم
فالحلم في بعض المواطن ذلة، والبغي جرح، والسياسة مرهم
ما رتب الله الحدود، وقصده، في الناس، أن يُرعى المسيءُ ويرحمُ
لو شاء قال دعوا القصاص ولم يقل بل في القصاص لكم حياة تنعم
إن كان تعطيل الحدود لرحمة فالله أرأف بالعباد وأرحم
فاجز المسيء، كما جزاه بفعله واحكم بما قد كان ربك يحكم
عقرت ثمود له قديما ناقة وهو الغني، عن الورى، والمنعم
فأذاقهم سوط العذاب، وإنهم بالرجز يخسف أرضهم ويدمدم
وكذاك خير المرسلين محمد، وهو الذي في حكمه لا يظلم
لما أتوه بعصبة سرقوا له إبلا من الصدقات، وهو مصمم
لم يعف بل قطع الأكف وأرجلا من بعد ما سمل النواظر منهم
ورماهم من بعد ذاك بحرة نار الهواجر فوقها تتضرم
هذي حدود الله من يخلل بها، فجزاؤه، يوم المعاد، جهنم .



أخيرا :

نقول لجمهور المسلمين الثائرين :

إن الطواغيت الذين وصلوا إلى الحكم بالقوة لن يتركوه إلا بالقوة، والحديد لا يفله إلا الحديد، والقتل أنفى للقتل{ولكم في القصاص حياة} .

ولن تصل هذه الثورات إلى نتيجة إلا إذا كان لها قوة تحمى المتظاهرين وتدك عروش الطغاة المجرمين :
وكنت إذا قوم غوزني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
متى تحمل القلب الذكي وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم



لن تنجح الثورات إلا إذا تحول الثوار من متظاهرين عزل مسالمين إلى ثوار مقاتلين مسلحين.

فلن يحميكم من بطش هؤلاء الطواغيت إلا السلاح ..

والتجربة الليبية خير مثال على ذلك .

ولا يفت في عضدكم أن المجاهدين قد خرجوا على هذه الأنظمة منذ سنوات ولم يفض ذلك إلى نتيجة فإن الأيام دول والدهر قلّب وقوي الأمس قد يكون ضعيف اليوم والمنتصر بالأمس قد يكون مهزوما اليوم ..

ومن الخطأ إلقاء السلاح بعد الهزيمة ممن كان مؤمنا بقضيته..

وقد هزم المسلمون في معركة أحد فما ضعفوا وما استكانوا حتى نصرهم الله ودالت الدولة على أعدائهم .

وقد لاحت البشائر بانكسار هؤلاء الطواغيت وقرب زوالهم بعد أن ظهرت مخازيهم وكشفت أستارهم ولم يعد أمرهم خافيا على الأحمق والبليد ..

فالله الله في أمتكم ودينكم ولا تجعلوا من أنفسكم فريسة سهلة لهؤلاء الطواغيت ..

نقول للإخوة في سوريا وفي اليمن التحقوا بركب المجاهدين الذين حملوا السلاح ضد هذه الأنظمة وكونوا لهم عونا ونصيرا .

ونقول للإخوة في مصر واصلوا الاعتصام من أجل إسقاط حكم العسكر، ولا تغفلوا في الوقت نفسه عن إعداد العدة والحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه :
أبو المنذر الشنقيطي
29 ذو الحجة 1432 هـ

منبر التوحيد والجهاد

الـــمــادة الــثــانــيــة فـي مـــيـــزان الإســــلام، حـــقـــائــق مـغــيـبـة !!

بسم الله والحمد لله وحده ؛
والصلاة على من لا نبي بعده ؛
وسلم تسليما كثيرا
ثم أما بعد ؛


فقد كثر الحديث والجدل عن المادة الثانية من الدستور المصري ما بين مدافع عن وجودها وما بين رافض لها وما بين مفسر لها كل على طريقته
وذلك في إطار الحديث عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية وتشكيل الأحزاب وغير ذلك من مظاهر ما يسمى باللعبة الديمقراطية
إذ وجدنا أن كثيرا من الإسلاميين قد استندوا إلى وجود المادة الثانية من الدستور المصري كأساس شرعي لمشاركتهم في المعترك الديمقراطي

ولكن ما يثير العجب هو أن أغلب الإسلاميين في مصر قد بذلوا جهدا ضخما كي لا تلغى هذه المادة ؛ ما بين بيانات ومحاضرات ومؤتمرات وحشد للناس للمشاركة في الاستفتاء .... إلخ

مع أنهم في الوقت ذاته، لم يدرسوا هذه المادة دراسة جيدة من الناحية الدستورية والقانونية، ولم يقفوا على حقيقتها وقوفا متأنيا
ونتج عن ذلك أنهم لم يبينوا للناس حقيقة هذه المادة من الناحية الشرعية
ولم يوضحوا أوجه مخالفتها لشريعة رب العالمين
ولم يظهروا للناس أن مجرد وجودها على هذه الصورة لا يعني تطبيق الشريعة، ولا يعني أن الحكم لله !!

اللهم إلا قليلا منهم ، وحتى هؤلاء فقد اكتفى أكثرهم بكلام مجمل عام، ولم يفصلوا ذلك من الناحية الشريعة والدستورية للناس خاصة المشتغلين منهم بالسياسة

حتى وصل الحال إلى أننا وجدنا أن الأغلبية الساحقة من عوام الناس صاروا يظنون أن وجود هذه المادة يعني أن مصر قد صارت دولة ذات دستور إسلامي !!،
بل وكثير من أبناء الصحوة أنفسهم ، بل وبعض مشايخها صاروا يظنون ذلك أيضا !!

حتى إن أحد كبار المشايخ في مصر قد وصل به الأمر إلى أن مدح المادة الثانية مدحا كبيرا حين قال: (وهذه المادة تمنع وصف المنازعة لله -عز وجل- في الحكم على المجالس التشريعية المصرية، ومعناها أن هذه المجالس لا تملك أن تنازع الله في حكمه، وأن شرع الله - سبحانه وتعالى- إذا ثبت فلا يمكن لأحد منازعته ، كذلك حين يقسم رئيس الدولة ورئيس الوزراء وضباط الجيش والشرطة وأعضاء مجلس الشعب والشورى يقسموا على احترام الدستور الذي ينص على أن حكم الله لا يمكن أن يعارض، فهذا شيء عظيم جدًّا) انتهى كلامه

وقد كان لزاما على العلماء بدلا من ذلك ، أن يدرسوا هذه المادة دراسة جيدة متأنية، ليحيطوا بها من جميع جوانبها الدستورية والقانونية في ضوء الشريعة، ثم يبينوا حقيقة هذه المادة وأوجه مخالفاتها للشريعة الإسلامية بكلام واضح ، حتى ولو طالبوا بإبقائها وعدم إلغاءها

ولذلك فقد كان الهدف من تلك الرسالة هو أمران رئيسيان؛
الأول؛
هو توضيح حقيقة هذه المادة من الناحية الدستورية والقانونية في ضوء الشريعة الإسلامية وذلك من أجل وضع تصور صحيح للمشاركة السياسية (سواء بالمنع أو بالجواز) استنادا إلى وجود هذه المادة ،
خاصة أن كثيرا من فصائل الإسلاميين قد بنوا رؤيتهم في المشاركة في الانتخابات البرلمانية إستنادا إلى وجود المادة الثانية في الدستور


الثاني؛
المساهمة في وضع تصور صحيح لكيفية إصلاح حال هذه المادة بل والدستور ككل بما يتوافق مع الشريعة
وذلك حتى يستطيع الإسلاميون إنشاء دستور إسلامي صحيح لا يخالف أصول الدين،
وحتى يستطيعوا تجنب خداع العلمانيين والليبراليين في هذا المجال،

إذ أن تشخيص الداء الحاصل حاليا هو أول خطوة في العلاج؛ وذلك لأننا لن نستطيع أن نقيم دستورا إسلاميا يرضى المولى جل وعلا، إلا بعد أن نعرف أوجه الخلل في الدساتير المعاصرة حتى نتمكن من علاجها

خاصة أن دخول الإسلاميين إلى العمل البرلماني قد يؤدي مع مرور الوقت إلى نسيان المفاهيم الصحيحة أو التصور الصحيح للدولة الإسلامية !!

وذلك لأن كثرة المساس بالنظام الديمقراطي الغير إسلامي وما يتضمنه من التعرض للضغوط من غير الإسلاميين، قد يخفض من سقف مطالب هؤلاء الإسلاميين من المطالبة بدستور إسلامي حقيقي إلى أن يصلوا إلى القبول بالوضع الحالي مع بعض الإصلاحات الطفيفة فيه والتي لا تجعله نظاما إسلاميا حقيقيا

وقد أشار الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية في الإسكندرية إلى معنى قريب من هذا المعنى حين قال: (نريد أن نعيش والإسلام هو مصدر نظم مجتمعنا، كما أنه مصدر عقيدتنا وعبادتنا، ولكن حتى تأتي هذه اللحظة لابد لنا مِن تقليل الشر والفساد.ومِن ثمَّ فمتى عشنا في دولة مدنية فيجب علينا أن نحاول قدر الإمكان أسلمة ما يمكن منها دون التنازل عن توضيح الصورة الواجبة المطلوبة، وإلا فلو حصلنا على بعض إصلاحات فوصفناها بأنها هي المطلوب شرعًا؛ فسيكون هذا تحريفًا للدين وخيانة للأجيال القادمة).... من مقال [المادة الثانية من الدستور بين التفعيل والتعطيل]ـ


وقبل الدخول في الموضوع وحتى لا يحمل الكلام على غير وجهه، فلابد من التفريق بين أمرين؛

الأمر الأول؛ وهو الآثار المترتبة على وجود المادة الثانية
والأمر الثاني ؛ وهو حقيقة المادة الثانية بذاتها ومدلولاتها الدستورية والقانونية


فبالنسبة للأمر الأول (ألا وهو الآثار المترتبة على وجودها)؛

فلا شك أن هناك بعض الآثار الإيجابية
أو إن شئنا الدقة فلنقل : أنها منعت بعض الآثار السلبية
مثل إصدار قوانين مؤتمر السكان وغيرها

لذلك قد لا ننكر أن وجود المادة الثانية ربما يمنع بعض الآثار السيئة
وبالتالي فوجودها قد يكون أفضل من عدم وجودها من هذا الوجه
وليس هذا هو محل الإشكال

ولكننا ينبغي أيضا ألا ننسى أن وجود المادة الثانية في الدستور على هذه الصورة الخادعة يلبس على عوام الناس دينهم
بل ويلبس أيضا حتى على كثير من أبناء الصحوة أنفسهم
بل والله وعلى بعض المشايخ أيضا كما ذكرنا آنفا !! ؛

إذ يظنون أن الدستور الذي يحكمهم هو دستور إسلامي أو يكاد !! ؛
أو يظنون أن المادة الثانية تتوافق مع الشريعة !! ؛

وهذا كله غير صحيح كما سيتضح لاحقا إن شاء الله



أما بالنسبة للأمر الثاني (الذي هو حقيقة المادة الثانية ذاتها ومدلولاتها) ؛

فلو راجعنا مواد الدستور القديم أو حتى الإعلان الدستوري الجديد نفسه
فسنرى أن المادة الثانية في حد ذاتها وفي إطارها الدستوري والقانوني تخالف أصول الإسلام، ولا قيمة لها بميزان الشريعة الإسلامية

لدرجة أنه يمكننا القول بكل ثقة أن الدساتير التي حكمتنا كلها بما فيها الإعلان الدستوري الحالي نفسه ليست دساتير إسلامية بالمرة

وذلك لعدة أسباب تتعلق إما بصياغتها هي ذاتها
أو بما يحيط بها من باقي مواد الدستور التي تضع المادة الثانية في إطار دستوري وقانوني غير إسلامي أصلا

وليس فقط لأنها (غير مفعـلة) كما يقول البعض
بل الأمر أكبر من ذلك بكثير

*****************
*****************


وإن شاء الله سوف نعرض في هذا المقام 8 مخالفات رئيسية في المادة الثانية وما يحيط بها من مواد الدستور التي تتعلق بها وذلك في ضوء تفسيرات المحكمة الدستورية العليا

وهذه المخالفات إما تتعلق بصياغة المادة ذاتها
وإما بآلية تنفيذها
وإما بنقصان سيادتها على بقية مواد الدستور أو القوانين

مع التنبيه على أن هذه ليست هي كل المخالفات الموجودة
ولكن يمكن القول أنها هي المخالفات الأكبر أو الأشد غموضا فيما يتعلق بالمادة الثانية وحدها
أولا: كلمة (مبادئ الشريعة) !!
ثانيا: كلمة (المصدر الرئيسي) !!
ثالثا: آلية تفعيلها هي آلية غير إسلامية
رابعا: لا سيادة للمادة الثانية على بقية مواد الدستور
خامسا: لا سيادة للمادة الثانية على القوانين الصادرة قبلها
سادسا: مجلس الشعب له السيادة على المادة الثانية بموجب الدستور
سابعا: الأساس الذي بنيت عليه هو اختيار الشعب لا حكم الله
ثامنا: لا أهلية شرعية للقائمين على تفسيرها وتفعيلها


***********
***********

نص المادة الثانية ؛
تقول المادة الثانية : (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)ـ
***********
***********
أولا: كلمة (مبادئ الشريعة) !! ؛
أصبح كثير من العلمانيين يستخدمون مصطلحات براقة جذابة يخدعون بها الناس
مستغلين عدم معرفة عوام المسلمين بالمعاني الحقيقية لهذه المصطلحات

ومن أشهر تلك المصطلحات هو مصطلح (مبادئ الشريعة)
فما الذي يقصدونه من هذا المصطلح ؟؟
إن كلمة (مبادئ الشريعة) ليس مقصودا بها أحكام الشريعة !! ؛
بل قيل في تفسيرها معنيان؛

المعنى الأول؛
هو أن المقصود بها هو مجرد المبادئ العامة فقط !! ؛

مثـل ؛
مـبـدأ : العدالة
ومبدأ : لا ضرر ولا ضرار
ومبدأ : حفظ النفس والمال
ومبدأ : عدم الإكراه في الدين

وليس المقصود (أحكام) الشريعة نفسها

وهذا هو قول المستشار السنهوري الذي وضع كثيرا من الدساتير العربية
وكذلك المستشارة تهاني الجبالي حيث تقول: (كما أنها (أى مبادئ الشريعة الإسلامية) تعد مصدرا باعتبارها أكثر تحديدا من المبادئ المستمدة من القانون الطبيعى وقواعد العدالة التى لا تصلح للتطبيق المباشر، ذلك لكون (مبادئ الشريعة الإسلامي) تحتوى أيضا المبادئ الشرعية الكلية (جوامع الكلم الفقهية) التى استنبطها الفقه من الأصول وشهد بصدقها الفروع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن «شكل العقد يحكمه قانون محل حصوله»، أو «أن الغش يفسد كل شيء» ، أو «الغرم بالغنم»، أو «لا ضرر ولا ضرار»… إلخ.)ـ من مقال في جريدة التحرير بعنوان [قصة المادة الثانية من الدستور؟]ـ

وأكبر دليل عملي على ذلك هو أن أغلب أحكام الشريعة ليست مطبقة فعلا
لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في القانون المدني ولا في العقوبات الجنائية ولا في القوانين العسكرية


أما المعنى الثاني؛
فهو الذي يُـفـهـم من تفسير المحكمة الدستورية لكلمة (مبادئ الشريعة)ـ
وهو يقصر مبادئ الشريعة على الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة فقط

حيث ورد في نص حكم المحكمة الدستورية قولها: (فلا يجوز لنص تشريعى، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً)ـ

وهذا يعني تحايلا على أجزاء ضخمة من الشريعة والالتفاف حولها، بحجة أنها أمور اجتهادية ليست قطعية

إذ أنه يعني الالتفاف على أغلب آيات القرآن لأنها غير قطعية الدلالة ، وكذلك على كثير من الأحاديث غير قطعية الثبوت أو غير قطعية الدلالة وهي تشكل غالبية الأحاديث، بل ويعني التفافا على القياس والاجتهاد بل وربما إجماع أهل السنة بنفس تلك الحجج
إلى غير ذلك من مصادر التشريع في الإسلام

وهذا التحايل والالتفاف لا يتم بصورة مباشرة واضحة، بل بطريقة ملتوية ماكرة
إذ يتم عن طريق تفسير هذه الآيات والأحاديث على حسب الأهواء، بما يجعلها لا تتعارض مع باقي مواد الدستور التي تخالف الإسلام أصلا، وبما لا يجعلها تمنع التشريعات المخالفة لها على هيئة قوانين تحت ذريعة أن هذه الآيات أو الأحاديث قابلة للاجتهاد وليست قطعية المعنى!!ـ

والاجتهاد الذي يقصدونه لا يُطبق بالأصول الشرعية الضابطة للاجتهاد على حسب أصول أهل السنة، بل هو اجتهاد بما لا يتعارض مع المبادئ الدستورية الوضعية كما سنبين الآن

فقد تكلم المستشار عبد الرزاق السنهوري الذي وضع غالب دساتير وقوانين الدول العربية فقال ما نصه: (كيف نفسر النصوص التي استقيت من الشريعة الإسـلامية، وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً، ونبين في إيجاز كيف تفسر النصوص المستمدة من الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً تاريخياً وباعتبارها مصدراً رسمياً .
الأمر الأول: هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي، فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها، ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة ، بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفي في جملته، ولعلنا نذهب إلى مدىً أبعد فنقول: إنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة، فهناك مذاهب أخرى كمذهب الزيدية، ومذهب الإمامية، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد .
والأمر الثاني: هو أن يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم في الحكم الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ، حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه)ـ[الوسيط في القانون المدني للسنهوري 1 / 48 - 49]ـ
كما ورد في نص حكم المحكمة الدستورية قولها: (ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملائمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا)ـ

وهذا وحده كفيل بأن يفرغ المادة الثانية من مضمونها
لأنه يعني تفريغا للشريعة من أغلب مصادر التشريع فيها بطريقة ملتوية وخبيثة
وذلك عن طريق البحث عن الأقوال الشاذة من جميع المذاهب بما فيها مذاهب الفرق الضالة أصلا مثل الروافض الإمامية كما ذكر السنهوري
ثم بأن يؤخذ من هذه المذاهب ما يتناسب مع بقية مواد الدستور الوضعية التي تخالف الشريعة أصلا مثل؛ سيادة الشعب والمدنية والمواطنة وحرية الاعتقاد وغيرها

وهذه بعض أقوال العلماء فيمن يتتبع الرخص ؛قال إسماعيل القاضي: (ما من عالم إلا وله زلة ، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه)ـوقال سليمان التيمي: (إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)ـ
وقال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام)ـ
وقال الشاطبي: (فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع، وأخر ما قدمه)ـ

إذا كان هذا كلام العلماء هذا كان فيمن يتتبع الرخص من أجل هواه أو ليبرر لنفسه الوقوع في بعض المحرمات ، فما بالنا فيمن يتتبع الرخص ليتوافق مع مبادئ الدستور الوضعي المخالفة لأصول الإسلام أصلا ... ؟؟

ولذلك فلا نستغرب أن يفرح كثير من العلمانيين بتفسير المحكمة الدستورية ويستندون إليه في كلامهم
ومن هؤلاء الفقيه الدستوري يحيى الجمل المشهور بعداوته للإسلاميين وبعلمانيته الواضحة والذي قال: (شوف الحكم بتاع المحكمة الدستورية رائع، حكم المحكمة الدستورية قال المادة الثانية بتتكلم عن مبادئ الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ديه بقي قضية طويلة وعريضة، أنا عاوز أقول لإخوانا بتوع الفقة يجيوا نقعد مع بعض ونشوف أيه هيا المبادئ قطعية الثبوت قطعية الدلالة في غير العبادات، العبادات كلها قطعية الثبوت قطعية الدلالة .... المبادئ قطعية الثبوت والدلالة محدودة جدا جدا في كل الشرائع الإنسانية من أيام حمورابي وجوستنيان واللي أحنا فيه)ـ في إحدى البرامج على"قناة التحرير"ـ

وكذلك المستشار أحمد عبده حيث قال: (أنا كرجل قانون أفسر المادة الثانية من الدستور كي لا يصرخ بعض الناس في اتجاه إلغاءها، أو في اتجاه بقائها، المادة الثانية من الدستور جميلة جدا لا تزعج أحد لا المسلمين ولا أي ملة أخرى، تقول أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، هناك فرق بين بين "مبادئ الشريعة الإسلامية" و "أحكام الشريعة الإسلامية" لو "أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي" سنرى من سنقطع يده ومن سيجلد ومن سنرجمه ومن سنقتله لكن "مبادئ الشريعة الإسلامية" نقصد بها الأخلاق)ـ في برنامج "أنا المصري" بتاريخ 7/2011م

وكذلك المسشارة تهاني الجبالي حيث تقول: (أن المشروع الدستورى أورد تعبير (مبادئ الشريعة الإسلامية) لا أحكام الشريعة الإسلامية، ولو قصد النص على أحكام الشريعة لما أعجزه التصريح بذلك فى النص، وهو ما يعنى الإحالة للمبادئ العليا وحدها)ـ من مقال في جريدة التحرير بعنوان [قصة المادة الثانية من الدستور؟]ـ


وكذلك د.عمرو حمزاوي في حواره مع الإعلامي عمرو أديب
حين قال حمزاوي: ((هل في تعارض بين القوانين المصرية والمبادئ الشريعة الاسلامية؟ شاورولي على قانون مصري واحد بيعارض مبادئ الشريعة الإسلامية))؛
فقال الإعلامي / عمرو أديب: (بس أحنا في مصر مبنقطعش يد السارق)؛
فرد حمزاوي قائلا: ((لا نتحدث عن أحكام الشريعة إحنا بنتكلم عن مبادئ الشريعة!! هل في تعارض بين القوانين الوضعية المصرية وبين المبادئ الشريعة الإسلامية ؟ يجاوبوا على السؤال !))ـ

وكذلك أيضا الدكتور مصطفى الفقي كما في جريدة "جريدة المصريون" بتاريخ 18/ 3 /2007 م حيث قالت: (أيد الفقي التمسك بالمادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وقال إن الحكومة لا تقبل أي جدال حولها وأن هذا يرجع لأسباب غير دينية لأنها ليست مادة دينية. وأكد الفقي أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر استلهام تشريعي في العالم كله باعتراف غير معتنقيها، مشيرًا إلى أن القائد الفرنسي نابليون بونابرت أخذ عنها وأن مرجعيات أوروبية عديدة وكذا الأمم المتحدة تعترف بها، موضحًا أن الدستور يتكلم عن مبادئ الشريعة وليس أحكام الشريعة)ـ

بل وقد اعترف بعض الإسلاميين بهذه الحقيقة ضمنيا مثل الدكتور « محمد سعد الكتاتني » ، وكيل مؤسسي حزب «الحرية والعدالة» والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين
حيث قال في حواره لـ«المصري اليوم» بتاريخ 25/02/2011: (نحن نقول فيما يخص موضوع تطبيق الحدود، إننا مع كل ما هو موجود في الدستور المصري وملتزمون به، ونحن مع مبادئ الشريعة الإسلامية المتوافقة مع الدستور المصري، ونحن لا ندعو إلى تغيير الدستور الحالي، لأن هناك فرقاً بين مبادئ الشريعة الإسلامية وبين الفقه)ـ


ولكن الأمر الغريب حقًا هو فرح بعض الإسلاميين بحكم المحكمة الدستورية

أما الله الملك الحق سبحانه وتعالى فقال:ـ{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون}ـ[سورة الجاثية : 18]ـ
ولم يقل على مبادئ الشريعة !!
ومن أحسن من الله قيلا ؟


ثانيا: كلمة (المصدر الرئيسي) !! ؛
كلمة المصدر (الرئيسي) من الناحية اللغوية والدستورية تعني أن يكون هناك مصادر فرعية أخرى للتشريع بجانب مبادئ الشريعة الإسلامية
يقول المستشار حامد الجمل: (قلنا : والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ولم نقل أنها المصدر الوحيد، وكان التيار الإسلامى يرغب فى أن تكون الصياغة " والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع" وهذا الكلام غير ممكن فى دولة قانونية، والرئيس السادات رفض ذلك)ــ[جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011]ـ

فإذا علمنا أن التشريع إنما هو حق لله وحده
فهل يصح مثلا أن يقول قائل: لا حكم رئيسي إلا لله !!؟؟
وهل يصح أن نرجع إلى حكم الله في بعض القضايا دون بعض ؟
قال تعالى:ـ{ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير}،
والله يقول:ـ{ولا يشرك في حكمه أحدا}ـ[الكهف: 26]؛
وفي قراءة ابن عامر من السبعة:ـ{ولا تشرك في حكمه أحدا}ـ
قال تعالى:ـ{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ـ[يوسف 40]ـوقال تعالى:ـ{أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}ـ[الشورى]ـ

وقد يحتج البعض بأن تفسير المحكمة الدستورية قال بأن وجود مصادر فرعية يشترط عدم مخالفتها للمصدر الرئيسي

والرد ؛
أن هذا المصدر الرئيسي نفسه ليس هو الشريعة نفسها إنما مبادئها العامة فقط، وبالتالي فكلمة (الرئيسي) هذه تعطي الحق لمجلس الشعب في أن يأتي بالقوانين الوضعية الغربية كالقانون الفرنسي مثلا، حتى ولو خالفت نصوص الشريعة غير قطعية الثبوت أو غير قطعية الدلالة أو إجماع السلف أو أصول الاجتهاد

ثم إن مصادر الشريعة أصلا لا تحتاج إلى مصادر أخرى مستقلة
إذ أن الشريعة ذاتها تقرر كيفية الاستفادة من قوانين الحضارات الأخرى بما لا يخالف أحكامها،
إذن فالشريعة نفسها تحتوي جميع مصادر التشريع التي نحتاجها، بما فيها كيفية الاستفادة من الحضارات الأخرى
فما الحاجة لكلمة (الرئيسي) إذا ؟؟!!

ثم، حتى لو فرضنا جدلا أنه لا إشكال في المعنى الدستوري لهذه الكلمة،
فلماذا نأتي بلفظ يعطي إيحاءً لغويا بوجود مشرع آخر مع الله ؟
إننا مأمورون شرعا أن نسد جميع الذرائع المؤدية إلى التحاكم إلى غير الله حتى ولو كانت لفظية فقط
فما بالنا وهي ليست لفظية فقط ، بل قانونية ودستورية أيضا ؟


والسؤال الأهم من هذا وذا؛
ما الذي يضمن أنه لن يأتي من قضاة المحكمة الدستورية من يحمل نفس هذا اللفظ على معنى غير صحيح كما هو حاصل حاليا فعلا ؟
خاصة أن تفسير ذلك يخضع لأهواء قضاة المحكمة الدستورية، دون ضابط من قرآن أو سنة


ثالثا: آلية تفعيلها هي آلية غير إسلامية؛
لأن مجلس الشعب هو المخاطب بهذه المادة وفقا لتفسير المحكمة الدستورية العليا؛
وذلك يعني أنه يُـشـتـرط موافقة (مجلس الشعب) أولا على أي قانون قبل إصداره

بل وألا تصدر القوانين إن صدرت إلا باسم الشعب !! ، كما ورد في المادة (٧٢) في دستور عام 1971؛ والتي تقول : (تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب) !! ؛

وكما ورد في المـادة (24) في الإعلان الدستوري الجديد 2011 ؛ والتي تقول أيضا : (تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب) ؛
وليس باسم الله رب العالمين !!
يقول المستشار حامد الجمل: (وأقول أن مبادئ الشريعة لا تدخل مباشرة فى التطبيق القضائي، ولكنها تدخل فى القانون الوضعي)ـ
ويقول أيضا: (وهناك مسألة مهمة ترتكز على أن الشريعة الإسلامية لا تطبق بقوة نصوص الدستور، ولكن تطبق بإرادة المشرع المصري)ــ[جريدة "الأهرام اليوم"الجمعة 1 ابريل 2011]ـ
أي أن (مبادئ الشريعة) لا تصاغ على هيئة قوانين إلا بعد عرضها للتصويت على ممثلي الشعب أولا
ومن حقهم بعد ذلك أن يوافقوا أو ألا يوافقوا طبقا لرأي الأغلبية
فإن وافقوا، فلا تصدر هذه القوانين إلا باسم الشعب
وإن عارضوها، فلا أحد يجبرهم على إصدارها ولا حتى المحكمة الدستورية

ولتوضيح كيفية حدوث هذا
فهناك احتمالان ؛

الاحتمال الأول ؛
أن يكون القانون المراد تشريعه أمر من الفرائض أو الواجبات الشرعية مثل فرض الزكاة أو حد السرقة مثلا
ففي هذه الحالة يقوم أحد النواب بتقديم مشروع القانون إلى مجلس الشعب
ثم يتم التصويت عليه
فإن وافقت الأغلبية تم إصداره
وإن لم توافق الأغلبية يتم رفضه
وليس لأحد أن يجبر مجلس الشعب على القبول أو الموافقة على إصدار هذا القانون ولا حتى المحكمة الدستورية
وهذا يعني أن المادة الثانية غير ملزمة للمجلس في إصداره لقوانين لهذه الفرائض الشرعية أو غيرها


الاحتمال الثاني ؛
أن يكون القانون المراد تشريعه أمر من المحرمات شرعا مثل تقنين الربا مثلا
فلابد أن يقوم أحد النواب بتقديم مشروع القانون إلى مجلس الشعب
ثم يتم التصويت عليه
فإن لم توافق الأغلبية يتم رفضه
وإن وافقت الأغلبية يتم إصداره رغم مخالفته للشريعة

وهذا يعني أيضا أن المادة الثانية لا تلزم المجلس بمنعه من إصدار ما يخالف الشريعة في هذه الحالة ، اللهم إلا بعد أن يصدر القانون فعلا وليس في أثناء إصداره، وذلك عن طريق المحكمة الدستورية فقط؛ إذ أنه من حق أي مواطن يتضرر من هذا القانون المخالف للشريعة ، أن يرفع دعوى للمحكمة الدستورية ضد هذا القانون لمخالفته للمادة الثانية والمحكمة هي التي تفصل في ذلك

يقول المستشار/ محمد وفيق زين العابدين: (فإذا ما صدر نص أو قانون يخالف مبادئ الشريعة الغراء وأحكامها ، يمكن لكل من يهمه الأمر - بشأن قضية هو أحد أطرافها - أن يطعن عليه أمام المحكمة الدستورية العليا ، فإذا ما قضت المحكمة الدستورية بمخالفة النص المطعون عليه لأحكام الشريعة فإن مقتضى نص المادتين (48) ، (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة ، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة ، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة التي فصل فيها ، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته)ـ

وبالتالي فإن المادة الثانية ليس لها أي تأثير أو سلطة أو سيادة على مجلس الشعب في عملية إصداره لقراراته ولا على عملية التصويت داخل المجلس، ولا يحق لها أن تجبره على قبول أي حكم شرعي مهما كانت أهميته أو درجة وجوبه
بل إن المجلس هو سيد قراره كما هو معلوم

إنما دور المحكمة الدستورية في تفعيل المادة الثانية يقتصر فقط على الطعن في ما أصدره مجلس الشعب من قوانين مخالفة فعلا

والإشكال هنا كيف تكون أحكام الله تحت حكم الشعب وتصدر باسم الشعب ؟
وكيف يكون الشعب له حق الاعتراض على أحكام الله متى شاء والعياذ بالله ؟
بل كيف يكون له مجرد حق الاختيار أصلا ؟

وقوله تعالى:ـ{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}ـ[القصص: 68]ـ
ويقول تعالى:ـ{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}ـ[الأحزاب : 36]ـ
وكلمة (الخيرة) في الآيتين معناها : الاختيار
أي أن المسلم ليس له حق الاختيار أصلا أمام أحكام الله
فضلا عن أن يكون له الحق في أن يرفضها
فمعنى الآية أن المسلم ليس له حق الاختيار أو التصويت على أحكام الله أصلا

ولكن قد يقول قائل : أن الشعب المسلم لن يعترض على أي أمر من أوامر الله، ولن يوافق على إباحة أي شيء محرم

والرد على هذا ؛ هو أننا لا نتحدث هل هذا ممكن الحدوث فعلا أم لا !!؟
نحن نتكلم على مجرد وجود مبدأ أن يكون من حق الشعب أن يناقش أحكام الشريعة حتى لو كنا متأكدين 100% أنه لن يعترض عليها ؟؟
إذ أن مجرد (عرضها للنقاش) على المسلمين جريمة كبيرة تخالف أصول الإسلام

بل إن هذا مبدأ علماني مدني في الأساسقال الشيخ محمد عبد المقصود في إحدى محاضراته قبل الثورة المصرية: (ولو أن الناس صوتوا في هذا المجلس - مجلس الشعب لصالح تطبيق الشريعة فطبقت لأن المجلس وافق على ذلك ما كان هذا إسلاماً أبداً ، لكن ينبغي أن تطبق الشريعة رغم أنف الرافضين لأنها حكم الله عز وجل ، والذين يملكون تطبيقها الآن يملكون إلغائها في المستقبل ، فإذا طبقت الشريعة لأن الغالبية وافقت على تطبيقها و الدستور ينص على أن الحكم للغالبية ، معنى هذا أن يكون الدستور حاكماً على شريعة الله عز وجل ، وهذا كفرٌ مجرد بإجماع المسلمين كما ذكرت مراراً و تكراراً) انتهى كلامه
وقال الشيخ "صلاح أبو إسماعيل" الذي حاول فيها تحكيم شريعة الله في البرلمان، وانتهى من ذلك إلى القول:(لم أكن أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى موافقة عباد الله، ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف - له قداسته في قلوبنا - إلى أن يوافق عباد الله في البرلمان على تصيير كلام الله قانوناً.وإذا اختلف قرار عباد الله في البرلمان عن حكم الله في القرآن؛ فإن قرار عباد الله يصير قانوناً معمولاً به في السلطة القضائية، مكفولاً تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية؛ ولو عارض القرآن والسنة. والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر، وأباحها البرلمان، وأن الله أمر بإقامة الحدود، وأهدرها البرلمان، والنتيجة على ضوء هذه الأمثلة: أن ما قرره البرلمان صار قانوناً رغم مخالفته للإسلام)ـ انتهى كلامه رحمه الله

ويقول الشيخ أحمد سالم: (مسلمة إلزامية موضوعية لا يسع دعاة الدولة المدنية إلا التسليم بها؛
ـ 1- إذا كان نص فلاسفة الدولة المدنية كتوماس هوبز حين يقول : «إنَّ الكتابَ المقدسَ لا يصبحُ قانونًا إلَّا إذا جعلَتْهُ السُّلطةُ المدنيَّةُ الشرعيَّةُ كذلِكَ» (ص/258)ـ
ـ 2- واسبينوزا حين يقول : «إنَّ الدينَ لا تكونُ لَهُ قوةُ القانونِ إلَّا بإرادةِ مَنْ لَهُ الحقُّ في الحكمِ»ـ ـ[(ص/422) ، وانظرْ : (ص/424)]ـ
ـ 3- ونفس الحقيقة يقررها أحد أشهر العلمانيين ودعاة الدولة المدنية المصريين وهو المستشار سعيد العشماوي حين يقول : ((الحكومة المدنية أو نظام الحكم المدني هو النظام الذي تقيمه الجماعة، مستنداً إلى قيمها، مرتكزاً إلى إرادتها، مستمراً برغبتها، حتى ولو طبق أحكاماً دينية أو قواعد شرعية))ـ ـ[ الخلافة الإسلامية (ص/18)]ـ
هذه النصوص الثلاثة بينة جداً في أن الحاكم أو البرلمان أو حتى الشعب بالديمقراطية المباشرة إذا اختار أحكاماً دينية وجعلها قوانين للحكم = أن ذلك لا يُخرج الدولة عن وصف المدنية؛ لأن اختيار السلطة العليا لها هو الذي أكسبها صفة الإلزام، وهذه هي آليات الدولة المدنية)ـثم يقول: (من ناحية الأصول الشرعية نرى أن الأحكام الشرعية ملزمة بنفسها لا تتوقف إلزاميتها على استفتاء أو اختيار من أحد) انتهى كلامه


رابعا: لا سيادة للمادة الثانية على بقية مواد الدستور؛
أن سيادة المادة الثانية وتأثيرها يقتصر على (القوانين) فقط، وليس على (مواد الدستور) الأخرى

أي أن مجلس الشعب لا يجوز له أن يشرع (قوانين) تخالف المادة الثانية عل النحو الذي أوضحناه سابقا، ولكن من حقه أن يشرع أو يعدل في (مواد الدستور) كيفما شاء
بما في ذلك المادة الثانية نفسها (كما سيأتي لاحقا)ـ

وبالتالي فإن المادة الثانية تكون مقيدة ومحكومة بالمواد الأخرى المخالفة للشريعة ؛ وذلك لأن جميع مواد الدستور لها نفس القوة إذ أنها تشترك معا في وضع شكل الدولة يقول المستشار حامد الجمل: (والمادة الثانية لا يمكن تفسيرها وحدها، بمعزل عن المواد الأخرى فى الدستور، ومنها ما يتعلق بالمساواة، وعدم التمييز بين المواطنين، كذلك المواد الأخرى المتعلقة بسيادة القانون، واستقلال القضاء، وأن المحاكم هى التى تتولى الفصل فى المنازعات)ـ
ـ[جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011]ـيقول المستشار السنهوري : (يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه)ـ

ويقول أيضًا ردًا على سؤال للشيخ عبد الوهاب طلعت باشا؛
فقد سأله الشيخ: هل رجعتم إلى الشريعة الإسلامية!؟
فقال السنهوري : (أو كذلك أنّنا ما تركنا حكمًا صالحًا في الشريعة الإسلامية يمكن أن يوضع في هذا القانون إلاّ وضعناه)ـ
ـ[نقلاً عن كتاب (الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية) للشيخ عمر الأشقر]ـ
ويقول المستشار طارق البشري : (نقطة أخيرة أختتم بها حديثي، فنحن عندما نفسر أي قانون ونستقرئ أحكامه لا ننظر إلى كل نص فيه على حدة، نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه، ثم نضع أحكام القانون كلها جنبا إلى جنب؛ لأن كل نص إنما يحد من إطلاق غيره، ولأن المعنى المستفاد من أي نص إنما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخرى، ولأن السياق هو الذي يضبط المعنى ويظهر وجه التفسير، واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة، والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الأحكام الأخرى، وهذا ما يطلق عليه تعبير: النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏وطبقًا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالمساواة بين المواطنين، وإن اختلفت أديانهم أو مذاهبهم، إنما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر، ومن ثم يكون ملزما - من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الإسلامية للقوانين- أن يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مبادئ الدستور الأخرى وأحكامه الأخرى، وذلك في نطاق ما تسعه مبادئ الشريعة الإسلامية من وجهات نظر)ـ
ويقول الشيخ الألباني رحمه الله: (وإن كان قد نص في دستوره "دين الدولة الإسلام " فإن هذا النص قد ثبت عمليا أنه وضع لتخدير أعضاء النواب الطيِّبي القلوب!! ؛ذلك لأنه لا يستطيع أن يغيِّر شيئاً من مواد الدستور المخالفة للإسلام، كما ثبت عمليا في بعض البلاد التي في دستورها النص المذكور.)ـ انتهى كلامه رحمه الله
وما أكثر هذه المواد والمبادئ الدستورية المخالفة للشريعة في دستورنا !! ـ
مثل تلك المواد التي تقرر سيادة الشعب ومبدأ المواطنة والديمقراطية وحرية الاعتقاد
وغيرها من المبادئ المخالفة للإسلام
هذا نوع من الخداع والنفاق السياسي، كما اعترف بذلك الفقيه الدستوري (يحيى الجمل)ـ

إذ كيف لا يكون لمبادئ الشريعة سيادة على هذه المواد المخالفة للشريعة !!؟
إن هذا وحده يجعل المادة الثانية صورية ولا قيمة حقيقية لها

بل كان يجب أن يكون لها السيادة على كل مواد الدستور جميعها ، بل وإلغاء كل المواد المخالفة لها تماما


خامسا: لا سيادة للمادة الثانية على القوانين الصادرة قبلها؛
أن تأثير هذه المادة لا يشمل كل القوانين !! ؛ بل يقتصر على القوانين التي صدرت بعدها فقط

وذلك لأن المادة الثانية بصياغتها الحالية عاجزة وتأثيرها محدود حسب حكم المحكمة الدستورية، إذ قد قررت المحكمة أن تأثير المادة يقتصر على (القوانين التي صدرت بعدها فقط)!!ـ
أما القوانين القديمة فلا تأثير للمادة الثانية عليها

يقول المستشار/ محمد وفيق زين العابدين : (وجدير بالذكر أن تحرر بعض القوانين كتلك التي تخص الجرائم والعقوبات وامتداد عقود الإيجار القديمة غير محددة المدة وغيرها عن القيد الدستوري المذكور ، فذا لأن إلزام المشرع الوضعي باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع ـ بعد تعديل المادة الثانية من الدستور ـ لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرضه فيه هذا الإلزام ، بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية ، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فإنها بمنأى عن الخضوع لهذا القيد ، ولا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلاً قبل فرضه)ـ
وكأن (مبادئ شريعة الله) ليس لها السيادة على كل القوانين ،بل على بعضها دون البعض الآخر !! ؛
كيف تكون (مبادئ الشريعة) لها السيادة على بعض القوانين والبعض الآخر لا سيادة للشريعة عليه ؟؟؟؟؟؟؟؟

قال تعالى:ـ{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}ـ[البقرة:85]ـ


سادسا: مجلس الشعب له السيادة على المادة الثانية بموجب الدستور؛

فمجلس الشعب له السيادة على هذه المادة بموجب الدستور، بمعنى أنه إن شاء عدلها أو ألغاها في أي وقت ، متى توفرت الأغلبية اللازمة لذلك بموجب الدستور

وذلك لأن باقي مواد الدستور تعطي ممثلي الشعب ما يشبه حق (الفيتو) على أحكام الشريعة
وتعطي لهم الحق في تغيير المادة الثانية أو إلغائها متى يريدون !ـ
وذلك إذا توفرت أغلبية مناسبة في مجلس الشعب
وكأن مجلس الشعب له حق الاعتراض على حكم الله متى شاء والعياذ بالله !! ـ

فهل يصح مثلا أن يقول قائل أنا سأعبد الله، ولكن من حقي أن أترك عبادته لأعبد غيره إذا شئت ؟!!
هل يوجد مسلم يقول هذا ؟!!
إن مثل هذا أو قريب منه مكتوب في الدستور، ولكن بعبارات منمقة تخفي قبح المعنى

كالمادة الثالثة على سبيل المثال والتي تقول: (السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية)ـ
وكالمادة 189 من دستور 71 والتي تقول ما نصه: (لكل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والأسباب الداعية إلى هذا التعديل. فإذا كان الطلب صادراً من مجلس الشعب وجب أن يكون موقعاً من ثلث أعضاء المجلس على الأقل. وفى جميع الأحوال يناقش المجلس مبدأ التعديل ويصدر قراره في شأنه بأغلبية أعضائه، فإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضى سنة على هذا الرفض. وإذا وافق مجلس الشعب على مبدأ التعديل، يناقش بعد شهرين من تاريخ هذه الموافقة، المواد المطلوب تعديلها، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه. فإذا ووفق على التعديل اعتبر نافذاً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.)ـ

أي أن مجلس الشعب يحق له تعديل أي مادة من الدستور (بما فيها المادة الثانية طبعا) وذلك إذا وافقت أغلبية الثلثين ثم عرض على استفتاء شعبي ووافقت عليه الأغلبية ، كل هذا من غير ضابط من قرآن أو سنة طبعا.

وكذا نفس المعنى موجود في الإعلان الدستوري الجديد _ بل أشد _ حيث تقول المادة 60 منه: (يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسى شعب وشورى فى اجتماع مشترك ، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال ستة أشهر من انتخابهم ، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو ، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد فى موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع ، خلال خمسة عشر يوماً من إعداده ، على الشعب لاستفتائه فى شأنه ، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه فى الاستفتاء .)ـ

أي أن اللجنة التي ستضع الدستور الجديد لها الحق في وضع الدستور كما تشاء، سواء أبقت على المادة الثانية أو ألغتها أو عدلتها من غير ضابط من قرآن أو سنة، بل لها الحق في أن تفعل ما تشاء ، وكأن حق التشريع لها وحدها من دون الله ودون الالتزام بأي ضابط من الوحي

وهذا وحده كفيل بأن يجعل المادة منقوصة السيادة ، ويجعلها تحت حكم مجلس الشعب وخاضعة له ، لا العكس
فهل يصح أن تكون (الشريعة الإسلامية) تحت حكم مجلس الشعب ؟؟؟
وهل يجوز لنا أن نقر بهذا الحال ؟

إن هذا وحده كفيل بأن يجعل هذه المادة بلا قيمة مطلقا من الناحية الشرعية لأن هذا يصطدم بقوله تعالى:ـ{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}ـ[الأحزاب : 36]ـ
وقوله تعالى:ـ{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}ـ[القصص: 68]ـ


وهنا مسألة مهمة ؛لو فرضنا جدلا أنه وجد دستور ما، وكانت كل مواده مستمدة من الكتاب والسنة المطهرة، ثم وضع في هذا الدستور مادة واحدة تنص على أن البرلمان له الحق في تعديل أي مادة في الدستور، إذا وافقت الأغلبية

فما هو حكم هذا الدستور في ميزان الإسلام ؟

الإجابة : هي أنه بهذه الصورة ليس دستورا إسلاميا
لأن هذا الدستور قد جعل الشعب له سيادة على مواد الدستور المستمدة من القرآن والسنة

ولحل هذه المشكلة يجب إبطال أي آلية في الدستور تسمح لمجلس النواب أو حتى لمجلس العلماء أن يعدلوا الدستور إلى دستور غير إسلامي أو حتى مجرد التصويت أو الاستفتاء على ذلك


سابعا : الأساس الذي بنيت عليه هو اختيار الشعب لا حكم الله؛

ذلك لأن بقية مواد الدستور خاصة المادتين الأولى والثالثة تجعلان المادة الثانية على كأنها ناتجة عن اختيار الشعب وإرادته، وليس على أنها عبادة لله لا يملك مسلم أن يناقشها فضلا عن أن يرفضها
وبالتالي هذا يجعلها عديمة القيمة من الناحية الشرعية !!

لأن هاتين المادتين وغيرهما تنصان على مبدأ الديمقراطية (أي مبدأ حكم الشعب لنفسه) ومبدأ (السيادة للشعب وحده)ـ

فالمادة 1 تقول : (جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة ، والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة)ـ
والمادة 3 تقول : (السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية)ـ

فمع أن السيادة لله وحده، ومع أن حق التشريع هو لله وحده، وحق التحريم والتحليل هو لله وحده، ومع ذلك فلا يوجد أي نص دستوري يقول أن التشريع حق لله عز وجل !!! ؛
مع أن هذا الأمر من أبجديات الإسلام المسلم بها والتي لا يختلف عليها مسلمان

مثال؛ لتوضيح هذه النقطة:

لو أن حكومة من حكومات الغرب طبقت حد السرقة مثلا، ولكن ليس من باب طاعة الله أو أن هذا عبادة لله، بل من باب أن هذا يساعد على تقليل السرقة !!
فهل نقول أنهم يحكمون بشريعة الله في تلك القضية ؟
الجواب ؛ لا طبعا، وذلك لأنهم لا بد أن يسلموا لله تسليما بحقه في الحكم والتشريع كما ورد في الآية الكريمة
فهم قد طبقوا هذا الحد لأنهم يريدونه لتحقيق لمصلحتهم، وليس إذعانا لخالقهم ولا تسليما له ولا عبادة له
قال تعالى:ـ{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}ـ[النساء:65]ـ

يقول الشيخ الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي: (فلا فرق بين أن يوافق البرلمان على حكم الله أو أن يرفضه؛ لأننا لا ننظر إلى النتيجة، ولكن إلى كيفية عرض حكم الله على الناس وأخذ رأي المخلوقين في حكم الخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالمبدأ موجود من الأصل، فعندما يعرض تحريم الخمر على البرلمان لاتخاذ قانون بذلك، فمعنى هذا: أنهم يجعلون حكم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى القطعي الذي ج

الـتـغـيـير يبدأ مـن الـقـمـة أم من القاعدة .. ؟د. أبو سلمان

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد ؛


إن بعض الناس حين يتحدثون عن موضوع التغيير والإصلاح للمجتمعات
فإنهم يشبهون المجتمع بالهرم

حيث تكون قاعدته هي ؛ الشعب
وتكون قمته هي ؛ السلطة الحاكمة


ويقولون أن التغيير يكون من القاعدة لا من القمة !!



أي أن الشعب ــ على زعمهم ــ لا بد أن يتغير أولا قبل أن يتغير النظام الحاكم !!



ويقولون أيضا ؛ أننا لا ينبغي أن نسعى إلى تغيير الظلم والفساد الموجود عند الحكام إلا بعد إصلاح الشعب ذاته أولا !! ـ



فإذا ما تغيرت القاعدة الشعبية فإن السلطة ستتغير هي أيضا !! ؛

أي أن التغيير ــ عندهم ــ يبدأ من الشعب أولا حتى تتغير ثقافته تماما
ثم بعد ذلك يحدث التغيير في السلطة !!!! ؛




ورغم أن هذا الكلام يبدو لأول وهلة جميلا ومنسقا

إلا أنه في الحقيقة سطحي جدا ... !

بل هو قمة في السذاجة ... !



وهو كلام غير واقعي بالمرة
ولا يوجد له ما يؤيده
لا في التاريخ
ولا في الواقع
وولا أصل له في الشريعة الإسلامية فيما نعلم



لماذا ؟؟

دعونا نناقش ذلك بهدوء


إن التغيير يبدأ أولا كفكرة يتبناها بعض الأفراد
ثم يدعون غيرهم إليها


وتكون هذه الدعوة موجهة للجميع سواء كانوا من عامة الناس
أو من أصحاب السلطة والمكانة

أي أن التغيير يبدأ من القمة والقاعدة معا في آن واحد
ولا تعارض بينهما كما يتوهمون


وليس يبدأ من القاعدة الشعبية فقط كما يقولون

ثم تستمر الدعوة إلى فكرة التغيير والإصلاح حتى تتكون ( طائفة ) من المجتمع تكون مقتنعة بهذه الفكرة وتعلم على إنجاحها

وهذه الطائفة لها احتمالين ؛
إما أن تكون ضعيفة وصغيرة ( كحال بداية الدعوة في مكة مثلا )


أو أن تكون قوية ومؤثرة ( كحال بداية الدعوة في المدينة المنورة )



وهذا يتوقف على نوعية استجابة المجتمع لفكرة الإصلاح
وهذا يختلف من مجتمع لآخر وتتحكم فيه عوامل كثيرة لا مجال للخوض فيها



فإن كان المستجيبون لفكرة الإصلاح من ( أصحاب النفوذ والسلطة ) فستكون دعوة قوية وتؤتي ثمارها سريعا
كما حدث في المدينة المنورة عندما استجاب لدعوة الإسلام كثير من وجهاء القبائل وسادتها مثل ؛ أسيد بن حضير و سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة رضي الله عنهم جميعا


فقد كانوا سببا في التمكن السريع للدعوة الإسلامية ودخولها إلى جميع بيوت المدينة المنورة



وأما إن كان المستجيبون للدعوة من العوام المستضعفين فستكون مستضعفة وحينئذ سيتأخر التغيير حتى يمن الله عليهم بامتلاك القوة والسلطة
كما حدث في مكة المكرمة حيث كان أغلب المستجيبين للدعوة هم من المستضعفين والعبيد والشباب


لذلك ؛
فالتغيير مستحيل دون وجود سلطة تغير وتؤثر في الناس
سواء كانت هذه السلطة سياسية
أو سلطة عشائرية وقبلية
او سلطة عسكرية
... إلخ


ولكن لماذا لا يمكن أن تتم فكرة التغيير الشامل للمجتمع إلا في وجود هذه السلطة التي تعمل على التغيير وترعاه ؟؟

لأنها مثلا التي تطبق القوانين والتشريعات التي تحارب الفساد أيا كانت هذه التشريعات والقوانين
ـ ( بصرف النظر عن موقفنا من التشريعات الوضعية المخالفة للشريعة المطهرة ) ـ


وهذه السلطة هي التي توجه الإعلام لتوعية الشعوب


وهي التي ترعى التقدم في جميع مجالات الحياة


وهي التي ترعى الدعاة والمثقفين والعلماء والكفاءات في جميع المجالات وتوفر لهم الفرص للإصلاح


وهي التي توفر المناخ المناسب للإصلاح والمصلحين



وإذا غابت هذه السلطة التي ترعى الإصلاح ووجدت سلطة فاسدة فسيحدث العكس تماما
كما حدث في مصر قبل ثورة 25 يناير

فهل كانت السلطة السابقة ستسمح لأحد بأن يغير ثقافة الشعب ؟؟
كيف ذلك والسلطة كانت تقف عائقا أمام المصلحين ؟؟
كيف ذلك وهي التي كانت تضعهم في السجون وتضيق عليهم وتهددهم في حياتهم وأعراضهم وأموالهم ؟؟

كيف ذلك والسلطة الحاكمة كانت توفر مناخا فاسدا وترعى الفساد وتشجعه حتى صار ثقافة عامة عند المجتمع بجميع فئاته ؟؟
كيف ذلك وهي كانت تمتلك آلة إعلامية جبارة تضلل الشعوب وتبعدها عن طريق الإصلاح ؟؟
كيف وهي تشوه صورة المصلحين ودعاة التغيير عن طريق إعلامها ؟؟
ألم نسمع جميعا عن وجبات ( الكنتاكي ) وعن ( الأجندات الخارجية ) والتي صدقها في البداية جانب عظيم من الشعب المصري مثلا ؟؟؟

من سيسمح لأحد أن يستمر في الدعوة للإصلاح والتغيير دون أن يوقفوه ودون أن يمنعوه ؟؟

إذن كان لابد من الثورة على هذه السلطة الفاسدة وهذا النظام العفن
وهذه الثورة هي بداية التغيير وليست هي التغيير ذاته


ولو فرضنا جدلا أن تغيير ثقافة الشعب كان ممكنا دون إزالة هذه السلطة

فما هو المقصود بتغيير ثقافة الشعب ؟؟
هل يقصدون أن تتغير ثقافة الشعب بأكمله !!!؟؟
أي بنسبة 100 % ؟؟
طبعا هذا مستحيل وهذا لا يحتاج إلى إثبات

فهل يقصدون أن يتغير غالبية الشعب ؟؟
بنسبة 90 % أو 80 % أو 70 % مثلا
فعلى أي أساس سيختارون النسبة ؟؟
ما المعيار العلمي في ذلك ؟؟
ما هي الكتلة الحرجة التي ستغير المجتمع ؟؟

ثم من سيسمح لهم بذلك إلا في وجود سلطة تؤمن هذا التغيير وتحافظ على تلك الدعوة



والله أعلم


د. أبو سلمان

الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - والمشاركة السياسية في النظام الجاهلي

هذه مقتطفات من كتاب "في ظلال القرآن".. ولستُ أزعم أنها رأي الأستاذ الشهيد في ما يحصل اليوم في مصر مثلا.. والتساؤل الذي يدور حوله الجدال: هل نشارك أم لا؟.. إنما أوردتها للأهمية.. لبيان منهج الأستاذ سيد "الجذري" أو - بتعبير أدقّ - "الإحيائي" في التغيير.. ورفضه للمنهج "الإصلاحي" الذي تتشكّل في الحركات الداعية به في النظام السياسي للمجتمعات الجاهلية بغية الإصلاح عن طريق "التدرج"..





(في ظلال سورة إبراهيم)



(وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا)!




هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية . . إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها . ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها . وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها . فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل , وهذا ما لا تطيقه الجاهلية . لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم ; ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم , وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي , وأن يذوبوا في مجتمعهم فلا يبقى لهم كيان مستقل . وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله , وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه , فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى . .



وعندما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة , ولا يبقى مجال لحجة ; ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية . .

إن التجمع الجاهلي - بطبيعة تركيبه العضوي - لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله , إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي , ولتوطيد جاهليته ! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي , والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع . هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره.. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها..



...



والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد ; ومن تأليه غير الله . أو من ربوبية غير الله - وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية - فسواء كان الاعتقاد قائما على تعدد الآلهة ; أو كان قائما على توحيد الإله مع تعدد الأرباب - أي المتسلطين - فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى !

ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة , وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية , أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية ; وتصبح بذاتها خطرا على وجود الجاهلية . وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص , يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي ; وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد , ومن ناحية القيادة , ومن ناحية الولاء . . الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان . .

وعندما يشعر التجمع الجاهلي - بوصفه كيانا عضويا واحدا متساندا - بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية ; كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له . . فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام !

إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام ! المعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تماما للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر . فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة , أو تعدد الأرباب , ومن ثم يدين فيه العباد للعباد . والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية ; ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد . .

ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي , في أول الأمر وهو في دور التكوين , ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسلم القيادة منه , وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . . لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح , فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام . . ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام ! . . إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح ; ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد !

وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها , فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت , لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام ! . . إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة , وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة . .

(وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا). .

فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم , أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص . إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم , ويندمجوا في تجمعهم , ويذوبوا في هذا التجمع . أو أن يطردوهم بعيدا وينفوهم من أرضهم . .

ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي , ولا أن يذوبوا فيه , ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص . . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي . . ولم يقولوا - كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام . . ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات -:حسنا ! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم !!!



إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي , لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه . . وليس في ذلك اختيار . . إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات . . هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده ; وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان . كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار !

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال . وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين ; والفصل بينهم وبين قومهم بالحق , لا يقع ولا يكون , إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم ; وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم . . فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي , ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته . . وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين . . وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله , وهم واعون مقدرون . .

هل سقط الدستور أم سقطت نبادئ السلفية؟؟

 

(هل سقط الدستور أم سقطت مبادئ السلفية؟!)

 alt

للتحميل
http://www.tawhed.ws/dl?i=14071102

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فقد وقعت في موقع "مركز المقريزي" على مقال للدكتور طارق عبد الحليم ناقش فيه ما ورد في رسالة "نصرهم الله فانتكسوا" التي عقبت فيها على كلام الشيخ ياسر برهامي .

والحقيقة أن الردود والنقاشات تكون إيجابية وحميدة الثمرة إذا كانت مضبوطة بالقواعد العلمية والتأصيل الشرعي وتكون عبثية وربما ضارة إذا كانت بخلاف ذلك .

وأظن أن أول خطوة كان ينبغي أن يقوم بها الدكتور طارق من أجل نقاش علمي جاد يستفيد منه المناقِش والمناقَش والقاريء هي تحديد القضية أو القضايا التي دار حولها تعقيبي على كلام الشيخ ياسر برهامي ثم إسقاط الأحكام الشرعية عليها بعد توصيفها توصيفا شرعيا دقيقا ..

لكن الدكتور طارق لم يدخل إلى الموضوع ولم يناقش المسألة التي دار حولها الحديث بل كان كلامه كله في مجمله إثارة لقضية أخرى جديدة..!

الفكرة التي طرحها الشيخ ياسر ليست هي الفكرة التي طرحها الدكتور طارق ..

لقد تحدث الشيخ ياسر بطريقة واضحة عن إمكانية تطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية وكان كلامه الذي علقت عليه محصورا في مجمله في هذه المسألة؛ وكان تعليقي عليه أيضا منصبا في بيان أن تطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية قد يحدث من الناحية الشكلية لكنه يظل معدوما من الناحية الشرعية لفقده بعض الشروط الأساسية .

لكن الدكتور طارق قلب علينا جميعا الطاولة وجعلنا نتحدث في فراغ عندما طرح فكرة أخرى مغايرة؛ فزعم بأن النظام الديمقراطي في مصر قد انهار ..
وأنه في مصر الآن لا توجد لا ديمقراطية ولا دستور ولا حكم طاغوتي ولا يحزنون !!
إذن هناك فرق كبير بين ما يطرحه الشيخ ياسر وبين ما يطرحه الدكتور طارق !!
لكنهما طبعا يتفقان على مشروعية المشاركة في الانتخابات اليوم .

وهذه المسألة لاحظتها في كل المدافعين عن المشاركة في الانتخابات فهم دائما يتفقون في مسألة التبرير ويختلفون في المبرِّر ..
ولو كان في المسألة دليل واضح محدد لاتفقوا عليه والتفوا حوله ..
ولكنهم اختلفوا ..
فبعضهم يقول : الديمقراطية هي الشورى !
وآخر يقول : دخلناها للضرورة !
وثالث يقول : للمصلحة وتقليل الشر !
ورابع يقول : نفعل كما فعل يوسف !
فلكل منهم مبرره وحجته !!
وأصبحت صناعة المبررات هذه هي الحمار الذي يركبونه فيوصلهم إلى ساحة الديمقراطية مهما بدا في هذا الحمار من عرج وهزال وإعياء !!
مَعاذيرٌ بها ادَّرَعَتْ نُفوسٌ ***ضعافٌ تَرهبُ الكُرَبَ الشِّدادا
تُريدُ المجدَ مُرتميا عليها *** جَنىً غَضّاً تَلَقَّفُهُ ازدِرادا!
***
وأريد في هذه الرسالة الإجابة على الاعتراضات التي ذكرها الدكتور طارق في رده .
وقد يتردد المرء في الرد على التعقيبات عليه خشية من تسلل غريزة الانتصار للنفس إلى أعماقه فتفسد النية ويحبط بذلك العمل .
ولكن لا بد من تقرير ما نراه صوابا في هذه المسألة وقد نبه أهل العلم على أن خشية فساد النية لا تبيح ترك العمل .
فنسأله تعالى قبول صالح العمل والتجاوز عما فيه من خلل والتوفيق للإصابة والعصمة من الزلل .

قواعد هامة
حتى لا يأتي أحد بافتراضات من عنده ويدعي بأنها هي الأسس التي بنينا عليها موقفنا وحتى يكون النقاش منطلقا من أسس شرعية واضحة فلا بد قبل الشروع في الرد من تقرير بعض القواعد الشرعية الهامة التي نحتاج إليها في هذه المسألة :
القاعدة الأولى :
التحاكم إلى غير شرع الله شرك
ومن أدلة هذه القاعدة :
1- قوله تعالى :** َلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص:70] .
والجملة اسمية، والأصل فيها تقديم المسنَدِ إليه، وقدم فيها المسند لإِفادة التخصيص؛ أي أن الحكم ليس إلا لله .
وتعريف الشرك هو : تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
ويعرف أيضا بأنه : إشراك غير الله مع الله في أي نوع من أنواع العبادة.
2- قال تعالى :{وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]،
وقراءة ابن عامر من السبعة أشد صراحة حيث قرأ بصيغة النهي : "وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً" كما نص على ذلك الشاطبي في منظومته بقوله :
وَحَذْفُكَ لِلتَّنْوِينِ مِنْ مِائَةٍ شَفَا ... وَتُشْرِكْ خِطَابٌ وَهْوَ بِالْجَزْمِ كُــمِّلاَ
فنهت الآية الكريمة عن التحاكم إلى غير شرع الله و سمته شركا .
القاعدة الثانية :
التحاكم لغير شرع الله لا يستباح إلا تحت ضغط الإكراه الملجئ
كما في قوله تعالى : ** إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل : 106]
فلا يجوز التحاكم لغير شرع الله في حالة القدرة والاختيار والمقصود بالقدرة هنا القدرة على الترك .
القاعدة الثالثة :
دلت القاعدة السابقة على أنه لا يجوز التحاكم لغير شرع الله لمجرد دفع الضرر والأذى؛ وقد أو ردت في ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية :
(إن المحرمات منها ما يقطع بأن الشرع لم يبح منها شيئا لا لضرورة ولا لغير ضرورة كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالي: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}
فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في سورة مكية ) [ الفتاوى (14ص477)].
القاعدة الرابعة :
لا يجوز التحاكم لغير شرع الله لمجرد تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة
إذ لا مصلحة أعظم من التوحيد؛ فالتوحيد واجتناب الشرك هو أعظم المصالح الدينية ورأسها ..
فما أرسلت الرسل وما أنزلت الكتب إلا من أجل تحقيق التوحيد قال تعالى :
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]
وكل مصلحة تعارض التوحيد فهي مصلحة ملغاة مهدرة إذ لا مفسدة أعظم من الشرك لقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 116].
وأخبر تعالى أنه محبط للأعمال، فقال تعالى : ** وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (الزمر : 65) .
وروى الإمام أحمد والشيخان من حديث منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم، .. الحديث
القاعدة الخامسة :
لا يجوز بحال قصر النظر على ما نرجوه من مصالح دون النظر فيما يترتب على ذلك من المفاسد والسيئات
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة " [مجموع الفتاوي-ج20- 58]
ومن المعلوم أنه إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة،
فتنخرم المناسبة بالمعارضة التي تدل على وجود مفسدة، أو فوات مصلحة تساوي المصلحة، أو ترجح عليها كما قال في المراقي:
اخرم مناسباً بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوّتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة" [ج20 ص –53]
وقال العز بن عبد السلام:
(إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}.
حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما، أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور) [ قواعد الأحكام في مصالح الأنام -1 / 83].
القاعدة السادسة :
إذا تساوت المصلحة والمفسدة فقد تقرر في الأصول أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أعظم من اعتنائه بالمأمورات، ومن الأدلة على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ففي النهي قال: اجتنبوه واتركوه كلية، وفي الأمر علَّقَه بالاستطاعة .


هل سقط الدستور ؟
يعتمد الدكتور طارق في طرحه على فكرة أن الدستور قد سقط بالفعل ولم يعد له وجود ..وهو يتناسى أنه لا بد من وجود ما يحل محله و ينظم آلية العمل في الدولة إلى أن يستبدل بغيره ..
وهذا هو ما حدث بالفعل من خلال الإعلان الدستوري الذي أعلنه المجلس العسكري والذي يعتبر دستورا بديلا ريثما يتم إقرار الدستور الجديد .
فقد أصدر المجلس العسكري إعلانا دستوريا لادارة شئون البلاد يتضمن 63 مادة.
وتقرر المبادئ الدستورية أن الإعلان الدستوري هو إجراء ضروري تقتضيه حالة غياب الدستور بحيث يحل هذا الإعلان محل الدستور الجديد حتي تاريخ إصداره‏.
يقول المستشار طه الشريف نائب رئيس محكمة النقض الأسبق‏:‏
(الإعلان الدستوري ـ في حقيقته ـ دستور مختصر تصدره السلطة القائمة علي شئون الحكم في البلاد لو كانت قد وصلت الى الحكم عن طريق ثورة شعبية أو انقلاب عسكري‏، أو فئوي طالما استطاعت أن تقبض علي مقاليد الحكم في البلاد‏، وهو لا يحتاج الى استفتاء شعبي لأن الشعب ليس مصدره‏، بل إن المصدر الحقيقي له هو السيطرة الفعلية علي الحكم‏، وبإصدار الإعلان فإن الصورة المشابهة له تسقط تلقائيا كالدستور السابق أو الإعلانات السابقة الأخرى‏، غير أن القوانين والقرارات التي صدرت استنادا الى الدستور السابق لا تسقط‏، ويجوز للجهة التي تصدر الإعلان الدستوري أن تضمنه نصوصا وردت في الدستور السابق‏، أو أن تعدلها‏) ( ) اهـ
وهذه بعض المواد التي تضمنها الإعلان الدستوري :
(مــــــادة: 1
جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة .
والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة .
مـــــــادة: 2
الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع .
مــــــادة :3
السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية .
مــــــادة:4
للمواطنين حق تكوين الجمعيات وإنشاء النقابات والاتحادات والأحزاب وذلك على الوجه المبين في القانون.
ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام المجتمع أو سريا أو ذا طابع عسكرى.
ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل ).
فهذ المواد المنصوص عليها في الإعلان الدستوري تقرر بوضوح تطبيق النظام الديمقراطي والخضوع لحكم الشعب .
وباعتراف اللواء ممدوح شاهين فإن الإعلان الدستوري يعتمد على 80% من دستور 1971..
فلا يوجد إذن أي فراغ دستوري والنظام الديمقراطي ما يزال ساري المفعول في مصر اليوم ..
و لا أحد يتحدث عن إزاحته أو القضاء عليه على الأقل فيما هو معلن .
ومن يريد إقناع الناس بانهياره فهو كمن يحاول حجب الشمس عن الكرة الأرضية بيده!
وحتى على فرض أن الدستور سقط بالفعل فسلوك هذا الطريق ممنوع لما فيه من الاشتباه بالاحتكام إلى الديمقراطية إذ كيف يعلم الناس أن هذا المنتخِب أو ذاك ذهب إلى صندوق الاقتراع طاعة لله لا خضوعا للشعب في حين أن الأصل في الانتخابات كونها من أجل الخضوع لإرادة الشعب !
لقد أمرنا الله تعالى باجتناب ما يمكن أن يفسر أو يحمل على باطل واستبداله بما لا يمكن حمله إلا على معنى صحيح مشروع فقال تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة : 104]
قال الألوسي :
(وسبب نزول الآية كما أخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود كانوا يقولون ذلك سراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سب قبيح بلسانهم، فلما سمعوا أصحابه عليه الصلاة والسلام يقولون : أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه سمعها منهم، فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا : أوَلستم تقولونها؟ فنزلت الآية ونهي المؤمنون سداً للباب، وقطعاً للألسنة وإبعاداً عن المشابهة ) [تفسير الألوسي - (1 / 451)].
وقال ابن كثير :
(والغرض: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال: ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }) [تفسير ابن كثير - (1 / 373)].
وقد ثبت بالتواتر في الشرع النهي عن كل ما فيه مشابهة للشيطان والكفار والأمر بمخالفتهم ومن أمثلة ذلك :
1- عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في خفافهم، ولا نعالهم». أخرجه أبو داود.
2- عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (صوموا يوم عاشوراء و خالفوا اليهود صوموا قبله يوما أو بعده يوما) رواه ابن خزيمة .
3- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) . رواه البخاري ومسلم
4- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون». أخرجه أبو داود.
5- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) متفق عليه .
6- عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال : (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) رواه البخارى، ومسلم .
7- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال : (لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) . رواه مسلم .
8- عن جرير بن عبد الله قال :
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لأهل الكتاب) رواه أحمد .
9- عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال :
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود وقال : هكذا نفعل فقال اجلسوا فخالفوهم ) أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي .
وفي هذا دلالة على وجوب مخالفة أهل الديمقراطية وعدم التشبه بهم في أي صفة من صفاتهم حتى يكون من اليسير التفريق بين أهل التوحيد وعباد هذا الصنم الجديد .
وحتى يحتاط المسلمون لأنفسهم ويبتعدوا عن كل ما فيه قرب من الشرك أو مجانسة لأفعال المشركين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام : (ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ).
إن السلامة من سلمى وجارتها ...ألا تمر بواد قرب واديها .
نحن نتمنى أن يكون الدستور سقط بالفعل وسقطت معه كل أركان النظام الديمقراطي الشركي لكن ما نشاهده بخلاف ذلك تماما.
والأحكام الشرعية لا تبنى على الأحلام والأمنيات وإنما على الوقائع والمشاهدات فالنظام الديمقراطي لا يزال هو النظام المعمول به في مصر.
إذا كانت الديمقراطية سقطت يا دكتور فلماذا لجأ السلفيون إلى تكوين أحزاب سياسية؟
وإذا كانت الديمقراطية سقطت فلماذا كل هذا الاحتفاء بالمادة الثانية والتعويل عليها ؟
وإذا كانت الديمقراطية سقطت فمن الذي أسقطها ؟
هل أسقطتموها بقوة السلاح ؟
أم أن المتظاهرين الذين أسقطوا النظام كانوا يطالبون بإسقاطها ؟
هذا ليس هو الحل يا دكتور ..!
ليس الحل أن نخادع أنفسنا وندفن رؤوسنا في الرمال كالنعامة ونقول : انهارت الديمقراطية وانتهى الأمر ..!
وليس الحل أن نشرب الخمر ونقول : باسم الله ..!
الحل يا دكتور أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الناس ومع الله تعالى؛ وأن يكون تفسيرنا للحالة تفسيرا واقعيا دقيقا غير متأثر برغبات النفس وطموحات الأمل ..
يحكون عن رجل أنه كان يرى في أحلامه الكثير فيستيقظ وفي ذهنه أن كل ما رآه في منامه وقع بالفعل !
فيتعامل مع الناس في نهاره بناء على أحلام ليله !!
سنخرج من عالم الواقع لو انطلقنا من فرضية أن ما نتمناه حقيقة واقعة !
الواقع يا دكتور يقول أنكم محكومون بنظام علماني لا ديني يفرض الديمقراطية فرضا بقوة من طرف أخطبوط العلمانيين والأقباط والعسكر العميل و الغرب الكافر ..
وهذا الأخطبوط قد يمنحكم فرصة للمشاركة ويعطيكم هامشا للتحرك ما دمتم خاضعين ومذعنين للمباديء الكفرية ..
أما إذا كنتم جادين في الخروج على هذه المباديء وتحطيمها فلا حق لكم في الديمقراطية ولا حق لكم في الحرية وسوف يتدخل بكل قوته وإمكاناته لصدكم والقضاء عليكم ..
أوردت صحيفة المصرى اليوم هذا الخبر :
(جدد أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، التزامهم بتأسيس دولة ديمقراطية عصرية، وأكدوا في لقاء برؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف القومية، أن مصر «لن يحكمها خوميني آخر» مؤكدين على ضرورة تأسيس دولة مدنية حديثة تواكب العصر.
وأعرب المجلس عن أمله فى «ألا تضطر القوات المسلحة للنزول إلى الشارع بعد تسليم السلطة وقيام الدولة الديمقراطية السليمة والانتخابات البرلمانية واختيار الرئيس الجديد».
وحضر اللقاء الموسع الذى استمر لأكثر من ثلاث ساعات اللواءان محمد العصار ومحمد مختار الملا مساعدا وزير الدفاع، واللواء إسماعيل عتمان مدير الشؤون المعنوية،
وجدد المجلس الأعلى العسكرى موقفه الداعم للمطالب المشروعة للشعب المصرى، وصولا إلى بناء دولة عصرية تقوم على أسس من الحرية والديمقراطية بهدف الوصول لبر الأمان من خلال طرق وآليات معروفة يلتقي عندها الجميع.
وفى هذا المجال أكد اللواء محمد مختار الملا، مساعد وزير الدفاع، أن القوات المسلحة «لن تسلم البلاد وتذهب الى شرم الشيخ، بل ستضع الضوابط التى تحفظ الدولة، فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يسمح لتيارات متطرفة بالسيطرة على مصر، ولا بد أن نعلم إلى أين نتجه»، ).
الواقع يقول : إن الطريق الذي تسيرون فيه والآليات التي تستخدمونها لا تسمح لكم بالقضاء على هذا النظام الديمقراطي .
وعندما تحدث أي محاولة جدية للقضاء على هذا النظام فإن الأخطبوط الكفري لن يسمح بالقضاء عليه وعندها يحدث الصدام والطِّحان ..وما أنت فاعله غدا فافعله الآن ..!

تعقيبات على بعض العبارات
ورد في كلام الدكتور طارق بعض العبارات والجمل التي تحتاج إلى تعقيبات سريعة وهذا بيانها مع التعقيب :
1- قوله : (والكاتب، كعادة الكتّاب في تناول مثل هذه الأمور التي ليس عليها أدلة قطعية، لجأ إلى الأسلوب الحَمَاسيّ).
التعليق :
أولا : قوله بأن الموضوع الذي نتناقش حوله ليس فيه أدلة قطعية من أعجب العجب !!
فنحن نتحدث عن مسألة إفراد الله بالحكم .. فهل النصوص الواردة في هذه المسألة غير قطعية ؟
ألم ترد هذه المسألة في القرآن الكريم بشكل صريح لا يحتمل التأويل ؟
لقد تكرر في القرآن الكريم التحذير من الإشراك في الحكم في أكثر من آية ومن ذلك :
قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف:40]،
وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [يوسف:67],
وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}[الأنعام:57],
وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، وقوله تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]،
وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88]،
وقوله تعالى {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
و أنا في اعتراضي لا أتحدث إلا انطلاقا من هذه المسألة القطعية .
ثانيا : زعمه بأني لجأت إلى الأسلوب الحماسي فهذا الكلام لا يمت بصلة إلى النقاش العلمي !!
لقد قررت ما ظهر لي أنه الحق واستدللت بما ظهر لي أنها أدلة عليه ..
وكان النقاش العلمي يقتضي من الدكتور أن يبين بطلان ما ذكرت من أدلة ويقرر بالأدلة الشرعية ما يراه صوابا؛ لا أن ينساق إلى التوصيف المزاجي الذي لا يثبت باطلا ولا يبطل ثابتا ..
والحديث بأسلوب حماسي لا علاقة له بصحة الكلام أو بطلانه ..
فقد يكون الكلام حماسيا وهو حق ..وقد يكون حماسيا وهو باطل .
فما هي الفائدة من الحكم على كلامي بأنه كان حماسيا ؟
ولماذا الاشمئزاز من الحديث بلهجة حماسية ؟
أليست الحماسة والغيرة على الدين أمرا محمودا ؟
وما الذي يمنع الدكتور من التحدث بلهجة حماسية ؟
2- قوله : (واستخدم آيات عامّة دون أن يبيّن وَجهها في هذا المناط خاصة، وكذلك فعل مع أقوال الإئمة كالشافعى وبن تيمية وغيرهم، التي تحرّم الشرك، وتمنع أفعال الكفر، وهو ما لا يختلف عليه مسلمان إبتداءاً. وهذا ما يقع فيه الكثير من طلبة العلم، أن يستشهد بأدلة عَامة مُطلقة مُجملة، دون بيان ما يُخصّصها أو يقيّدها أو يُبيّنها، ثم يُنزِلها على واقعٍ مُحدّد، فيكون بهذا متّبِع للمتشَابهات. هذا النظر ليس بإستدلال شَرعيّ البتة، إذ يجوز لكلِ أحدٍ أن يتلاعب بالشريعة بإستخدام عموماتها ومطلقاتها لتحريم حلال أو تحليل حرام، وهو، يقيناً، ما فعلته كلّ أصحاب الفرق لترويج بِدعهم. وقل مثل ذلك في الإستشهاد بأقوال الأئمة مثل بن تيمية والشافعيّ، وهى اقوال عامة غير منزلة على مناطٍ، ولا تصح كدليلٍ، إلا بنصٍ أو إجتهاد).
التعليق :
الآيات التي استدللت بها بينتُ بالتصريح وجه الاستدلال بها ويتضح ذلك بالرجوع إلى الفقرة التي وردت فيها الآيات وهذا نصها :
(وقد كتب الله علينا هذه المشقة ابتلاء لنا واختبارا لإيماننا :
قال تعالى : {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت : 1 - 3].
وقال تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة : 214]
وقال تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران : 142].
وهذا الابتلاء هو الطريق الشرعي والقدري الموصل إلى التمكين ..
فقد سأل رجل الشافعي فقال : يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يبتلى ؟
فقال الشافعي : لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكَّنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة .) اهـ .
فالآيات التي استشهدتُ بها في هذه الفقرة تبين أن الله تعالى قدّر على عباده الابتلاء وهي آيات عامة باقية على عمومها لا مخصص لها لأن الابتلاء هو علة خلق العباد كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [67/2].
وقال تعالى :{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [11/7].
وقال تعالى :{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف:7]
واللام في قوله تعالى : {لِيَبْلُوَكُمْ} و {لِنَبْلُوَهُمْ} إما أن تكون للتعليل وإما أن تكون للعاقبة وفي كلا الاحتمالين تكون دالة على حتمية وقوع الابتلاء.
والصحيح أنها للتعليل كما في قوله تعالى :
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذريات:56-57].
وقد بينت الغرض من الاستشهاد بالآيات فقلت : بأن الله تعالى كتب علينا الابتلاء وقدره علينا وأن (هذا الابتلاء هو الطريق الشرعي والقدري الموصل إلى التمكين ..)
ثم سقت كلام الشافعي المؤيد لما قلت ..فأين الخطأ في هذا الكلام ؟
إن كان لديك يا دكتور ما يدل على فساد هذا القول فبينه لنا حتى نستفيد..
أما النفي وحده فلا يكفي فليس من المجدي التعلل بأن هذا الكلام عام ..
إذا كان عاما فأين ما يثبت نقيضه ؟
وإذا كان خطأً فأين الصواب؟
لقد استدللت وبينت وجه الدلالة وكان ينبغي لمن يريد التعقيب على كلامي أن يتناول كل دليل على حدة وأن يبين بالدليل عدم صحة إسقاطه على المسألة المطروحة للنقاش ..
يا دكتور طارق هناك فرق بين من يناظر بالأدلة ويدمغ الحجة بالحجة فيبين للمخالف ما خفي عليه من أسباب الهدى وطرق المحجة؛ ويحذره من المسالك المعوجة؛ ومن يحاكم الناس إلى عقله فيحكم عليهم بمزاجه وآرائه .
أما تخطئة كلام المخالف بشكل إجمالي واتهامه باتباع مناهج المبتدعة فهو التعميم الخاطيء بعينه وهو الهروب من مقارعة الحجة بالحجة !!
أنت الآن يا دكتور كطيار مقاتل يرمي من مسافات عالية ويخشى من التحليق في مسافات منخفضة خشية المضادات الأرضية!!
وإلا فلماذا تحلق في سماء العمومات ولا تنزل إلى أرض الأدلة ؟
3- قوله : (والردّ العامٌ على ما دوّن الأخ هو أنه إنما بَنى بِناءه كله على فرضيةٍ واقعيةٍ، وفرضيةٍ شرعيةٍ لغوية، إن صحتا قام البناء، وإن بطلتا إنهار البناء. أما الفرضية الواقعية فهي أنّ الواقع الحاليّ ومناطه بمصر هو تماماً كما سَبق أحداث يناير حَذو القذّة بالقّذة. أما الشرعية اللغوية، فهي أن الألفاظ تراد لظواهرها ومبانيها، لا لحقائقها ومعانيها).
التعليق :
للأسف هذا الاستنتاج غير صحيح ..فأنا لم أبن كلامي على هاتين الفرضيتين..!
ولكي يتضح الأمر فسأنطلق من فساد الفرضيتين :
وأبدأ بالفرضية الأولى فأقول :
نحن نسلم بأن الواقع تغير، لكن تغير هذا الواقع لا أثر له على حكم المشاركة في النظام الديمقراطي؛ فقد كانت المشاركة في هذا النظام قبل تغير الواقع تحاكما إلى غير شرع الله؛ وما زالت بعد تغيره تحاكما إلى غير شرع الله ..ولا نجد مبررا شرعيا يبيح هذا التحاكم فكما أنه كان ممنوعا بالأمس فهو ممنوع اليوم وسيظل ممنوعا غدا لأنه شرك وإثم مبين .
4- (أنه حتى في ظل الدستور السابق، وظلّ المادة الثانية، التي قررت المحكمة الدستورية أنها تعنى عدم جواز الرجوع إلى اي تشريعٍ آخر معها، إذ لا يصح معارضة المصدر الرئيس للتشريع، فقد قام بعض الفقهاء والمستشارين والقضاة من أهل الدين والضمير، بالحكم بما تقتضى الشريعة، مُتَحدّين بذلك السُلطة التنفيذية الباغية الكافرة).
التعليق :
هذا الكلام يدل على أن الدكتور طارق لا يرى بأسا بتطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية وهذا هو السبب الرئيس في دفاعه عن المشاركة في الانتخابات ودفاعه عن موقف الشيخ ياسر برهامي.
ومن يؤمن بهذه الفكرة فليس في حاجة إلى أن يتعلل بسقوط الدستور لأنه يرى مشروعية المشاركة حتى في ظل وجود الدستور !
والذي يظهر لي أن الدكتور قرأ ما كتبته على عجالة أو أنه لم يمعن فيه النظر والتأمل؛ لأنه تجاهل الكثير من المسائل التي نبهت عليها فلا هو أقر بها واعترف بصحتها ولا هو رفضها وبين بطلانها ..
فبنى رده على أساس أني لم أقل وأنه لم يسمع !
فما فائدة الرد إذن ؟
ومن الأمثلة على ذلك أني أشرت إلى أهمية الجانب التعبدي في مسألة تطبيق الشريعة وأن هذا التطبيق لا يكفي أن يقع على أي هيئة كان؛ بل لا بد أن يقع على وجه التعبد لله والخضوع له وهذا غير متوفر في حالة تطبيق الشريعة عن طريق الآليات الديمقراطية ..
هذا الشرط الذي ذكرته لم يعترض عليه الدكتور في رده ولم يقل ببطلانه ومع ذلك يطرح ما هو مخالف له فيقول هنا بأن : (بعض الفقهاء والمستشارين والقضاة قاموا بالحكم بما تقتضى الشريعة...)
وكأنه يتناسى ما ذكرناه من اشتراط تطبيق الشريعة على وجه التعبد والخضوع لله لا عن طريق الآليات الديمقراطية التي يعني الخضوع لها الخضوع لإرادة الشعب ..
5- قوله: (أن الإعلان الدستورىّ، مهما كان به من موادٍ، لا شرعية له إلا الشرعية المؤقتة، مثله مثل حكومة تصريف الأعمال، وستكون صياغة الدستور منوطٌة باللجنة المُوّكلة بكِتَابته، والتي سيكون غالبها من المُسلمين الذين يمثلون إرادة الشَعب للإسلام، وبهذا يُفرَض الإسْلام على المجتمع فَرضَاً. وهي حقيقة يتحدث عنها العالم كله خوفاً ورهباً، ).
التعليق :
كل شيء في هذه الدنيا مؤقت والمهم ألا يخضع المسلم لحكم الطاغوت ولو لحظة واحدة .
وفرض الإسلام عن طريق الخضوع لإرادة الشعب ليس هو تطبيق الشرع الذي كلفنا الله به .
وكل هذه التحركات والمحاولات سوف تكون محكومة بآليات النظام الديمقراطي فلا تخرج عن إطار التحاكم لغير شرع الله .
وليس من المهم الحديث عن خوف العلمانيين أو عن طمأنينتهم إذ لا علاقة لذلك بما نتحدث حوله ..
فنحن نتحدث عن الوسيلة الشرعية للوصول إلى الحكم ..
وهم خائفون من وصول المسلمين إلى الحكم سواء بالوسائل الشرعية أوبالوسائل الشركية .
6- قوله : (إلا أولئك الذين يقولون "لا ناقة لنا في هذا البرنامج ولا جمل، نحن سنترك كتابة الدستور للادينيين، ومن ثم ندع لهم تولى الحكم، ومن ثم إصدار كلّ قانونٍ يناقض الشرع ويقتل الفضيلة، ويبيح المُحرمات، لأنّ هناك نصّ في الإعلان الدستورى "المؤقت" يقول إن الشعب مَصدر السلطات، رغم أن ما قبله يؤكد أن لا مَصدر للتشريع إلا الإسلام، حسبَ تفسير الدُستورية له!).
التعليق :
إذا كان الدستور ينطلق من مبدأ "الحكم للشعب" فلا شرعية له مهما تضمن من مواد إسلامية ..
فينبغي اعتزاله وتركه للادينيين والعلمانيين والسعي في كتابة دستور إسلامي خالص ينص على أن الحكم لله وحده لا للشعب .
وإنما يجوز لكم إن تشاركوا في كتابة الدستور من خلال آلية شرعية لا تجعل المرجعية لغير الله ..
ونحن الذين نقول هذا الكلام نريد منكم نزع صبغة الشرعية عن كل نظام وكل دستور وكل قانون يخالف شرع الله وأن تحثوا المسلمين على مقاطعته وعدم الخضوع له ..
وماذا ستفعل الدولة حين تعلم بأن الغالبية من الشعب ترفض الديمقراطية وترفض الدستور والقانون المخالف لشرع الله وترفض التعاطي معه ؟
أليس هذا نوعا من الاحتجاج ؟
إنّ رفضنا وعدم اعترافنا بهذه الأنظمة والقوانين الشركية وعدم التعامل معها هو أول خطوة نحو تغيير شرعي جاد .
إن هذه المطاوعة الظاهرة للدساتير والقوانين هي تعظيم لها وانقياد حتى وإن كنا ندعي بغضها وكراهيتها :
لقد أطاعكَ منْ يرضيك ظاهرةً ** وقد أجلَّكَ من يعصيكَ مستترا
7- قوله : (أنه حين يتعارضُ نصّان، يُحمل الظَاهر على النَصّ، والنصّ في الدستور أنّ الشريعة لا يجوز مخالفتها، و"الشعب مصدر السلطات" ظاهرٌ يمكن فهمه بتأويلات أخرى كما سيأتي).
التعليق :
أما تقديم الظاهر على النص فهو المقرر عند الأصوليين لأن ما لا يحتمل إلا وجها واحدا مقدم على ما يحتمل وجهين .
لكن القواعد الأصولية إنما وضعت لضبط التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وفهمهما ومعرفة كيفية استنباط الأحكام منهما وليست هي الفيصل في حل الإشكالات الدستورية في النظام الديمقراطي فالفيصل فيها هو ما يسمى بالفقه الدستوري .
وانطلاقا من الفقه الدستوري فإن عبارة : "الشعب مصدر السلطات" تعتبر "نصا" واضحا لا لبس فيه ولا غموض وليست من الظاهر لأنها لا تحتمل أكثر من وجه ..
فالحكم للشعب وهو مصدر السلطة؛ والقانون ما هو إلا تعبير عن إرادة الشعب ..
هذه هي الديمقراطية وهذه هي حقيقتها وليس من الأمانة أن نخادع أنفسنا ونقول غير ذلك ..
وإذا كانت عبارة "الشعب مصدر السلطات" سببا في وجود إشكال على هذا المستوى من الخطورة فلماذا لا يتم شطبها والتخلي عنها ؟
وما هو السر في وجودها في كل الدساتير الماضية والحالية والقادمة ؟
ولماذا لا يشن الإسلاميون معركة لحذف هذه المادة كما شنوا معركة لإثبات المادة الثانية؟
الجواب معروف: فهذه المادة هي الأساس الذي ينبني عليه النظام الديمقراطي وبانعدامها لا يمكن تطبيق آلياته ..
تلك الآليات التي يظن بعض الدعاة الآن أنها يمكن أن تكون وسيلة لتطبيق الشريعة !!
8- قوله :( أنّ النصّ على مَرجعية الأحكام الشرعية، وتفسير قولة "الشعب مصدر السلطات" بما لا يتعارض معها، ورفض المنهج الديموقراطيّ، ظاهراً وحقيقة، سيكون من مُهمة المجلس القادم، أن يقننه ويوضح مواده، وكيف يريد هؤلاء المعترضين أن يتم التغيير عملياً دون خطواتٍ يأخذ بعضها برقاب بعضٍ؟ إنّما يُفكر هؤلاء في مِصر كأنها "جَماعة إسْلامية" لا دولة ذات مؤسّساتٍ وسُلطات هيكلية غاية في التعقيد، يجب أن يبدأ إعادة منهجتها إسلامياً بمثل هذه الخطوات، أو قريب منها).
التعليق :
نحن نريد من المسلمين أن يرفضوا هذا الحكم الطاغوتي ولا يخضعوا له ولا يجعلوا الدخول فيه وسيلة إلى إلغائه فتلك حيلة إبليسية يراد من خلالها جرهم إلى هذا المستنقع الشركي الآسن؛ وقد جربها أقوام طيلة العقود الماضية فانسلخوا من دينهم رويدا ..رويدا !
واكتشف البعض منهم ما وقع فيه من خلل وصرّح بالندم ..
لكن بعض شيوخ السلفية اليوم لم يستفد من الدرس بل شرع في تكرار المأساة فأصبح حاله كما يقول المثل : "رايح للحج والناس راجعين"..!
رفض المنهج الديمقراطي لن يكون من داخله؛ بل إن مجرد الدخول في هذا النظام يعتبر ترويجا له وإضفاء للشرعية عليه .
وتطبيق الشرع بآليات ديمقراطية لا يجوز شرعا لما فيه من فتح الباب أمام الدخول في هذا النظام الشركي؛ فدخوله ولو مرة واحدة وتحت أي ذريعة سوف يفتح الباب لدخوله إلى الأبد !
وليس من المقبول عقلا ولا شرعا أن نقول بأن الشرك ممنوع بالإطلاق وفي كل حال ولا يترخص في شيء منه ثم نسارع فيه كلما عنت حاجة أو لاحت مصلحة !!
الطريقة الوحيدة لرفض هذا النظام هي اعتزاله ودعوة الناس إلى عدم التعاطي معه وتحذيرهم منه ثم المطالبة بإزاحته والشروع في تطبيق الشريعة .
وكلام الدكتور مجرد أمنيات لم تجد بعد طريقها إلى الواقع؛ لأن أي حزب أو جماعة رضيت بالمشاركة في النظام الديمقراطي لن يكون من حقها القضاء على هذا النظام أو إزالته فآليات اللعبة تسمح للكل بالحكم من خلالها لا بالقضاء عليها ..
أما التفريق بين الجماعة والدولة في هذا الأمر فلا معنى له ..فالخضوع لشرع الله واجب على كل منهما وليست الشريعة الإسلامية على درجة من التعقيد بحيث لا يمكن تطبيقها إلا من خلال الديمقراطية .
9- قوله :(أما بالنسبة للفرضية الشرعية اللغوية، فإننا قد بيّنا أن الألفاظ أو المُصْطلحات يجب تحرّى معانيها عند إجراء الأحكام، كما يجب إزالة الإشتباه والإشتراك فيها ليصح البناء عليها، فإن الألفاظَ قوالبٌ للمعاني، لا العكس، وهي تراد لمعانيها لا لمبانيها.......... الإستعمال اللفظى قد يُمثلُ إشتراكاً في المَعنى، يجب تحريه قبل البناء عليه. وهذا ما حدث في إستعمال كلمة مثل "الديموقراطية" التي يعرف الخاصةُ أنها تعنى كفراً وإرجاعاً لحق التشريع إلى البشر، بينما يعتقد الغالب الأعمّ من الناس إنها لا تعنى أكثر من الشورى، ومن طريقة الراشدين في الحكم، بل ومن الخَواص المثقفين، ممن أعرف شَخصياً، من لا يزال يردّدها في ضوء هذا التصور.
كذلك يقال عن تعبير "الشَعبُ مَصدر السُلطات"، فهو معنى يختلطُ في أذهان المسلمين برفض الديكتاتورية والوصاية على القرارات التنفيذية عامة، دون حق التشريع).
التعليق :
هذه هي الفرضية الثانية التي زعم الدكتور أني انطلقت منها؛
ولبيان عدم انطلاقي من هذه الفرضية أقول :
لقد حكمنا على الديمقراطية بأنها شرك ..
فهل أسقطنا عليها هذا الحكم لأن اسمها : "الديمقراطية" ؟
أم أسقطنا عليها هذا الحكم انطلاقا من واقعها العملي ؟
الاحتمال الأخير هو الصحيح ..فالواقع العملي للديمقراطية يشهد بأن السيادة والمرجعية العليا للشعب .
فما حكمت به الأغلبية أصبح واجبا لازما وما أبطلته صار ممنوعا محرما .
هذا هو المعلن في التنظير والشعارات؛ وهو المطبق في كل الديمقراطيات .
وأما من يخضع لحكم الشعب عمليا بنية أنه يمارس الشورى فلا أثر لنيته لأن حسن النية لا يحل الحرام؛ وتغيير الأسماء لا يؤثر في الأحكام ..
فلا أثر لتسمية الديمقراطية بالشورى كما لا أثر لتسمية الخمر باللبن .
10- قوله : (وما لجأ اللادينيون إلى إستعمالها بالمعنى الغربيّ الكفريّ إلا تدليساً على العامة، من ناحية، وكطريقة للإلتفاف حول المادة الثانية التي باتت شوكة في حلقهم، لعلمهم بدستوريتها وشرعيتها ومرجعيتها العامة فوق كلّ تشريعٍ، إن تولّى التنفيذ رجالٌ يؤمنون بها. فالمشكلة، في رأينا، مُشكلة تنفيذ، أكثر منها مُشكلة تشريع).
التعليق :
مشكلة التشريع موجودة ومن أوضح الأدلة على ذلك وجود هذه المادة التي تنص على أن "الشَعبُ مَصدر السُلطات" كما أن القوانين المعمول بها ليس فيها ما يوافق الشريعة إلا النزر اليسير .
وأما اعترافه بوجود مشكلة في التنفيذ فهي مسألة معلومة وهو ما يجعلنا نجزم بأن المشاركة في هذا النظام لن تكون له ثمار ملموسة .
11- قوله : (ثم إن الله منفذٌ أمره وقضاءه، إن نجح الجهد فبِفضْله وحَوْلِه، وإن تَعثـر وغلب المُبطلون، فطريق الدعوةِ والجِهاد مفتوحٌ لم يُغلق، كما قررنا في مقالنا عن منهجية التغيير).
التعليق :
هذا الكلام مقبول لو أن سلوك طريق الديمقراطية مشروع أصلا ..
أما أن نترك الطرق المشروعة ونخوض التجارب بالطرق غير المشروعة فهذا ما لا يقبله الشرع .
12- قوله : (إن المشاركة للتغيير في هذا المناط الذي سقط فيه الدستور وانهارت الشرعية البرلمانية، والبرلمان ذاته، تكون لمنع الحكم بغير ما انزل الله، قبل أن تكون لإقرار الحكم بما أنزل الله، ولا عبرة بالتسمية، وإلا فما اسهل على هؤلاء من أن يسَمّوا ما يريدوا للمسلمين أن يجتنبوه بأسماء مشبهة، فيمنعوا المسلمين منها، والوضع الآن أنه لا نظام اصلاً ولا دستور، كما بيّنا).
التعليق :
ذكرنا بأنه لا وجود لهذا الفراغ الذي يدعيه و كلامه عن النية لا جديد فيه فكل الذين شاركوا في النظام الديمقراطي من الإسلاميين والدعاة دخلوا فيه بنية حسنة إما بنية إصلاح ما أمكن وإما بنية التصدي لأهل الباطل وعدم إخلاء الساحة لهم وإما بنية تطبيق ما أمكن من الشريعة وإما بنية ذلك كله ..
وقد ذكرنا أن حسن النية لا يبرر سوء العمل .
13- قوله : (فإن غلب المسلمون، لم يعد للديموقراطية بشكلها الغربي وجود، إذ يرفضها الحكم الإسلاميّ، ولايكون معنى لسيطرة الشعب إلا إنه يفرض قراره بتطبيق الشريعة).
التعليق :
قبل أن يصل المسلمون إلى مرحلة الغلبة فهم يعملون من داخل النظام الديمقراطي ويخضعون لحكم الشعب بالمفهوم الغربي ..
فما هو المنطلق الشرعي الذي من خلاله نبيح لهم الدخول في هذا النظام الشركي ابتداء ؟
وبعد أن يغلب المسلمون ماذا سيحدث ؟
هل سيقضون على مادة "الشَعبُ مَصدر السُلطات" ؟
وهل سيفرضون دستورا خاليا من أي مادة مخالفة للشريعة ؟
وهل سيمنعون تعدد الأحزاب ؟
وهل سيمنعون التناوب على السلطة ؟
وهل سيمنعون المساواة بين المسلم والكافر ؟
وهل سيتحررون في تطبيقهم للشريعة من آليات الديمقراطية أم سيظلون أسرى لها يدورون في فلكها ؟
وهل سيتبنون طريقة النظام الإسلامي أم سيبقون على نظام الفصل بين السلطات ؟
أنتم يا دكتور بدخولكم في هذه الانتخابات لا تعتمدون على القوة وإنما على الشرعية الدستورية والآليات الديمقراطية ..
فما هي الشرعية والآلية التي ستمكنكم من القضاء على النظام الديمقراطي ؟
14- قوله : (وأن يقال انّ الشعب لا يصح أن يكون له قرارٌ في تطبيق الشريعة، فهذا خبلٌ عقليّ، وإلا فإن أهل المدينة قرروا أي وافقوا على تطبيق الشريعة بالطبع، ولو لم يقرروا ذلك ما طُبقت، وكيف يتصور أن يكون تطبيقاً لقوانين من غير أن يقرر المكلفون إتباعها؟!).
التعليق :
المسألة لا تتعلق برأي الشعب في الشريعة المسألة تتعلق بهذه الآليات الديمقراطية التي تكرّس مبدأ تحكيم الشعب ..
فكل ما تقومون به من تحركات بواسطة الآليات الديمقراطية فهو يمر عبر هذا المبدأ ويخضع له .
15- قوله : (ثم لماذا حصر الأخ طرق التغيير في ثلاثةٍ، إثنتان شرعيتان، وثالثة باطله؟ ولم لا يكون هناك طرق أخرى تلحق بالشرعية، يفرضها الواقع ويقرها الإجتهاد الشرعيّ).
التعليق :
أما الدعوة والجهاد فهي طرق للتغيير مباحة منصوصة في الشرع وأما الديمقراطية فليست طريقا مشروعا للتغيير لما ذكرنا من مخالفاتها للشرع .
وأما بقية الطرق إن وجدت فينظر إلى موافقتها للشرع ..
فكل طريق موافقة للشرع فهي مشروعة؛ وكل طريق مخالفة للشرع فهي ممنوعة .
16- قوله : (وليس أدل على ذلك مما فعل الأخ ابو منذرٍ نفسه، حين لمعت في عقله أضواء الفهم الذي يتعدى الجمود على النصوص المحمولة على غير مناطاتها، حين أقر بحق التظاهر، وشجع الثوار، ).
التعليق :
في بعض الحالات عندما يتعلق الأمر بأسس الدين وقطعياته يكون الجمود على النصوص فريضة محتمة.
وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في قتاله لمن منعوا الزكاة : (لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه) ..
فتأمل كيف يقوم الصديق رضي الله عنه بشن الحروب وإراقة الدماء من أجل عقال !!
17- قوله: (كيف يُشرع لنا أن نخرج في مظاهراتٍ نتعرض فيها للموت لخلع الحاكم وإسقاط شرعية نظامه، ثم إذا فعلنا، كَمّمنا أفواهنا، وإمتنعنا عن قولة إننا نريد الشريعة، ونريد من يطبق الشريعة، وعن إزاحة اللادينيين من الحكم أو التشريع؟).
التعليق :
ومن قال لكم لا تفعلوا ؟
بل تكلموا وطالبوا بتطبيق الشريعة وإزاحة اللادينيين من الحكم
لكن بشرط ألا يكون ذلك عن طريق الديمقراطية الشركية .
ثم لماذا تنطلق من فرضية أنه "إما السلبية وإما الديمقراطية" ؟
هل أوصدت كل الأبواب وسدت كل المنافذ الموصلة لشرع الله ولم يعد من سبيل يوصل إليه إلا الديمقراطية الشركية ؟
18- قوله : (وقوله، رعاه الله، "أفلا يشرع الخروج عليها بأي وسيلة أخرى كالمظاهرات شرعا؟، هو عين ما نقول له اليوم، ألا يجوز أن يكون هناك وسيلة ثالثة للتغيير المشروع، إلى جانب الدعوة والجهاد، كالتصويت على الحكم بالإسلام، مع تحقق وجود الفراغ الدستورى والتنفيذي بلا جدال؟ فإن كان الجواب بنعم، ثبُت المطلوب، وإن كان بلا، عدنا عليه بنفس حجته بحِلّ المُظاهرات).
التعليق :
هذا قياس مع وجود الفارق وهو من باب قياس الخمر على اللبن !
فأنا حين دعوت إلى المشاركة في المظاهرات فعلت ذلك لأنها مسألة مباحة لا يوجد لها مانع شرعي ..
وحين حذرت من ال

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية