مسودة الدستور جناية في حق الشريعة

المادة"2":ـ

(الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع)



المادة "219" المادة المفسرة كما سموها:

(مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة).



كم كان عجيبا للبعض تلك القوى والشخصيات التي اعترضت على جعل المادة الثانية تنص على "أحكام الشريعة" بدلا عن "مبادئ" واعترضت أيضا على أن ينص الدستور على اختصاص الأزهر دون غيره بتفسير كلمة "مبادئ الشريعة"، بينما وافقت على وجود المادة المفسرة للمادة "2"!! وبالرغم أن البعض قد ظن أن هذا تناقض إلا أن تلك الشخصيات والقوى كانت الأكثر فهما دستوريا ومازادت عن أنها قد خدعت الجميع! وذلك للآتي:



أولا: كلمة "مبادئ الشريعة" والمادة المفسرة



ظن البعض أن المادة المفسرة قد أتت بجديد أو أنها تعني تفعيل أحكام الشريعة وتطبيقها وهو وهم في الواقع! فما زادت تلك المادة عن تفسير كلمة "مبادئ" بالتفسير الدستوري المعروف كما عرفها مرارا وتكرارا فقهاء الدستور قبل المسودة بكثير!! حيث كان تفسير "مبادئ الشريعة" على تفسيرين نتيجتهما واحدة في تعطيل الشرعية:ـ



التفسير الأول: وهو ما تم وضعه في المادة المفسرة في الدستور موافقا لما فسره معظم الدستوريين سابقا! بأن "مبادئ الشريعة" لا يجب أن تتجاوز الأدلة الكلية والقواعد الفقهية العامة، بحيث يصبح القانون بعيدا عن الأدلة التفصيلية والتي يؤخذ منها في الحقيقة أحكام الشريعة التني تنظم كل أمور الحياة، فمثلا قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" هي قاعدة فقهية وتؤخذ كدليل كلي معتبر في التشريع أما تحديد ما هو الضرر الذي اعتبره الشرع وقرره فلا علاقة للقانون به ، فالخمر قد تراها ضررا وقد لا أراها كذلك ما لم تسكر مثلا، كل هذه التفاصيل تدخل في أحكام الشريعة لا في "مبادئ الشريعة" وعليه فالقانون لا علاقة له بتلك الأحكام الشرعية بل ما يعنيه فقط هو القاعدة الكلية "المبادئ"

وهذا التفسير قد قاله المستشار عبد الرزاق السنهوري الذي وضع غالب دساتير وقوانين الدول العربية في تفسيره لكلمة مبادئ الشريعة

وكذلك المستشارة تهاني الجبالي وهي من أعضاء المحكمة الدستورية حيث تقول:

( ذلك لكون (مبادئ الشريعة الإسلامية) تحتوى أيضا المبادئ الشرعية الكلية (جوامع الكلم الفقهية) التى استنبطها الفقه من الأصول وشهد بصدقها الفروع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن «شكل العقد يحكمه قانون محل حصوله»، أو «أن الغش يفسد كل شيء» ، أو «الغرم بالغنم»، أو «لا ضرر ولا ضرار» )

ثم تذكر فى موضع آخر:

ـ(إن مبادئ الشريعة الإسلامية (وليست أحكامها التفصيلية) هي كما قال أستاذنا الدكتور عبد الرازق السنهوري أمام مجلس الشيوخ المصري خلال مراجعة نص المادة الأولى من القانون المدني هي: (المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية التي لا يوجد خلاف بشأنها بين الفقهاء)، ومن ثم فإن الضرورة تقضي بأن ننظر إلى عبارة (مبادئ الشريعة الإسلامية) فى إطار أن (المبادئ الكلية قوامها "الحكمة") )ـ

وتقول أيضا:

ـ(أن المشروع الدستورى أورد تعبير (مبادئ الشريعة الإسلامية) لا أحكام الشريعة الإسلامية، ولو قصد النص على أحكام الشريعة لما أعجزه التصريح بذلك فى النص، وهو ما يعنى الإحالة للمبادئ العليا وحدها)ـ

من مقال في جريدة التحرير بعنوان [قصة المادة الثانية من الدستور؟]ـ



بل وقد اعترف بعض الإسلاميين بهذه الحقيقة ضمنيا مثل الدكتور «محمد سعد الكتاتني» ، وكيل مؤسسي حزب «الحرية والعدالة» والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين حيث قال:



ـ(نحن نقول فيما يخص موضوع تطبيق الحدود، إننا مع كل ما هو موجود في الدستور المصري وملتزمون به، ونحن مع مبادئ الشريعة الإسلامية المتوافقة مع الدستور المصري، ونحن لا ندعو إلى تغيير الدستور الحالي، لأن هناك فرقاً بين مبادئ الشريعة الإسلامية وبين الفقه)ـ

من حواره لـ«المصري اليوم» بتاريخ 25/02/2011 ـ



وجاء على لسان الشيخ عبد الخالق شريف مسئول قسم نشر الدعوة بجماعة الإخوان المسلمين؛ فى تصريح لليوم السابع في تعليقه على "مليونية الشريعة":ـ



ـ(أن الأدلة الجزئية فى الشريعة الإسلامية مختلف عليها، وأن الدستور لابد أن ينص على الأدلة الكلية، نظراً لصعوبة تعديله من فترة لأخرى، وأضاف: "من الصعب النص على أحكام الشريعة الإسلامية فى الدستور، نظراً لأنها مختلف عليها، وفقا لكل مذهب، أما القواعد الكلية فهى الحاكم الأساسى)ـ



وبالنظر للمادة المفسرة رقم (219): (مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة).ـ

يتضح لك أن التعريف الجديد لم يخرج عن دائرة الأدلة الكلية، أو المبادئ الكلية؛ القواعد والأصول الثابتة! فهو فى النهاية تعريف "المبادئ" المعهود والمعروف عند الجميع! وحينما يذكر المصادر المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة، فإنه لا يعنى بذلك إلا مصادر هذه المبادئ، والأدلة الكلية، والأصول، دون أن يتعداها إلى أي أدلة جزئية أو تفصيلية



التفسير الثاني الذي كان موجودا لكلمة "مبادئ": هو تفسير المحكمة الدستورية في حكمها الشهير الذي حصر ببجاحة هذه المبادئ فيما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة حيث قالت: "لا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلا." وهذا التفسير هو مزيد من التضييق في التعريف وقد اعترف العلمانيون قبل غيرهم بأن فعل المحكمة الدستورية هو مزيد من التفريغ للشريعة وتواجدها في الحياة السياسية في مصر يقول يحيى الجمل الفقيه الدستوري المشهور بعلمانيته:



ـ(فأما تتكلمي عن قطعية الثبوت قطعية الدلالة هتلاقيها نصف صفحة "لا ضرر ولا ضرار" "دفع المضرة مقدم على جلب المنفعة" "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" ، وهكذا يعني مسائل مبادئ عامة في الضمير الإنساني كله وأقرتها الشريعة الإسلامية)ـ

من برنامج العاشرة مساء على قناة دريم



يلاحظ أن تفسير المحكمة الدستورية مؤداه في النهاية ما وصل إليه التفسير الأول من حصر الشريعة في قواعدها الكلية والأصوليىة أي مبادئها العامة فقط!ـ



ثانيا: مواد الدستور تكاملية وليس لأي مادة سلطان على مادة أخرى:



ياليت المادة الثانية -على ما فيها من العوار الذي ذكرناه- هي مادة تقيد باقي مواد الدستور وتعجله محكوما "بمبادئ الشريعة" فهذا شيء الذي ليس له وجود دستوريا، فكل مادة من مواد الدستور هي مادة قائمة بذاتها ليس لمادة أخرى سلطان عليها وهو ما يعني أن كل ما يخالف مبادئ الشريعة في الدستور وما أكثره سيكون معمولا به يكون جنبا إلى جنب مع المادة الثانية

يقول المستشار السنهوري:

ـ(يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه)ـ

يقول المستشار حامد الجمل:

ـ(والمادة الثانية لا يمكن تفسيرها وحدها، بمعزل عن المواد الأخرى فى الدستور، ومنها ما يتعلق بالمساواة، وعدم التمييز بين المواطنين، كذلك المواد الأخرى المتعلقة بسيادة القانون، واستقلال القضاء، وأن المحاكم هى التى تتولى الفصل فى المنازعات)ـ

جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011



ثالثا: لا تغيير في القوانين التي صدرت قبل الدستور



ظن البعض أن بصدور الدستور الجديد ستبطل كل أحكام القوانين التي تخالفه ومنه تلك القوانين التي تخالف الشريعة وهو الظن الخطأ حيث تنص المادة (222) على الآتي:ـ

ـ(كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور يبقى صحيحا ونافذا. ولا يجوز تعديلها ولا إلغاؤها إلا وفقا للقواعد والإجراءات المقررة فى الدستور)ـ بل المستقر دستوريا أن هذه القوانين نفسها لا تغير تلقائيا ولا سلطان للمادة الثانية عليها مادمت قد صدرت قبل الدستور

يقول المستشار/ محمد وفيق زين العابدين في حديثة عن تعديل المادة الثانية أيام السادات :ـ

ـ(وجدير بالذكر أن تحرر بعض القوانين كتلك التي تخص الجرائم والعقوبات وامتداد عقود الإيجار القديمة غير محددة المدة وغيرها عن القيد الدستوري المذكور ، فذا لأن إلزام المشرع الوضعي باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع ـ بعد تعديل المادة الثانية من الدستور ـ لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرضه فيه هذا الإلزام ، بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية ، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فإنها بمنأى عن الخضوع لهذا القيد ، ولا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلاً قبل فرضه)ـ

وعليه فكل القوانين التي تخالف "مبادئ الشريعة" هي قوانين صحيحة ونافذة والطعن الدستوري عليها بالمادة الثانية غير ممكن لأنها صدرت قبل كتابة الدستور ويدخل في ذلك كل القوانين التي تخص الجرائم والعقوبات والعقود الجائرة كالإيجارات القديمة وما يتعلق بحق الاكتساب ونقل الملكية أو تلك التي تفرض الفوائد الربوية على الديون أو تقضي بترخيص النوادي الليلية أو محلات الخمر وكذلك التي تجعل الزنى غير مجرم مادام برضى من الطرفين!

هذا مع ملاحظة أن هذه القوانين في معظمها لا يخالف مبادئ الشريعة على النحو المفسر في الدستور بل يخالف أحكام الشريعة!!!!ـ

وكان المقترح في هذه الحالة أن يكون بدلا من هذه المادة المشئومة مادة تلزم البرلمان في مدة زمنية ولتكن 10 سنوات أو تزيد لمراجعة كل القوانين التي تخالف الشريعة وضبطها على ما يوافق أحكامها هذا مع الملاحظة مرة أخرى أن المادة الثانية تتحدث فقط عن المبادئ لا أحكام!



رابعا: السيادة للشعب على الدستور وعلى الشريعة وعلى الجميع بحكم الدستور



وبعد كل هذا العوار من حصر الشريعة فقط في "المبادئ" أي الأدلية الكلية والقواعد العامة وكذلك بقاء القوانين التي صدرت قبل الدستور كما هي مهما ناقضت الشريعة فإن هناك ما هو أكثر سوءا، فإن مبادئ الشريعة التي قضى الدستور بأنها المصدر الرئيسي للتشريع لا قيمة لها ولا سيادة إلا بما يقضيه الشعب أو من يمثله في البرلمان، فما هي إلا مادة في دستور السيادة فيه للشعب أولا وأخيرا، فالشعب هو من يعطي للدستور كله شريعته وهو القادر على تغييره أو تغيير أي مادة فيه ولو كانت المادة الثانية نفسها بحسب المادة (217)ـ

كما أن سن أي قانون يطبق شيئا حثت عليه "مبادئ الشريعة" أو أمرت به فلن يكون ملزما حتى يوافق عليه نواب الشعب في البرلمان ولو رفض نواب الشعب بأغلبية كان القانون مهدرا ولا تستطيع قوة دستورية ولا قرآنية أن تمرر القانون الذي تأمر به مبادئ الشريعة!

تقول المادة (5) ـ

(السيادة للشعب يمارسها ويحميها، ويصون وحدته الوطنية، وهو مصدر السلطات؛ وذلك على النحو المبين فى الدستور)

يقول المستشار حامد الجمل:ـ

(وأقول أن مبادئ الشريعة لا تدخل مباشرة فى التطبيق القضائي، ولكنها تدخل فى القانون الوضعي)

ويقول أيضا:

(وهناك مسألة مهمة ترتكز على أن الشريعة الإسلامية لا تطبق بقوة نصوص الدستور، ولكن تطبق بإرادة المشرع المصري)

جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011



خامسا: تعمد الغموض في الصياغة



مسألة حسم مادة في الدستور تقر أن الشريعة لا يجوز مخالفتها لا في التشريعات ولا في القرارات الرسمية هي مسألة سهلة لو كانت النية فعلا هو تفعيل هذه الشريعة الغراء في حياتنا، لكن هناك تعمد منذ أن وضعت المادة الثانية أصلا في الدستور المصري بأن تكون غامضة وعائمة وضيقة وتحتمل معان متناقضة ويكون تفسيرها محاتجا أصلا لتفسير آخر يفسره! فمع ما شرحناه نجد مثلا لفظة مثل "المصدر الرئيسي" هل تعني أن هناك مصادرا أخرى للتشريع وما هي وما حدودها؟؟ وبالرغم من تعريف المحكمة الدستورية المذكور نجد كلاما آخر لدستوريين آخرين، يقول المستشار حامد الجمل:

(قلنا : والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ولم نقل أنها المصدر الوحيد، وكان التيار الإسلامى يرغب فى أن تكون الصياغة " والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع" وهذا الكلام غير ممكن فى دولة قانونية، والرئيس السادات رفض ذلك)ـ

جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011


حركة أحرار

هل الخلل فى الدستور الجديد ثانوى أم يهدد الإسلام؟؟

التَّبْصِير بِحقيقة منهج الشيخ أبي بصير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

التَّبْصِير

بِحقيقة منهج الشيخ أبي بصير

لفضيلة الشيخ

أبو المنذر الشنقيطي

حفظه الله

المقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد :

فالمعذرة إن تحدثت بلهجة شديدة في هذا الموضوع، فإن الله تعالى يقول : {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} (النساء:148) .

ولو أن الظلم كان واقعاً على شخصيا لما تكلمت،لكنه واقع على خيرة الأمة من المجاهدين !

منذ أن سمعت عن كتابات الشيخ أبي بصير وطالعت بعضها وأنا ألحظ في موقفه من المجاهدين تذبذبا واضطرابا ..

والمتابع لتصريحاته وكتاباته يجد ها لا تخلوا من التناوب بين التنديد والتأييد والمزج بين المناصرة والمعارضة ..

وهكذا ظلت كتاباته مرة تضحكنا ومرة تبكينا ..!

ولكن لكثرة السهام الموجهة إلى المجاهدين وكثرة العائبين والشانئين لم تكن انتقادات الشيخ أبي بصير مقارنة بغيرها تأخذ الكثير من اهتمامنا بل كنا نلتمس لها أحسن المخارج ونعتبرها من خطإ الناصحين نظرا لما يخلط معها من أمور ظاهرها التأييد .

وهذه نظرة سريعة إلى منهج الشيخ أبي بصير ومحاولة لإبراز حقيقة موقفه من المجاهدين ,نختمها بكلمة للمدافعين عنه .

ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد .

ملاحظات على منهج الشيخ أبي بصير :

هناك بعض الملاحظات التي ارتسمت في ذهني منذ فترة عن منهج الشيخ أبي بصير ولم أكن أود الحديث عنها حتى لا أفتح على الناس بابا من الخلاف .

لكن بما أن الشيخ أبا بصير أعطى لنفسه الحق في نقد المجاهدين علنا وتجريحهم بصراحة لا مداهنة فيها ..

فلن نكون هذه المرة أقل منه صراحة بل سنتكلم بصراحة وننتقده بوضوح معاملة بالمثل ,

ومن هذه الملاحظات:

1-نقد الشيخ أبي بصير للمجاهدين بغض النظر عن كونه صوابا أو غير صواب فالسمة الثابتة فيه انه نقد جارح لا رفق فيه بل يتسم دائما بالسخرية والتهكم .

ومن أمثلة نقده الجارح قوله تعليقا على هجمات لندن :

(هذه التفجيرات التي حصلت في بعض وسائل النقل العامة لمدينة لندن ـ والتي يستخدمها المسلم وغير المسلم، والأطفال والنساء،والشيوخ العُجَّز، وغيرهم من عامة الناس ـ هو عمل مُشين ومُخجِل .. لا رجولة فيه ولا مروءة ولا أخلاق .. لا نقره ولا نرضاه .. وهو مردود ومرفوض شرعاً وعقلاً وسياسة .. لا نفع منه البتَّة ولا فائدة .. وهو ضرر محض .. لا نقبل بأن يُنسب إلى الإسلام والمسلمين) .

ومن أمثلته كذالك نقده للإخوة في أنصار الشريعة والإخوة في جبهة النصرة .

2- من يتابع كتابات أبي بصير يلاحظ أنه دائما يصف المجاهدين وأنصار المجاهدين بأوصاف : "خوارج العصر" و "الغلاة" و "الجهال" .

وهو في حديثه عن نقد المجاهدين يتطرق دائما إلى الحديث عن الخوارج والغلاة ليحدث في ذهن القارئ ربطا بين المجاهدين وهؤلاء الخوارج والغلاة .

وحتى عندما يتحدث عن أو صاف الخوارج فهو يعمد إلى كل التهم التي يرمى بها المجاهدين سواء كانت حقا أو باطلا ويجعل منها أيقونة مكتملة لأوصاف الخوارج !

كما فعل في مقاله : "هذه هي خصال الخوارج فاحذروها", و أنقل لك بعض كلامه في هذا المقال بتصرف :

(وإليك أهم صفات وأصول، وأخلاقيات الخوارج الغلاة:

1- تكفير أعيان المسلمين بكبائر الذنوب والمعاصي؛ التي هي دون الكفر والشرك، والحكم على أصحابها بالخلود في النار، كخلود الكافرين المشركين.

ومن علاماتهم إن رأوا حسنة عند مخالفهم من أهل القبلة لا ينصفونها .. بل يسرعون في رمي صاحبها ـ من غير بينة ولا دليل ـ بالنفاق .. والعمالة .. والخيانة .. والعداوة لله ولرسوله وللمؤمنين .. ويشككون بصدق نيته وولائه وانتمائه .. فيطلقون عليه إطلاقات، هي من مرادفات ومعاني التكفير، كأن يقولوا عنه: الكذاب عدو الله .. عدو الجهاد والمجاهدين .. يحارب الجهاد والمجاهدين .. خائن .. عميل .. مرتبط بالعدو الكافر .. يعمل لصالح أجندة خارجية معادية .. وغيرها من المرادفات والاطلاقات .. التي تعني شرعاً التكفير، والحكم على صاحبها بالكفر والخروج من الإسلام!

ومن علاماتهم كذلك، أنهم يُضفون على صغائر الذنوب .. وما يُستساغ فيه النظر والاجتهاد والاختلاف .. من أهوائهم .. وشبهاتهم .. ولوازمهم .. وجهالاتهم .. إلى أن تُرى في أعينهم ـ وأعين عوام الناس ـ أنها من الكبائر، والعظائم، والكفر البواح .. لتأتي بعدها مرحلة التكفير .. ومن ثم استباحة الحرمات المصانة شرعاً .. وهذا أيضاً مما يوافق منهج الخوارج الأوائل ومسلكهم في التكفير، والحكم على الأشياء!

2- يقتلون، ويُقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الشرك والأوثان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج:" يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " متفق عليه.

ومن علاماتهم في هذا الشأن .. الاستهانة والاستخفاف بحرمات ودماء المسلمين .. ووضع القتل فيهم تحت ذرائع واهية كاذبة .. كالتترس .. وقصد قتل الكافرين .. أو أنهم أرادوا بقتلهم محاربة الكافرين .. أو أن من يُقتلون من المسلمين لهم حكم المرتدين .. أو من يوالون المرتدين .. أو ممن سكتوا على المرتدين .. أو ممن ساكنوا وجاورا المرتدين .. أو أنهم أرادوا بفعلتهم الانتقام لحرمات المسلمين! .. إلى آخر القائمة المشروخة التي ليس لها على أرض الواقع رصيد يُذكَر .. ولا في دين الله مستند شرعي معتبر .. يبرر إزهاق الأنفس البريئة المعصومة!

3- الجرأة على أكابر وعظماء الأمة، والتعالي عليهم: وهذه من أبرز خصال الخوارج الغلاة ..

4- الخروج على الحكام المسلمين العدول: فمن منهجهم الخروج على أئمة المسلمين وحكامهم .. وكل من لا يرى رأيهم، ويقول بقولهم .. وفيما يرونه هم من الذنوب .. وإعمال سوء الظن بهم ..

من علاماتهم أن ما من مسلم يستشرف الحكم ومهامه .. إلا ويلزمونه ـ قبل أن يباشر إدارة الحكم ـ بقائمة من اللوازم والكفريات .. وأنه كافر أو واقع في الكفر لا محالة، لو باشر عمله في الحكم .. ليتبعوا حكمهم الجائر هذا بما يقتضيه من الخروج، والاستعداء، وسفك الدماء ..!

لا يُحسنون النظر للشيء من جميع جوانبه وأجزائه .. لينصفوا جوانب الخير فيه، كما يُنصفوا جوانب الشر .. أو ليراجحوا بين المصالح والمفاسد .. هذا الانصاف لا يعرفونه، ولا يُطيقونه .. وإنما يحسنون أن ينظروا فقط للجوانب السلبية القاتمة منه .. والتي يترتب عليها أحكام سلبية قاتمة!

5- الغدر، والاستخفاف بالعهود والأمانات: إذ من خصالهم أنهم لا يراعون حرمة للعهود .. فالغدر خلة من خلالهم، وصفة لاصقة بهم .. فشره سفك الدم الحرام .. والغدر .. والسطو على الحرمات المصانة شرعاً .. يطغى عندهم على ما يجب التزامه ومراعاته من حرمة للعهود والأمانات!

ومن علاماتهم في هذا الصدد أنهم يعتبرون احترام العهود، وعدم نقضها أو الغدر بها .. خيانة، ونقص في الدين والمروءة والرجولة .. وسبة، وخنوثة فكرية .. وهو ما يتعارض مع جهادهم ومتطلباته القائم على الغدر .. أعاذنا الله من شرهم، وسوء أخلاقهم!

6- اتباع المتشابه من الدين والقرآن: فيتبعون المتشابه، ويدورون معه حيثما دار، ويُجادلون دونه، فيسيئون فهمه وتفسيره، ويردون به المحكم من الشريعة .. ويجعلونه حكماً على المحكم، وليس العكس.

7- التعمق، والتنطع، والتشدد والغلو في الدين: إلى درجة لا يرى الصالحون عبادتهم قياساً إلى عبادتهم شيئاً، كما جاء وصفهم في أحاديث عدة قد تقدم تخريجها:" يتعمقون في الدين .. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء .. ولا ترون جهادكم مع جهادهم شيئا "!

8- صفات شخصية فرعية: للخوارج صفات شخصية نفسية أخرى:

منها: أنهم صغار في السن، يغلب عليهم الجهل، كما يخلو منهم وفي صفوفهم وجود العلماء الراشدين ..

ومنها: أنهم سفهاء، لا يقدّرون عواقب أفعالهم .. ولا يتثبتون قبل أن يقدموا على الفعل .. لذا فإنهم لا يتورعون عن سفك الدم الحرام بالشبهات والظنون .. وبما يرونه من الذنوب ..

ومنها: الوقاحة، وقلة الأدب، والتعالي والتعالم ..

ومنها: المكابرة، والعناد في الباطل .. ) اهـ بتصرف .

ومن يقرأ لأبي بصير وما كتبه من انتقادات لأصحاب المنهج الجهادي يعلم بأنه قام هنا بجمع كل ما يتهم به أصحاب المنهج الجهادي وجعله وصفا للخوارج , والنتيجة معلومة حتى للغبي !!

وكمثال على ذالك : فهذه الأمور التي ذكر الشيخ في كلامه السابق , هي نفسها التي ذكر في انتقاده للجماعات المجاهدة في (ص :27) من كتابه "الجهاد والسياسة الشرعية" .

3- الذي ظهر لي من خلال تتبع مواقف الشيخ أبي بصير أنه يعتبر ناقدا للمجاهدين أكثر من كونه مدافعا عنهم .

والإعلام الذي يلتقي به إنما يبحث فيه عن هذه السمة (أي : كونه ناقدا للمجاهدين) ويركز عليه من أجل الاستفادة منها .

ومن أمثلة ذالك حواره مع "السبيل" .

وقد جاء في هذا الحوار :

(هل ترون أن التيار السلفي الجهادي بحاجة إلى مراجعة جادة تعيد بلورة أفكاره وأدبياته؟

- إن كنت تعني بالمراجعة؛ إجراء عملية تقييم ونقد ذاتي وداخلي جريء، نعم؛ فالجماعات الجهادية بحاجة ماسة - أكثر من غيرها - إلى إجراء عمليات تقييم لأعمالها ولسياساتها، وأساليبها، فتنظر في مواطن الخلل والقصور والخطأ فتصلحها، ومواطن الإصابة فتعمل على تنميتها وزيادتها، فالمراجعة بهذا المعنى محمودة وضرورية، وظاهرة صحية...)

ثم قال :

(أكثر ما يُقلقني في الاستراتيجيات الجهادية القتالية المتبعة، هو تكثير عدد جبهات القتال وتوسيعها فوق طاقة وقدرات المجاهدين، وفتح معارك ثانوية جانبية لا قيمة لها على حساب المعركة الأساس، واعتماد وسائل وأساليب قتالية محرمة أو متشابهة، في ساحات وميادين محرمة أو متشابهة، لعلمي أن ذلك سيرتد عليهم بالخسران يقيناً!).

والحقيقة أن الشيخ أبا بصير قدم نفسه على أنه ناقد للتيار الجهادي من خلال كتابه :

" الجهاد والسياسة الشرعية، مناصحة ومكاشفة للجماعات الجهادية المعاصرة "

وعنوان الكتاب وحده يؤكد هذا الأمر .

ولهذا فالحوار الذي أجرته معه "السبيل" لم تنس فيه التطرق لهذا الكتاب حيث قالت في سؤالها له :

(تدعون إلى مراجعة مسيرة الجهاد والجماعات الجهادية، وألفتم في ذلك كتاب « الجهاد والسياسة الشرعية، مناصحة ومكاشفة للجماعات الجهادية المعاصرة «، إلى أي مدى تلاقي هذه الدعوة تجاوباً، لو تذكرون لنا أمثلة على هذا التجاوب إن وجدت؟).

4- يدعو الشيخ أبو بصير المجاهدين إلى مراجعة فكرية شاملة ومعلوم أن المراجعة والتراجع يتفقان في الاشتقاق ويتقاربان في المعنى ..

ومن تابع كلامه وتأمل في القضايا التي يقدمها والاجتهادات التي يطرحها , فسوف يكتشف بسهولة أن المراجعة التي يدعوا إليها الجماعات الجهادية إنما تتحقق بتخليهم عن جهادهم بصفة كلية ..

ورسالته إلى الإخوة في أنصار الشريعة دليل على ذالك ..

5-انتقادات الشيخ أبي بصير للمجاهدين دائما يستغلها المخالفون لهم لإظهار أن المجاهدين يحذر منهم الشيوخ الذين يحملون فكرهم ..!

وقد كانت أول مرة أرى فيها صورة الشيخ أبي بصير في إحدى الصحف التابعة للمخابرات ..!

حيث قامت هذه الصحيفة بنشر صورته مع فتواه التي ينتقد فيها المجاهدين في الجزائر لاختطافهم بعض رعايا الدول الغربية وأفتى فيها بأن لهم أمانا من قبل الشعب ..!!

6- الشيخ أبو بصير في نقده للمجاهدين أحيانا يأتي ببعض الألفاظ العامة التي تشكل على الناس وتؤدي إلى الحيرة والاضطراب مثل تحذيره من "القتال في الساحات المتشابهة" ولم يبين على وجه التحديد أين هي هذه الساحات.. فوقع الالتباس وكثر الوسواس وبقي الناس يضربون أخماسا في أسداس : أي الساحات اليوم يعنيها الشيخ ؟

وشك بعض من الشباب في شرعية الجهاد في الكثير من الساحات بسبب هذا الكلام المجمل الذي يحتمل الحق ويحتمل الباطل !!

7- ينتقد الشيخ أبو بصير المجاهدين لأنهم – كما يقول - لا ينظرون إلى المآلات في أفعالهم ..وهي تهمة رددها قبله الكثير من المخالفين للمجاهدين ..!

أقول : واتهام الآخرين بعدم النظر إلى المآلات يعني مصادرة حقهم في الاجتهاد ..

فقضية المآلات راجعة إلى التوقع والاجتهاد فلا يجوز لأحد أن يلزم المجاهدين باجتهاداته ..

لأن المجاهدين قد ينظرون إلى مآلات بعض الأفعال فلا يرون فيها ما ظهر لبعض المجتهدين كأبي بصير مثلا ..

والشيخ أبو بصير بهذا النوع من الانتقادات يجعل نفسه أميرا على أمراء الجهاد ..!

إن أمراء المجاهدين في ميادين الجهاد هم من يرجع إليه في مثل هذه المسائل, وليس لغيرهم من أهل العلم إلا إبداء المشورة , والشورى ليست ملزمة ,فالأمير من حقه أن يختار من الأقوال ما هو أصوب في نظره ,وأن يرد منها ما لم يترجح عنده ..

ولا تجوز منازعته في القرارات التي يتخذها لأن طاعته واجبة ..

فإذا كان الشيخ أبو بصير يرى بأن أمراء الجهاد الحاليين أمراء شرعيين فمن الواجب عليه التزام السمع والطاعة لهم وعدم تسفيه آرائهم أو الطعن فيها .

لكن من باب المعاملة بالمثل نقول : إن الشيخ أبا بصير في نقده للمجاهدين الذي يسميه "مناصحة" لا ينطلق من قاعدة النظر للمآلات , فالكثير من نقده لا يكون له من نتيجة إلا انتشار البلبلة وإثارة الشبه وإعانة المخالفين للمجاهدين ,وإضعاف الهمة لدى الكثير من أنصار الجهاد المتحمسين , فهل هذه مآلات محمودة عند الشيخ أبي بصير؟

8- الشيخ أبو بصير يحكم على المجاهدين ويفتي بخطئهم دون الرد على ما يعتمدون عليه من أدلة وبراهين !

وكأن المسائل التي يتحدث عنها لا يوجد فيها إلا قول واحد , وهذا مناف للأمانة العلمية!

فقد كان من الواجب عليه عرض جميع الأقوال في المسألة ثم ترجيح ما يراه مناسبا بالأدلة , أما الحديث عن رأي واحد كأنه معلوم من الدين بالضرورة , فهذا من غش المسلمين .

و الغريب أيضا أن الشيخ أبا بصير لا يكلف نفسه التعليق على من يردون عليه !

وقد سبق أن كتبت رسالة بعنوان "الإظهار لبطلان تأمين الكفار في هذه الأعصار" بينت فيها أن أمان الكفار من طرف حكومات الردة باطل من جهة المؤمِّن و باطل من جهة المؤمَّن , وذكرت أقول أهل العلم في هذه المسألة .

لكن الشيخ أبا بصير لم يناقش ما قلناه في هذه الرسالة ولم يرجع عن قوله بمشروعية الأمان المذكور !

وقد كنت قلت في مقدمة الرسالة المذكورة :

(إن مشكلتنا مع العلماء الذين نختلف معهم في هذه القضايا أنهم يتحاورون معنا حوار الطرشان !!

نقول : الحكام مرتدون فيقولون : لا يجوز الخروج على ولاة الأمر !!

نقول : الديمقراطية شرك ناقض للتوحيد (وهو أعظم مصلحة)، فيقولون : تجوز المشاركة في الديمقراطية لما فيها من مصالح !!

نقول : الجهاد فرض عين، فيقولون لا بد من إذن الإمام ووجود الراية !!

ونقول : النصارى في بلادنا لم تتوفر لهم شروط الأمان، فيقولون : لا يجوز الاعتداء على المعاهدين !!

وهذا يجعلنا نعتقد بأنهم غير جادين في حديثهم وانتقادهم للمجاهدين وغير حريصين على بيان ما يرونه حقا لهم ..

نحن نتابع كلام هؤلاء العلماء ونقرؤه كله وحين نرد عليه نتحدث عن المسائل التي طرحوها بذاتها لا غيرها ..

فلماذا لا يفعلون الشيء نفسه ؟!

لماذا لا يحرصون على تفنيد الأفكار التي يطرحها المجاهدون ويبينوا للناس بطلانها ؟)اهـ .

ولقد كتب الكثير من الإخوة ردودا على كلام الشيخ أبي بصير في أنصار الشريعة , ومع ذالك لم نسمع له أي تعليق !

وكأن مهمته تنحصر في إلقاء الشبهات والترويج لها !

9 - فتاوى أبي بصير المتعلقة بالأمان- شعر هو أو لم يشعر- كانت بردا وسلاما على الصليبيين وكان لها دور في انحسار العمليات الجهادية في أمريكا وأوروبا مع كل ما قام به المجاهدون من تحريض للمسلمين في الغرب من أجل المساهمة في تهديد المصالح الغربية .

لقد كانت حدود الدول الغربية محمية من التسلل عن طريق الجيش ..

وكان داخل الحدود محميا من أي عمل عن طريق فتاوى الشيوخ المعارضين للجهاد بحجة "أن التأشيرة أمان" !!

10 - الشيخ أبو بصير يعلق الآمال على الحكومات الغربية في كبح جماح الأنظمة الطاغوتية ورد عاديتها عن المسلمين !

حيث يقول عند ذكره لما اعتبره مفاسد لعمليات لندن :

(كما أن انشغال دول الغرب بهذا النوع من الأحداث الداخلية سيكون شاغلاً لها وصارفاً عن توجيه بعض الرسائل التي تؤرق طواغيت الحكم في بلاد المسلمين .. والتي يُطالبونهم فيها بنوع إصلاح وتصالح مع شعوبهم المقهورة، والمغلوب على أمرها .. وهذه نتيجة مرضية بالنسبة لطواغيت الحكم ولأنظمتهم الفاسدة ! )..

ومن الغريب أن يكون عند الشيخ ثقة بهؤلاء الكفار ، وأن يخفى عليه أن كل ما يحدث في بلاد الإسلام من ظلم وقهر إنما هو بدعم وتحريض منهم .

11 - حينما يتعلق الأمر بمسائل وقضايا الجهاد المعاصر فإن الشيخ أبا بصير يختلف مع المجاهدين أكثر مما يتفق .

12- الكثير من فتاوى الشيخ أبي بصير المتعلقة بالجهاد فيها عرقلة للمجاهدين وتقييد لعملهم .

13- فتاوى الشيخ أبي بصير كثيرا ما تسببت في بث البلبلة في الصف الجهادي .

14- الشيخ أبو بصير لا يفوت فرصة يمكن من خلالها نقد المجاهدين إلا انتقدهم .

نصيحة لأنصار الشيخ أبي بصير :

عندما نشرت مقال " الانحرافات الشنيعة لمنتقد أنصار الشريعة" انزعج بعض الإخوة واعتبر ذالك إغلاظا في القول وتجنيا على الشيخ أبي بصير بلا مبرر !

ولست أدري ما هو السر في انزعاج هؤلاء الإخوة..!

فحديثي عن الشيخ أبي بصير كان تعليقا على كلامه ..وكل ما وصفته به من أوصاف إنما كان بناء على ما ورد في رسالته ..

لم أتحدث عن تكفير الشيخ أبي بصير ولم أبحث في هذه الجزئية ..ولا يجوز لأحد أن يقوّلنا ما لم نقل ثم يدعي بناء على ذالك ما شاء ! ...

لقد قلت بأن في كلامه تحاملا على المجاهدين وقلت بأنه يتضمن الكثير من الانحرافات المنهجية , وقلت بأن الرسالة التي وجهها إلى الإخوة في أنصار الشريعة لم تكن بقصد النصيحة و إنما بقصد التجريح وإظهار عيوبهم والتحذير من منهجهم ..

وهل هناك تنفير وتشويه للمجاهدين أشد من قول أبي بصير : (ضحايا أمريكا وقصفها الجبان عن بعد، وضحاياكم هو الشعب اليمني المسلم !!) ؟ يعني : أمريكا تقتل الشعب اليمني عن بعد وانتم تقتلونه عن قرب !!

إن قول أبي بصير في رسالته: (والآن قد رحل الطاغية ونظامه .. فما هي ذريعتكم لاستمرار القتل والقتال ..؟ ) يعني صراحة أنه يرى مشروعية النظام القائم وحرمة الخروج عليه ولا يعتبره نظاما طاغوتيا بل نعته بوصف "السلطات اليمنية الجديدة" !

وقوله في رسالته : ( أي استراتيجية هذه التي تسلكونها وتتبعونها .. وقد مضى عليها أكثر من عشر سنوات .. فلم تثمر إلا قتلاً وتقتيلاً لكثير من الأنفس البريئة والمعصومة ..) يعني أنه لا يرى الجهاد في اليمن وسيلة موصلة لإقامة شرع الله !

ولهذا قال :(استشيروهم في أفضل الطرق الشرعية لتطبيق الشريعة .. ولن تعدموا جواباً .. ولا وسيلة نافعة بإذن الله ..).

وقوله : (والشعب اليمني المسلم الأبي، وكل العالم المسلم .. لن يختلف معكم عندما يحط أرضكم الغزاة المعتدون .. سواء كانت أمريكا أو غيرها ..) يعني أنه يتجاهل عن عمد الوجود الأمريكي في اليمن !!

فهل يمكن أن نغض الطرف عن مثل هذا الخلل ؟

إن فعلنا ذالك , فذالك يعني أن الخلل تسرب إلينا !!

والبعض من الإخوة يعتبر مجرد نقاشنا للشيخ أبي بصير إثارة للفتنة..!

والحق أن الفتنة هي ذالك الكلام الذي صدر من الشيخ أبي بصير في حق إخوتنا المجاهدين في أنصار الشريعة ..

والفتنة كل الفتنة هي عدم الرد على ذالك الكلام ..

نحن مهمتنا في المواقع الجهادية هي التحريض على الجهاد والدفاع عن المجاهدين .

وحين يقوم الشيخ ابو بصير أو غيره بالتهجم على المجاهدين والنيل منهم والزعم بأنهم يتبعون منهجا غير شرعي فهو يمارس التخذيل والصد عن الجهاد ..

ولا قيمة لوجودنا في المواقع الجهادية إن تركنا هذا الكلام يمر دون الرد عليه وبيان ما فيه من بطلان .

فلا يمكن أن نجمع بين موالاة المجاهدين وموالاة من يتصدى لجهادهم ويفتري عليهم ..

القضية الآن لا تخرج عن احتمالين :

إما أن يعترف الشيخ أبو بصير بخطئه ويعتذر للمجاهدين عن الأوصاف التي وصفهم بها ويثني عليهم بما يستحقون من الثناء ..

أو يعترف الإخوة المدافعون عنه أنه أصبح ندا للمجاهدين وخصما لهم ..وأن له منهجا يختلف عن منهج المجاهدين وجهادا يختلف عن جهادهم.

و حينها سيحتفي به قوم آخرون ويوظفون كلامه للصد عن الجهاد والطعن في المجاهدين والشماتة بهم ..وقد فعلوا !

كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غيرَ شماتةِ الأعداء

يا من تحاولون الدفاع عن الشيخ أبي بصير ..

رويدكم ..!

فقد أدركتكم العصبية لهذا الشيخ ..!

فإن من علامات الحب في الله الانصراف عن المحبوب إذا ظهر منه تغيير وتبديل :

عن الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشرا، يقول: "الحب في الله، والبغض في الله، فإذ أحببت أحدا في الله فأحدث حدثا فأبغضه في الله، فإن لم تفعل لم يكن ذلك الحب في الله " رواه البيهقي في شعب الإيمان.

لقد كان من الأجدر بالإخوة التعصب للحق لا للأشخاص ..

فالتمسك بالمنهج أولى من الحفاظ على الشيخ ..

المنهج معصوم ما دام معتمدا على الكتاب والسنة ,والشيخ غير معصوم وهو عرضة للخطأ والانتكاس .

ونحن نأسف لانتكاسة كل من عرفناه مناصرا للحق متمسكا به ..

لكن حبنا له لن يعمينا عن اتباع الحق ,فالحق أعز علينا من كل عزيز ..

ونحن نخسر بانتكاسة أي محسوب على المنهج الجهادي ، لكننا نخسر أكثر إن غضضنا الطرف عن تلك الانتكاسة وحاولنا التستر عليها ..!

ألم تر أن المرء تدوي يمينه ... فيقطعها عمداً ليسلم سائرهْ

أما من يعتقدون أن الشيخ أبا بصير إنما يعبر عن رأيه واجتهاده وأنه لا يجب الإغلاظ عليه في القول , فنقول لهم:

الأمر لا يتعلق باختلاف في الرأي أو تعدد في الاجتهاد ..

بل الأمر يتعلق بحملة شعواء وتشويه متعمد لمنهج المجاهدين ..

عندما كان الشيخ أبو بصير يعبر عن رأيه المخالف للمجاهدين كنا نرد عليه دون أن نتعرض لشخصه ..

وحتى عندما تعرض لإخوتنا في "جبهة النصرة" بالاتهام والتشكيك فقد رددت عليه في مقال "النفير العام..." ولم أذكره بالاسم لأنه يحتمل أن يكون قاصدا للخير وإنما حمله على ذالك الجهل بحال "جبهة النصرة" لكونها حديثة النشئة ..

أما حين يتحدث عن المجاهدين في أنصار الشريعة بالاتهامات والباطلة والافتراءات الكاذبة فيتهمهم بأنهم لا يتقيدون بشرع الله وأنهم مسرفون في دماء الأبرياء من المسلمين ..فلا يمكن أن يحمل هذا الكلام إلا على محمل واحد : هو البراءة من المجاهدين في أنصار الشريعة ومعاداتهم ومحاولة التصدي لجهادهم ووقفه بأي وسيلة ..حتى ولو كان عن طريق الكذب والافتراء ..!

لم يكن انتقاد الشيخ أبي بصير للإخوة في أنصار الشريعة مشحونا بالافتراء والتحامل الشنيع ضدهم فحسب بل كان أيضا متناقضا مع نفسه ..والمجتهد الباحث عن الحق لا يتناقض .

ومن أمثلة تناقضه قوله في انتقاده لهم :

(لا ينبغي أن تكون كلمة الشريعة .. وشعار الشريعة .. شماعة لمخالفة الشريعة .. ولاستمرار سفك الدم الحرام .. وحمل أبناء الشعب اليمني المسلم على قتل بعضهم البعض..)اهـ.

 

والشيخ أبو بصير نفسه يرد على كلامه الباطل هذا فيقول :

(وأعظم مقاصد الشريعة على الإطلاق مقصد حماية الدين والعقيدة والتوحيد، فلو تعارضت ـ مثلاً ـ مصلحة هذا المقصد مع مصلحة مقصد النفس أو المال .. قُدمت مصلحة مقصد الحفاظ على الدين والعقيدة والتوحيد، ولا بد، وإن أدى ذلك إلى التفريط ببعض مصالح مقصد الحفاظ على النفس والمال.) ..إلى أن قال : (ومنها: بطلان الدعوات المريبة التي يُفيد ظاهرها الحرص على بعض المقاصد والمصالح الدنيوية .. على حساب مقصد ومصلحة العقيدة والتوحيد .. ومصلحة سلامة دين وعقيدة الناس .. إذ ترى من القوم من يدعو إلى الدخول في موالاة وطاعة الطواغيت الكافرين الظالمين الحاكمين، والركون إليهم وإلى أنظمتهم .. والكف عن مناوأتهم .. ومناوأة أنظمتهم الفاسدة المرتدة .. من أجل مصالح مادية دنيوية .. لا ترقى بحال إلى مستوى مصلحة التوحيد التي يُضحى بها منذ الخطوة الأولى التي يُوطأ بها نحو بلاط الطواغيت المجرمين .. ليُعطى لهم السمع والطاعة والولاء!) الجهاد السياسة الشرعية ص 13.

وقال أيضا :

(اعلم أن الخروج على طواغيت الحكم والكفر والردة حقٌّ، وواجب شرعي يجب القيام والنهوض به .. وهو خيار صعب، وقد يكون مُكلِفاً .. ولكن الخيار الأكثر منه صعوبة، والأكثر منه كلفة والأشد ضرراً يكمن في السكوت على الطاغوت ونظامه، والرضى به حاكماً على البلاد والعباد، يحكمهم بالكفر والفجور والجور والخيانة؛ لذا دلت النصوص الشرعية دلالة صريحة على وجوب الخروج عليه وعلى نظامه القائم على قوانين الكفر والشرك والظلم، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الصامت أنه قال:" بايعنا النبيَّ على أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم منَ الله فيه برهان ". وبعض أهل العلم قد نقلوا الإجماع على ذلك.)

الجهاد والسياسة الشرعية ص : 44 .

وهناك حقيقة اعترف بها الشيخ أبو بصير عندما قال :(لذا نجد العدو، بكل أطيافه ـ من خلال جميع وسائل الإعلام لديه وما أوسعها ـ يحرص دائماً على أن يُظهر المجاهدين بصورة منفرة قاتمة؛ يظهرهم على أنهم مجرمون .. قتلة .. يقصدون قتل الأطفال والأبرياء .. والأنفس المعصومة .. لا يكترثون لحرمات العباد ومصالحهم .. ولا يُبالون إلا لأنفسهم .. لعلمه أن هذه الصورة لو تسربت إلى عقول الناس واقتنعوا بها .. أفقدوا المجاهدين الشرعية .. والمحضن الآمن والمكين .. ونفَّروا الناس عنهم وعن نصرتهم .. وأبطلوا عليهم مبررات جهادهم على الأقل في عقول النا

الأدلة على تسمية المتلبس بالشرك مشركًا---خلافا لاقوال اهل الزيغ من المرجئه

 نذكر الأدلة من القرآن على ثبوت وصف الشرك للمشرك وأن الله سماه مشركًا قبل الرسالة وبعدها ، وأن الإجماع على ذلك ، وأنه ليس له اسما آخر ، وهذه الرسالة في إثبات ذلك ، ولن نتطرق للحديث عن العقوبة أو العذر بالجهل فقد وفينا الحديث عليه في كتاب: " الوجاء " وكذلك رسالة : " العذر " بما لا مزيد عليه منعًا للتكرار .

وهدفنا في هذه الرسالة هو إثبات أن كل من تلبس بالشرك يسمى مشركًا ، هذا هو اسمه الذي سماه الله به والأدلة على هذا كثيرة جدًا في كتاب الله نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى في أول سورة التوبة : " وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ " ( ) يقول الله تعالى لنبيه يا محمد : " وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ " سماه الله مشركًا ولم يسمه مسلمًا أو أهل فترة أو مسلمًا مشركًا أو جاهلًا عن دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بل سماه مشركًا لأنه مرتكب للشرك الأكبر وواقع فيه ، لم يقل فعله فعل كفر وهو لا يكفر ، كما يقول أهل الزيغ والضلال ، بل سماه الله مشركًا ثم قال بعد أن سماه مشركًا" .

" فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ " وهذا يدل على أنه مشرك قبل أن يسمع بالقرآن والرسول ، ويدل أيضًا على أن الحجة تقوم بمجرد السماع - سماع القرآن - ولا يشترط الفهم كما يدعيه أهل الإرجاء ، لم يقل الله تعالى حتى يفهم ويعرف وتزال عنه الشبهة بل قال سبحانه : " حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ " وفيه فائدة ثالثة : وهي أن القرآن كلام الله وفيه رد على المعتزلة والإباضية الذين يقولون بخلق القرآن ، ثم ختم الآية بقوله سبحانه : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ " وهذا فيه دليل على أن الجهل لا ينفي الاسم فسماه الله مشركًا مع أنه جاهل لا يعلم ، وهذا فيه فائدة خامسة : وهي أن الجهل لا ينفي الاسم وربما يرفع العقوبة فلا عذر له في الاسم ، أما العقوبة فلا تكون إلا بعد الرسالة كما قال تعالى في سورة الإسراء : " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " ومنها قوله تعالى : " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا" ( ) فهؤلاء القوم سماهم الله كفارًا بمجرد قولهم كلمة الكفر فقال :" قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا " فكفَّرهم الله بقولهم وصدور الكفر منهم وتلبسهم به بل أثبت لهم إسلامًا بنص الآية : " وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ " فدلت الآية على أن المتلبس بالكفر يسمى كافرًا وليس له اسمًا آخر.

ومنها قوله سبحانه : " لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ " ( ) فسماهم الله مشركين قبل أن تأتيهم البينة فوصف الكفر والشرك لازم لهم قبل البينة ، وسماهم الله بذلك ، ثم عرف المقصود بالبينة وهي البلاغ والرسالة فقال سبحانه : " رسول من الله يتلوا صحفًا مطهرة " فعرَّف البينة بالرسالة والرسول فالآية دليل على أن الله يسمى الكفار والمشركين بهذا الاسم ومازالوا في غيِّهم وضلالهم غير منتهين عنه ولا منفكين عنه حتى يأتيهم الرسول بالقرآن ، فالاسم لازم لهم قبل إرسال الرسول فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله :

" والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر"( ).

وقال : " وكذلك أخبر الله عن هود أنه قال لقومه : " إن أنتم إلا مفترون" فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة إنه يُشرك بربه ويعدل به"( ) فالشاهد من كلام شيخ الإسلام قوله : " فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة " .

ولم يسمه ابن تيمية اسمًا آخر أو يخترع له اسمًا كما يفعل أهل الزيغ والضلال الذين يجادلون عن المشركين ويزينون الشرك للناس بشبهات أوهن من بيت العنكبوت ، إن دلت فهي تدل على الجهل المركب والبُعد عن أصول أهل السنة والجماعة أما قول الله تعالى في سورة الإسراء : " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " فلم يقل ربنا عز وجل وما كنا حاكمين بالشرك حتى نبعث رسولاً ، بل إن السلف قد أجمعوا على أن من وقع في الشرك فهو مشرك في وجود الرسالة أو في غيبتها ، والخلاف بينهم : هل يستحق المشرك بهذا الإشراك العذاب أم لا؟ ( ) بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم ، واتفق العلماء على أن أهل الفترات الذين عبدوا غير الله مشركون وليسوا بمسلمين وإن ماتوا على الشرك لا يدخلون الجنة لأنها حرام على المشرك ، وليس هناك تلازم بين نفي العذاب وحكم الشرك فكل معذب في الدارين فهو مشرك كافر وليس كل مشرك معذب إلا بعد قيام الحجة الرسالية والحجة الحدية التي هي الاستتابة ( ) فاسم الشرك ثابت قبل الرسالة ، والحجة في ذلك العقل والفطرة كما مر معك.

فما الحكم إذًا بعد الرسالة ؟ فمن قال إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي عنها ، فهو بمنزلة من يقول الشرك إنما صار شركًا بعد النهي عنه وليس شركًا قبل ذلك ، فإثبات الشرك مع الجهل وإن الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس ، وأن هذا الحكم عام في كل مشرك( ) .

وقد قرر شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب في أكثر من موضع من مؤلفاته ورسائله الشخصية أن اسم المشرك ثابت بمجرد وقوعه في الشرك وأنه يسمى كافرًا بارتكابه الفعل المكفر وهذا متواتر عنه بل وعن أولاده وأحفاده وأئمة الدعوة وهذا فيه رد على من يلبس على الناس دينهم ويستدل بأقوال مبتورة مطلقة من كلام الشيخ من هنا وهناك ليستبدل بها على خبث منهجه وفساد دعوته من أن الشيخ يعذر الجاهل ولا يكفره إلا بعد قيام الحجة ويتعامون عن فهم الشيخ وشرحه لمعنى الحجة وقيامها وبلوغها ---

الخلط بين قصد العمل المكفِّر وقصد الكفر

اشترط البعض قصد الكفر للحكم بالتكفير، وأن الشخص مهما أتى من الأقوال والأفعال المكفّرة لايكفر مالم يقصد أن يكفر بهذا، وقد يبدو هذا الشرط صحيحا بادي الرأي لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريءٍ مانوى) الحديث متفق عليه
ولكن التفريق بين نوعين من النية أو القصد ــ مع أدلة أخرى ــ يبيّن أنه شرط باطل.

فالنوع الأول من القصد هو أن يتكلم الإنسان كلاماً مكفراً قاصداً له أي متعمداً غير مخطيء، فهذا القصد معتبر ولابد من اشتراطه لمؤاخذة صاحبه بكلامه، والنظر في قرائن الحال المصاحبة للكلام له أثر هام في تمييز العامد من المخطيء كما في حديث الرجل الذي أضلّ راحلته ...

والنوع الثاني من القصد هو أن يقصد الإنسان الكفر بكلامه المكفر الذي تعمّده، فهذا القصد غير معتبر وليس شرطاً للحكم بالكفر على صاحبه كما سنذكره بأدلته.

ولتقريب المسألة نذكر ماقاله القاضي شهاب الدين القرافي في قاعدة (مايشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة مالا يشترط)
قال رحمه الله
(اعلم أن النية شرط في الصريح إجماعا وليست شرطا فيه إجماعا وفي اشتراطها قولان وهذا هو متحصل الكلام الذي في كتب الفقهاء وهو ظاهر التناقض ولا تناقض فيه، فحيث قال الفقهاء إن النية شرط في الصريح فيريدون القصد لإنشاء الصيغة احترازا من سبق اللسان لِمَا لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها ياطالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ، وحيث قالوا النية ليست شرطا في الصريح فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق فإنها لاتشترط في الصريح إجماعا وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق وأما الصريح فلا.) (الفروق) 3/163.

فكذلك الكلام صريح الدلالة على الكفر يشترط فيه قصد الكلام أي تعمده احترازاً من سبق اللسان ولا يشترط قصد الكفر به.
وحتى أن القصد المعتبر في تعيين المراد من الأعمال محتملة الدلالة على الكفر ليس هو قصد الكفر بها وإنما القصد الذي تتميز به، فلو أن رجلا ذبح عند قبر ولم يُعرف لمن يذبح، وسُئِل عن قصده، فقال: اذبح لصاحب القبر عسى أن يفرج كربتي لكفر بذلك، ولايشترط أن يُسئل بعد ذلك هل تقصد الكفر بفعلك هذا أم لا؟.

أما عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر: فَلَوْ أن رجلاً سَبَّ الله ورسوله، أو قال ما أظن أن الله يبعث مَنْ في القبور، أو قال ماأظن الساعة قائمة، أو قال إن الله هو المسيح بن مريم، ونحو ذلك من الأقوال المكفرة، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك وماانشرح صدري بالكفر وماأردت الكفر بهذه الأقوال...
فهذا الرجل لايكفر عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر وأنه لابد أن يقصد أن يكون كافراً، وهذا شرط فاسد ويمكن أن يكون حيلة يدرأ بها كل كافر عن نفسه مهما أتى من الكفر ..!!

والصحيح أن من قال شيئا من الأقوال السابقة كفر وإن قال لم أقصد الكفر، واشتراط قصد الكفر بالعمل المكفر شرط باطل ترده النصوص الشرعية، وقال صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم.

والدليل على بطلان هذا الشرط:

قوله تعالى (ولئن سألتهــم ليقـولن إنمـا كـنا نخـوض ونلعــب، قـل أباللـه وآياتـه ورســوله كنـتم تستهزءون، لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة 65 ــ 66

فهؤلاء المذكورون قالوا كلاماً مكفراً ـ وهو الاستهزاء المذكور ـ ولم يقصدوا أن يكفروا به بدليل اعتذارهم بأنه (إنما كنا نخوض ونلعب) ولم يكذبهم الله في اعتذارهم
فدل على أنهم كانوا يلعبون ولم يقصدوا الكفر بكلامهم، ولكن هذا العذر لم يمنع من الحكم بكفرهم بمجرد كلامهم كما قال تعالى (لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).

قال ابن تيمية رحمه الله في هذه الآيات :
(فقد أخبر ــ سبحانه وتعالى ــ أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كُفر، ولايكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام) (مجموع الفتاوي) 7/ 220.

وذكر ابن تيمية نفس الآيات السابقة وقال :
(فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كُفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كُفْراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه) (مجموع الفتاوى) 7/273.

فهذه الآيات نص في موضع النزاع يبطل اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر، أي يبطل اشتراط نية الكفر، كما يدل النص على أن المرجع في الحكم على الأقوال والأفعال إلى الشريعة لا إلى مايظنه الناس بأعمالهم.

دليـل آخر:

هو أنه قد ثبت بالنصوص القرآنية أن كثيراً من الكافرين يُحسنون الظن بأعمالهم وباعتقاداتهم التي هم عليها ويظنون بأنفسهم خيراً، وأنهم أَهْدى من الذين آمنوا سبيلا، وإذا رأوا الذين آمنوا قالوا إن هؤلاء لضالون، وكانوا منهم يسخرون، فإذا أجرينا هذا الشرط الفاسد على هؤلاء الكافرين، وقلت لأحدهم أتريد الكفر بما أنت عليه؟ لقال بل نحن مهتدون أو نحن أبناءُ الله وأحباؤه.
فإذا التزمت بالشرط الفاسد وصدقته في قوله لكذّبت بآيات الله وخبر الله تعالى ولصرت أنت من الكافرين بتكذيبك لخبر الله.
وهذا يكفي لبيان فساد هذا الشرط.

وقد نبّه على هذا شيخ المفسِّرين الطبري في تفسيره لقوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) الكهف 103 ــ 105.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيرها
(وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذِكْره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لايكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ماقالوا، فأخبر جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة) (جامع البيان) 16/43 ــ 35.

كما نبّه على هذا أيضا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كلامه عمن نطق بكلمة الكفر ولا يعرف أنها تكفّره، فقال :
(وأما كونه لايعرف أنها تكفره، فيكفي فيه قوله «لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم» التوبة 66، فهُم يعتذرون من النبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لاتُكفِّرهم. والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» الكهف 104، «إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون» الأعراف 30، «وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون » الزخرف 37، أيظن هؤلاء ليسوا كفاراً؟، ولاتستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها)
(الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جـ 8، كتاب المرتد، صـ 105).

وقد أضفت إلى كلامه مواضع الآيات وأرقامها.
وأضيف إلى ماذكره من آيات:
قوله تعالى (وقالت اليهـود والنصـارى نحـن أبنـاءُ الله وأحباؤه) المائدة 18، وقوله تعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) البقرة 111

فاعتقاد الكافر بأنه محسنٌ وأنه مُهتد ٍ أو أنه من أهل الجنة لايمنع من تكفيره إذا ثبت كفره بالدليل،
وأضيف إلى ذلك:
أن اعتقاده بأنه مُحسنٌ هو في ذاته عقوبة قدرية له من الله ليستمر على ضلاله وغوايته كما قال تعالى
(وقيّضنا لهم قُرناء فزينوا لهم مابين أيديهم وماخلفهم، وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين) فصلت 25
وقال تعالى (ومن يَعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 36 ــ 37.

فكيف تُعتبر هذه العقوبة القدرية مانعا من الحكم الشرعي عليهم بالكفر؟.

والخلاصــة:

أن القصـد المعتبر في التكفير هو قصد العمل المكفر أي تعمّده، لاقصد الكفر به .
وقد بيَّن ابن تيمية هذا الفرق بأوجز عبارة فقال رحمه الله :

(وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لايقصد الكفر أحدٌ إلا ماشاء الله) (الصارم المسلول) صـ 177 ــ 178.

وقد بوّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة ـ عدم اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر ــ في كتاب الإيمان من صحيحه في باب (خوف المؤمن من أن يحبط عملُه وهو لايشعر) (فتح الباري) 1/ 109.

فالقصد المعتبر كشرط في التكفير
هو تعمّد اتيان العمل المكفِّر ، أما تعمّد الكفر بهذا العمل فغير معتبر.

أكذوبة الدولة المدنية بمرجعية إسلامية

كتبه / ناصر القاعدة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد :

يقول الله تعالى :

{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}

جماعات محسوبة على الإسلام تخرج على الأمة بمفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان والمصيبة أن هذه الجماعات تزعم أن هذه المفاهيم مفاهيم شرعية رغم معارضتها الصريحة لأصل التوحيد ومن هذه المفاهيم مفهوم الدولة المدنية الذي تطرحه قيادات جماعة الإخوان المسلمين وبخاصة في مصر فالدولة المدنية تقوم على مرتكزات أهمها أن المرجعية فيها تعود لإرادة الناس باعتبارها مصدر السلطات فما يقرره الناس يصبح قانوناً على الجميع احترامه وتطبيقه ولو نص هذا القانون على إباحة الخمر والزواج المثلي وبالتالي فهي تتبنى الديمقراطية وتقوم على أساس المواطنة الكاملة فالناس فيها أمام القانون سواء بغض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم والمواطنون فيها متساوون في الحقوق والواجبات مما يعني أن
الدولة المدنية قد يحكمها نصراني أو يهودي أو بوذي أو لا ديني .

مما سبق يمكن القول بأن الدولة المدنية لا اعتبار فيها للدين فالدين خارج العملية لأن مصدر السلطة فيها للبشر وقبول الأمر أو رفضه يخضع لما تراه الأكثرية فلو تبنت الأكثرية النظام الشيوعي لصار ملزماً للجميع وعلى الجميع أن يعمل لخدمتها ما دامت رغبة الأكثرية .

ويحار المرء ويقف مذهولاً حين يسمع من ينادي بالدولة المدنية ويردد أنه يرفض الدولة الدينية بزعم أنها دولة ظلم لا تعطي الناس حقوقهم كما حصل في أوروبا في العصور الوسطى ولو طالب عباد الصليب بدولة مدنية بعد أن شاهدوا تسلط الكنيسة ورجال الدين وما ارتكبوه من مذابح بحقهم لهان الأمر لكن الذي يطالب اليوم بالدولة المدنية جماعات تنتسب إلى الإسلام وهم يعلمون أنه لم ينتشر العدل في الدنيا إلا حين قامت الدولة الدينية بالمفهوم الشرعي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذين يطالبون اليوم بالدولة المدنية وافقوا العلمانيين حين فصلوا الدين عن السياسة وكأن السياسة ليست من الدين مع أن الدين الإسلامي دين شامل يعنى بكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها ولا أدري كيف تجرأ هؤلاء على مثل هذا الطرح وهم يعون تماماً أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة العدل في المدينة والتي انتشرت بعد ذلك في كل أصقاع الدنيا فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الدين والسياسة ؟ !! وهل كان يقبل عليه الصلاة والسلام بدولة مدنية يتم فيها تداول السلطة بحيث يحكم الكفر والشرك أهل الإسلام ؟!

إن المطالبين بالدولة المدنية إنما يطالبون بما طالب به كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا له نعبد إلهك عاماً وتعبد آلهتنا عاماً فجاء الخطاب القرآني حاسماً في سورة (الكافرون ) :

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره :
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفارُ قريش.

وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة،فأنـزل الله هذه السورة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) يعني: من الأصنام والأنداد، (وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) وهو الله وحده لا شريك له. ف "ما" هاهنا بمعنى "من".

ثم قال: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها،وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم : 23] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة "< 8-508 > "يسلكها إليه،فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) كما قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41] وقال: لَنَاأَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص: 55].



إذاً فالمطالب بالدولة المدنية إنما يطالب بتنحية الشريعة عن واقع الحياة وهو إنما يطالب بياسق جنكيز خان الذي قامت عليها دول الكفر العالمي فالدول اليوم بأغلبها دول مدنية لا علاقة للدين فيها .

إن الذين يطالبون بالدولة المدنية إنما يهدفون من وراء مطالبتهم بها كسب قبول الآخرين وإن خالفوا دين الله جملة وتفصيلاً فهم يظنون أنهم لن يكونوا مقبولين إلا إذا أثبتوا للعلمانيين أنهم إن وصلوا إلى الحكم في يوم من الأيام فإن حقوقهم لن تتأثر بل سيكونون حراساً لحماية هذه الحقوق فلا فرق عندهم بين أهل التوحيد وأهل الشرك والتنديد فالكل عندهم سواء لذلك تراهم يسمحون للنصراني واللاديني بأن يكون عضواً في تنظيماتهم وأحزابهم فهو بحسب زعمهم أخ لهم في المواطنة له ما لهم وعليه ما عليهم !!!

لذلك ترى هذه القيادات تصرح بين وقت وآخر بأنهم ضد الدولة الدينية وأنهم لا يريدون إقامة إمارات إسلامية وأنهم مع إنشاء أحزاب لكل التيارات ويؤمنون بتداول السلطة وحين يسألهم أهل الإسلام: وأين ما تطالبون به من دين الله ؟ قالوا نحن نطالب بدولة دينية بمرجعية إسلامية !!.....فأين المرجعية الإسلامية أيها الأفاكون ؟! هل انشاء أحزاب شيوعية ولا دينية من المرجعية الإسلامية ؟! وهل تداول السلطة وأن يحكم الأمة يهودي أونصراني من المرجعية الإسلامية ؟ وهل القبول بأن يكون الشعب مصدر السلطات من المرجعية الإسلامية ؟!!

لقد أثبت الإخوان المسلمون بمطالباتهم تلك بأنهم تنظيم يتمسح بالدين لتسويق نفسه على الناس وإلا لو كان تنظيماً إسلامياً حقيقيا لطالب بالشريعة وسعى لذلك بكل ما يملكه من إمكانات هائلة سخرها في غير موقعها .

كفاكم دجلاً وتزويراً وتدليساً على الناس وسنقولها لكم بملء أفواهنا بل نريدها دولة دينية على منهاج النبوة يكون مصدر التشريع فيها للكتاب والسنة وليرفع كل موحد رأسه عالياً وهو يطالب بتحكيم شريعة الله لتكون واقعاً في حياة الناس .

وهذه نصيحة مشفق لأتباع هذه الجماعات المنحرفة عن الدين أن اتقوا الله في أنفسكم ولا تجعلوا من أنفسكم عبيداً لقياداتكم تحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا ولو خالفوا صريح الإسلام فتكونوا كمن اتخذهم أرباباً من دون الله ثم يكونوا أول من يتبرأ منك عند الله يوم الموقف العظيم
(إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ).



منقول من مدونة : المجاهدون فى مصر

حكم الانتخابات البرلمانية المقامة في ظل الأنظمة الديمقراطية

 

alt

 

  بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بيان أصل الأصول والغاية من الخلق

يقول الله تعالى في محكم الآيات "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" ويقول سبحانه وتعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" إن أعظم ما افترض الله تعالى على خلقه الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وتحقيق العبودية له وحده سبحانه وبهذا يكون العبد قد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي عروة التوحيد والإسلام ، ولذلك قال تعالى "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " فقد قدم الله تعالى الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لأهميته في صحة الإيمان وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة فهو أصل أصيل وركن ركين في الإيمان بالله تعالى ولذلك قال تعالى في الآية الأخرى "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى " فقدم الله تعالى اجتناب الطاغوت - وهو الكفر بالطاغوت  - على الإنابة إلى الله - وهي الإيمان بالله - وهذا كما يتقدم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد لا إله – نفي – إلا الله - إثبات وقد ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) ولذلك فقد صرح أئمتنا وعلماؤنا أن الإيمان بالله تعالى لا يصح  ولا يقبل إلا بالكفر بالطواغيت المعبودة من دون الله تعالى عملا بآي القرآن الكريم  والحديث، وليس الطاغوت الذي يجب علينا الكفر به واجتنابه هو الأحجار والأشجار والقبور المعبودة من دون الله فحسب بل هو أعم من ذلك في كل من يعبد ويتبع من دون الله تعالى أيا كان لأن الطاغوت هو كل معبود أو مطاع من دون الله تعالى سواء كان حجرا أو شجرا أو هوى أو بشرا وهو راض بذلك ، فكل هؤلاء يجب الكفر بهم حتى يصح الإيمان ويقبل ومن هنا كان الحديث عن كل ما يخدش هذا الإيمان أو يقدح فيه له أهمية عظمى ومع هذا فقد عمت الفتنة بالدخول في أنظمة الطاغوت ومناهجه وأحزابه وجادل عن ذلك طائفة من أهل العلم وممن لهم سبق في الدعوة إلى التوحيد والإسلام، بل قد صدر من بعضهم عظيم من القول وزورا وهو قولهم بإسلام الطواغيت الذين يعطونهم فرصة للحديث في الفضائيات والصحف والقاعات وما أعطاهم الطواغيت ذلك إلا لإتمام ديكور مسرحية الديمقراطية الجاهلية والتي لابد فيها من مؤيد ومعارض وكل ذلك إرضاء لأسيادهم في الغرب والشرق مع حكمهم بالدستور والقانون العلماني الوضعي والذي هو أحد مناطات كفرهم كما ورد على لسان دعاة التوحيد هؤلاء  من قبل بل قد صرح بعض الدعاة هؤلاء بغير حياء من الله ولا من الخلق بأن هؤلاء الطواغيت الحاكمين بغير شريعة الله تعالى إخوانهم ولا أدري كيف يصدر مثل هذا ممن ظل يدعو إلى التوحيد طيلة ثلاثين عاما أو يزيد ثم يتغير لمجرد أن الطواغيت أعطوه فرصة للحديث إلى الناس تحقيقا للديمقراطية الجاهلية وحتى يعطى  المشركين والعلمانيين وأعداء التوحيد أيضا نفس الفرصة للحديث ومخاطبة الجماهير فليس هذا حبا في التوحيد وأهله بل عملا بأصول الديمقراطية الجاهلية الكافرة حيث يعطى الجميع   مسلمين وكفارا نفس الفرصة وتتاح لهم نفس السبل للحديث ومخاطبة الجماهير ، وقد أحدث ثناء هؤلاء الدعاة على طواغيت الحكم وأهل الجاهلية خللا عظيما عند فئات كبيرة من طوائف الشعوب المسلمة لجهلها بكثير من أصول دينها فأحدث هذا الثناء والمدح للطواغيت هزة عنيفة فيما بقى من توحيد ضعيف في قلوب الكثير كما رأينا وسمعنا بأنفسنا مما مهد السبيل لدخول الكثير منهم في طاعة أنظمة الحكم الجاهلية ظنا منهم ـ لثناء الدعاة عليهم ـ  أنهم مسلمون وقد أدى ذلك إلى تمييع قضايا التوحيد والولاء والبراء في قلوب الكثير وهذه هي أعظم فتنة قصد الطواغيت حدوثها مما يعدونه نجاحا باهرا لهم – وأي نجاح – بل صرح منظروهم أنهم هدموا ما بناه هؤلاء الدعاة لأكثر من خمسين عاما من أيام سيد قطب رحمه الله مما يمهد السبيل لهؤلاء العلمانيين والطواغيت لسلخ الناس عما تبقى من دينهم الحق وعن توحيد ربهم ومنهاج رسولهم صلى الله عليه وسلم . وقد كثر الحديث هذه الأيام عن جواز دخول المجالس البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية الجاهلية فيما يسمونه بالدول الإسلامية ولقد سمعت كثيرا من دعاة التوحيد بالأمس يجيزون ما كانوا يعتبرونه شركا مخرجا من الملة بذريعة وحجة الضرورة وتحقيق بعض المصالح ودفع بعض المفاسد مستدلين على ذلك بأدلة استدل بها سلفهم ممن كانوا يردون عليهم من قبل وقد طلب مني بعض إخواني كتابة كلمة حول هذه المسألة فتأنيت قليلا حتى أطلع على أدلة القوم الجديدة حتى لا أنسب لهم ما لم يقولوه مع تعجبي مما يستدلون به وتهافته وظهور سقوطه لطلبة العلم المبتدئين فضلا عن العلماء والفقهاء المحققين.

 

 

ونبدأ أولا بتعريف النظام الديمقراطي ليتبين للناس أين يضع القوم أقدامهم .

 

 

فالنظام الديمقراطي هو عبارة عن مجموعة من القوانين والأعراف التي تحكم حركة الشعوب والدول والأنظمة الحاكمة ،والديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق نوابه الذين يختارهم عن المناطق التي يتم تقسيمها جغرافيا ليقوم هؤلاء النواب بمهمة التشريع من دون الله نيابة عن الشعوب والجماهير التي اختارتهم وليس هناك حدود لهؤلاء النواب يعملون من خلالها غير موافقة ما يسمونه الإرادة الشعبية وفقط مهما كان ما شرعوه حلالا أم حراما في دين الله تعالى فإن القيد الوحيد لهؤلاء المشرعين هو موافقة أهواء من اختاروهم ويعطي النظام الديمقراطي حق الاختيار والانتحاب لكل مواطن مسلما كان أو كافرا ، فاسقا كان أو عدلأ ، تقيا كان أو فاجرا ، ذكرا كان أو أنثى طالما أنه مواطن يعيش على تراب الدولة التي يراد فيها تطبيق هذا النظام  وهذا هو ما يسمونه (بالمواطنة) والتي أحلوها محل الولاء الإيماني والذي هو أصل من أصول الإيمان والإسلام ثم إن هذا الاختيار والتشريع له سلطة مطلقة فوق كل السلطات وتشريعاته لها هيمنة كاملة على كل القوانين والتشريعات ولو كانت سماوية وهذا ما يسميه سدنة النظام الديمقراطي (سيادة القانون وهيمنة التشريع الوضعي) وعلى هذه الأسس تتم العملية الانتخابية في ظل الأنظمة الديمقراطية فلا يصح سلخ حكم الانتخابات المجرد عن نظامه الذي يعتبر حلقه من حلقاته وخطوة من خطواته فإن العملية الانتخابية كما أراد بها واضعوها في الديمقراطيات الأوروبية هي مدرسة لتعليم الناس أسس الديمقراطية وفرصة لممارستهم الحق في التشريع  من دون الله تعالى والذي هو عصب الديمقراطية وبعيدا عن كل الأديان ثم هي فرصة لتفريخ من يطلقون عليهم الكوادر السياسية المدربة على إبرام التحالفات السياسية ( الفاسدة ) ثم إن هذه الانتخابات ستفرز ولا بد صيغة لسيادة الإرادة الشعبية وهي أجلى صور الديمقراطية ، هكذا زعم واضعوها.

وكل هذه الأسس أسسا باطلة جاهلية وكثير منها كفرية فإن ممارسة الشعب عن طريق نوابه لسلطة التشريع من دون الله تعالى شرك أكبر وكفر ظاهر لا يجادل فيه مسلم قرأ القرآن وفقه أحكامه أبدا قال تعالى :" إن الحكم إلا إياه أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم " فحصر الله تعالى الحكم له تعالى دون غيره من البشر ثم بين أن الاعتراف بذلك والعمل به عبادة له تعالى وأن هذا هو أساس دين الإسلام القيم الذي أنزله الله تعالى من فوق سبع سماوات وقال تعالى مبينا حكم من أعطى نفسه أو غيره حق التشريع من دون الله "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " فسمى الله تعالى المشرعين من دونه شركاء ومن أعطاهم هذا الحق فلا شك أنه مشرك مثلهم وليس بمؤمن أبدا ،فإن من الثابت في  دين الله تعالى أن أحد أوجه كفر أهل الكتاب من قبلنا أنهم  أعطوا علماءهم وعبادهم حق الطاعة من دون الله تعالى  حيث قال الله تعالى عنهم (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) وقد ورد في حديث عدي بن حاتم المشهور أن هذه الربوبية كانت في طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال من دون الله  فهذا أول ما في هذا النظام الجاهلي من موبقات ومصائب تذهب الدين كله ، ثانيا: يعطي هذا النظام صفة السيادة لهذه التشريعات الوضعية الجاهلية الناتجة عن العملية الانتخابية ويسمون هذا (بسيادة القانون والدستور) ، أي علو القانون والتشريع الوضعي على  كل القوانين والتشريعات ولو كانت سماوية إلهية تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وهذا لون آخر من ألوان الشرك والوثنية ، وصدق من سمى هذه المجالس التشريعية والنيابية بمجالس الآلهة ، فإذا كان التشريع حق خالص لله تعالى ، فإن من نازعه هذا الحق قد جعل نفسه إلها مع الله بلا شك ولا ريب وقد  كتبت في موضىوع الحاكمية ،كتابا بعنوان الحكم والتشريع والمناطات المكفرة فيه. 

ثالثا : يفرز هذا النظام الفاسد حقوقا قد أبطلها الشرع الشريف من حق الكافر في المواطنة والتصويت واحترام رأيه وهذا ما أهدره الشرع الشريف صراحة حيث يقول الله تعالى"أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون" وقال تعالى :" أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقال تعالى متعجبا من صنيع القوم "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقال تعالى منكرا على القوم ما يعتقدونه من المساواة القائمة على المواطنة " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار " ولم يسو الله العليم الحكيم بين المرأة والرجل في الشهادة وما نحن فيه أشبه بالشهادة إلى حد كبير؛ فقال تعالى : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى " فلم يسو الله تعالى بين الكافر والمسلم ، والفاجر والمؤمن ، والفاسق والعدل ، والرجل والمرأة على عكس النظام الانتخابي في الأنظمة الديمقراطية .

ثم إن واضعوا الأنظمة الانتخابية في ظل الأنظمة الديمقراطية يعتبرونها فرصة مواتية للتعبير عن إرادة الشعب  في أن يحكم نفسه بنفسه ولتدريب من يرضى بالدخول فيها على المبدأ الأساسي للديمقراطية ألا وهو (مبدأ تداول السلطة بين فئات الشعب مسلمهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، ذكرهم وأنثاهم) ومن يدخل في هذا النظام يقبل ولا بد بهذا المبدأ حتى أني سمعت بأذني المدعو عبد المجيد الزنداني اليمني في المسجد الكبير بمدينة عدن اليمنية العام 1996م وهو يقول بأنه يرضى باختيار الشعب اليمني إذا اختار الحزب الاشتراكي لحكم اليمن ، ثم سمعت دجالهم الأكبر القرضاوي وهو يقول إنه يقبل أن يحكم مصر شيوعيون أو علمانيون إذا اختارهم الشعب لأن هذه هي أصول الديمقراطية واللعبة السياسية التي رضينا بالدخول فيها ولما قيل لمرشد جماعة الإخوان هل ترضون بالديمقراطية لكل طوائف الشعب قال نعم نريدها ديمقراطية حقيقية وشاملة للجميع، ولما سئل أحمد ياسين عن اختيار الشعب الفلسطيني في الانتخابات التي تجري هناك وإنهم إن اختاروا غير منظمة حماس فقال : نحن نحترم إرادة الشعب ، ثم أعيد السؤال عليه مرة أخرى : إذا اختار الشعب الفلسطيني غير المسلمين للحكم فأجاب في حماسة بالغة : نحن نقدس إرادة الشعب ، فهذه إجابات القوم يتبين معها مدى ما وصلوا إليه من شرك وكفر وما وقعوا فيه من براثن الجاهلية وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم إن الانتخابات فرصة كبرى لتوفير الشرعية في زعمهم لعرض كل المناهج والعقائد  والمبادئ متساوية أيا كانت كما انها تضمن  احترام الجميع لما يعرض من مناهج مهما كانت باطلة أو شركية مع إعطاء الجميع نفس الفرصة في عرضها وجذب الأصوات لها

هذا بعض ما في النظام الانتخابي الديمقراطي الجاهلي من موبقات وأباطيل تنزه الشرع الشريف عنها ووقع القوم فيها كوقوع الفراش في النار وجادل أكثرهم عنها فإنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا عدا ما في النظام الديمقراطي نفسه من شركيات مناقضة للإسلام في أصوله وفروعه أعرض عنها هاهنا لأنه مقال مختصر ولعدم الحاجة لها وإنكار القوم لأكثرها . فهل يمكن أن يقال بعد هذا إن النظام الانتخابي في ظل الأنظمة الديمقراطية الجاهلية نظام خال من العيوب المؤثرة والقادحة فيه كما زعم أكثرهم باطلا وزورا.

أما عن أدلة المجيزين لدخول مثل هذه المهلكات فالذي سمعته وقرأته عنهم مما يستحق الرد عليه ما يلي:

1_تول يوسف عليه السلام الولاية لحاكم كافر لا يحكم بما أنزل الله تعالى وقالوا هذا يدل على جواز تولي الوزارات عند الكافر بل ودخول المجالس التشريعيةفي النظام الكافر للحكم بالعدل.

 

والرد على هذه الشبهة من وجوه:

أولأ إن هذه الأنظمة الديمقراطية والبرلمانات الشركية القائمة على تأليه نواب الشعب والتحليل والتحريم والتشريع من دون الله تعالى هي أنظمة كفرية وملل شركية .  حيث أن سن القوانين والشرائع يكون حقا خالصا للشعب عن طريق نوابه وهذا لا شك دين مكتمل الأركان وملة غير ملة الإسلام يقول الله تعالى فيها وأمثالها "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " فالملة هي الشريعة والدين والقوانين الحاكمة والمسيطرة فهل يجرؤ أحد أن يزعم أن نبي الله يوسف الكريم ابن الأنبياء الكرام اتبع ملة الكفر وعدل عن ملة آبائه الموحدين أو أقسم على احترام ملة الكفر وعلى العمل بقوانينها ودساتيرها كما هو حال من يدخل هذه البرلمانات الشركية من قال هذا فقد كفر وكذب  على الله تعالى ورسله لأنه يرد صريح القرآن الذي قال ربنا تعالى فيه عن يوسف الكريم الصديق وهو مستضعف في السجن " إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء " وقال لأصحابه في السجن " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار..........." إلى آخر الآيات ، وهل يمكن ليوسف أن يعلن البراءة من الشرك وهو مسجون مستضعف ثم يخفي ذلك وهو وزير ممكن حاشاه ثم حاشاه فإنه نبي ابن نبي ابن نبي من أخلص أنبياء الله ورسله.

ثم إن التشريع من دون الله تعالى في مجالس الآلهة لا يستطيع أحد عاقل البتة أن يزعم أن يوسف نبي الله تعالى الموحد الذي اصطفاه الله من خلقه بل داعية التوحيد قد مارسه في برلمان الفرعون حينئذ ولا يستطيع أحد أن يزعم أن يوسف قد صرح باحترامه إرادة الشعب وسيادة القانون والدستور الوضعي وإلا كفر قائل هذا بالله العظيم صراحة.

ثم إن يوسف عليه السلام قد تولى هذه الولاية بإطلاق يده ليفعل ما يرى من الحق والعدل بنص القرآن الكريم حيث قال له الملك "إنك اليوم لدينا مكين أمين " فأطلق له الملك حرية التصرف غير منقوصة كما قال تعالى عن ذلك " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوا منها حيث يشاء" فلا اعتراض لأحد على ما يريد يوسف عليه السلام من الحق والعدل والشرع الحنيف فهل هذا ما يحصل لمن يتولون المناصب اليوم في الأنظمة الطاغوتية الحاكمة في بلادنا ؟ اللهم لا ، فإن الوزير عندهم موظف تابع لأهوائهم وإرادتهم يقيلونه ويعينون غيره كما يشاءون وهو مقيد بدينهم وقانونهم الكفري فلا حجة فيما فعله يوسف فيما هو حاصل اليوم البتة  فالقياس لا يصح على حالة يوسف عليه السلام  ثم إن غاية هذا انه شرع من قبلنا قد جاء شرعنا بالنهي عنه كما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال    (ليكونن عليكم أمراء سفهاء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا)

وأما دليلهم الثاني على صحة ما ذهبوا إليه فهو قولهم إن ما نحن فيه حال ضرورة ملجئة كما سمعته صراحة من بعضهم وهذه الشبهة قد رددت عليها في مقال آخر بعنوان (هل أصبح الدخول في شرعة الديمقراطية والبرلمانات الشركية ضرورة شرعية )

وأما الدليل الثالث الذي استدل به القوم هو قولهم إن دخولنا هذا النظام دفع لأعظم المفاسد بارتكاب أدناها وهي شبهة ساقطة متهافتة رد القرآن عليها صراحة حيث إن القرآن قد صرح بما لا يحتمل التأويل أن أعظم المفاسد على الإطلاق هو الشرك ومنه ما يحصل من هذه الأنظمة الجاهلية الوضعية فقال تعالى : " والفتنة أكبر من القتل "  وقال تعالى : "والفتنة أشد من القتل " فإن كان القوم يدفعون القتل والسجن عن أنفسهم وعن غيرهم فما يسببونه من فتنة الشرك والوقوع فيه وتلبيسه على العامة والدهماء لهو أعظم مما يدفعونه من سجن أو قتل في زعمهم ، ثم من قال أنه يحل الولوج في مثل هذه المزالق ويتحتم علينا ذلك وليس لنا غيره من سبيل ، اليس قد شرع الله تعالى لنا بل أمرنا بالقيام بمهام الدعوة إلى الحق والصدع به في كل محفل والرد على المشركين في كل موطن وفضح المبطلين بقدر ما نستطيع أو ليس في تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة والجهاد في سبيل الله دفع لفساد هؤلاء الجاهليين والمبطلين ومن قال إننا إن لم نلج هذه الأنظمة الشركية الباطلة ونشارك أهلها ونزاحمهم في باطلهم نكون قد تركنا الساحة للعلمانيين والفاسدين ، إننا ما زلنا نزاحمهم بما نحمل من حق وهدى في كل ما نستطيع من محافل ونواد ولن نترك الساحة خالية لهم يعيثوا فيها فسادا بل سننازلهم بكل ما أوتينا من قوة لنكشف عوراتهم ونبطل حججهم وندمر باطلهم بإذن الله تعالى والله مولانا ولا مولى لهم فلا يلزم من عدم دخولنا هذه الأنظمة الشركية الجاهلية أننا سنترك الساحة للعلمانيين والفاسدين والمفسدين ، وفي سنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده عبرة وهدى وقدوة لنا حيث عرض عليهم الدخول في أنظمة المشركين وتقاسم الحكم معهم فأبوا إلا الصدع بالحق وتجريد التوحيد مخلصا لله رب العالمين حتى نصرهم الله تعالى وأتم نعمته عليهم ووعد الله تعالى حق لن يتخلف لمن تمسك بدينه وعمل بشرعه ولم يغير ولم يبدل فما لم يكن يومئذ دينا فليس اليوم دينا ولكن  لهذا الوعد سنة جارية لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتحقق إلا بعد البلاء والمحن فلا يمكن المرء حتى يبتلى كما صرح بذلك الصالحون الأولون فدون التمكين بلاء ومحن وصبر ومصابرة وإنا لنري الأحوال مليئة بالبشارات رغم المحن والخطوب والمصائب والأهوال فكلما زاد بطش الجبارين وظلم الظالمين كلما دخل الناس في دين الله أفواجا ولقد طفت كثير ا من البلدان وعاشرت كثيرا من الأقوام وتعجبت لصنع الله تعالى وقدره على مر الأزمان فمن كان يصدق أن تأتي أفواج المجاهدين من الشيشان وأوزبكستان وتركستان وقرغيزستان وطاجيكستان حيث سحق الشيوعيون والبوذيون أهل الإسلام قرابة مائة عام ثم فوجئوا بشباب يملئون الدنيا بصيحة لا إله إلا الله والله أكبر والنصر للإسلام وكم سطر الأبطال من هؤلاء أروع قصص البطولة والشهادة والفداء بعد أن جردوا التوحيد لربهم ولم يداهنوا ولم يدخلوا في أنظمة الجاهلية الباطلة حتى حار أعداء الله تعالى في تفسير هذا المشهد ولم يزدهم ذلك إلا بطشا وتنكيلا " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "  ونحن متيقنون ان العاقبة للمتقين بإذن الله تعالى ولينصرن الله من ينصره وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

 

كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته

أبو عمرو  عبد الحكيم حسان

 

شبهة تسمية الديمقراطية بالشورى لتسويغها والرد عليها

 الكاتب : أبو محمد المقدسي

 

 هذا وقد استدل بعض عِميان البصائر وخَفافِيش الدُجى لدينهم الكفري الباطل هذا (الديمقراطية) بقوله تعالى عن المؤمنين الموحِّدين {وأمرهم شورى بينهم} وبقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر}. فسموا ديمقراطيتهم العفنة بالشورى لإسباغ الصبغة الدينية الشرعية على هذا المذهب الكفري ومن ثم تسويغه وتجويزه..

فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: إنَّ تغيير الأسماء لا قيمة له ما دامت الأشياء أو الحقائق هي هي... وبعض الجماعات الدعوية التي تنتهج هذا المذهب الكفري وتدينُ به تقول: (نحن نعني بالديمقراطية حين نُنادي بها ونُطالب بها ونُشجعها ونسعى لها وبها "حرية الكلمة والدعوة") (75). ونحو ذلك من الشقشقات..

فنقول لهم: ليس المهم ما تعنونه أنتم وما تُرقعونه وتتوهمونه.. لكن المهم ما هي الديمقراطية التي يطبقها الطاغوت ويدعوكم للدخول فيها وتُجرى الانتخابات من أجلها ويكون التشريع والحكم الذي ستشاركون فيه وِفقاً لها.؟ فإنْ ضحكتم على النَّاس وخادعتموهم، فلن تستطيعوا ذلك مع الله {إنّ المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم} (76). {يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} (77). فتغيير أسماء الأشياء لا يُغيِّر أحكامها ولا يُحل حراماً أو يُحرِّم حلالاً... يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيَسْتَحِلَّنَ طائفةٌ مِنْ أُمّتي الخمرَ باسمٍ يُسَمُّونَها إِيَّاه) (78).

هذا وقد كفّر العلماء من سبَّ التوحيد أو حاربه وهو يُسميه دين الخوارج أو التكفير.. وكفّروا من حسَّنَ الشرك وسوّغه أو فعله وهو يُسميه بغيرِ اسمه(79).كما يفعل هؤلاء فيُسمُّون دينَ الكفر والشرك (الديمقراطية) بالشورى.. لتجْويزه وتسويغِه ودعوةِ النَّاس إلى الدخول فيه.. فبُعداً بُعداً...

ثانياً: إنَّ قياس ديمقراطية المشركين على شورى الموحِّدين وتشبيه مجلس الشورى بمجالس الكفر والفسوق والعصيان تشبيهٌ ساقطٌ وقياسٌ باطلٌ مُتهافت الأركان، فقد علمتَ أنَّ مجلس الشعب أو الأمة أو البرلمان معقلٌ من معاقل الوثنية وصرحٌ من صُروح الشرك، تُنصب فيه آلهة الديمقراطيين وأربابهم المتفرقون وشركاؤهم الذين يُشرِّعون لهم من الدين ما لم يأذن به الله وِفقاً لدساتيرهم وقوانينهم الأرضية(80). قال تعالى:{ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ الله الواحدُ القهّار * ما تعبدونَ من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وءَاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ إنِ الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمونَ} (81).

وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (82).

فهذا القياس هو من قبيل قياس الشرك على التوحيد والكفر على الإيمان.. وهو من القول على الله بغير علم والإفتراء على دينه والكذب على الله، والخوض والإلحاد في آياته سبحانه وتلبيس الحق على الخلق بالباطل، والنّور بالظلام..

إذا تبيّن هذا فليعلم المسلم أنَّ الفوارق الجليّة بين الشورى التي شرعها الله لعباده، وبين الديمقراطية العفِنة هي كما بين السماء والأرض...بل هي في عِظَمها كعِظم الفارق بين الخالق والمخلوق.

فالشورى نظامٌ ومنهجٌ ربانيٌّ.. والديمقراطية من صنع البشر الناقصين الذين تتخللهم الأهواءُ والنزوات.

الشورى من شرع الله تعالى ودينه وحكمه... والديمقراطية كفرٌ بشرع الله ودينه ومناقضةٌ لحكمه.

والشورى تكون فيما لا نصَّ فيه، أما عند ورود النص فلا شورى، يقول الله تعالى: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسولُه أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (83). أما الديمقراطية فهي استخفافٌ وتلاعبٌ في كلِّ باب ولا اعتبار فيها لنصوص الشرع وأحكام الله ولكن الاعتبار كلِّ الاعتبار في الديمقراطية هو لحكم الشعب وتشريع الشعب في كلِّ المجالات(84). لذا عرَّفوها في دساتيرهم بقولهم: (الأمة مصدر السلطات جميعاً).

والديمقراطية تَعتبر الشعب أعلى سلطة في الوجود وهي حكم أكثرية الشعب وتشريع الأكثرية ودين الأكثرية، الأكثرية تحلِّل والأكثرية تحرِّم... فالأكثرية هي الإله والربُّ في الديمقراطية... أما في الشورى فالشعب أو الأكثرية هي الملتزمة المأمورة بالسمع والطاعة لله ولرسوله ثم لإمام المسلمين، ولا يُلْزم الإمام برأيِ الأكثرية ولا حُكمِها وإنما الأكثرية مأمورةٌ بالسمع والطاعة للأئمة وإن جاروا ما لم يأمروا بمعصية (85).

فالديمقراطية ميزانها وإلهها الأكثرية، وهي مصدر السلطات جميعاً.. أما الشورى فليس للأكثرية فيها أثرٌ ولا ميزان بل قد حَكَم الله على الأكثرية بحكمٍ واضحٍ في كتابه فقال:

{وإنْ تُطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} (86). {وما أكثرُ النّاس ولو حرصتَ بمؤمنين} (87). {وإن كثيراً من الناس بلقائ ربهم لكافرون} (88). {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (89). {ولكن أكثر النّاس لا يشكرون} (90). {ولكن أكثر النّاس لا يؤمنون} (91). {ولكن أكثر النّاس لايعلمون} (92). {فأبى أكثر النّاس إلا كفوراً} (93).

هذا من كلام الله وهو كثير.. ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما النّاس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.. وفي البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: يا آدم.. أخرجْ بعثَ النّار. قال وما بعثُ النّار؟ قال: مِنْ كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملها، وترى النّاس سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذاب الله شديد) هذا شرع الله ودين الله يبيّن ضلال الأكثرية وانحرافهم، ولذلك يحكم الله سبحانه فيقول: {إنِ الحكمُ إلا لله} (94).

وتأبى الديمقراطية ودعاة الديمقراطية ويرفضون الاستسلام لحكم الله وشرعه ويعاندون ويقولون: (إنِ الحكمُ إلا للأكثرية) فتباً وسُحقاً لمن تبعهم وسار على دربهم وهتف لديمقراطيتهم مهما طالت لحيته أو قَصُر ثوبُه كائناً من كان.... نقولها لهم في الدنيا لعلهم يؤوبون ويرجعون، خيراً لهم وأهون من أن يسمعوها في الموقف العظيم يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين فيقصدون حوضَ النبي صلى الله عليه وسلم فتحجزهم الملائكة ويقال: إنهم بدّلوا وغيّروا فيقولها النبي صلى الله عليه وسلم: (سُحقاً سُحقاً لمن بدّل بعدي)...(95).

وهكذا فالديمقراطية مبنىً ومعنىً نشأت في تُربة الكفر والإلحاد وترعرعت في منابت الشرك والفساد في أوروبا حيث فصلوا الدين عن الحياة، فنشأت هذه اللفظة في تلك الأجواء التي تحمل كلَّ سمومها وفسادها لا علاقة لجذورها بتربة الإيمان أو رِي العقيدة والإحسان.. ولم تستطع أن تثبت وجودها في العالم الغربي إلا بعد أن تم فصل الدين عن الدولة هناك، فأباحت لهم اللواط والزنا والخمر واختلاط الأنساب وغير ذلك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن... لذلك لا يجادل عنها ويمدحها ويُساويها بالشورى إلا اثنان لا ثالث لهما إما ديمقراطيٌّ كافرٌ أو سفيهٌ جاهلٌ بمعناها ومحتواها..
والله لستَ بثالثٍ لهما بلى إما حماراً أو من الثيرانِ


وهذا زمانٌ اختلطت فيه المصطلحات واجتمعت فيه المتناقضات، وليس العجب أن يتغنى بمثل هذه المذاهب الكفرية كثير من أولياء الشيطان، وإنما العجبُ أن يُشجِّعها ويُسوِّغها ويُسبغ عليها الصبغة الشرعية كثيٌر ممن ينتسبون إلى الإسلام.. فبالأمس عندما فُتِنَ النَّاس بالاشتراكية خرج علينا بعض النّاس ببدعة (اشتراكية الإسلام) وقبلها القومية والعروبة ومزجوها مع الإسلام.. واليوم يتغنى كثيٌر منهم بالدساتير الأرضية ولا يستحيون من تسمية عبيدها (بفقهاء القانون) تشبيهاً (بفقهاء الشريعة) ويستعملون نفسَ الألفاظ الشرعية؛ كالمشرِّع والشريعة والحلال والحرام والجائز والمباح والمحظور، ثم ومع هذا يحسبون أنهم على شيءٍ بل يحسبون أنهم مهتدون... فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... وما هذا والله إلا من ذهاب العلم والعلماء وإسناد الأمر إلى غير أهله وخُلُوِّ الجوّ والزمان لأراذل من الورى يتخبطون فيه كما يحلو لهم...

خلا لكِ الجو فبيضي واصفري..

فيا حسرةً على العلم والعلماء، ويا أسفاه على الدين ودُعاته الربانيِّين المخلصين... والله إنه لغريبٌ غربةً ما مثلها غربة، ولا أقول بين عوام النَّاس بل بين كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن لا يفقهون معنى (لا إله إلا الله) ولا يعرفون لوازمها ومقتضياتِها وشروطَها، بل أكثرهم ينقضها بالليل والنهار، ويتلطخون بشرك العصر وذرائعه ثم يحسبون أنهم موحِّدون بل يزعمون أنهم من دعاة التوحيد فليُراجعوا أنفسهم وليجلسوا في حلقِ العلم ليتعلموا حقيقة (لا إله إلا الله) فإنها أول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، وليتعلموا شروطَها ونواقضَها قبل نواقض الوضوء والصلاة فإنه لا يصح وضوءٌ ولا صلاةٌ لمن نقضها... فإنْ أعرضوا واستكبروا فهم وحدهم بذلك الخاسرون..

وأختتم هذا بكلامٍ نفيس للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى يرد فيه على أمثال هؤلاء الملبِّسين الذين يُحرِّفون كلام الله ويفترون عليه سبحانه الكذب باستشهادهم بقوله سبحانه تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (96). لنصرةِ وتطبيقِ الديمقراطية الكافرة.

حيث قال رحمه الله في هامش (عمدة التفسير) (97). عند تفسير قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (98). والآية الأخرى {وأمرهم شورى بينهم}: (اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر - من العلماء وغيرهم - عُدتهم في التضليل بالتأويل، ليُواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون النّاس بتسمينه "النظام الديمقراطي"! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعاراً من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة للإسلام. يقولون كلمة حق يُراد بها الباطل يقولون: "الإسلام يأمر بالشورى" ونحو ذلك من الألفاظ.

وحقاً إنَّ الإسلام يأمر بالشورى. ولكن أيُّ شورى يأمر بها الإسلام؟ إنَّ الله سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكل على الله}. ومعنى الآية واضحٌ صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل. فهو أمرٌ للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي، الذي هم أولو الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق. ثم يختار من بينها ما يراه حقاً وصواباً أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه، غير متقيد برأي فريقٍ معين، ولا برأي عددٍ محدد، لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه.

ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم - ويأتسى به فيه من يلي الأمر من بعده - هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيمُو الصلاة، المؤدُو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِيلني منكم أولو الأحلام والنهى). ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أنَّ لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدمُ شريعة الإسلام. هؤلاء وأُولئك - من بين كافرٍ وفاسقٍ - موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء.

والآية الأخرى، آية سورة الشورى - كمثل هذه الآية وضوحاً وبياناً وصراحةً: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} اهـ.


(75) وحتى حرية الكلمة أو الدعوة كما تريدها الديمقراطية فحرية باطلة كفرية، لأن أهل الديمقراطية حين ينادون لحرية الكلمة في دينهم هذا، لا يعنون حرية الصدع بكلام الله وحده.. بل وحرية كلام الطاغوت والكفار والملاحدة والمشركين وحرية الإعتقاد والإرتداد والطعن في كلِّ المقدسات. وهذا الكفر ربما كان مطبقاً في الديمقراطية الغربية.. أما ديمقراطية العرب ففيها حرية كلّ كفرٍ وإلحادٍ وزندقةٍ، أما الإسلام فمكبلٌ عندهم ومسجونٌ ومطرود، وهؤلاء الدعاة أسمى أمانيهم أن يحققوا ويصلوا بالناس إلى ديمقراطية الغرب الكافر، والكفر ملَّةٌ واحدةٌ وهو دركات. فتنبه.



(76) سورة النساء، الآية 142.
(77) سورة البقرة، الآية 9.
(78) رواه الإمام أحمد في مسنده عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، حديث رقم 22704.
(79) راجع الدرر السنية في الأجوبة النجدية: ج 1ص 145.
(80) المادة 25 من الدستور الأردني: (تُناط السلطة التشريعية بالملك ومجلس الأمة).. وأختها في الدستور الكويتي رقم 51: (السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وِفقاً للدستور).
(81) سورة يوسف، الآيتان 39-40.
(82) سورة الشورى، الآية 21.
(83) سورة الأحزاب، الآية 36.
(84) هذا في الديمقراطية الغربية الكافرة أما في الديمقراطية العربية الكافرة فإن الاعتبار الأول والأخير فيها للملك أو الأمير أو الرئيس إذ بدون تصديقه لا قيمة لقول الأمة ولا نُوابها ومجلس النواب، كلُّه بيده يحله ويربطه ويلعبُ به كيف شاء ومتى شاء.
(85) انتبه... هذا للأئمة المسلمين الحاكمين بشرع الله المعادين لأعداء الله وليس لسفلة الخلق من كفرة الحكام المرتدين أولياء وإخوان اليهود والنصارى..
(86) سورة الأنعام، الآية 116.
(87) سورة يوسف، الآية 103.
(88) سورة الروم، الآية 8.
(89) سورة يوسف، الآية 106.
(90) سورة البقرة، الآية 243.
(91) سورة يوسف، الآية 21.
(92) سورة الإسراء، الآية 89.
(93) سورة يوسف، الآية 40.
(94) سورة يوسف، الآية 21.
(95) (سحقاً سحقاً) أي بُعداً بعداً. ونصبه على المصدر. وكرر للتوكيد. رواه مسلم [2291]، والبخاري [6212] بلفظ: (سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي).
(96) سورة الشورى، الآية 38.
(97) عمدة التفسير: ج 3 هامش ص 64-65.
(98) سورة آل عمران، الآية 159.

شبهة أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله ومع ذلك كان مسلماً والرد عليها

  الكاتب : أبو محمد المقدسي

 

واحتج أهلُ الأهواء أيضاً بقصة النجاشي للترقيع لطواغيتهم المشرِّعين سواءً كانوا حكاماً أو نوّاباً في البرلمان أو غيرهم...

فقالوا: إنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله تعالى بعد أن أسلم وبقي على ذلك إلى أن مات ومع هذا فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبداً صالحاً وصلى عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه.

فنقول وبالله تعالى التوفيق:

أولاً: يلزم المحتج بهذه الشبهة المتهافتة قبل كلِّ شيءٍ أن يثبت لنا بنصٍ صحيحٍ صريحٍ قطعي الدلالة أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله بعد إسلامه.. فقد تتبعتُ أقاويلهم من أولها إلى أخرها.. فما وجدتُ في جعبتهم إلا استنباطات ومزاعم جوفاء لا يدعمُها دليلٌ صحيحٌ ولا برهانٌ صادقٌ، وقد قال تعالى: {قل هاتوا بُرهانكم إن كنتم صادقين} (69). فإذا لم يأتوا بالبرهان على ذلك فليسوا من الصادقين بل هم من الكاذبين..

ثانياً: إنَّ مِن المسَلَّم به بيننا وبين خصومنا أنَّ النجاشي قد مات قبل اكتمال التشريع.. فهو مات قطعاً قبل نزول قوله تعالى: {اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلام ديناً...} (70). إذ نزلت هذه الآية في حَجة الوداع، والنجاشي مات قبل الفتح بكثير كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره..(71).

فالحكمُ بما أنزل الله تعالى في حقه آنذاك؛ أن يحكم ويتبع ويعمل بما بلغه من الدين، لأن النذارة في مثل هذه الأبواب لابد فيها من بلوغ القرآن قال تعالى: {وأُوحِيَ إليَّ هذا القرآن لأُنذركم به ومن بلغ..} (72). ولم تكن وسائل النقل والاتصال في ذلك الزمان كحالها في هذا الزمان إذ كانت بعض الشرائع لا تصل للمرء إلا بعد سنين وربما لا يعلم بها إلا إذا شدَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرحال... فالدينُ ما زال حديثاً والقرآنُ لا زال يتنزل والتشريعُ لم يكتمل... ويدل على ذلك دلالةً واضحة.. ما رواه البخاريُّ وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (كنا نُسلِّم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إنَّ في الصلاة شغلاً).. فإذا كان الصحابة الذين كانوا عند النجاشي بالحبشة مع العلم أنهم كانوا يعرفون العربية ويتتبعون أخبار النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغهم نسخ الكلام والسلام في الصلاة مع أنَّ الصلاة أمرها ظاهر لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصلي بالنّاس خمسَ مراتٍ في اليوم والليلة... فكيف بسائر العبادات والتشريعات والحدود التي لا تتكرر كتكرر الصلاة؟.

فهل يستطيع أحدٌ من هؤلاء الذين يدينون بشرك الديمقراطية اليوم أن يزعم أنه لم يبلغه القرآن والإسلام أو الدين حتى يَقيس باطله بحال النجاشي قبل اكتمال التشريع...؟.

ثالثاً: إذا تقرر هذا فيجب أن يُعلم أنَّ النجاشي قد حكم بما بلغه مما أنزل الله تعالى، ومَنْ زعم خلافَ هذا، فلا سبيل إلى تصديقه وقبول قوله إلا ببرهان {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.. وكلُّ ما يذكره المستدلون بقصته يدلُ على أنَّه كان حاكماً بما بلغه مما أنزله الله تعالى آنذاك...

1) فمما كان يجبُ عليه آنذاك من اتباع ما أنزل الله: (تحقيق التوحيد والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله)... وقد فعل. انظر ذلك فيما يستدل به القوم.. رسالته التي بعثها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. ذكرها عمر سليمان الأشقر في كُتيّبه: (حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية) (73).

2) وكذا بيعتَه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والهجرة، ففي الرسالة المشار إليها آنفاً يذكر النجاشي: (أنه قد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع ابنٌ له جعفر وأصحابه وأسلم على يديه لله ربِّ العالمين، وفيها أنه بعثَ إليه بابنه أريحا بن الأصحم ابن أبجر، وقوله: إنْ شئتَ أن آتيك فعلتُ يا رسول الله فإنني أشهدُ أنَّ ما تقولُ حق). فلعلَّه مات بعد ذلك مباشرة، أو لعلَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ منه ذلك آنذاك... كلُّ هذه أمور غير ظاهرة ولا بينة في القصة فلا يحل الجزم بشيء منها والاستدلال به، فضلاً عن أن يُناطح به التوحيد وأصولُ الدين!.

3) وكذا نصرةُ النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وأتباعه، فقد نصر النجاشي المهاجرين إليه وآواهم وحقّق لهم الأمن والحماية، ولم يخذلهم أو يُسلمهم لقريش، ولا ترك نصارى الحبشة يتعرضون لهم بسوء رغم أنهم كانوا قد أظهروا معتقدهم الحق في عيسى عليه السلام... بل ورد في الرسالة الأخرى التي بعثها إلى النبي صلى الله عليه وسلم (وقد أوردها عمر الأشقر في كتابه المذكور صفحة 73) أنه بعث بابنه ومعه ستون رجلاً من أهل الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم... وكلُّ ذلك نصرةً له واتباعاً وتأييداً..

ومع هذا فقد تهوّر عمر الأشقر فجزم في كتابه المذكور [ص73] أنَّ النجاشي لم يحكم بشريعة الله وهذا كما عرفتَ كذبٌ وافتراءٌ على ذلك الموحِّد.. بل الحق أن يُقال إنه حكم بما بلغه مما أنزل الله آنذاك، ومن زعم خلافه فلا يُصدق إلا ببرهانٍ صحيحٍ قطعيّ الدلالة، وإلا كان من الكاذبين {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} وهو لم يأتِ على دعواه هذه بدليلٍ صحيحٍ صريح، لكن تتبع واحتطب من كتب التاريخ بليلٍ أموراً ظنها أدلة.. والتواريخ معروفٌ حالها...

يقول القحطاني الأندلسي - رحمه الله تعالى - في نونيته:
لا تقبلن من التوارخ كلما جمع الرواة وخط كلَّ بنانِ
اروِ الحديث المنتقى عن أهله سيما ذوي الأحلام والأسنانِ


فيقال له ولمن تابَعَه: (أثبتوا العرش ثم انقشوا)..

رابعاً: إنَّ الصورة في قصة النجاشي لحاكم كان كافراً ثم أسلم حديثاً وهو في منصبه، فأظهر صدق إسلامه بالاستسلام الكامل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأنْ يُرسل إليه ابنه وبرجال من قومه ويبعثُ معهم إليه يستأذنه بالهجرة إليه ويظهرُ نصرتَه ونصرةَ دينه وأتباعه، بل ويظهرُ البراءة مما يُناقضه من معتقده ومعتقد قومه وآبائه... ويُحاول أن يطلب الحق ويتعلم الدين وأن يُسدد ويُقارب إلى أن يلقى الله على هذه الحال وذلك قبل اكتمال التشريع وبلوغه إليه كاملاً... هذه هي الصورة الحقيقية الواردة في الأحاديث والآثار الصحيحة الثابتة في شأنه.. ونحن نتحدى مخالفينا في أن يثبتوا غيرها.. لكن بدليل صريحٍ صحيحٍ أما التواريخ فلا تُسمن ولا تُغني من جوع وحدها دون إسناد...

أما الصورة المستدل لها والمقيسة عليه فهي صورةٌ خبيثةٌ مختلفةٌ كلَّ الاختلاف، إذ هي صورةُ فِئامٍ من النَّاس ينتسبون إلى الإسلام دون أن يتبرؤوا مما يُناقضه، بل ينتسبون إليه وإلى ما يُناقضه في الوقت نفسه ويفتخرون بذلك، فما تبرؤوا من دين الديمقراطية كما برِىء النجاشي من دين النصرانية، كلا.. بل ما فتِئُوا يمدحونها ويُثنون عليها ويسوّغونها للنَّاس ويدعونهم إلى الدخول في دينها الفاسد.. ويجعلون من أنفسهم أرباباً وآلهةً يُشرِّعون للنَّاس من الدين ما لم يأذن به الله.. بل ويُشاركون معهم في هذا التشريع الكفري الذي يتمُ وِفقاً لبنود الدستور الوضعي من يتواطأ معهم على دينهم الكفري من نواب أو وزراء أو غيرهم من الشعوب... ويُصِرُّون على هذا الشرك ويتشبثون به بل ويذمون من حاربه أو عارضه أو طعن فيه وسعى لهدمه... وهذا كلُّه بعد اكتمال الدين، وبلوغهم القرآن بل والسنَّة والآثار..

فبالله عليك يا مُنصف كائناً من كُنتَ، أيصحُ أنْ تُقاس هذه الصورةُ الخبيثةُ المنتنةُ المظلمةُ مع ما جمعَتْهُ من الفوارق المتشعّبة.. بصورةِ رجلٍ حديث عهد بالإسلام يطلب الحق ويتحرى نُصرته قبل اكتمال التشريع وبُلوغه إليه كاملاً.. شتان شتان بين الصورتين والحالين...
والله ما اجتمعا ولن يتلاقيا حتى تشيبَ مفارقُ الغربانِ


نعم قد يجتمعان ويستويان لكن ليس في ميزان الحق.. بل في ميزان المطففين ممن طمس الله على أبصارهم فدانوا بدين الديمقراطية المناقضِ للتوحيد والإسلام.

{ويلٌ للمطففين * الذين إذا اكتالوا على النَّاس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون * ألا يظن أُولئك أنهم مبعوثون * ليومٍ عظيم} (74).


(69) سورة البقرة، الآية 111.
(70) سورة المائدة، الآية 3.
(71) انظر البداية والنهاية: ج 3 ص 277.
(72) سورة الأنعام، الآية 19.
(73) الصفحة 71 من كتابه المذكور وهي في زاد المعاد: ج3 ص60.
(74) سورة المطففين، الآيات 1-5.

شبهة عمل يوسف عند ملك مصر وجوابها

  الكاتب : أبو محمد المقدسي

 

 اعلم أن هذه الشبهة تعلق بها بعض من أفلس من الأدلة...

فقالوا: ألم يتول يوسف عليه السلام منصب الوزارة عند ملك كافر لايحكم بما أنزل الله تعالى ؟ إذن يجوز المشاركة بالحكومات الكافرة بل والولوج في البرلمانات ومجالس الأمة ونحوها..

فنقول وبالله تعالى التوفيق:

أولاً: إنَّ الاحتجاج بهذه الشبهة على الولوغ في البرلمانات التشريعية وتسويغها باطل وفاسد، لأن هذه البرلمانات الشركية قائمة على دين غير دين الله تعالى ألا وهو دين الديمقراطية الذي تكون ألوهية التشريع والتحليل والتحريم فيه للشعب لا لله وحده..

وقد قال تعالى: {ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (38). فهل يجرؤ زاعمٌ أن يزعم بأنَّ يوسف عليه السلام اتبع ديناً غير دين الإسلام أو ملّة غير ملّة آبائه الموحِّدين.. أو أقسم على احترامها..؟ أو شرَّع وِفقاً لها..؟ كما هو حال المفتونين بتلك البرلمانات(39)..؟.

كيف وهو يعلنها بملء فيه في وقت الاستضعاف فيقول: {إني تركتُ ملّة قومٍ لا يُؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعتُ ملّة ءاباءي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} (40).

ويقول: {يا صاحبيَ السّجن ءأربابٌ مُّتفرقون خيرٌ أمِ الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سمَّيتموها أنتم وءاباؤُكم ما أنزل الله بها من سلطان إنِ الحكمُ إلالله أمر ألاَّ تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون} (41).

أفيُعلنها ويصدع بها ويدعو إليها وهو مستضعف.. ثم يُخفيها أو ينقضها بعد التمكين..؟!.

أجيبونا يا أصحاب الاستصلاحات..!

ثم ألا تعلمون يا دهاقين السياسة أن الوزارة سلطة تنفيذية والبرلمان سلطة تشريعية..وبين هذه وهذه فروق وفروق، فالقياس ها هنا لا يصح عند القائلين به(42)... ومنه تعلم أن الاستدلال بقصة يوسف عليه السلام على تسويغ البرلمانات لا يصح أبداً، ولا مانع أن نُواصل إبطال استدلالهم بها على الوزارة لاشتراك المنصبين في زماننا بالكفر..

ثانياً: إنَّ مُقايسة تولي كثير من المفتونين للوزارة في ظلِّ هذه الدول الطاغوتية التي تشرع مع الله وتحارب أولياء الله وتوالي أعداءه على فِعل يوسف عليه السلام قياس فاسد وباطل من وجوه:

1) أنَّ متولي الوزارة في ظلِّ هذه الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله تعالى لابد وأن يحترم دستورهم الوضعي ويدين بالولاء والإخلاص للطاغوت الذي أمره الله أول ما أمره أن يكفر به {يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به} (43). بل لابد عندهم من القسم على هذا الكفر قبل تولي المنصب مباشرة تماماً كما هو الحال بالنسبة لعضو البرلمان(44). ومن يزعم أن يوسف الصدِّيق الكريم ابن الكريم ابن الكريم كان كذلك مع أن الله زكاه وقال عنه: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (45). فهو من أكفر الخلق وأنتنهم، قد برىء من الملّة ومرق من الدين، بل هو شرٌّ من إبليس اللعين الذي استثنى حين أقسم فقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} (46).

ويوسف عليه السلام يقيناً وبنص كلام الله تعالى من عباد الله المخلصين بل من ساداتهم..

2) إنَّ متولي الوزارة في ظلِّ هذه الحكومات - أقسم اليمين الدستورية أم لم يقسم - لابد له أن يدين بالقانون الكفري الوضعي وأن لا يخرج عنه أو يخالفه، فما هو إلا عبدٌ مخلصٌ له وخادمٌ مطيعٌ لمن وضعوه في الحقِّ والباطل والفسق والظلم والكفر..

فهل كان يوسف الصدِّيق كذلك، حتى يصلح الاحتجاج بفعله لتسويغ مناصب القوم الكفرية..؟ إنَّ مَن يرمي نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله بشيءٍ من هذا لا نشكُ في كفره وزندقته ومروقه من الإسلام.. لأن الله تعالى يقول: {ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (47). فهذا أصل الأصول وأعظم مصلحة في الوجود عند يوسف عليه السلام وسائر رسل الله..

فهل يعقل أن يدعو النَّاس إليه في السراء والضراء وفي الاستضعاف والتمكين ثم هو يناقضه فيكون من المشركين؟ كيف والله قد وصفه بأنه من عباد الله المخلصين؟ ولقد ذكر بعض أهل التفسير أنَّ قوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك...} (48). دليل على أنَّ يوسف عليه السلام لم يكن مُطبقاً لنظام الملك وقانونه ولا مُنقاداً له ولا مُلزماً بالأخذ به..

فهل يوجد في وزارات الطواغيت أو برلماناتهم اليوم مثل هذا؟ أي أن يكون حال الوزير فيها كما يقال (دولة داخل دولة)..؟ فإن لم يوجد فلا وجه للقياس ها هنا..

3) إنَّ يوسف عليه السلام تولى تلك الوزارة بتمكين من الله عز وجل، قال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} (49). فهو إذاً تمكين من الله، فليس للملك ولا لغيره أن يضره أو يعزله من منصبه ذاك، حتى وإن خالف أمر الملك أو حكمه وقضاءه...

فهل لهؤلاء الأراذل المتولين عند الطواغيت اليوم نصيبٌ من هذا في مناصبهم المهترئة التي هي في الحقيقة لعبة بيد الطاغوت، حتى يصح مقايستها على ولاية يوسف عليه السلام تلك وتمكينه ذاك؟.

4) إنَّ يوسف عليه السلام تولى الوزارة (بحصانة) حقيقية كاملة من الملك، قال سبحانه وتعالى: {فلما كلَّمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} (50). فأطلقت له حرية التصرف كاملة غير منقوصة في وزارته {وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء} (51). فلا معترض عليه ولا محاسب له ولا رقيب على تصرفاته مهما كانت.. فهل مثل هذا موجود في وزارات الطواغيت اليوم أم أنها حصانات كاذبة زائفة… تُزال وتسحب سريعاً إذا لعب الوزير بذيله، أو ظهر عليه شيء من المخالفة أو الخروج عن خط الأمير أو دين الملك؟ فما الوزير عندهم إلا خادمٌ لسياسات الأمير أو الملك يأتمر بأمره وينتهي عن نهيه، وليس له الحق بأن يُخالف أمراً من أوامر الملك أو الدستور الوضعي ولو كان مضاداً لأمر الله تعالى ودينه...

ومن زعم أن شيئاً من هذا يشبه حال يوسف عليه السلام في ولايته فقد أعظم الفرية وكفر بالله وكذّب تزكيته سبحانه ليوسف عليه السلام...

فإن علم أن حاله عليه السلام ووضعه ذاك غير موجود اليوم في وزارات الطواغيت... فلا مجال للقياس ها هنا، إذاً فليترك البطالون عنهم الهذر والهذيان في هذا الباب..

ثالثاً: من الردود المبطلة لهذه الشبهة، ما ذكر بعض أهل التفسير من أن الملك قد أسلم، وهو مروي عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول يدفع الاستشهاد بهذه القصة من أصله...

ونحن ندين الله ونعتقد بأن اتباع عموم أو ظاهر آية في كتاب الله تعالى أولى من كلام وتفسيرات وشقشقات واستنباطات الخلق كلّهم العارية من الأدلة والبراهين... فمما يدل على هذا القول؛ قوله تبارك وتعالى عن يوسف عليه السلام: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} (52).

وهذا مجمل قد بيّنه الله تعالى في موضع أخر من كتابه فوصف حال من يُمَكِّنَ لهم في الأرض من المؤمنين بقوله: {الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (53).

ولا شك أن يوسف عليه السلام من هؤلاء بل من ساداتهم، الذين إن مكنهم الله أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. ولا شك ولا ريب عند من عرف دين الإسلام أن أعظم معروف فيه هو التوحيد الذي كان أصل الأصول في دعوة يوسف وآبائه عليهم السلام... وأعظم منكر هو الشرك الذي كان يحذر منه يوسف ويمقت ويبغض ويُعادي أربابه.. وفي دلالة واضحة وقاطعة على أن يوسف بعد أن مَكَّنَ الله له كان صادعاً بملة آبائه يعقوب واسحاق وإبراهيم، آمراً بها ناهياً محارباً لكلِّ ما خالفها وناقضها... فلا هو حكم بغير ما أنزل الله، ولا هو أعان على الحكم بغير ما أنزل الله، ولا أعان الأرباب المشرِّعين والطواغيت المعبودين من دون الله ولا ظاهرهم أو تولاهم كما يفعل المفتونون في مناصبهم اليوم..

فضلاً أن يُشاركهم في تشريعاتهم كما يفعل اليوم المفتونون في البرلمانات بل يُقال جزماً إنه قد أنكر حالهم وغيَّر مُنكرهم وحكم بالتوحيد ودعا إليه ونابذ وأبعد من خالفه وناقضه كائناً من كان... وذلك بنص كلام الله تعالى... ولا يصف الصدِّيقَ الكريم ابن الأكرمين بغير هذا إلا كافرٌ خبيثٌ قد برىء من ملّته الطاهرة الزكية...

ومما يدل على هذا أيضاً دلالة واضحة ويؤكده.. بيان وتفسير مجمل قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} (54). فما تُرى الكلام الذي كلّم يوسف الملك به هنا، حتى أعجِب به ومكّنه وأمنه؟. أتُراه انشغل بذكر قصة امرأة العزيز وقد انتهت وظهر الحق فيها... أم تُراه كلَّمه عن الوحدة الوطنية! والمشكلة الاقتصادية! و..و... أم ماذا؟.

ليس لأحد أن يرجم بالغيب ويقول ها هنا بغير برهان، فإنْ فعلَ فهو من الكاذبين.. لكن المبيِّن المفسر لقوله تعالى: {فلما كلَّمه} واضحٌ صريحٌ في قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولاً أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (55).

وقوله تعالى: {ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركتَ ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} (56).

وقوله تعالى في وصف أهم المهمات في دعوة يوسف عليه الصلاة السلام: {إني تركتُ ملَّة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملّة ءاباءي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء..} (57).

وقوله تعالى عنه: {...ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إنِ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيِّم ولكن أكثر النّاس لا يعلمون} (58).

لا شك أنَّ هذا أعظم كلام عند يوسف عليه السلام فهو الدين القيِّم عنده وأصلُ أصولِ دعوته وملَّته وملَّة آبائه.. فإذا أمر بمعروف فهذا أعظم معروف يعرفه... وإن نهى عن منكر فليس بمنكر عنده أنكر مما يُناقض هذا الأصل ويُعارضه.. فإذا تقرر هذا.. وكان جوابُ الملك له: {إنك اليوم لدينا مكينٌ أمين} فهو دليلٌ واضحٌ على أنَّ الملك قد تابعه ووافقه عليه وأنه قد ترك ملَّة الكفر واتبع ملَّة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام...

أو قُل إنْ شئتَ: على أقلِّ الأحوال أقرّه على توحيده وملَّة آبائه، وأطلق له حرية الكلام والدعوة إليها وتسفيه ما خالفها ولم يعترض عليه في شيءٍ من ذلك ولا كلفه بما يُناقضه أو يخالفه... وحسبك بهذا فرقاً عظيماً بين حاله عليه السلام هذه.. وبين حال المفتونين من أنصار الطواغيت وأعوانهم في وزارات اليوم أو المشاركين لهم بالتشريع في برلماناتهم..(59).

رابعاً: إذا عرفت ما سبق كلَّه وتحقق لديك يقيناً بأنَّ تولي يوسف عليه السلام للوزارة لم يكن مخالفاً للتوحيد ولا مُناقضاً لملَّة إبراهيم كما هو حال توليها في هذا الزمان..

فعلى فرضِ أن الملك بقي على كفره.. فتكون مسألةُ تولي يوسف هذه الولاية مسألةً من مسائل الفروع لا إشكال فيها في أصل الدين لما تقرر من قبل بأن يوسف لم يقع منه كفرٌ أو شركٌ أو تولي للكفار أو تشريعٌ مع الله بل كان آمراً بالتوحيد ناهياً عن ذلك كلِّه.. وقد قال الله تعالى في باب فروع الأحكام: {لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً} (60). فشرائعُ الأنبياء قد تتنوع في فروع الأحكام لكنِّها في باب التوحيد واحدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشرَ الأنبياء إخوةٌ لعلات ديننا واحد) (61). يعني: إخوةٌ من أمهات مختلفة والأب واحد.. إشارةٌ إلى الإتفاق في أصل التوحيد والتنوع في فروع الشريعة وأحكامها... فقد يكون الشيءُ في باب الأحكام في شريعة من قبلنا حراماً ثم يحل لنا كالغنائم، وقد يحصل العكس، أو شديداً على من قبلنا فيخفف عنا وهكذا.. ولذا فليس كلُّ شرعٍ في شرع من قبلنا شرعاً لنا.. خصوصاً إذا عارضه من شرعنا دليل..

وقد صح الدليل في شرعنا على معارضة هذا الذي كان مشروعاً ليوسف عليه السلام، وتحريمه علينا.. فروى ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبراني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين عليكم أُمراء سفهاء يقربون شرار النّاس، ويُؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا، ولا شرطياً، ولا جابياً، ولاخازناً).

والراجحُ أنَّ هؤلاء الأمراء ليسوا كفاراً بل فُجاراً سفهاء، لأن المحذِّر عادةً إذا حذر فإنما يذكر أعظم المفاسد والمساوئ، فلو كانوا كفاراً لبينه صلى الله عليه وسلم، لكن أعظمَ جرائمهم التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا؛ هي تقريب شِرار النّاس وتأخيُر الصلاة عن مواقيتها.. ومع هذا فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم ها هنا نهياً صريحاً عن أن يكون المرءُ لهم خازناً.. فإذا كان توالي وظيفة الخازن عند أُمراء الجور منهياً عنه في شرعنا ومحرماً.. فكيف بتولي وزارة الخزانة عند ملوك الكفر وأُمراء الشرك؟.{قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم} (62). فهذا دليلٌ صحيحٌ وبرهانٌ صريحٌ على أنَّ هذا كان من شرع من قبلنا، وأنه منسوخٌ في شرعنا... والله تعالى أعلم..

وفي هذا الكفاية لمن أراد الهداية.. لكن من يُقدِّم استحسانه واستصلاحه وأقاويل الرجال على الأدلة والبراهين، فلو انتطحت الجبال بين يديه لما ظفر بالهدى..{ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً..} (63).

وأخيراً وقبل أن أختم الكلام على هذه الشبهة أُنبِّه إلى أنَّ بعض المفتونين الذين يسوِّغون الشرك والكفر باستحسانهم واستصلاحهم الولوغَ في الوزارات الكفرية والبرلمانات الشركية يخلطون في حججهم وشبههم كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول تولي يوسف عليه السلام الوزارة... وهذا في الحقيقة مِن لَبس الحق بالباطل ومن الإفتراء على شيخ الإسلام وتقويله ما لم يقله.. إذ هو رحمه الله تعالى لم يحتج بالقصة لتسويغ المشاركة في التشريع والكفر أو الحكم بغير ما أنزل الله... معاذ الله فإننا نُنزه شيخ الإسلام ودينَه بل نُنزه عقله عن مثل هذا القول الشنيع الذي لم يجرؤ على القول به إلا هؤلاء الأراذل في هذه الأزمنة المتأخرة، نقول هذا.. حتى ولو لم نقرأ كلامه في هذا الباب، لأن مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل، فضلاً عن أن يصدر من عالم رباني كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ... فكيف وكلامُه في هذا الباب واضحٌ وجليٌّ.. حيث كان كلُّه مُنصباً على قاعدة درء أعظم المفسدتين وتحصيلِ أعلى المصلحتين عند التعارض.. وقد علمتَ أنَّ أعظم المصالح في الوجود هي مصلحةُ التوحيد وأنَّ أعظم المفاسد هي مفسدة الشرك والتنديد.. وقد ذَكر أنَّ يوسف عليه السلام كان قائماً بما قدر عليه من العدل والإحسان، كما في الحسبة(64) حيث يقول في وصف ولايته: (وفَعلَ من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان) اه.

ويقول: (لكنْ فَعلَ الممكنَ من العدل والإحسان) اه (65).

ولم يذكر مُطلقاً أنَّ يوسف عليه السلام شرّع مع الله تعالى أو شارك بالحكم بغير ما أنزل الله أو اتبع الديمقراطية أو غيرها من الأديان المناقضة لدين الله، كما هو حالُ هؤلاء المفتونين الذين يخلطون كلامه رحمه الله تعالى بحججهم الساقطة وشبهاتهم المتهافتة ليضلوا الطَغام، وليلبسوا الحق بالباطل والنور بالظلام...

ثم نحن يا أخا التوحيد... قائدنا ودليلنا الذي نرجع إليه عند التنازع هو الوحي لا غير - كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم.. وكلُّ أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤخذ من قوله ويرد - فلو أنَّ مثل ما يزعمون صدر عن شيخ الإسلام وحاشاه - لمَا قبلناه منه ولا ممن هو أعظمُ منه من العلماء، حتى يأتينا عليه بالبرهان من الوحي... {قل إنما أُنذِركم بالوحي} (66).{قلْ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (67).

فتنبه لذلك وعَض على توحيدك بالنواجذ، ولا تغتر أو تكترث بتلبيسات وإرجافات أنصار الشرك وخصوم التوحيد... أو تتضرّر بمخالفتهم وكن من أهلِ الطائفة القائمة بدين الله الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ الله وهم كذلك) (68).




(38) سورة آل عمران، الآية 85.
(39)حيث تنص دساتيرهم على أن الأمة أو الشعب هو مصدر السلطات (انظر المادة رقم 6 من الدستور الكويتي والمادة رقم 24 من الدستور الأردني) وأن السلطة التشريعية تُناط بالملك أو الأمير ومجلس الأمة (انظر المادة رقم 51 من الدستور الكويتي والمادة رقم 25 من الدستور الأردني).
(40) سورة يوسف، الآيتان 37-38.
(41) سورة يوسف، الآيتان 39-40.
(42) بعض المتعالمين يرون أن الوزارة أخطر من البرلمان وينطلقون من أن البرلمان بزعمهم جبهة معارضة للحكومة فهم يجاهدون في هذه الجبهة جهاداً دستورياً، ويكافحون فيها كفاحاً قانونياً، ويُناضلون نضالاً دبلوماسياً.. وتعاموْا على أن التشريع شره أخطر من التنفيذ؛ خصوصاً وأن تشريعهم هذا الذي سموه جهاداً وكفاحاً لا يكون في البرلمان إلا وِفقاً للدستور وطِبقاً لدين الديمقراطية انظر المادة 24 فرع 2 من الدستور الأردني حيث إن سلطات الأمة التشريعية أو غيرها لا تُمارس إلا على الوجه المبين في الدستور.. وما أعضاء البرلمان إلا نواب الأمة صاحبة السلطات الدستورية بزعمهم!.
وانظر أختها غير الشرعية في الدستور الكويتي المادة رقم 51 (السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقاً للدستور).
(43) سورة النساء، الآية 60.
(44)تنص المادة 43 من الدستور الأردني: (على رئيس الوزراء والوزراء قبل مباشرتهم أعمالهم أن يُقسموا أمام الملك اليمين التالية: " أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للملك، وأن أحافظ على الدستور...إلخ". ومثلها المادة 79: (على كلِّ عضوٍ من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب قبل الشروع في عمله أن يقسم أمام مجلسه يميناً هذا نصها: " أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للملك والوطن وأن أحافظ على الدستور...إلخ". ومثلها في الدستور الكويتي المادتان 126و91.
فهل فعل يوسف عليه السلام شيئاً من هذا؟.
ولا تغتر بتلبيسات بعض المفتونين الذين يقولون: نقسم ونستثني في نفوسنا: (في حدود الشرع). وقل لهم: ليس اليمين على نية الحالف، ولو كان الأمر كذلك لفسدت عقود الناس وشروطهم ولفتح الباب لكلِّ متلاعب، لكن كما قال المصطفى e في الحديث الذي رواه مسلم: (اليمين على نية المستحلف). فيمينكم هذه ليست تبعاً لنياتكم بل هي على نية الطاغوت الذي استحلفكم...
(45) سورة يوسف، الآية 24.
(46) سورة ص، الآيتان 82-83.
(47) سورة النحل، الآية 36.
(48) سورة يوسف، الآية 76.
(49) سورة يوسف، الآية 56.
(50) سورة يوسف، الآية 54.
(51) سورة يوسف، الآية 56.
(52) سورة يوسف، الآية 21.
(53) سورة الحج، الآية 41.
(54) سورة يوسف، الآية 54.
(55)سورة النحل، الآية 36.
(56) سورة الزمر، الآية 65.
(57) سورة يوسف، الآيتان 37-38.
(58) سورة يوسف، الآيتان 39-40.
(59) ولا يعكر على القول السابق احتجاج من احتج بقوله تعالى في سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً..} لوجوه:
1) أن الآية ليست بصريحة الدلالة على أن المقصود بيوسف هنا هو يوسف بن يعقوب.. فيحتمل أن يكون غيره، ذكر بعض المفسرين هذا الوجه وقالوا هو: يوسف بن افرانيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبياً 20 سنة، وهذا مرويٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما.. وانظر تفسير القرطبي.. والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.
2) على فرض أن المقصود في هذه الآية هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام فالآية ليست أيضاً بصريحة الدلالة على أنّ الملك بقي على كفره لكن الكلام فيها على غالب بني إسرائيل.
3) أن الآية لم تذكر الكفر المعلن البواح لكن ذكرت الشك، والشك قد يكون في القلب ويكتم في وقت ثم يظهر في وقت آخر.. وإذ قد تقرر أن يوسف قد مُكِّن له في الأرض وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر كما قد تقدم، فلن يرضى عليه السلام من أحد أن يُظهر الشرك أمامه = = = بل لن يجرؤ أحدٌ على ذلك لأنه والٍ أو حاكم ورسول في الوقت نفسه وأعظم منكر عنده هو الشرك.. لكن ربما كتم ذلك في القلب وأظهر أهلُه الإيمان الظاهر خوفاً من سلطان الحق.. وهذا نفاقٌ يعامل أهله في الدنيا بما يظهرون.. بل في قوله: {حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً..} دلالة على إيمانهم ولو ظاهراً برسالته.
ويجدر التنبيه هنا إلى أنَّ بعض المفتونين قد ذكروا مؤمن آل فرعون أيضاً في شبهاتهم في هذا الباب بحجة أنه كان يكتم إيمانه.. فنقول: ما وجه الدلالة في نزاعنا هذا من قصة ذلك المؤمن ؟. إن هناك فرقاً شاسعاً بين كتم الإيمان واخفائه للمستضعفين وبين المشاركة في الكفر والشرك والتشريع والتواطئ على دين غير دين الله تعالى.. فهل تستطيعون أن تثبتوا لنا أن ذلك المؤمن قد شرع كما تشرعون أو أنه قد شارك بالحكم بغير ما أنزل الله كما تشاركون أو أنه تواطأ على الديمقراطية أو غير دين الله كما تفعلون؟ أثبتوا ذلك أولاً ودونه خرطُ القتاد ثم بعد ذلك استدلوا بفعله.. وإلا فخلوا عنكم الهذر والهذيان..
(60) سورة المائدة، الآية 48.
(61) رواه البخاري عن أبي هريرة.
(62) سورة يوسف، الآية 55.
(63) سورة المائدة، الآية 41.
(64)مجموع الفتاوى، ج 28 ص 68.
(65)مجموع الفتاوى، ج 20 ص 56.
(66) سورة الأنبياء، الآية 45.
(67) سورة البقرة، الآية 111.
(68) فتح الباري: ج 13 ص 295.

 

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية