رسالة في الرد على شبهة للمرجئة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(شبهة كفر الظاهر مستلزم لكفر الباطن)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وبعد :

فقد ورد نص لشيخ الإسلام هذا لفظه (الفتاوى 14/120) :

(وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة : كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن وإلا فلو قدر انه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له بل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فاسلموا على يديه ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر) انتهى .

وقد شبه به بعض أهل الأهواء في أربع  مسائل :

المسألة الأولى : اشتراط الاستحلال في الكفر .

المسألة الثانية : اشتراط القصد في الكفر .

المسألة الثالثة : أن القول أو العمل الظاهر ليس كفرا بذاته بل هو دليل على الكفر الباطن.

المسألة الرابعة : جواز الكفر للمصلحة (كالدعوة) .

والجواب على هذه الشبه من طريقين (مجمل ومفصل ) :

الطريق الأول : المجمل وهو من ثلاثة وجوه :

الوجه الأول : أن أقوال الرجال يحتج لها ولا يحتج بها ، فليس قول العالم بمجرده دليلا على أي مسألة كانت ، بل لابد لكل قول من حجة شرعية يحتج بها له ، فإن وجدت وإلا فالقول مع صاحب الحجة ، ولو سلمنا –جدلا- بدلالة هذا النص على هذه المسائل –مع أنها لا تدل عليها- فإن هذا القول مردود بكلام شيخ الإسلام نفسه وتقريراته الكثيرة في عدم اشتراط الاستحلال والقصد في الكفر  ونحوه مما قرره في كثير من كتبه الأخرى بالحجة الظاهرة القاهرة .

الوجه الثاني : أن النصوص المجملة هذه أشبه ما تكون بالمتشابه في نصوص الشرع، والمتشابه يرد إلى المحكم فيتبين منه المقصود ، وإذا كانت النصوص الشرعية لو أخذ أحد بأحدها بدون نظر للنصوص الأخرى المبينة لكان متبعا لهواه بل ولأداه إلى باطل ، بل الواجب أن تضم النصوص بعضها إلى بعض ويبحث عن تفسيرها من النصوص الأخرى ، وهذا الكلام في النصوص الشرعية التي لا يأتيها الباطل ، فكيف بنصوص الرجال الذين قد يعتريهم النقص والذهول؟؟!!فلا بد من ضم أقوال الشيخ بعضها إلى بعض ويفسر ما أجمل هنا بما فصله في كتبه الأخرى.

الوجه الثالث : أن المسائل التي يذكرها العالم عرضا من باب الاستطراد غير المقصود أو من باب المحاجة أو التنزل مع الخصوم أو التقدير أو غير ذلك لا يؤخذ منها مذهبه ، وهذا النص المذكور إنما ذكره عرضا لا أصلا وذكره تقديرا لا تقريرا أثناء كلامه على تفسير بعض الآيات، فكيف يعارض به ما قرره وأصله بالأدلة الكثيرة في ردوده على المرجئة وغيرهم في كتابيه في (الإيمان) و في (الصارم) و في ردوده على الأشاعرة وغيرهم ؟؟!!

الطريق الثاني : الجواب المفصل :

وهو من وجوه :

الوجه الأول : - وهو في الاستحلال - ، فإن الشيخ لم يذكر الاستحلال هنا مطلقا فتسقط هذه الشبهة من الأساس ، وإنما أتى هذا اللبس من قوله (لكونه مستلزما لكفر الباطن) وهذا لا يدل بوجه من الوجوه على الاستحلال كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الوجه الثاني : أن الاستلزام يدل على عدم انفكاك الظاهر والباطن ، فقول الشيخ (وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة : كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن) حق يوافق كلام شيخ الإسلام في باقي تقريراته، ومن يعرف العلاقة بين الظاهر والباطن التي يقررها شيخ الإسلام في كثير من المواضع يعرف معنى هذا الكلام ، فهو يذكر هنا أن القول والفعل الكفري الظاهر يلزم منه كفر الباطن (دلالة لزوم لا انفكاك لها) ولكن مناط التكفير هنا هو القول والفعل فقط لا الاعتقاد وأعمال القلوب ، ولكنه يلزم من كفره الظاهر كفره الباطن، فهو لا يشترط في التكفير بالقول أو العمل وجود الكفر الباطن ، بل يجعل كفره الظاهر مستلزما لكفر الباطن ، وفرق بين قوله هنا وبين قول المرجئة إنه قد يسب الله والرسول وقد يكون في الباطن مؤمنا ، فإنهم لا يجعلون كفر الظاهر مستلزما لكفر الباطن  ، فأين قوله من قولهم ؟؟!!

الوجه الثالث :-وهو عن القصد-  فالشيخ هنا لم يشترط قصد الكفر بل اشترط قصد الفعل ، وفرق بين الأمرين، فمن قصد قول الكفر أو فعل الكفر كفر ظاهرا وباطنا وإن لم يقصد الكفركما قرره الشيخ –وسيأتي إن شاء الله تعالى - ، فهو هنا اشترط وجود السبب ليترتب الحكم عليه ، والسبب هنا هو قصد الفعل ، أما الكفر فهو الحكم والمكلف إذا وجد منه السبب فالحكم للشارع ليس له حتى يقول لم أقصد بهذا السبب هذا الحكم!!، فمتى وجد قصد الفعل أو القول الكفري فإنه يحكم عليه بالكفر .

الوجه الرابع : أن الشيخ هنا مثل لعدم قصد الفعل بقوله (فلو قدر انه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له بل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله)، وهنا أمور :

الأول : أن قوله (فلو قدر) وهو من باب التقدير لا التقرير ، والفارق كبير جدا بينهما، فقد يقدر العالم فرضا ممتنعا ويرتب عليه الحكم من باب التنزل ، أو التبيين .

الثاني : قوله (ولم يقصد بقلبه السجود له) فهنا لم يقصد الفعل (الذي هو مناط التكفير) فهو كالذي قال (أنت عبدي وأنا ربك) فهو هنا لم يقصد القول ، ولم يكفّر في الحالتين لوجود المانع من إلحاق الحكم بالسبب وذلك لأن الأول مكره والثاني مخطئ –وهما من موانع التكفير - .

الثالث : قوله ( وقد يباح ذلك إذا كان ...الخ) يدل على ما سبق ذكره بأن فعله هذا ظاهره كفر وإنما لوجود المانع وهو (الإكراه) لم يرتب الحكم على وجود السبب .

الوجه الخامس : يتبين من جميع ما سبق أن كلام الشيخ هنا موافق لتقريراته الأخرى في اللزوم بين الظاهر والباطن ، وأن من أتى بقول أو عمل كفري كفر ظاهرا وباطنا إلا عند وجود مانع يمنع من ترتيب الحكم على السبب ، فالعمدة عنده هنا هو الظاهر وهو مناط التكفير ، بخلاف المرجئة الذين جعلوا الباطن هو العمدة واضطربوا في ذلك ما شاء الله أن يضطربوا .

الوجه السادس : - وهو في الكفر من أجل المصلحة- :

وهذا قطعا لا يفهم من كلام شيخ الإسلام ، وهو فهم باطل ، ويدل على بطلان هذا الفهم أنه قال (وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر) وهذا هو الإكراه ، والإكراه كمانع من التكفير متفق عليه بين العلماء ولكن اختلفوا في صور الإكراه، ويوضح هذا قول الشيخ نفسه في (الفتاوى 7/219) :

(ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذى لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية جهما ومن وافقه ؛ فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس ، أو لكونه خائفا من قوم إن أظهر الإسلام آذوه ، ونحو ذلك ، فهذا يمكن أن لا يتكلم مع إيمان فى قلبه كالمكره على كلمة الكفر قال الله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ، وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه ؛ فإنه جعل كل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .  فإن قيل : فقد قال تعالى ( ولكن من شرح بالكفر صدرا) ، قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره وذلك يكون بلا إكراه لم يستثن المكره فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره ، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا ، وهي كفر وقد دل على ذلك قوله تعالى (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم قل استهزؤا أن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) ، فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب ، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان فى قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام ) انتهى .

وفي هذا النقل بيان لمراد الشيخ هنا وأن المسلم لا يعذر في الكفر فعلا أو قولا إلا عند الإكراه فقط ، وفيه أيضا بيان العلاقة بين الظاهر والباطن على نحو لا تقول به المرجئة.

الوجه السابع : أن كلام شيخ الإسلام وتقريراته الأخرى تزيد هذا الأمر بيانا وإيضاحا بما لا مزيد عليه ، وهذه بعضها :

قال في الصارم 3/976:

(وقال تعالى في حق المستهزئين(لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته ، وهذا باب واسع ، والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف ، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته ؛ كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم ، فإذا عدم المعلول كان مستلزما لعدم العلة ، وإذا وجد الضد كان مستلزما لعدم الضد الاخر ، فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرا)

وقال فيه 3/955:

(إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا ، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلا له ، أو كان ذاهلا عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل ، وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - المعروف بابن راهويه - وهو أحد الائمة يعدل بالشافعي وأحمد : "قد أجمع المسلمون على : أن من سب الله ، أو سب رسوله ، أو دفع شيئا مما انزل الله ، أو قتل نبيا من أنبياء الله ؛ أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله ")

وقال أيضا 3/975:

(فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدا لها عالما بأنها كلمة كفر فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا ، ولايجوز أن يقال : إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا ، ومن قال ذلك فقد مرق من الاسلام ، قال الله سبحانه ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ، و معلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط ؛ لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ، ولم يرد من قال واعتقد ؛ لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول ، وإنما يكره على القول فقط ، فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله ).

وقال أيضا 3/963:

(إنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل ، فيجب أن لايكفر ، لا سيما إذا قال : أنا اعتقد أن هذا حرام وإنما قلته غيظا وسفها أو عبثا أو لعبا كما قال المنافقون (إنما كنا نخوض ونلعب) ،كما إذا قال : إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا ، فإن قيل : لا يكونون كفارا فهو خلاف نص القرآن ، وإن قيل : يكونون كفارا فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرا ، وقول القائل : أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم ، فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل فإذا كان قد قال : أنا اعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرا ؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى (لاتعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم) ، ولم يقل : قد كذبتم في قولكم : إنما كنا نخوض ونلعب ، فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين ، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب ، وإذا تبين أن مذهب سلف الامة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر - استحلها صاحبها او لم يستحلها - فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الاولى)

وقال أيضا 3/965 :

(ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين أو من حذا حذوهم من الفقهاء: أنهم رأوا أن الايمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به ، ورأوا أن اعتقاد صدقة لا ينافي السب والشتم بالذات ، كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته ؛ فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه ، كما يترك ما يعتقد وجوب فعله ، ويفعل ما يعتقد وجوب تركه ، ثم رأوا أن الامة قد كفرت الساب ؛ فقالوا : إنما كفر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة ، وإنما الإهانة دليل على التكذيب ، فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس الأمر مؤمنا ، وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره . فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم ، وهم الذين يقولون : الإيمان هو الاعتقاد والقول ، وغلاتهم - وهم الكرامية - الذين يقولون : هو مجرد القول وإن عري عن الاعتقاد ..الخ كلامه وفيه رد عليهم )

وقال أيضا 3/955:

(إن من سب الله ورسوله كفر ظاهرا وباطنا ، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلا له ، أو كان ذاهلا عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل ... ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة )

وقال أيضا 2/339:

(وبالجملة : فمن قال أو فعل ما هو كُفْرٌ كَفَرَ بذلك ، وإن لم يقصد أن يكون كافرا ؛ إذ لا يكاد يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله)

قال في منهاج السنة النبوية ( 5 / 251 - 252 ) :

( فتكذيب الرسول كفر ، وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وأئمة العلم وسائر الطوائف ، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي والأشعري وغيرهم ، فإنهم قالوا هذا كفر في الظاهر وأما في الباطن فلا يكون كفرا إلا إذا استلزم الجهل )

ونصوصه في هذا الباب كثيرة جدا ويظهر منها بوضوح أنها مع نص الباب كلها تخرج من مشكاة واحدة وتتفق فيما يلي :

1-   أن الحكم يكون على الظاهر .

2-   أن كفر الظاهر يلزم منه الكفر الباطن .

3-   أنه قد يوجد سبب التكفير الظاهر –فقط- ويمنع من كفره الباطن مانع شرعي.

4-   أن الكفر الباطن إذا وجد فلا يلتفت إلى مانع من موانع التكفير لأنها مختصة بالظاهر فقط .

5-   أن القول باشتراط الاستحلال أو القصد (قصد الكفر لا قصد السبب) أو الاعتقاد هو قول الجهمية والمرجئة لا قول السلف .

والحمد لله رب العالمين .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

 

 

كتبه / ناصر بن حمد الفهد

يوم السبت 22 شوال 1420

 

رد شبهة أن الأعمال شرط كمال في الإيمان.

. رد شبهة أن الأعمال شرط كمال في الإيمان.

أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي قال ثنا محمد بن يحيى الذهلي قال ثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر قال: يا نبي الله أرأيت ما نعمل لأمر فرغ منه أو لأمر نستقبله استقبالا؟ قال: (بل لأمر قد فرغ منه) قال عمر: ففيم العمل فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ( لا ينال إلا بعمل )
فقال عمر: إذا نجتهد
إسناده صحيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخبرنا محمد بن رزق الله أخبرنا أحمد بن الحسن قال ثنا جعفر بن محمد الصايغ قال ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال لا بد لهذا لهذا الدين من أربع دخول في دعوة المسلمين ولا بد من الإيمان وتصديق بالله وبالمرسلين أولهم وآخرهم والجنة والنار والبعث بعد الموت
ولا بد من أن تعمل عملا صالحا تصدق به إيمانك
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم الطبري اللالكائي (1582) دار الحديث تحقيق سيد عمران قال محققه: صحيح رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/172 ) حديث رقم (30445) من طريق هشام ... به .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



سفيان ابن سعيد الثوري سنة الولادة97هـ / سنة الوفاة 161هـ
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان قال حدثنا علي بن حرب الموصلي بسر من رأى سنة سبع وخمسين ومائتين قال سمعت شعيب بن حرب يقول قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز و جل به فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه فقال لي من اين أخذت هذا قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت فقال: يا شعيب هذا توكيد واي توكيد اكتب
بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يجوز القول إلا بالعمل ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة ...
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم الطبري اللالكائي (314) دار الحديث تحقيق سيد عمران قال محققه: إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات غير علي ابن حرب ابن محمد أبو الحسن الموصلي فهو صدوق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد بن ادريس الشافعي سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204
وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية ، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم الطبري اللالكائي دار الحديث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني سنة الولادة : 175هـ/ سنة الوفاة : 264هـ
والإيمان قول وعمل مع اعتقاده بالجنان قول باللسان وعملبالجوارح والأركان وهما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان شرح السنة معتقد إسماعيل بن يحيى المزني مكتبة الغرباء الأثرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الاسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الاوزاعي.سنة الولادة: كان مولده في حياة الصحابة. سنة الوفاة: 157 هـ

أبو عبد الله مالك ابن أنس ، شيخ الاسلام ، حجة الامة، إمام دار الهجرة
سنة الولادة: 93 هـ / سنة الوفاة 179 هـ

سعيد بن عبد العزيز ابن أبي يحيى الامام القدوة، مفتي دمشق، أبو محمد التنوخي الدمشقي سنة الولادة: 90 هـ / سنة الوفاة: 167 هـ

أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد قال نا أحمد بن خلف قال ثنا محمد بن جرير قال ثنا علي بن سهل الرملي قال ثنا الوليد بن مسلم قال سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول إن الإيمان قول بلا عمل ويقولون لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم الطبري اللالكائي دار الحديث (1586)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو ثور ـ إبراهيم بن خالد، الامام الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور، الكلبي البغدادي الفقيه، ويكنى أيضا أبا عبد الله. سنة الولادة 170 هـ / سنة الوفاة 240 هـ

وأخبرنا محمد بن أحمد البصير قال أخبرنا أحمد بن جعفر قال ثنا إدريس بن عبد الكريم المقري قال سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان وما هو يزيد وينقص وقول هو أو قول وعمل وتصديق وعمل فأجابه أبو ثور بهذا فقال أبو ثور سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو يزيد وينقص وقول هو أو قول وعمل وتصديق وعمل فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم فاعلم يرحمنا الله واياك أن الإيمان تصديق بالقلب والقول باللسان وعمل بالجوارح .....ثم قال:
فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم أقيموا الصلاة واتوا الزكاة الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل فإن قالت إن الله أراد الاقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة
فإن قالت أراد منهم الاقرار والعمل
قيل فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا
أرأيتم لو أن رجلا قال اعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنا فإن قالوا لا
قيل لهم فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا فإن قالوا نعم
قيل لهم ما الفرق وقد زعمتم أن الله عز و جل أراد الأمرين جميعا فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر
إذا عمل ولم يقر مؤمنا لا فرق بين ذلك...
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم الطبري اللالكائي (1590)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

اخبرنا محمد ابن احمد البصير قال أنا عثمان ابن أحمد قال نا حنبل ابن اسحاق قال نا الحميدي: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة
فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين قال الله عز وجل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) البينة
أنا محمد أنا عثمان نا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله – يعني أحمد ابن حنبل – يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب لوين سمعت ابن عيينة غير مرة يقول الايمان قول وعمل قال ابن عيينة اخذناه ممن قبلنا قول وعمل وأنه لايكون قول إلا بعمل قيل لابن عيينة يزيد وينقص قال فأيش إذا قيل لابن عيينة هذه الاحاديث التي ترويها في الرؤية قال حق على ما سمعناها.
قال محققه: إسناده صحيح
كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ابن حنبل (838) رمادي للنشر تحقيق : د. محمد سعيد سالم القحطاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال سألنا سفيان بن عيينة عن الارجاء فقال يقولون الايمان قول ونحن نقول الايمان قول وعمل والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس بسواء لأن ركون المحارم من غير استحلال معصية وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وأبليس وعلماء اليهود أما آدم فنهاه الله عز و جل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه و سلم وأنه نبي رسول كما يعرفون ابناءهم وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عزوجل كفارا فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الانبياء وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود والله أعلم
قال محققه: إسناده حسن
كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ابن حنبل (838) رمادي للنشر تحقيق : د. محمد سعيد سالم القحطاني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نافع الامام المفتي الثبت، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي، ثم العدوي العمري، مولى ابن عمر سنة الوفاة: 117 هـ


حدثني أبي نا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي نا معقل بن عبيد الله العبسي قال قدم علينا سالم الافطس بالارجاء فعرضه قال فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا وكان أشدهم ميمون بن مهران وعبدالكريم بن مالك فأما عبد الكريم فإنه عاهد الله عز وجل ألا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد قال معقل فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح .......ثم قال: ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت له يا أبا عبدالله إن لي إليك حاجة قال أسر أم علانية فقلت لا بل سر قال رب سر لا خير فيه فقلت له ليس من ذاك فلما صلينا العصر قام واخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص فقال ما حاجتك قال قلت اخلني من هذا قال تنح يا عمرو فذكرت له بدو قولهم فقال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم امرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه وحسابهم على الله
قال قلت انهم يقولون نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي وان الخمر حرام ونحن نشربها وان نكاح الامهات حرام ونحن نفعل قال فنتر يده من يدي ثم قال من فعل هذا فهو كافر
كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ابن حنبل (838) رمادي للنشر تحقيق : د. محمد سعيد سالم القحطاني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأخبرنا خلف بن عمرو العكبري قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا يحيى بن سليم قال : حدثنا أبو حيان قال : سمعت الحسن يقول : « الإيمان قول ، ولا قول إلا بعمل ، ولا قول وعمل إلا بنية ، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة »
قال محققه: إسناده حسن
كتاب الشريعة للآجري دار الدليل الأثرية للنشر والتوزيع تحقيق عصام موسى هادي (258)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع إن شاء الله ...
كتبه : أبو محمد الشامي حفظه الله

الجمعة 06 يناير 2012

الشبهة الرابعة: الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (1)

تلبيس المرجئة بخصوص طاعة الأحبار والرهبان وتفسيرها بالطاعة في الاعتقاد، وقد وقعوا في عدة سقطات في هذه القضية:
· السقطة الأولى:
أن الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك ينعكسان، بمعنى: أن ما لا يتحقق الإيمان بالله ـ وهو الحق ـ إلا به لا يتحقق الإيمان بالباطل ومن ثَمَّ الكفر إلا به، وأن ما لا تتحقق عبادة الله إلا به لا تتحقق عبادة الشياطين والطواغيت والأصنام والملائكة والبشر والأحبار والرهبان والجنّ وظواهر الطبيعة إلا به. وهذه سقطة كبيرة حيث يعكس المعترض على تقرير عقيدة التوحيد في كتاب ”حد الاسلام“.
أقـول: يعكس أي قضيـة فيها خروج عن دين الله بالكفـر والشرك ـ والعياذ بالله ـ إلى ما يتحقق به الإيمان، وهذا أمر لا يصح أن يخطئ فيه صبيان الكتاتيب، لأن الإيمان لا يتحقق إلا: بالإقرار، والتصديق بخبر الله، والإلتزام بشرع الله. فلا يصح أن نقول أن الكفر لا يتحقق إلا إذا انضاف الإلتزام بالشرائع الكفرية إلى الإقرار بصحتها والتصديق بخبرها، لأن الكفر يتحقق بمجرد الشك، أو التكذيب، أو الجحد منفردًا، أو الامتناع عن القبول والرد منفردًا، وقد قال العلماء: أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يؤمن، ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك، فالأمر لا ينعكس أبدًا. فقد قرر الكاتب في اعتراضه قضية الانعكاس هذه مرارًا وهي خطأ فاحش، فوقع في نفس الخطأ عندما قاس عبادة غير الله على عبادة الله عزَّ وجلّ، وأن ما لا يتحقق الإيمان أو العبادة إلا به إذا كان لله عزَّ وجلّ لا يتحقق الكفر إلا به إذا كان لغير الله عزَّ وجلّ وهو خطأ فاحش، فالمشركون أقروا بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تهدي، وإنما يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، وسميت عبادتهم لها عبادة، فهل إذا فعل المسلم ذلك مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا تسمى عبادته له عبادة؟!.
وكما قلنا أن الأمر لا ينعكس بين الإيمان والكفر، فهو كذلك لا ينعكس بين الإسلام والشرك، فكما قال العلماء: أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يكون مسلمًا، ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك. والمفروض على حسب قاعدة الانعكاس ألا يكفر إلا بإمضاء العزيمة فيه. وهو خطأ فَعُلِمَ بطلان هذه القاعدة. فعبادة الله عزَّ وجلّ لابد فيها من الحب والخوف والرجاء والتعظيم والطاعة، وعبادة غير الله تقع بواحد من ذلك فقط، فيكون الشرك في الحب، أو في الطاعة، أو في التعظيم، أو في صرف حق الله الخالص إلى غيره، أو في مطلق القصد.
· السقطة الثانية:
قولهم عن آية التوبة في طاعة الأحبار والرهبان: أنها تحكي عن انحراف قوم، وليست قاعدة مقررة لأصل من أصول الدين.
ونقـول: الآية في معرض التقرير لأصل الدين لأنها دخلت في جميع التفاسير في تفسير آية آل عمران: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)([1])، وهي الآية التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه بها إلى الإسلام، فهي داخلة في صلب عقيدة التوحيد، وآية آل عمران في توحيد العبادة الذي هو مستلزم لتوحيد الاعتقاد وقوله: (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا ) عطف للخاص على العام في النهي عن شرك العبادة، فآية التوبة والحديث المفسِّر لها في بيان شرك العبادة، وليس شرك الاعتقاد في طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم، وهكذا ذكرها العلماء دومًا في الاستدلال على شرك الطاعة، أو على شرك الانقياد، أو شرك العبادة المنافي لحقيقة الإسلام، وليس في بيان شرك الاعتقاد، أو فساد الاعتقاد المنافي لحقيقة الإيمان. ودائمًا حقيقة الإيمان بمعناه الخاص هي: تصديق الخبر والمُخْبِر، وحقيقة الإسلام بمعناه الخاص: قبول الحكم، والإسلام مستلزم للإيمان والإيمان مستلزم للإسلام، ومن حيث استلزام الإيمان للإسلام واستلزام الإسلام للإيمان دخل الإسلام في معنى الإيمان عند الإطلاق، فشمل معنى الإيمان تصديق الخبر وقبول الحكم، فقبول الحكم من غير الله شرك ينافي حقيقة الإسلام أي: ينافي إفراد الله عزَّ وجلّ بالطاعة والعبادة، وليس تكذيبًا ينافي حقيقة الإيمان بمعناه الخاص وهو لا ينافي حقيقة الإيمان إلا من حيث دخول حقيقة الإسلام في حقيقة الإيمان لاستلزامها إياها، وعندئذٍ يكون المعنى الشرعي للإيمان هو: إذعان لحكم المخبر وقبوله.
يقول القسطلاني عن الإيمان الذي هو ملاك الأمر كله، وبه تقبل وتصح الأعمال، وهو أول ما يجب على المكلف يقول عنه: «هو لغةً: التصديق، وهو كما قاله التفتازاني: إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله، فليس حقيقة التصديق أن تقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المُخْبِر من غير إذعان أو قبول لذلك، بل لابد فيه من الإذعان والقبول بحيث يقع عليه اسم التسليم، على ما صرَّح به الإمام الغزالي. والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق كما سبق. قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([2])، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان: تصديق القلب، ومفهوم الإسلام: أعمال الجوارح». أهـ.
فقبول حكم غير الله: ترك لحكم الله، وردّ له، وبديل عنه ورغبة عن شرع الله إلى غيره، أو عَدْله به، فإذا خوطب أحد بذلك وأُلزم به هل يرضى بذلك ويتابع عليه ولا حرج عليه في ذلك إذا كان اعتقاده صحيحًا؟! أم لابد أن يرفض ولا يقبل، وإذا عجز عن ردِّ ذلك عن نفسه للاستضعاف فهل ينشرح صدره بذلك ويركن ويستكين؟! أم هل يكره بقلبه ويعتزل من أكرهه على ذلك ولا يشايعه بالعمل؟!. فالقضية قضية القبول الذي هو معنى العبادة، والإسلام لله وحده أو لغيره معه، أو من دونه، وليست قضية الاعتقاد، وهذا هو معنى شرك العبادة، وشرك الطاعة في آية التوبة وحديث عديّ بن حاتم المفسِّر لها، فالإسلام والعبادة معناهما: قبول الأحكام والإذعان، أو كما قال القسطلاني: معناهما: الانقياد والخضوع الذي لا يتحقق إلا بقبول الأحكام. والإذعان والإسلام والعبادة لابد وأن يكون لله وحده، كما قال ابن تيمية: «من استسلم لله ولغيره فهو مشرك ومن ردَّ الاستسلام فهو مستكبر وكلاهما كافر. والإسلام لله وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده».
وإذا كان الإسلام والطاعة لابد أن يكونا لله وحده، فالقبول للأحكام والإذعان لابد وأن يكون لله وحده، فمن قبل الأحكام من غيره فهو مشرك في العبادة والإسلام، ولذلك وجب على من خوطب بأحكام بديلة عن شرع الله أن يرفض ولا يتابع على التبديل، فإذا لم يسعه رد ذلك عن نفسه للاستضعاف فليكره بقلبه ويعتزل المكرِه ولا يشايعه بالعمل، وبهذا يتحقق الرفض في أدنى درجاته وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. ومن هذا يتضح أن قول العلماء عمن أطاع في معصية، واعتقاده ثابت في التحريم والتحليل الذي جاء به الشرع أنه لا يكفر، تمييزًا له عمن أطاع في التبديل بقبول الأحكام البديلة عن شرع الله، والمعصية لا يكفر مرتكبها إلا إذا استحل بتغير الاعتقاد، أو بالامتناع عن قبول حكم الله بالتحريم، وقبول حكم غيره البديل عن حكمه امتناع عن حكمه أو عدل به وكلاهما كفرٌ والعياذ بالله بأي منها وبه يتحقق الاستحلال.
والتشريع أمر منفصل عن المعصية قد تقترن به وقد تنفصل عنه، ويكون نفس التشريع هو الممنوع حتى لو لم تقترن به معصية، فإذا كان شوب تشريع فإن اتباعه بدعة، وإذا كان تشريعًا مطلقًا فإن الإتيان به أو قبوله من الغير والرضى به والمتابعة على ذلك كفرٌ يخرج عن الملة بالشرك في العبادة والإسلام.
يقول الإمام الشاطبي ([3]): «ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى ولابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاءًا أو تخييرًا، فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقرر برهانه في كتاب ”الموافقات“ وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صحّ دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا.
وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبيّن ذلك بالأمثلة فمما أتى به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة والدِّيات المضروبة والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعدين بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلاشك لأنه شرع مستدرك وسنٌّ في التكليف مهيع، فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم. ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف. فاجتمع فيها نهيان: نهيٌّ عن المعصية، ونهيٌّ عن البدعة. وليس ذلك موجودًا في البدع في القسم الأول ـ العبادات ـ وإنما يوجد به النهيّ من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع». أهـ.
وواضح الآن أن طاعة الأحبار والرهبان أو غيرهم، قد يكون فيها وجهان وقد يكون فيها وجه واحد. وجهان من حيث هي معصية، وتشريع مطلق بديل عن شرع الله، ووجه واحد من حيث هي تشريع مطلق بديل عن شرع الله فقط، ولا يكون فيه جهة أخرى يكون بها معصية. فمن حيث هي معصية فقط فإن مرتكب المعصية لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد، أو بالامتناع عن قبول حكم الله: إما بالتحريم، أو الوجوب استحلالاً، أو إباءً من قبول الفرائض، فمن وقع في المعصية فقط ولم يقبل الشرع البديل فهذا شأنه.
وقد لا يكون فيها معصية بل يكون نفس التشريع هو نفس الممنوع، فمن هذا الوجه فإن قبول التشريع المطلق البديل عن شرع الله كفر يخرج عن الملة، وقد يقع في الوجهين فيكون للمعصية حكمها، ولقبول الشرع البديل حكمه.
·وبهذا تتبيَّن السقطة الثالثة للمرجئة في هذا الموضوع وهي: عدم قدرتهم على تمييز وصف المعصية من وصف المتابعة على التبديل إذا تداخلا في فعل واحد، وظنهم أن المتابعة على التبديل معصية لا يكفر صاحبها إلا بالاستحلال شأن سائر المعاصي، وعدم إدراكهم أنها من الشرك الذي يكفر مرتكبه. قال البخاري: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها إلا بالشرك.



([1]) سورة آل عمران،الآية: 64.
([2]) سورة الذاريات،الآيتان: 35-36.
([3]) الاعتصام، جـ2، ص 79-81.

([4]) سورة النور،الآيتان: 4-5.
([5]) تفسير ابن كثير، جـ3، ص 264.
([6]) الصارم المسلول، ص 459.

الشبهة الثانية: الرد على شبهة أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون مكفراً إلا بالجحود.

هذه القضية محسومة تمامًا بما ذكرته في مقدمة كتاب ”حد الإسلام“ أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون على ضربين:
أحدهما:أن يحكم بغير ما أنزل الله إلتزامًا لشرع غير شرع الله، وهو: كفر ينقل عن الملة.
الثاني:أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له مع بقاء إلتزامه بشرع الله، فهو: كفر دون كفر.
والضرب الأول محسوم تمامًا عند علماء أهل السنة المعتبرين الخارجين عن نطاق البدعة إفراطًا أو تفريطًا والملتزمين لما كان عليه رسول الله صلي الله عليه و سلم وأصحابه والقرون الثلاثة المفضلة والذين عاشوا وماتوا على توحيد الأئمة وسلف الأمة وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وهذا بيان ذلك:
يقول ابن كثير1 في بيان واضح يمثل إجماع علماء الأمة بل يمثل العلم الضروري الشائع لدي العامة من عقيدة أهل السنة، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)2، ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شرِّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جانكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيه كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه و سلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير». أهـ.
وأنقل عن كتاب ”الحد“3، نقلاً عن تحقيق الشيخ شاكر لتفسير ابن كثير: «وقد نقل الحافظ المؤلف في تاريخه أشياء من سخافات هذا الياسق ثم قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة ـ كفر ـ فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدَّمها عليه؟، من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين» .أهـ.
أما استغلال لفظ: «الجحد» للتلبيس فمردود عليه بثلاثة أمور:
أولاً: فسَّر معناه الشيخ شاكر في ”عمدة التفسير“، بأنه إهدار اعتبار الشرع جملة، كما نقلت ذلك عنه في ”حد الإسلام“، وكما شرحته هنا في بيان أوضاع الردة عن الشرائع.
ثانيًـا: هو عند ابن جرير في كل استعمالاته في تفسيره بمعنى الكفر، والكفر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ”الصارم المسلول“: يكون تكذيبًا، وجهلاً، ويكون استكبارًا، وظلمًا «بترك الانقياد» كما أوضح في كتابه. فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين.
ثالثًـا: الجحد الذي قيد به غير ابن جرير من العلماء الحكم في الآية مرادٌ به تقييد الضرب الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله، وهو النوع الذي قال عنه ابن عباس: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وهو أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له لهوى، أو جهل، أو جور مع بقاء إلتزامه بشرع الله، وليس خروجًا عن شرع الله وعدلاً عنه إلى غيره من الشرائع من الدين المبدَّل أو المنسوخ، فذلك كفر بإجماع المسلمين كما هو مذكور سلفًا.
أما تفسير قوله تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)4، فأنا نقلت فقط ما قاله المفسرون وهو موجود في كتب التفسير جميعها ما نقلته منها وما لم أنقله على نفس ما نقلت ومعناه من النص نفسه ومن تفسير المفسرين له من علماء التفسير أوضح من الشمس في رائعة النهار أنهم بإقرارهم بنبوة موسى وصدقه وصحة التوراة ووجود هذا الحكم فيها وأن هذا الحكم ـ الذي هو الرجم ـ هو حكم الله جاء به موسى من عند الله وأنه لازم لهم، ثم أعرضوا عن هذا الحكم لمصالح دنيوية اجتماعية ارتأوها ليسوا مؤمنين بموسى، وأنهم بطلب الحكم عند محمد مع تكذيبهم له ليسوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وعلى موسى وسلم، ليس لهذا النص أي تفسير خلاف ذلك، وذلك ما ذكرته نقلاً عن المفسرين.
ويقول ابن كثير في التفسير5: «ثم قال منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم قال تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)». أهـ.
ويقول النسفي في تفسير نفس الآية: «تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدَّعون الإيمان به». أهـ.
ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
«قال أبو جعفر: يعني ـ تعالى ذكره ـ: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد فيرضون بك حكمًا بينهم؟ (وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ ) التي أنزلها الله على موسى التي يقرون بها أنها الحق وأنها كتابي الذي أنزل على نبيِّي، وأن ما فيه من حكم فهو حكمي يعلمون ذلك ولا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم وهم مع علمهم بذلك يتولون. يقـول: يتركون الحكم بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي6 ـ وهذا وإن كان من الله ـ تعالى ذكره ـ خطابًا لنبيه صلي الله عليه و سلم فإنه تقريع لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية يقول لهم كيف تقرون7 أيها اليهود بحكم نبييِّ محمدٍ صلي الله عليه و سلم مع جحودكم بنبوته وتكذيبكم إياه وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ جاءكم به موسى من عند الله. يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرون بنبوته فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبييِّ محمد صلي الله عليه و سلم أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوته. ثم قال ـ تعالى ذكره ـ مخبرًا عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده وحال نظرائهم الجائرين عن حكمه الزائلين عن محجة الحق: (وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ليس من فعل هذا الفعل أي من تولى عن حكم الله الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه في خلقه بالذي صدق الله ورسوله فأقر بتوحيده ونبوة نبيه صلي الله عليه و سلم لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان». أهـ.
الأمر واضح أن هذا الحكم ـ الرجم ـ ليس مما حذفه اليهود من التوراة، وأن الجلد والتحميم ليس مما كتبه اليهود بأيديهم في التوراة ثم قالوا: هو من عند الله، وما هو من عند الله لدلالة هذه الآية أولاً، ولأنه لما رفع يده صلي الله عليه و سلم وضحت آية الرجم تلوح، وهذا الإخفاء حدث عارض ليس مناطًا يتعلق به حكم من لم يحكم بما أنزل الله أو غير ذلك من المناطات لأن الآيات أنزلت قبله لا بعده، ولأنها فيمن مضى منهم منذ أن حدث هذا التبديل.
ونوضح هنا حقيقة مهمة جدًا أن السياق القرآني المذكور في سورة المائدة أوضح ثلاث أحكـام:
الأول: حكم المسارعة في الكفر في أول السياق، وهذا منزَّل على المنافقين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وعلى اليهود للصفات المذكورة فيهم وهي: (?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)8. فاليهود المعنيون بهذا الحكم صفاتهم أنهم:
1- سمَّاعون للكذبِ عمومًا.
2- سمَّاعون لقومٍ آخرين يحرِّفونَ الكلمَ عن مواضعه خصوصًا. ومعنى التحريف هنا هو تسويغ الإعراض عن حكم الله مراعاة للمصالح الاجتماعية الدنيوية من خشية القتل مع قلة العدد، والمساواة في الحكم بين من يقدرون على إقامة الحد عليه ومن لا يقدرون، فاستساغوا منهم هذا التسويغ، أصغت إليه أفئدتهم ورضوه واقترفوا ما هم مقترفون كما قال الله عن غيرهم فهم مثلهم في هذا.
3- وهم مشتركون معهم في أنهم أراد اللهُ فتنتهم.
4- ولم يرد أن يطهِّرَ قلوبهم بما كسبت أيديهم ولالتواء فطرهم وما أوقعهم في ذلك كله إلا إصغاؤهم للكذب ورضاهم به.
5- وأكلهم السحت وهي الصفة الخامسة في هذ السياق.
وهذا الحكم فيه مشاركة، أوصاف وخصوصية محل، ولم يتنزل ـ على الحكم بغير ما أنزل الله ـ إعراضًا عن شرع الله وعدولاً عنه إلى غيره.
والحكم الثاني:( وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )9، للإعراض عن حكم الله الذي يعتقدون صحته، وطلبهم الحكم عند من يكذبون نبوته ولا يعتقدون في وجوب أحكامه عليهم ولزومها لهم، والحكم للإعراض عن شرع الله والعدول عنه إلى غيره، ولكن فيه خصوصية محل.
الحكـم الثالث:( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )10،المناط هنا لا علاقة له:
بالتحريف، ولا بسماع الكذب، ولا بأكل السحت، والبعد عن التطهر، ولا بفتنة القلوب.
فقد تجرد عن هذه الأوصاف تمامًا، كما تجرد عن خصوصية المحل، والحكم: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا يتنزل هنا إلا على من يتصف بهذا الوصف: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ ).
إذن: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا علاقة لها بالتحريف، ولا بالإخفاء، ولا بالجحد، ولا الكتمان، ولا بوضع الإصبع، ولا بأي شيء من ذلك، واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل.




[1] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 67.
[2] سورة المائدة،الآية: 50.
[3] كتاب حد الإسلام وحقيقة الإيمان، ص 411.
[4] سورة المائدة،الآية: 43.
[5] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 60.
[6]واضح جدًا أن الخلل راجع إلى فساد القوة العملية، وليس القوة العلمية.
[7]ترضون بطلبه أيها اليهود.
[8] سورة المائدة،الآيتان: 41-42.
[9] سورة المائدة،الآية: 43.
[10] سورة المائدة،الآية: 44.

الشبهة الثالثة: الرد على ما أوردوه من الشبه فى مانعي الزكاة

أولاً: عقيدة أهل السنة في الإيمان أنه: تصديق الخبر جملة وعلى الغيب وقبول الحكم جملة وعلى الغيب. والكفر عندهم: بتكذيب الخبر، أو رد الأمر لا فرق في ذلك بين السلف والخلف إلا اختلافات لفظية، والمعنى واحد متفق لا اختلاف فيه.
فعند طائفة السلف: تصديق الرسل فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا، وهما التوحيدان الخبري العلمي المعرفي، والإرادي القصدي الطلبي.
وعند فقهاء المرجئة الإيمان: إقرار، وتصديق مع شرائط الإيمان، الإقرار: خبري إلتزامي فلو قال: أصدقه ولا أطيعه لا يكون مسلمًا، ولو قال أطيعه ولا أصدقه لا يكون مسلمًا حتى يطيعه ويصدقه جميعًا، والتصديق: لابد فيه من أعمال القلوب، ليس تصديقًا قوليًا خاليًا من الانقياد، أما شرائط الإيمان فمعناها: الخلو من النواقض المكفرة.
وعند أشاعرة السنة كما حكى القسطلاني في ”تفسير البخاري“، باب ”الإيمان“، عن الغزالي والإيجي والتفتازاني: هو إذعان لحكم المخبر وقبوله.
وعند كرامية السنة: هو الإقرار مع الخلو من النواقض المكفرة، أن تقول: أسلمتُ وتخليت.
فقضية قبول الحكم ضمن التوحيد الإرادي القصدى الطلبي عند السلف، وضمن الإقرار والخلو من النواقض المكفرة عند فقهاء المرجئة، وضمن التصديق عند الأشاعرة، وضمن الخلو من النواقض المكفرة عند كرامية السنة. وعليه فإن الإباء من قبول الفرائض إسقاطًا للوجوب وهو فعل مانعي الزكاة أيام أبي بكر الصديق رضى الله عنه، كفرٌ عند جميع طوائف أهل السنة، ومانعها بغيًا على الإمام أو بخلاً بها ليس كفرًا عند الجميع، وقد أوضحت هذا بجلاء في كتاب”حد الإسلام“، فإذا قال بعض علماء الخلف: أنهم دخلوا في وصف المرتدين بالتغليب وليسوا كفارًا على الحقيقة فهو يكون مخطئًا في تحقيق المناط، وليس في الحكم، لأن حقيقة فعلهم الذي قاتلهم عليه أبو بكر هو إسقاط الوجوب، ومظاهرة حركة الردة عامة، والتقوِّي بها على الخروج أو التربص بين الفريقين، أو الخروج على هؤلاء وهؤلاء نزعًا للولاء من المؤمنين في وقت هم أشد ما يكونون حاجة إليه. فقد كفروا بأمرين: بالمروق من الدين، ومفارقة جماعة المسلمين. وانطبق عليهم وصف التارك لدينه المفارق للجماعة، وهو أحد الثلاثة الذين تباح دماؤهم حسب نص الحديث.
ثانيًـا: هذا ما ذكره البخاري في شأنهم، والبخاري أحد الاثنى عشر الفحول الذين انتهى إليهم علم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وكانت الأئمة بعد النبيّ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأي أبو بكر قتال من منع الزكاة. فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: واللهِ لأقاتلن مَنْ فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تابعه عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتلوه». أهـ.
مع هذا الوضوح من المتقدمين، كيف بالله يقال مع هذا أنهم ليسوا كفارًا، وإنما دخلوا في وصف الردة بالتغليب؟؟!! هذا الذي لا يُقبل ممن قاله من الخلف كائنًا من كان، وكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.
ثالثًـا: هذا ما أورده الطبري([1]) في حقهم في تفسيره بالرواية نقلاً عن السلف الصالحين يقول: «حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) إلى قـوله (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)([2])، أنزل اللهُ هذه الآية وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض اللهُ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس ـ قالوا: نصلي([3]) ولا نزكي ـ واللهِ لا تغصب أموالنا فَكُلِّمَ أبو بكر في ذلك، فقيل له: أنهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها. فقال: لا والله لا أفرِّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالاً مما فرضَ اللهُ ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث اللهُ عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء، فأتته وفود العرب فخيَّرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية وكانت أهون عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال».أهـ.
رابعًـا: وافق عمر أبا بكر على قتال مانعي الزكاة على كونهم مرتدين، تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، وكذلك كل الصحابة وافقوا أبا بكر على هذا.
وفي صلح مانعي الزكاة بعد إسلامهم فهذه هي حقيقة الأمر فيه:
جاء في مختصر السيرة([4]): «وحدث يزيد بن أبي شريك الفزاري عن أبيه قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبي بكر وافدًا حين فرغ خالد منهم. فقال أبو بكر: اختاروا بين خصلتين حرب مجلية أو سلم مخزية. فقال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن تردُّوا علينا ما أخذتم منا ولا نردَّ عليكم ما أخذنا منكم، وأن تدوا قتلانا كل قتيل مائة بعير منها أربعون في بطونها أولادها، ولا ندي قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع وتلحقون بأذناب الإبل حتى يُري اللهُ خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم، أو يرى منكم إقبالاً لما خرجتم منه. فقال خارجة: نعم يا خليفة رسول الله. فقال أبو بكر: عليكم عهد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلمون أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله في أموالكم. قالوا: نعم. قال عمر: يا خليفة رسول الله كل ما قلت كما قلت، إلا أن يَدوا من قُتل منا فإنهم قومٌ قتلوا في سبيل الله، فتتابع الناس على قول عمر فقبض أبو بكر كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى رأى عمر أن الإسلام قد ضرب بجرانه فدفعه إلى أهله وإلى ورثة من مات منهم».أهـ.
فلما شرح اللهُ صدر عمر لرأي أبي بكر في قتالهم على الردة، ووافق عمر رأي أبي بكر في الحرب المجلية والسلم المخزية، ووافق أبو بكر رأي عمر في رفع الدية عنهم لقتلى المسلمين، ولما أسلموا وحسن إسلامهم واستقر الإسلام في الجزيرة ردّ إليهم عمر ما في يديه من أموالهم، ولو عاش أبو بكر لربما فعل ذلك لارتباط الحكم بمناطه ومراعاة لنفس المقاصد الشرعية. ولم يحدث خلافًا في حروب الردة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا في شأن أهل ديار أزد عمان، لما نزلوا لحذيفة على الصلح على السلم المخزية كان يحب ألا يقتلوا ولا يسبوا، لأن هذا هو الشأن في الحرب المجلية وهم قد اختاروا السلم المخزية، فوجب أن يعاملوا بمقتضاها، وكان رأي أبي بكر ألا يقبل توبتهم لإبائهم التوبة قبل ذلك لمّا دعاهم إليها حذيفة وجعلوا يرتجزون:
لقد أتانا خبر ردي أمست قريش كلها نبي ظلم لعمر الله عبقري.
وكان عمر رضى الله عنه يتحامل بعض الشيء على خالد، وأبو بكر يدافع عنه، وكان خالد أهلاً لذلك. وفي شأن مالك بن نويرة لم يعجب الأنصار وربما عمر أيضًا أن يقتل قومه وقد أظهروا الإسلام، وكان خالدًا يعرف سلفًا أن هذا موقف مدبَّر منهم فلم يمنعه ذلك من قتلهم، هذا واللهُ أعلم على سبيل التحديد في حروب الردة وهي أمور تفصيلية لا تتعلق بصلب القضية التي نتكلم عنها واللهُ أعلم وأعزُّ وأجلُّ وأحكم، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
خامسًا: جاء في كتاب ”تبرئة الشيخين“ لابن سحمان عن موضوع مانعي الزكاة: يقول الشيخ ابن سحمان رضى الله عنه بعد ذكر كلام شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير الصحابة لمانعي الزكاة دونما تفرقة بين المقر والجاحد على مجرد المنع، واعتراض المعترض عليه بقول ابن حجر والقاضي عياض. يقول الشيخ سحمان:
فالجواب: أن نقول ما نقله هذا المعترض عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ ثابت عنه لكنه أسقط من كلام الشيخ قوله في مانعي الزكاة: فَكُفْرُ هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وهذا يهدم أصله فلذلك حذفه. وما نقله الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ونوَّر ضريحه ـ معروف مشهور عنه لا يستريب فيه عارف وهو الحق الصواب الذي ندين الله به كما هو معروف في السير والتواريخ وغيرها، ولا عبرة بقول هذا المعترض وتشكيكه في هذا النقل فيما لا شك فيه فإن عدم معرفته بإجماع العلماء على قتل المختار بن أبي عبيد وكذلك دعواه أن الإجماع لم ينعقد على قتل الجعد بن درهم وقد ذكر ذلك ابن قيم الجوزية في ”الكافية الشافية“ عن كلام أهل السنة وأنهم شكروه([5]) على هذا الصنيع ثم لم يكتف بتلك الخرافات حتى عمد إلى ما هو معلوم مشهور في السير والتواريخ وغيرها من كتب أهل العلم من إجماع الصحابة رضى الله عنهم على تكفير أهل الردة وقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم وإحراق بعضهم بالنار والشهادة على قتلاهم بالنار، وأنهم لم يفرقوا بين الجاحد والمقر بل سموهم كلهم أهل الردة لأجل أن القاضي عياض ومن بعده ممن خالف الصحابة وحكم بمفهومه ورأيه مما يعلم أهل العلم من المحققين الذين لهم قدمَ صدقٍ في العالمين أن هذا تحكم بالرأي، فإن من أمعن النظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى علم وتبين صحة ما قاله، وموافقته لصريح كلام الصحابة وإجماعهم، فإن الشهادة على قتلاهم بالنار واستباحة أموالهم وسبي ذراريهم من أوضح الواضحات على ارتدادهم مع ما ثبت من تسميتهم أهل الردة جميعًا، ولم يسيروا مع مانعي الزكاة بخلاف سيرتهم مع بني حنيفة وطليحة الأسدي وغيره من أهل الردة، ولم يفرقوا بينهم، ومن نقل ذلك عنهم فقد كذب عليهم وافترى.
ودعوى أن أبا بكر رضى الله عنه لم يقل بكفر من منع الزكاة وأنهم بمنعهم إياها لم يرتدوا عن الإسلام دعوى مجردة، فأين الحكم بالشهادة على أن قتلاهم في النار هل ذلك إلا لأجل ارتدادهم عن الإسلام بمنع الزكاة؟!، ولو كان الصحابة رضى الله عنهم لا يرون أن ذلك ردة وكفرًا بعد الإسلام لما سَبَوْا ذراريهم وغنموا أموالهم، ولساروا فيهم بحكم البغاة الذين لا تسبى ذراريهم وأموالهم ولم يجهزوا على جريحهم، وقد كان الصحابة رضى الله عنهم أخشى لله وأتقى من أن يصنعوا هذا الصنيع بمسلم ممن لا يحل سبي ذراريهم وأخذ أموالهم، وهل هذا إلا غاية الطعن على الصحابة وتسفيه رأيهم وما أجمعوا عليه؟!، وتعليله بأنه لو كان يرى أنهم كفَّار لم يطالبهم بالزكاة بل يطالبهم بالإيمان والرجوع تعليل لا دليل عليه، فإنهم لم يكفروا ويرتدوا بترك الإيمان بالله ورسوله وسائر أركان الإسلام وشرائعه فيطالبهم بالرجوع إلى ذلك، وإنما كان ارتدادهم بمنع الزكاة وأدائها والقتال على ذلك، فيطالبهم بأداء ما منعوه وأركان الإسلام، فلما لم ينقادوا لذلك وقاتلوا كان هذا سبب ردتهم، وعمر أجل قدرًا ومعرفةً وعلمًا من أن يعارض أبا بكر أو يقره على خلاف الحق، فإنه لما ناظره أبو بكر وأخبره أن الزكاة حق المال قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وأما دعواه أن أبا بكر دعاهم إلى الرجوع فلما أصرُّوا قاتلهم ولم يكفِّرهم، فدعوى مجردة وتحكم بلا علم. فأين إدخالهم في أهل الردة وسبي نسائهم وذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار لولا كفرهم وارتدادهم، فإنهم لو كانوا مسلمين عندهم لما ساروا فيهم سيرة أهل الردة بل كان يمكنهم أن يسيروا فيهم سيرتهم في أهل البغي والخروج عن الطاعة. وأما اختلافهم بعد ذلك ودعواهم أن الصحابة اختلفوا فيهم بعد الغلبة عليهم هل تقسم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار، أو لا تقسم أموالهم ولا تسبى ذراريهم كالبغاة، فذهب أبو بكررضى الله عنه إلى الأول، وذهب عمر رضى الله عنه إلى الثاني. فلو كان هذا ثابتًا صحيحًا عن الصحابة رضى الله عنهم لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وأنهم سمُّوهم أهل الردة.
وشيخ الإسلام رحمه اللهُ من أعلم الناس بأحوال الصحابة وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره وإليه المنتهى في ذلك، وبعد أن يذكر ما قاله الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية في معجم شيوخه وما قاله عنه ابن الوردي في تاريخه وهو أقل ما يقال في حق الإمام ابن تيمية. يقول: وإذا كانت هذه حاله عند أهل العلم بالحديث والجرح والتعديل. وأنه كان إليه المنتهى في هذه الحقائق علمًا وعملاً ومعرفةً وإتقانًا وحفظًا، وقد جزم بإجماع الصحابة فيما نقله عنهم في أهل الردة، تبيّن لك أنه لم يكن بين الصحابة خلاف قبل موت أبي بكر رضى الله عنه، ولم يعرف له مخالف منهم بعد أن ناظرهم ورجعوا إلى قوله، ولو ثبت خلافهم قبل موت أبي بكر وبعد الغلبة على أهل الردة كما زعم ذلك من زعم لذكر ذلك شيخ الإسلام، ولم يجزم بإجماعهم على كفر مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وقد اختلفوا، هذا ما لا يكون أبدًا. وسيأتي كلامه في ”المنهاج“ قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما أرجع عمر إلى من كان سباهم أبو بكر أموالهم وذراريهم بعد أن أسلموا، ورجعوا إلى ما خرجوا عنه تطييبًا لقلوبهم، ورأيًا رآه، ولم يكن ذلك إبطالاً لما أجمع عليه الصحابة قبل ذلك، كما أرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن ذراريهم لما أسلموا تطييبًا لقلوبهم. والمقصود أن ما ذكره هذا المعترض من عدم الإجماع لا يصح وأن ذلك إن كان صدر من عمر رضي الله عنه فهو رأي رآه بعد أن دخلوا في الإسلام.
أما قول ابن حجر: أن تسمية هؤلاء أهل الردة تغليبًا مع الصنفين الأولين وإلا فليسوا بكفار فهذا تأويل منه، وليس بأبشع ولا أشنع مما تأولوه في الصفات، فكيف لا يتأولون ما صدر عن الصحابة مما يخالف آراءهم وتخيله عقولهم؟، وقد بيَّنا ما في ذلك من الوهن والغلط على الصحابة لمجرد ما فهموه ورأوا أنه الحق، وإذا ثبت الإجماع عن الصحابة بنقل الثقاة فلا عبرة بمن خالفهم وادعى الإجماع على ما فهمه وليس ما نقله عنهم بلفظ صريح، ولم يخالف الشيخ محمد رحمه الله ما في البخاري وإنما ذكر ذلك عياض من عند نفسه لمجرد مفهومه من الحديث، والمخالف له ينازعه في هذا الفهم، وما نقله الشيخ محمد عن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن مخالفًا لما في الصحيحين، بل كان موافقًا لهما، وقد ثبت إجماع الصحابة كما ذكر ذلك العلماء في السير والتواريخ.
ثم يقـول([6]): ونذكر هنـا أيضًا ما ذكره شيـخ الإسـلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ـ في ”منهاج السنة“، على قول الرافضي([7])، الخلاف السادس في قتال مانعي الزكاة: قاتلهم أبو بكر واجتهد عمر أيام خلافته فردَّ السبايا والأموال إليهم وأطلق المحبوسين. فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين، فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم بعد أن راجعه عمر في ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفةَ رسولِ الله كيف تقاتل الناس وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أمرتُ أن أقاتِلَ النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول اللهُ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، فقال أبو بكر: ألم يقل: إلا بحقها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقها، واللهِ لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فواللهِ ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وفي الصحيحين تصديق فهم أبي بكر عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسولُ اللهِ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة وكذلك سائر الصحابة.
إلى أن يقول: ولكن من الناس من يقول سبى أبو بكر نساءهم وذراريهم وعمر أعاد ذلك عليهم. وهذا إذا وقع ليس فيه بيان اختلافهما فإنه قد يكون عمر كان موافقًا على جواز سبيهم لكن رد إليهم سبيهم، كما ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هوازن سبيهم بعد أن قسمه بين المسلمين فمن طابت نفسه بالرد وإلا عوضه من عنده لما أتي أهلهم مسلمين فطلبوا رد ذلك إليهم. وأهل الردة قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لا يمكنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يتركون يتبعون أذناب البقر حتى يُرِي الله خليفة رسوله والمؤمنين حسن إسلامهم، فلما تبيَّن لعمر حسن إسلامهم رد ذلك إليهم لأنه جائز. أهـ.
فتبيَّن بما ذكره شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على قتالهم وأنهم سمُّوهم كلهم أهل الردة، وأنه لم يكن بين عمر وبين أبي بكر خلاف بعد رجوع عمر إلى موافقة أبي بكر مع سائر الصحابة، وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يخالف ما في الصحيحين كما زعم هذا المعترض الجاهل واللهُ أعلم. انتهى.

([1]) تفسير الطبري، جـ4، ص 622.
([2]) سورة المائدة،الآية: 45.
([3]) هذا وجه ردتهم حسب السياق.
([4]) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، جـ1، ص 205.
([5]) يعني خالد القسري.
([6]) الشيخ ابن سحمان، تبرئة الشيخين، ص 172.
([7]) منهاج السنة، جـ3، ص 231-232.
([1]) سورة النور،الآيتان: 4-5.
([2]) تفسير ابن كثير، جـ3، ص 264.
([3]) الصارم المسلول، ص 459.

الشبهة الأولى: الرد على شبهة أن القوانين الوضعية ليست رداً لأمر الله عليه (1)

· أولاً: يقول بعض الملبسين والمضللين: حقًا إن الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف، ولا تقبل ولا تصح الأعمال إلا به، لابد فيه من تصديق الخبر مع قبول الحكم، وأن الكفر يأتي من تكذيب الخبر، أو رد الأمر. إلى هنا والكلام حقّ ولكن الباطل الذي يتلبس به هو: أن هذه القوانين الوضعية ليست ردًّا لأمر الله عليه. فماذا تكون إذن؟! نزعوا عن الحكم مناطه، فعلى أي شيء يتنزل؟؟ ويستدلون ببيان العلماء؟؟ أيُ علماء؟! وأيُ بيان؟! ـ أفلا يتوبون إلى اللهِ ويستغفرونه ـ غرَّهم حلم اللهِ عليهم فمضوا في غيِّهم يعمهون، وهو استدراج لهم من الله لو يفقهون، ليشهدوا على أنفسهم بالضلال والتلبيس، وليستزلهم الشيطانُ بما كسبوا نعوذُ بالله من الفتنة.
ونقـول: الانحراف عن شرع اللهِ له خمس دركات متفاوتة في الفحش وهي:
1- إهدار اعتبار الشرع جملة بإبطال حكم الشرع وتقديم القانون عليه.
2- تبديل الشرائع باستبدال الدين المحكم بالدين المنسوخ، أو المبدل في بعض الشرائع دون بعضها الآخر، وهو كقول اليهود في استبدال الرجم بالجلد والتحميم، فقالوا: نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم مع بقاء التزامهم بغيره من الأحكام، وهو من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض كاستحلالهم القتل وتحريمهم السبي لبني إسرائيل مع وجوب الفداء.
3- الردة عن الشرائع وهي الإباء من قبول الفرائض، واستحلال المحرمات، وهذه الدركات الثلاث كفر صريح مخرج عن الملة، أفحشها الأول، ويليه في الفحش الثاني، ثم الثالث.
أما الرابع والخامس فهما:
4- الامتناع عن الشرائع من غير التزام بغيرها أو تبديل لها أو ردة عنها.
5- الحكم بغير ما أنزل اللهُ ولو في جزئية واحدة في بعض ما يَرِد عليه ميلاً مع الهوى بسبب الجهل والجور، مع بقاء التزامه بالشرع جملة وتفصيلاً لا يخرج عنه.
يقول تعالى: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)([1]).
وهاتان الدركتان داخل نطاق الإسلام، وإن كانت الأولى تكاد أن تخرج صاحبها عن الإسلام وهي مفضية إلى ذلك مؤدية إليه إذا تمادى فيها ولم يجد من يردعه عن غيِّه بالسيف ويقوِّم اعوجاجه. والثانية متفاوتة لا يخلو منها أحد إلا من شاء الله.
وبعد هذا البيان أقـول:
إن هذه القوانين الوضعية، والأنظمة العلمانية التي تقوم عليها هذه القوانين، وأنظمة الحكم والقائمين بها التي تساندها وتفرضها وتذبُّ عنها وتقاتل دونها راجعة بجملتها إلى أحط دركات الكفر وهي: إهدار اعتبار الشرع جملة، بإبطال حكم الشرع وتقديم القانون عليه وإليكم بيان ذلك:
جاء في كتاب ”نظرية القانون“:
القانون في ميلاده: المصادر المادية: يقصد بالمصادر المادية تلك التي تغترف منها مادة القانون وهذه المصادر متعددة متنوعة، فقد تأتي إلينا مادة القانون من حاجات الأمة كما هي الحال الغالب، ومثال ذلك: ما اقتضته ظروف بلدنا من وجوب تحديد الملكية الزراعية بمائتي فدان للشخص الواحد فمادة القاعدة القانونية التي نصت على هذا الحكم مستقاة من صميم حاجات وطننا. وقد تستمد مادة القانون من السوابق التاريخية التي مرت بها الأمة، أو مرت بها أمة أجنبية، ويسمى هذا النوع من المصادر بالمصادر التاريخية، وقد استمد قانوننا المصري أغلب أحكامه من القانون الفرنسي والقليل من الشريعة الإسلامية، وعلى ذلك يعتبر القانون الفرنسي والشريعة الإسلامية مصدرين تاريخيين لقانوننا بالنسبة للأحكام التي استقاها من كل منهما. وقد يستمد المشرع مادة القانون من استقرار المحاكم على أمر معين، وهنا يكون المصدر المادي هو القضاء، والأمثلة على ذلك كثيرة في قانوننا المدني الجديد حيث أُخذ بكثير من الآراء التي استقرت عليها محاكمنا في ظل القانون القديم. وقد يستمد القانون في النهاية مادته من آراء الفقهاء ”فقهاء القانون“، التي يوردونها في مؤلفاتهم وهنا يكون الفقه هو المصدر المادي.
وخلاصـة هذا: أن المصادر المادية وهي التي تغترف منها مادة القانون متعددة ومتنوعة ولا تفيد هذه المصادر في معرفة ما إذا كانت هناك قاعدة قانونية أم لا، لأن القاعدة لا تعتبر قانونية إلا إذا توافر لها عنصر الإلزام الذي يضفيه عليها المصدر الرسمي.
المصادر الرسمية: المقصود بالمصادر الرسمية تلك التي يستمد منها القانون إلزامه وبالتالي سطوته وسلطانه. والمصدر الرسمي وحده هو الذي ينتهي به خلق القانون إذ لو توافرت بالنسبة لقاعدة معينة مادتها دون أن يضفي عليها إلزامها لوُجِدنَا أمام مادة بلا روح، ولوُجِدنَا بالتالي أمام العدم فلمعرفة ما إذا كان هناك قاعدة قانونية أم لا. لا يحق لنا أن نستشير إلا المصادر الرسمية. أما المصادر المادية فلا نرجع إليها إلا أن يثبت لنا أن أحد المصادر الرسمية قد خلق لنا قاعدة من قواعد القانون وتكون الغاية من الرجوع إلى المصادر المادية في هذه الحالة هو مجرد تحديد معنى تلك القاعدة القانونية.
والمصادر الرسمية لقانوننا المصري هي: التشريع، العرف، مبادئ الشريعة الإسلامية، مبادئ القانون الطبيعي، وقواعد العدالة. وليست هذه المصادر على درجة واحدة من الأهمية، فالتشريع هو المصدر الأساسي السابق في أهميته في حين أن المصادر الأخرى لا تعدو أن تكون مصادر قانونية احتياطية لا يُلجأ إليها إلا إذا سكت التشريع عن حكم النزاع ولا يوجد ثمة ما يمنع من أن تتطور القاعدة القانونية بالنسبة إلى مصدرها الرسمي فقد توجد هناك قاعدة قانونية مصدرها العرف ثم تصير بعد ذلك قاعدة قانونية مصدرها التشريع، وهنالك يستحيل العرف إلى مصدر مادي للقاعدة القانونية بعد أن كان مصدرًا رسميًا لها، مثال ذلك ما جرى عليه العرف في ظل القانون المدني القديم من أن لقب الشخص يلحق أولاده فقد تضمن التشريع هذه القاعدة حيث نصت عليها ”المادة 38“، من قانوننا المدني الجديد، وتغيير المصدر الرسمي للقاعدة القانونية لا يؤثر في ذات إلزامها وإنما يؤثر في درجة هذا الإلزام. فالقاعدة العرفية التي تصبح تشريعًا هي في الحالتين ملزمة ولكن انتقالها إلى رحاب التشريع يجعلها ملزمة من الدرجة الأولى في حين أنها كانت وهي عرفية ملزمة بالدرجة الثانية، وهذه المصادر الرسمية وهي: التشريع، والعرف، ومبادئ الشريعة، ومبادئ القانون الطبيعي مصادر عامة على اعتبار أنها تخلق القاعدة القانونية دون أن تتقيد بدائرة محددة، ويوجد إلى جانب هذه المصادر العامة مصدر خاص بدائرة محدودة من العلاقات القانونية وهي متعلقة بالأحوال الشخصية بالنسبة للمصريين هذا المصدر الخاص هو الدين. فالدين مصدر من مصادر القانون في نطاق محدود وهو نطاق الأحوال الشخصية.
ثم يتكلم عن المصادر الرسمية فيقول:
التشريع:وهو المصدر الرسمي الغالب للقانون في عصرنا الحاضر، ويقصد بالتشريع باعتباره مصدرًا للقانون: سن القواعد القانونية بواسطة السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك. يشغل التشريع الآن بالنسبة إلى مصادر القانون مكان الصدارة، فالأغلبية الساحقة من القواعد القانونية ترجع في مصدرها إليه، إذ قد تقلص ظل المصادر الأخرى وعلى رأسها العرف إلى درجة أن أصبحت أهميتها بالغة التفاهة([2]) واقتصر دورها على أن تسد النقص في التشريع في الأحوال القليلة النادرة التي سكت فيها التشريع عن حكم النزاع المعروض أمام القاضي وليس هذا حال مصر وحدها بل أيضًا حال كل الدول الأخرى الراقية.
جاء في هذا الكتاب عن الشريعة أيضًا أنه إذا انفصلت قاعدة من قواعد الشريعة عن الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي لها ارتقت ـ كما يقولون ـ من الدرجة الثالثة ”الأدنى“ إلى الدرجة الأولى ”الأرقى“ من الإلزام وذلك لانتقالها إلى التشريع كمصدر رسمي لها واستحالة الشريعة إلى مجرد مصدر مادي تاريخي لها.
فيقول تحت عنوان ”أنواع التشريع“: يوجد في القمة التشريع الدستوري ويسمى أحيانًا بالتشريع الأساسي، ويلي التشريع الدستوري التشريع العادي أو ما يُسمى بالتشريع الرئيسي وهو الذي يصدر من السلطة التشريعية العادية أي تلك التي يكل إليها الدستور أمر سن القوانين، التشريع الفرعي وهو الذي تباشره السلطة التنفيذية ويشمل اللوائح، القرارات، المراسيم، ويترتب على تدرج هذه الأنواع الثلاثة في الأهمية أنه لا يصح للتشريع الأدنى مرتبة أن يخالف التشريع الذي يعلوه، فلا يصح أن يخالف التشريع العادي تشريعًا دستوريًا، ولا يسوغ للتشريع الفرعي أن يخالف التشريع العادي ولا التشريع الدستوري ويشمل التشريع الفرعي:
1- وضع اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعطيل لها أو تعديل.
2- اللوائح والقرارات التفويضية.
3- لوائح البوليس، لوائح تنظيم المرور، وتلك التي تنظم سير المحلات المقلقة للراحة والخطرة والمضرة بالصحة وقوانين الأغذية والباعة المتجولين... إلخ.
وضع المصادر الأخرى: ( العرف، مبادئ الشريعة الإسلامية، قوانين العدالة ) بالنسبة إلى التشريع يقول: وعلى القاضي إذا ما عرض عليه نزاع معين تحتم عليه في سبيل فضِّه أن يبحث في نصوص التشريع فإذا وجد من بينها نصًا يسري بلفظه أو بروحه على الحالة المعروضة عليه إلتزم تطبيقه، وما كان له أن يلجأ إلى مصادر القانون الأخرى. أما إذا وجد أن التشريع لا يتضمن حكمًا للنزاع المعروض عليه هنا ـ وهنا فقط ـ يجب عليه أن يبحث في مصادر القانون الأخرى وفق الترتيب الذي تحدده الفقرة الثانية من المادة الأولى، وإن وجد نص تشريعي لكنه غامض أو مبهم فلا يسوغ الانتقال منه مباشرة إلى المصادر الأخرى الاحتياطية بحجة غموض في النص التشريعي. وإنما يتحتم أولاً أن يفسر هذا النص ليعرف معناه، فإذا أدى بنا هذا التفسير إلى أن النص ينطبق على النزاع بألفاظه أو روحه تحتم تطبيقه، وامتنع الانتقال إلى المصادر الأخرى غير التشريعية. أما إذا أدى بنا تفسير النص إلى أنه لا يحكم الحالة المعروضة وجب القول بأن التشريع ساكت عن حكم النزاع ويتحتم الانتقال إلى غيره من المصادر.
العـرف: يلي التشريع في المرتبة، وهو مصدر احتياطي له بمعنى أنه يجب على القاضي ألا يطبق العرف إلا إذا افتقد النص التشريعي، فالقاضي إذا عرض عليه النزاع لزمه أولاً أن يبحث في التشريع، فإن وجد في التشريع نصًا ينطبق على هذا النزاع في لفظه أو في فحواه تحتم عليه أن يطبقه وامتنع عليه أن يتجاوز التشريع إلى العرف، أما إذا لم يجد القاضي لحكم النزاع المعروض عليه نصًا في التشريع وجب عليه أن يلجأ إلى العرف مباشرة وامتنع عليه أن يلجأ إلى المصدرين الآخرين وهما مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الطبيعي والعدالة إلا إذا سكت العرف بدوره عن حكم النزاع فالعرف مصدر احتياطي للتشريع وهو مصدر احتياطي له في المرتبة الأولى.
مبادئ الشريعة الإسلامية:لم يكن المشروع التمهيدي لقانوننا المدني يذكر مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا رسميًا ولكنه كان يعتبرها مجرد مصدر استئناسي، وفي لجنة مراجعة المشروع التمهيدي رؤى بناء على اقتراح أستاذنا السنهوري جعل مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا لقانوننا المصري يجئ بعد العرف وقبل القانون الطبيعي، وتضمنت ذلك الفقرة الثانية من المادة الأولى من المشروع التي تنص بأنه: «إذا افتقد القاضي نصًا في التشريع وحكمًا في العرف فصل في النزاع بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص القانون ـ القانون المدني ـ دون تقيد بمذهب معين فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة»، وحين عرض هذا النص على لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ حذفت منه عبارة: «الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون تقيد بمذهب معين»، لأن فكرة الملائمة مفهومة دون النص عليها إذ أن مبادئ الشريعة الإسلامية لن تطبق إلا إذا سكت التشريع تمامًا عن حكم النزاع بنصه أو بروحه ولأن عبارة: «دون تقيد بمذهب معين»، لا فائدة منها لأن الرجوع إلى المبادئ العامة للشريعة وهي واحدة لا تختلف باختلاف المذاهب فهي مصدر احتياطي في الدرجة الثانية. ويلاحظ أن ما يعتبر مصدرًا رسميًا لقانوننا هو المبادئ العامة للشريعة الإسلامية أي القواعد الأساسية التي تقوم عليها، أما الأحكام التفصيلية لتلك الشريعة فلا تعتبر مصدرًا رسميًا.
الديــن: بقي للدين أثره البالغ في قانوننا المصري إلى أن جاء محمد عليّ يحكم مصر إذ حتى هذا الوقت كانت الشريعة الإسلامية تطبق في تنظيم أمور المصريين ومن عهد محمد عليّ بدأ القانون الفرنسي يدخل مصر لاسيما فيما يتعلق منه بالتجارة والقانون الجنائي، وأخذ تأثير الشريعة الإسلامية ينكمش رويدًا رويدًا كلما أدخلت مصر قاعدة من قواعد القانون الفرنسي وانتهى الأمر في عهد إسماعيل بأن صدرت التقنينات المصرية الأولى آخذة الأغلبية من أحكامها عن القانون الفرنسي والقليل النادر منها عن الشريعة الإسلامية، وهكذا زال أثر الشريعة الإسلامية في قانوننا المصري بالنسبة إلى ما نظمته التقنينات الصادرة وقت ذاك، بيد أن هذه التقنينات لم تتناول تنظيم مسائل الأحوال الشخصية ومن ثَمَّ بقى للدين أثره فيها، ولم تتغير تقنيناتنا الحالية عن الوضع السابق شيئًا إذا استثنينا ما جاء ”بالمادة 15/2“، المجموعة المدنية من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا احتياطيا للتشريع يأتي بعد العرف، وعلى ذلك بقى الدين مصدرًا رسميًا للقانون المصري في مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بالمصريين كلٌّ يخضع لقانون الدين والملة التي ينتمي إليها. ويلاحظ أن مسائل الأحوال الشخصية التي تخضع في تنظيمها للدين قد ضاقت دائرتها بعد أن تضمن التشريع تنظيم أمور كثيرة منها، فقد صدر قانون ينظم الميراث وآخر ينظم الوصية وثالث ينظم الهبة وفي كل هذه الأمور زال أثر الدين باعتباره مصدرًا رسميًا بالنسبة إليها وأصبح هذا المصدر هو التشريع. والتشريعات التي تنظم الأمور السابقة هي تشريعات تسري على المصريين كافة دون اعتبار بالدين الذي ينتمون إليه، وقد استُمِدَت أحكام هذه التشريعات من الشريعة الإسلامية ولذلك فتعتبر تلك الشريعة مصدرًا ماديًا في هذ المجال ويبقى من مسائل الأحوال الشخصية التي ينظمها الدين الزواج والطلاق والرضاعة والحضانة والنفقة... إلى غير ذلك من المسائل الخاصة بعلاقة الفرد بأفراد أسرته، والدين يعتبر بالنسبة إلى مسائل الأحوال الشخصية مصدرًا رسميًا أصليًا بمعنى أن القاضي يطبق مباشرة القاعدة التي يقضي بها الدين وذلك بخلاف الحال بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا رسميًا للقانون في الأحوال العادية إذ هي في هذا المجال مصدر احتياطي للتشريع يأتي في المرتبة الثانية بعد العرف.




([1]) سورة ص ،الآية: 26.
([2]) وأقـول: انظروا إلى وضع الشريعة عندهم، فهي تدخل مع العرف، وقواعد العدالة، والعرف سابق عليها في الأهمية. الثلاثة يدخلون تحت هذا الوصف كمصادر أهميتها بالغة التفاهة.

الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (3)

وقبل أن نفرغ من الموضوع لابد من تنبيهات لرفع التباسات تدخلها المرجئة على الناس لتلبس عليهم دينهم:
أولاً: لا ينبغي التلبيس بين الشريعة، أو الشرع المبدل، أو المنسوخ، وبين غيرها، فالقانون قاعدة عامة ومجردة، يصدرها ذو سلطان تسري على من تتوافر شروط سريانها فيه، ومن هنا تختلف عن السياسات، أو الخطط، أو الأوامر الإدارية، والتصرفات الشخصية، أو الجماعية في الحياة اليومية.
ثانيًـا: تنظيم المباح أموره لا تقع منفصلة ولا يصح فصل هذه الأمور عن نطاق النظام الذي تقع فيه، فالعبرة بقبول النظام العام الذي تقع هذه الأمور في نطاقه، وقبول نظام يقوم على الإقرار لغير الله بالتشريع وفصل الدين عن الدولة، وقبول نظام يقوم على أساس قبول الشرع المبدل أو المنسوخ بديلاً عن الشرع المحكم. فإذا كان هذا واقعًا أخذ حكمه وإن لم يكن واقعًا لم يأخذ حكمه، فهي لا تنفصل ولا تقع منفصلة عن نطاق النظام الذي تقع فيه.
ثالثًا: الخضوع مع الاستضعاف ليس قبولاً لشرع غير شرع الله إذا كان مع كره القلب بدلالة من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل. أكدنا ذلك مرارًا وتكرارًا، ومشايعةُ المُكرِه على التبديل مع ادعاء كره القلب دليل على عدم صدق هذا الادعاء، ولا يحدث هذا إلا ممن انشرح صدره لهذا الخضوع وركن واستنام واستكان لهذا الأمر.
رابعًـا: العمل أو الوظائف لا شأن لها بقبول شرع غير الله لأن ترك العمل لا يعني عدم الخضوع لهذه الشرائع فهو مخاطب بها وإن أغلق عليه بابه، والعبرة بكره القلب مع ترك المشايعة. والأرزاق وإن شابها الحرام فحالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ترفع الحرج ـ هكذا قال الفقهاء، وهو أمر معلوم مشهور ـ وبقاؤنا في أعمالنا دليل على إصرارنا على امتلاك مقدرات حياتنا واسترداد حقنا الشرعي في عودة الحياة إلى الأصول والتمكين لدين الله في الأرض.
خامسًـا: العقود ليست قبولاً لشرع غير شرع الله. العقود: شروط، والشروط ليست بدلاً عن شرع الله حتى تكون من الدين المبدل أو المنسوخ، وقد أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله، وإن كان مائة شرط وشرط، والمقصود أن العقد وإن كان ملزمًا لطرفيه أو أطرافه فإن ذلك مشروط بعدم مخالفته للقواعد الآمرة من النظام القانوني العام هذا في الشرائع الوضعية. ونفس الشيء في الشرع الإسلامي فالشرع يبطل أي شرط أو عقد يخالف الشرع، فأما إن لم يكن مخالفًا للشرع فهو ملزم لطرفيه أو أطرافه، وكيف يخفى هذا المعنى وهو مشروح بإسهاب في ”أعلام الموقعين“ وفي ”الموافقات“ وهو معنى مستقر في الفقه الإسلامي وواضح غاية الوضوح، والشروط الفاسدة في البيع وغيره، إمَّا أن تصح ويصحّ العقد وهذا فيما يدق ويعسر التحرز منه، أو تبطل ويصح العقد، أو يبطل الشرط والعقد معًا ولا نرى الاسترسال في بيان هذا المعنى لوضوحه.
سادسًا: قبول شرع غير الله مستلزم بالضرورة رد شرع الله، فاليهود لما استحلوا القتل رفضوا حكم الله بتحريم قتال بني إسرائيل، ولما أوجبوا الفداء قبلوا حكم الله بفك إسار بني إسرائيل وفدائهم، وقبولهم للجلد والتحميم رفض للرجم، فمَن قَبِلَ حكم الله في جزئية فقد رفض حكم غيره في هذه الجزئية، ومَن قَبِلِ حكم غير الله في جزئية فقد رفض حكم الله في هذه الجزئية، فمَن قَبِلَ حكم الله عزَّ وجلّ في بعض الجزئيات وقَبِلَ حكم غيره في جزئيات أخرى يكون قد اجتمع له قبول لبعض شرع الله ورفض للبعض الآخر، فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما وصف الله اليهود بذلك، ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج من ملة الإسلام بنص الآية.
سابعًـا: يقولون: قد يكون رد شرع الله راجعًا إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فلا حرج في ذلك. ونقـول: هذا هو موقف المنافقين من شرع الله ومن موالاة الكافرين حيث قـال الله سبحانه وتعالى عنهم في سورة النـور: (وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)([1]).
يقول البيضاوي في التفسير([2]): «نزلت في بشر المنافق، خاصم يهوديًا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: (?وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) وأطعنا لهما (ثُمَّ يَتَوَلَّى) بالامتناع عن قبـول حكمه (فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) بعد قولهم هذا (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) إشارة إلى القائلين بأسرهم ـ أو إلى الفريق المتولي منهم ـ وسلب الإيمان عنهم لتوليهم والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) أي: ليحكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهرًا أو المدعو إليه وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) وهو شرحٌ للتولي ومبالغة فيه (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ ) أي: الحكـم لا عليهـم (يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ) منقادين لعلمهم أنه يحكم لهم (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) على عادته تعالى في إتْباع ذكر المحق المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) إنكارًا للامتناع عن حكمه (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ)إن أمرتهم بالخروج من ديارهـم أو أموالهم ليخرجن (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) على الكذب (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة (وَإِنْ تُطِيعُوهُ) في حكمه تهتدوا (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وقد أدى فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم». أهـ.
هنا الإقرار بالشريعة متحقق بل متكرر والإعراض عنها للمصلحة، فكيف يقال أن الإعراض عن الشريعة إذا كان جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة فلا بأس؟؟!!
ونقـول: هل قبول شرع الله ورفض ما سواه، والدخول في ولاية الإسلام ولاية لله ورسوله والمؤمنين مسألة خاضعة لاعتبارات المصالح؟!، وهل كان هذا إلا موقف المنافقين واتهموا المؤمنين بالسفه لوقوفهم عند أمر الله وامتثالهم له معبرًا عن حسابات المصالح الدنيوية وحسابات وموازنات القوى؟!!
ويقولون: قد يكون ردَّه إلى المداراة واتقاء الفتنة. ونقول: أن الخضوع في حالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعته تغيير الحال مع كره القلب وترك المشايعة لا يسمي قبولاً لشرع غير شرع الله، بل هو درجة من درجات الرفض لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع»، وقال عبد الله بن مسعود عن حكايته في تبديل الملوك لدين المسيح: إذا حدث ذلك فيكم فليعلم اللهُ من قلبك أنَّك كارهٌ، ولكن الذي يعلن قبوله ومعايشته، أو معايشته دون قبوله لشرع غير الله في الأرض لقوة ظاهرة تساند ذلك الشرع المبدل وينشرح صدره لموقفه هذا لاطمئنانه إلى سلامته من بطش هذه القوة الظاهرة واطمئنانه على مصالحه في ركونه واستنامته واستكانته إليها فهذا موقف مداهنة وإن ادعى الإكراه ورحم الله من قال:
وثمودُ لو لم يُدْهِنوا في ربِّهم لم تَدْمَ ناقتهم بسيف قَدَارِ
ومن نسب الله عزَّ وجلَّ إليهم العَقْر ليس بسبب مشاركتهم ولكن بسبب مداهنتهم، والذي عقرها هو أشقاها. والآيات في سورة النور التي سبق ذكرها قال عنها بعض المفسرين: الإعراض من بعضهم والرضى من كلهم، فهلك الفاعل والراضي. واللهُ تعالى أعلم، وهو أعزُّ وأكرم.
ثامنًـا: وقالوا: هذا تكفير للناس بالعموم. ونقـول: القول بهذا افتراء للكذب على أهل، الحق لنصرة التلبيس، والإرجاء، والبدعة، والتفريط، وكتمان الحق، وتضليل الناس. وقد قلنا بملء الفم أنه لا تكفير بالعموم في مجتمعات المسلمين في ديارهم التي عليها أحكام الكفر، لأن التكفير بالعموم لا يأتي إلا بعد أن تتغير التبعية، وهذه المجتمعات لم تتغير تبعيتها بعلو أحكام الكفر على الديار للأسباب الآتية:
1- أمر المتبوع غير أمر التابع، أو بعبارة أدق وأصح: أمر التابع غير أمر المتبوع.
2- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم لم يتحيزوا أو يتميزوا عن غيرهم تميز الفسطاط أو تميز انتساب، والذين نجوا من ظاهرة الشرك منهم لم يتميزوا أو يتحيزوا عنهم أو باينوهم، فالناس أخلاطٌ شتى غير متمايزة أو متباينة.
3- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم غير قادرين على توريث أبنائهم ما هم عليه كنِحلة أو دين.
4- أمر الناس لا يتبين إلا بالوقوف على المقاصد والاطلاع على البواطن: «من كَرِهَ فقد برئ ومَنْ أنكَرَ فقد سَلِمَ ولكن مَنْ رَضِي وتابع» ومن ثَمَّ لا يثبت الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة بحيث يغني الاسم عن معرفة المسمى، كما نقول: بهائي أو درزي أو نصيري أو قدياني أو بهرة أو باطني أو نصراني أو يهودي. هل تحتاج حينئذ أن تسأل هل كره فبرئ أم رضي وتابع فهلك؟؟ ولكن عندما تقول مصري أو سوري أو عراقي تحتاج أن تسأل لتعرف حقيقة موقفه من علو أحكام الكفر على بلاده، وهذا هو الفرق.
وهذه الأربعة هي التي يتحدد بها بقاء تبعية الإسلام أو تغير التبعية، وبالعكس فالتبعية تتغير إلى كفر أصلي بأربعة أمور وهي:
1- تميز الانتساب أو تميز الفسطاط.
2- ثبوت وصف الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة دون حاجة إلى اطلاع على البواطن والمقاصد.
3- أن يكونوا قادرين على توريث أبنائهم ماهم عليه.
4- أن يكون أمر التابع كأمر المتبوع.
وهذا لم يحدث في هذه المجتمعات ومن ثَمَّ فتبعية الإسلام باقية، ومن ثَمَّ فإننا نثبت حكم الإسلام للوليد بتبعية أبويه أو أفضلهما دينًا، وللقيط بتبعية الدار، كما يثبت حكم الإسلام للمجنون ومجهول الحال. وهذا لا ينفي إثبات ظواهر الشرك في الحكم والولاء والنسك وفساد الاعتقادات وتفشي هذه الظواهر، ولا ينفي كون الناس أخلاطًا شتى، ولا ينفي الاستبراء للدين والعرض في هذه الظروف، وثبوت هذه الظواهر لا يلزم منه التعيين، وعدم القدرة على التعيين لا تنفي ثبوت الظاهرة.
ومن هنا قال الفقهاء عن حكم هذا الواقع عندما نَشأ في عدن والهند منذ أكثر من قرنين من الزمان قالوا عن هذه الديار: لها صفة دار الكفر وحكم دار الإسلام. حكم دار الإسلام لبقاء التبعية الإسلامية، وصفة دار الكفر لعلو أحكام الكفر على الديار. وصفة دار الكفر للدار تستلزم إسقاط شرعية الأنظمة التي فصلت الدين عن الدولة، وقيام شرعية بديلة تتمثل في جماعات العلماء، واعطائها شرعية قتال، ووجوب الاسترداد للدار لوصف الردة الطارئ، ولو تحولت لحكم الكفر الأصلي لسقط حق الاسترداد للدار مع التقادم.
وبقـول هؤلاء العلماء نقـول في مثل الواقع الذي قـالوا فيه: هذه ضوابـط الحكـم التي نلتزم بهـا.
أما بيان حقائق الشرع وإبلاغها للناس فلأمرين آخرين وهما:
· ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة، للقيام بواجب البلاغ وإنجاء الناس من الشرك والهلاك وذلك لمصلحتهم من جهتين:
الأولى: النجاة في الآخرة.
الثانية: التمكين في الدنيا.
· الأمر الآخر: وهو تصحيح المفاهيم، ورفع الالتباس؛ للأمانة العلمية لبقاء علم ينتفع به إلى يوم القيامة.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.



([1]) سورة النور،الآيات: 47-52.
([2]) تفسير البيضاوي، جـ1، ص 197.

الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (2)

· السقطة الرابعة:
عدم إدراكهم أو فهمهم لأصل الدين وعلاقة الآية به ولذلك عزلوها عنه، وأصل الدين كما سبق أن بيَّناه في كلام القسطلاني: «هو الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف، وبه تقبل وتصح الأعمال، ومعناه التصديق: الذي هو ليس نسبة الصدق إلى الخبر أو المُخْبِر فقط، بل لابد فيه من إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله، بحيث يقع عليه اسم التسليم، كما صرَّح به الغزالي. والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام وذلك حقيقة التصديق قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([1])، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح». أهـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصل الدين في ”الصارم المسلول“([2]) وفي ”إقتضاء الصراط المستقيم“: «الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، أما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبرٌ وأمرٌ، فالخبر يستوجب التصديق للمخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام لله.
إلى أن يقول: فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المصدَّق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا.
فالكفر أعم من التكذيب يكون: تكذيبًا، وجهلاً، ويكون استكبارًا، وظلمًا. ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل. ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهدُ أنَّك نبيٌّ ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن مَن صدَّق الرسولَ صلى الله عليه وسلم بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان: وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله. فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد». أهـ.
ويقول([3]): «والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. إلى أن يقول: وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرَّمه، فلا حرام إلا ما حرَّم الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرَّعه اللهُ ورسولُهُ. ولهذا ذمَّ المشركين في سورة ”الأنعام“ و”الأعراف“ وغيرهما لكونهم حرَّموا ما لم يحرِّمه اللهُ، ولكونهم شرَّعوا دينًا لم يأذن به اللهُ كما في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)([4])، إلى آخر السورة. وما ذكر الله في صدر سورة ”الأعراف“ وكذلك قولـه تعالـى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه)([5]).
إلى أن يقول: كما قال عز وجل: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([6])، وكان من شركهم أنهم أحلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون)([7])، فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرَّمه اللهُ ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقِّ، والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر، وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلَّل وحرَّم فحرموا ما حرَّم اللهُ ورسوله ودانوا دين الحقِّ.
إلى أن يقول: ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُل)([8])، فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: «لا إله إلا الله» فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك، واللهُ لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين)([9]).
إلى أن يقول: فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك قال الله تعالى في نعت اليهود: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم)([10])، وقال في النصارى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([11]).
إلى أن يقول: ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحدٌ»، و«الأنبياء أخوة لعلات»، فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث اللهُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته. ولهذا شرع اللهُ لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا». انتهى بتصرف يسير.
فالأمر كما سبق أن قلنا أنه لا يسع أحدًا الخروج عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين المنسوخ أو المبدل أو إلى الشريعة المنسوخة أو المبدلة، فلا يسع أحدًا الخروج عن الكعبة إلى الصخرة، ولا عن الجمعة إلى السبت فيما يعبد به الله عزَّ وجلّ ، ولا يسع أحدًا الخروج عن قطع يد السارق إلى عقوبة أخرى، أو عن رجم الزاني المحصن إلى الجلد والتحميم، أو إلى اعتبار الزنا ليس جريمة إلا إذا كان إغـواءً لقاصر أو اغتصابًا أو إتجارًا ـ دعارة ـ أو خيانة زوجية ووراء ذلك يكون مباحًا لا جريمة فيه ولا عقوبة عليه فمن خرج عن هذا إلى هذا كفر. والخروج الأول فردي فيما يعبد به الله وهو عيني، والخروج الآخر جماعي فيما يقيم القسط بين الناس. وكلا الأمرين خروج كما فعل اليهود عندما قالوا: تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم، فمن خوطب بذلك ممن لهم الأمر والنهي عليه فقبل ذلك منهم وتابع عليه ورضي به فهو منهم وإن لم يحضر اتفاقهم، ومن دخل في اتفاقهم فهو منهم من باب أولى. ومن خوطب بذلك فكـرهه ولم يرضـه وإن خضـع له بحكم استضعافه ـ لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ـ فهو لم يقبل شرعًا غير شرع الله ولم يطع أحدًا في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّه اللهُ عزَّ وجلّ فهو على إيمانه. والأمر هنا ليس فيه معصية زنا أو أي نوع من أنواع المعصية الأخرى، وإنما نفس التشريع هو نفس الممنوع كبديل عن شرع الله، ونفس القبول للبديل هو الممنوع وإن لم يتضمن أمرًا لمعصية معينة حتى يقال: أن فعل المعصية ينقسم. والخروج عن الشريعة في الفعل العيني أو في الفرض العيني راجع إلى فعل الإنسان فيما يقدر عليه، والخروج عن الشريعة في الفرض الكفائي راجع إلى قبول الإنسان من الغير هذا الخروج، وإقامة النظام الذي يحققه. فشرع غير الله عزَّ وجل يضع للناس أحكامًا وتكاليف يخرجهم بها عن شرع الله وتكاليفه، فمن قبل فقد كفر ومن خضع مكرهًا فَقَدْ عجز عن إقامة الفرض الكفائي الذي أمره الله به مع غيره لقطع يد السارق ورجم الزاني لأنه مخاطب به من الله مع غيره من المؤمنين كفرض كفائي عليهم حيث وجَّه اللهُ سبحانه وتعالى الخطاب إلى المؤمنين كفرض كفائي عليهم ولم يوجهه إلى الإمام أو الأمير حسبما دلت عليه النصوص الآمرة بذلك. وإذا كان قد فُرِضَ عليه الخروج عن الشرع فهو كاره لذلك منكر له كإنكاره لمن يفرض عليه التوجه إلى الصخرة بعد نسخها أو الاجتماع في السبت بعد نسخه، ولكن الأخير في مقدوره الامتناع عنه لأنه عيني وإن كلفه ذلك حياته، والآخر ليس في مقدوره الامتناع عنه لأنه كفائي. أما أن يقال: أن الإنسان لا يكتفي بالخضوع المُكْرَه عليه ولكن قد يفعل ذلك غير كاره ولا منكر ويكون مسلمًا إذا اعتقد بطلان ما يفعله ولم يستحله فهذا هو التلبيس والضلال الذي ليس بعده ضلال.
وفي هذا الكفائي يأتي قـول الله عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون)([12])، وقوله تعالى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([13])، وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )([14])، وغير ذلك من الآيات.
فالمسلم لا يرد أمر الله عليه، ولا يأتي بتبديل الشرائع من نفسه أي لا يرجع عن الشرع المحكم إلى الشرع المبدل أو المنسوخ ولا يُخاطَب بذلك من غيره فيقبله ويعمل به عن رضى وطواعية دون كره لذلك وإنكار. وقبول الدين المبدل أو المنسوخ، أو الشرع المبدل أو المنسوخ من الغير هو تفسير الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ).
وإذا كانت الآية متصلة بأصل الدين كما وضحنا، فإن القول بأن العبادة هي الطاعة في الاعتقاد أمر واضح البطلان، لأنه لو كان كذلك لكان تفسير الآية بطاعة الأحبار والرهبان في قولهم بشأن عيسى وأمه أولى من طاعتهم في اعتقاد حل صيد أو ذبيحة أو طعام أو شراب وأين هذا من ذاك، وإذا فرضنا جدلاً تفسير الآية بالطاعة في الاعتقاد في شأن الحلال والحرام من الطعام والشراب وغيره لكان المفروض أن تصفهم آيات القرآن بعبادة الأحبار والرهبان في كل المناسبات التي فيها طاعة في الاعتقاد في كل ما ضلُّوا فيه بشأن عيسى u من قولهم: أنه الله، وأنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه وأمه إلهين من دون الله، وقد تكرر ذكر هذا الضلال في القرآن كثيرًا، ولم يقل أن الإتباع فيه عبادة بل وصفه دائمًا بوصف الضلال (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)([15])،ولم يذكر مرة واحدة أن إتباع القوم لأحبارهم في هذا الضلال عبادة، كما لم يذكر مرة واحدة أن إتباع المشركين لآبائهم في عبادة الأصنام وإنكار البعث عبادة للآباء مع ذكر هذا الإتباع في القرآن مرارًا.
والذي ذكر في الحديث هو الاستحلال، والاستحلال لا يقتصر على الاعتقاد، بل الاستحلال كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية يكون لخلل في الربوبية، ويكون لخلل في الألوهية مع صحة الاعتقاد، وقوله مشهور في كتابه ”الصارم المسلول“، يقول([16]): «وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر باتفاق. فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرَّمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرَّمها ويعلم أن الرسول إنَّما حرَّم ما حرَّمه الله ثم يمتنع عن إلتزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهو أشد كفرًا ممن قبله. وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر. هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه... إلخ». أهـ.
والاستحلال منه ما يتعلق بالخلل في الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالخلل في العبادة. وصورة الامتناع عن إلتزام التحريم هي الصورة المتعلقة بالخلل في العبادة، والوصف المذكور في الحديث المفسر للآية هو وصف العبادة: «فتلك عبادتكم إياهم». فواضح جدًا أن يكون المراد من معنى العبادة لهم هي صورة الاستحلال المتعلقة بلفظ العبادة وهي الامتناع عن إلتزام حكم الله بالتحريم أو بالتحليل بإلتزام حكم غيره على خلاف حكمه، وإذا كانت صور الاستحلال الأخرى داخلة في معنى العبادة فهي تدخل فيها بالتلازم وليس بالمطابقة، فلا يصح أن يخرج عن لفظ العبادة معناها بالمطابقة إذا دخل فيها معنى الاعتقاد باللزوم، وما يقال عن الاعتقاد أنه عبادة خطأ لتغاير المعنى، فالعبادة أمر إرادي قصدي طلبي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. وإنما يقال عن الاعتقاد: العبودية المتعلقة بالربوبية، ويقال عن العبادة: العبودية المتعلقة بالألوهية. وذكر الأرباب في الآية ليس مناقضًا لتفسير الرسول الكريم لفعلهم بالعبادة، بل المقصود أنه لا يُعبد إلا من كان ربًّا، فمن عبد ما ليس بربٍّ فكأنما أعطاه صفة الربوبية كما قال القرطبي: أنزلوهم منزلة الأرباب بقبول أوامرهم ونواهيهم.
وما يذكر عن أوصاف أخرى لفعل القوم مع الأحبار والرهبان يراد تعليق الحكم بها فهو خطأ لأنها أوصاف منفية أو ملغاة كالذي شقَّ ثوبه وجعل التراب على رأسه يصيح يقول واقعت امرأتي في نهار رمضان فقال له الرسول الكريم: «عليك الكفارة». فالمناط هو الطاعة في تبديل الشرائع كما قال ابن تيمية، وليس في الاعتقاد، ولا في المعاصي سواء كانت هذه الطاعة لمن لهم صفة السلطان الديني أو الدنيوي والمتابعة على هذا التبديل. فإباحة المشرع الوضعي للخمر مثلاً تتضمن الخروج من كل مقتضيات الحظر التي بقيت ـ موافقة للشريعة الإسلامية ـ للمخدرات إلى مقتضيات الإباحة والذي يبيـح الخمر يحـرم عليك:
1- تحريمها على الناس ويعتبر ذلك تغييرًا لدستور الدولة بالقوة.
2- ويحرم عليك إهدارها واعتبارها مالاً غير متقوم.
3- ويحرم عليك تحريق أماكن تعاطيها.
4- ويحرم عليك تغيير المنكر باليد فيها.
5- ويحرم عليك الإخلال بإلتزاماتك القانونية تجاه سلعة أباح القانون تداولها وتعاطيها.
6- ويحرم عليك التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية إزاءها.
وهذه كلها مقتضيات الإباحة فلا يمكن للإنسان أن يقول أنا أحرمها في مجال القاعدة الدينية ولا أطيع أحدًا في إباحتها دينًا سواء شربتها أم امتنعت عن ذلك تدينًا، ولا شأن لي بما سوى ذلك لأنَّا نقول: إن الذي يبيحها في مجال القاعدة القانونية قد يكون هو نفسه محرمًا لها في مجال القاعدة الدينية، وقد لا يشربها تدينًا بينما يحرم المخدرات في مجال القاعدة الدينية والقانونية معًا. فلا يحرم تحريمها، ولا يحرم إهدارها، واعتبارها مالاً غير متقوم، ولا يحرم تغيير المنكر باليد فيها، ولا يحرم تحريق أماكن تعاطيها ومطاردة أهلها، ولا يبيح زراعتها، ولا صنعها، ولا نقلها، ولا بيعها، ولا استيرادها ولا تصديرها، ولا شحنها، ولا التخليص عليها، ولا نقلها برًا أو بحرًا استيرادًا أو تصديرًا بإجراءات نقل جوي أو بحري أو بري، وإجراءات جمارك وتخليص وخلافه، ولا يلزم أحدًا بإلتزامات قانونية تجاه هذه الإباحة بل يحرم المعاونة على ذلك ويعاقب عليه ولا يحرم عليك التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية تجاهها، والذي يفعلونه كمقتضيات لحظر المخدرات هو نفسه وبعينه مقتضيات الحظر للخمر في الشريعة الإسلامية سواء بسواء التي أخرجنا عنها المشرع الوضعي إلى مقتضيات الإباحة. وبقيت المخدرات في مقتضيات الحظر التي كانت لها في الشريعة الإسلامية لتكون شاهدًا على التبديل بالمقارنة، فمن يقول أن طاعة المشرع الوضعي في إباحة الخمر، وأن قبول تحريم تحريمها، وتحريم إهدارها، وتحريم اعتبارها مالاً غير متقوم، وتحريم تحريق أماكن تعاطيها، وتحريم تغيير المنكر باليد فيها، وتحريم الإخلال بالإلتزامات القانونية تجاهها، وتحريم التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية تجاهها لا يكون استحلالاً لها، ولا عبادة لغير الله في التحليل والتحريم فيها، ومن ثَمَّ لايكون شركًا مخرجًا من الملة، إنما هو يقصر تحريم الخمر في الحقيقة على مجال القاعدة الدينية فقط وهو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة وافتراء الكذب على الله عزَّ وجلَّ حيث عُلِمَ بالضرورة تحريمها في المجالين معًا إذا صحَّ التعبير، وعلم بالضرورة أن إخراجها من الحظر إلى الإباحة في مجال القاعدة القانونية إباحة لها، وقبول هذه الإباحة ممن أباحها بلوازم التحريم التي تلزم عن الإباحة قبول للإباحة، وهو قبول لتبديل الشرع ومتابعة عليه، وليس طاعة في معصية، وشرب الخمر معصية وقبول الإباحة بلوازمها قبول للإباحة كقبول الإباحة في مجال القاعدة الدينية سواءً بسواء وهو من هذه الجهة شركٌ وكفرٌ مخرجٌ من الملة، فمن خوطب بهذه الإباحة فعليه أن يكره وينكر وإن كان مستضعفًا لا يقدر إلا أن يخضع: «ولكن من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سَلِمَ ولكن من رضي وتابع».
وهل هناك بعد هذا البيان فرقٌ بين قبولِ الإباحةِ ممن أباحها بلوازمها من التحريم في مجال القاعدة الدينية عن مجال القاعدة القانونية، أو فرَّق بين سلطة دينية وأخرى دنيوية، أو اعتقاد قداسة أو عدم اعتقاد قداسة، أليس الكل تبديلاً ومتابعة على التبديل، وهل مازلنا نقول أن من قبلها في مجال القاعدة القانونية أو أباحها لغيره يبقى مسلمًا إن اعتقد تحريمها في مجال القاعدة الدينية؟؟!!.
وما قيل عن النسخ ليس طاعة في الاعتقاد لأن الاعتقاد ليس فيه طاعة ـ كما بينَّا وكما سنبين ـ وإنما هو اعتقاد في حقهم في الطاعة، والفرق كبير بين الأمرين. واليهود ليس عندهم نسخٌ في الدين أبدًا، وإن جاءت بعض عبارات العلماء بذلك عنهم فهو خطأ في النقل عنهم، وإنما الذي وقع منهم الاستعاضة عن حكم ديني بآخر دنيوي مراعاة لمصالح طرأت لهم ومثال ذلك: لما استعاضوا عن الرجم وهو حكم التوراة بالجلد والتحميم حيث كثر فيهم الزنا فخافوا من القتل، ولما وقع في أشرافهم ولم يستطيعوا إقامة الحد عليهم فأبى سوقتهم وضعفاؤهم من إقامته على أبنائهم حتى يقام على أبناء الشرفاء والملوك فخافوا الفتنة والتفرقة، فقالوا: تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا، فاجتمعوا على الجلد والتحميم، ولم يكن هذا نسخًا ولا تحريفًا للتوراة، وإنما تولٍٍ عن حكمها وإعراض عنه إلى غيره من الشرائع الوضعية وهي الشريعة المبدلة وليست المنسوخة ولا الناسخة بحق الأحبار في النسخ، وهذا واضح جدًا في القرآن وأسباب نزوله والآية تجمع اليهود والنصارى فليست مختصة بالنسخ ثم قالوا لن نسبق علماءنا لما وقع ذلك فيهم وعملوا به على المخالفة لحكم التوراة وليس على النسخ لها، وكانوا متحرجين من ذلك ولكن دواعي المصلحة وموافقة الكبراء حملتهم على الاستمرار على المخالفة، وهذا هو معنى النبذ وراء الظهور الذي تكلم عنه القرآن، وترك العمل الذي يتحقق به ذهاب العلم الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ونقضهم الميثاق وترك إقامة التوراة والإنجيل الذي ذكره القرآن وقال أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموهما ـ استعاضوا بهذا الدنيوي عن هذا الديني وليس نسخًا لديني بديني آخر ـ وشيخ الإسلام في تفسيره لطاعة الأحبار والرهبان لم يقرر أن المناط المكفر هو الطاعة في الاعتقاد، وإنما قال: المتابعة على التبديل، لماذا نغفل ذكر التبديل وقد ركز عليه في التفسير تركيزًا شديدًا؟!.
ومناط الحكم في الآية والحديث ليس هو اعتقاد أو الإقرار بحقهم في التشريع والطاعة، وإنما هو المتابعة على التبديل والاتباع للشريعة البديلة عن شرع الله، وهذا يتضمن اعتقادًا والإقرار لهم بحق التشريع كوصف تابع أو متضمن، ولكن المناط المحدد في النص للحكم والذي يتعلق به الحكم ـ وهو شرك العبادة ـ المناط المحدد في النص لهذا الشرك في العبادة هو الاتباع في التشريع. وإطلاق القول بأن العبادة هي الطاعة في الاعتقاد خطأ لأن العبادة أمر قصدي طلبي إرادي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. ونحن ننقل عن العلماء أن التوحيد نوعان: توحيد عبادة وتوحيد اعتقاد، والشرك نوعان: شركٌ في العبادة وشرك في الاعتقاد.
ونقـول: أنه لابد في الإيمان من مجموعهما: الاعتقاد والانقياد، فكيف نجعل الشيئين شيئًا واحدًا والعلماء دائمًا يقولون نصدقه فيما أخبر ـ لم يقل أحد نطيعه فيما أخبر؟! ـ ونطيعه فيما أمر ـ لم يقل أحد نصدقه فيما أمر؟! ـ أرأيت كيف يختص كل أمر بأمره، لكنهم إذا اعتقدوا تبديل الأحكام في دينهم بنسخ الأحبار والرهبان فعبادتهم بقبولهم هذا التبديل، وفسادُ اعتقادهم باعتقادهم بحقهم في النسخ وبكون ما بدلوه يكون ناسخًا لحكم الإنجيل أو التوراة، وفي تغير اعتقادهم بالنسبة للتحليل والتحريم فيرجع الخلل في الأولى إلى الألوهية، وفي الثانية إلى الربوبية كما ذكر شيخ الإسلام في ”الصارم المسلول“ عن الاستحلال عندما يكون الخلل في الألوهية والربوبية في وقت واحد، الأولى عبادة، والثانية ضلال. ولو أنهم قبلوا ما بدله الأحبار والرهبان كمبلغين عن الله عزَّ وجلّ فقط لم يوصفوا بوصف العبادة، ولكان الخلل في الربوبية فقط ووصفوا بوصف الضلال دون غيره ولكنهم قبلوا التبديل منهم كمشرعين، ومن هنا جاء وصف العبادة وكان الخلل في الاثنين معًا الربوبية والألوهية، ولو أنهم قبلوا منهم التبديل استعاضة بالدنيوي عن الديني لمصلحة طرأت مع بقاء الاعتقاد في الديني ثابتًا لوصفوا بوصف العبادة فقط دون وصف الضلال وفساد الاعتقاد. وإذا تتبعنا آيات القرآن فيما أضل به المضِللون غيرهم من المُضَللين من أهل الكتاب لا نجد أبدًا إشارة إلى العبادة إطلاقًا، وإنما ضلُّوا وأضلوا فقط لأن الضلال في موضع البدعة وفساد الاعتقاد، ولأن الاعتقاد تصديق خبر، والعبادة قبول حكم، هذه هي استعمالات القرآن والسنة ولو كانت الطاعة في الاعتقاد هي المرادة لكان أولى أن يوصفوا بذلك في شأن عقيدتهم في المسيح وأنه ثالث ثلاثة لا في التحريم والتحليل في صيد أو ذبيحة أو طعام وأين هذا من ذاك؟!!.
ونشأة اعتقاد مخالف لما عرف عن حكم أي مسألة في الدين إذا كان تحريمًا قطعيًا مثلاً كتحريم الخمر لا يكون إلا بالشك في التحريم أو اعتقاد الحل أي تكذيب التحريم فيتغير علمه فيصدِّق ما كان مكذِّبا ويكذِّب ما كان مصدِّقا، أو يشك فهي مسألة تغير اعتقاد، وليست طاعة في الاعتقاد لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا فيما يحب الإنسان وما يكره وما ينشط إليه وما يتثاقل عنه، وكذلك في الاعتقاد لا تكون طاعة إلا إذا كانت فيما يصدق وفيما يكذب امتثالاً لأمر الآمر ولو كان على غير ما يعلم وهذا أمر مستحيل، وإنما هو تصديق لخبر وتكذيب لآخر أي تغير العلم وهذا لا يطيع أحدٌ فيه أحدًا وإنما يثق في خبره (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين)([17])، فيتغير ثقته من خبر إلى خبر ومن مخبر إلى مخبر ومن علم إلى علم لا يطيع في اعتقاد جديد مخالف لما كان عليه وهو يعلم صحة الاعتقاد الأول بل لابد أن يعلم فساد الاعتقاد الأول، ولكن قد يتغير اعتقادهم في التحريم والتحليل الذي جاء في كتبهم لاعتقادهم بحق الأحبار والرهبان في نسخ هذه الأحكام علمًا بأن النسخ إنَّما يكون في الأحكام دون الأخبار ـ فيكون قد صدَّقوهم بكذبهم وأعانوهم على ظلمهم ـ بقبولهم الأحكام البديلة منهم، فهما وصفان منفصلان التصديق للخبر الكاذب وطاعة الأمر الفاسد، ومناط الحكم في الآية هو الطاعة للأمر، وإن كان التصديق واقعًا منهم، وإن كانت الطاعة متضمنة لاعتقاد حقهم في التشريع والإقرار لهم بحق الطاعة فهذا أيضًا لا يخرج المناط عن كونه طاعة الأمر بقبول الحكم.
وعندما قلنا أن التبديل فيما هو ديني وما هو دنيوي وليس فيما هو ديني فقط فمردنا في ذلك إلى قاعدة الدين الأساسية وهي:
جماع الدين أصلان:
الأول: أن يُعْبَد الله عزَّ وجلّ وحده.
والثاني: أن يُعْبَد بما شرع على ألسنة رسله في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت. ومن ثَمَّ كان لابد من الرجوع إلى الشرع فيما هو عبادي عيني أو كفائي، وما هو عادي عيني أو كفائي فهم أربعة. والعيني: ما يقدر عليه الإنسان من نفسه في العبادي كأداء الصلاة، والكفائي: ما لا يقدر عليه الإنسان من نفسه ولا يمكنه تحقيقه إلا بإقامة سلطة شرعية تحققه وذلك من خلال إقامته مع غيره للجماعة التي تقيم هذه السلطة وهو في العبادي كإقامة الصلاة: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ)([18])، والعيني في العادي: كـبرِّ الوالدين يقدر عليه الإنسان من نفسه، والكفائي: كقطع يد السارق ورجم الزانى وجهاد العدو وإقامة الحدود ... إلخ، والمؤمن يقوم بالتكليف المتعلق به من خلال إقامته للسلطة الشرعية التي تقيمه.
والخروج عن الشرع رد للرسالة وكفر بها، ومن جهة أخرى انقياد لغير الله فهو عبادة لغير الله، ومن ثَمَّ كان له أيضًا وصف الشرك، والخروج عن الشرع مثل الرجوع إلى الشرع تمامًا يكون فيما هو عادي عيني أو كفائي، ويكون فيما هو عبادي عيني أو كفائي، ومن ثَمَّ كانت الاستعاضة بالشرع البديل عن شرع الله أي التبديل كفرًا وشركًا سواء كانت في تبديل ديني بديني أو ديني بدنيوي فيما يقدر عليه الإنسان من نفسه، أو يصطلح عليه مع غيره، أو يخاطب به من غيره فيقبله ويرضى به ويتابع عليه، لأنه خروج عن الشرع المحكم ورجوع إلى ما سواه. ومن ثَمَّ قال ابن كثير عن الياسق: «أن مَنْ ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين».
والنكتة هنا هي تبديل ديني بدنيوي وليس ديني بديني ـ مع بقاء صحة الاعتقاد في الدين وفي لزومه ووجوبه دون الدنيوي ـ وما يقوله ابن كثير في التحاكم هو نفس ما تدل عليه آية التوبة: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه)، من الخروج عن شرع الله المحكم والعدول عنه إلى ما سواه من شريعة الأحبار.
فالآية تفسير للقاعدة، وآيات التحاكم والحكم أيضًا تفسير لنفس القاعدة في جوانب من جوانبها. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد
(([1]) سورة الذاريات،الآيتان: 35-36.
([2]) الصارم المسلول، ص 457.
([3]) اقتضاء الصراط المستقيم، ص 451.
([4]) سورة الأنعام، الآية: 136.
([5]) سورة الشورى، الآية: 21.
([6]) سورة التوبة، الآية: 31.
([7]) سورة التوبة، الآية: 29.
([8]) سورة الزمر، الآية: 29.
([9]) سورة غافر، الآية: 60.
([10]) سورة البقرة، الآية: 87.
([11]) سورة التوبة، الآية: 31.
([12]) سورة التوبة،الآية: 29.
([13]) سورة التوبة،الآية: 31.
([14]) سورة آل عمران،الآية: 64.
([15]) سورة المائدة،الآية: 77.
([16]) الصارم المسلول، ص 459.
([17]) سورة يوسف،الآية: 17.
([18]) سورة الحج،الآية: 41.

الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (6)

· ثامنًـا: خلاصة ما قالوا في الرد على المخالفين في موضوع شـرك النسك:
1- لاإله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا مع ترك الشرك:
يقول الشيخمحمد بن عبد الوهاب ([1]) عن لا إله إلا الله: «فإن قيل: كل الناس يقولونها، قيل: منهم من يقولها ويحسب معناها أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله وأشباه ذلك، ومنهم من لا يفهم معناها، ومنهم من لا يعمل بمقتضاها، ومنهم من لا يعقل حقيقتها، وأعجب من ذلك من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه، وأعجب منه من أحبها، وانتسب إلى أهلها، ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها، يا سبحان الله العظيم! تكـون طائفتـان مختلفتيـن في دين واحـد وكلهـم على الحق! كلا والله: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)؟.
فإذا قيل: التوحيد زين والدين حق إلا التكفير والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد ودين الرسول ويرتفع حكم التكفير والقتال، فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه فضلاً عن بغضه ومعاداته فهذا واللهِ عينُ، الكفر وصريحه؛ فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه». أهـ.
2- الاحتجاج بما ذكره الفقهاء في باب ”حكم المرتد“ على كفر المشرك وإن كانت له أعمال صالحة، وقام بفرائض الدين وواجباته:
جاء في ”مجموع الرسائل والمسائل النجدية“ تكفير المسلم بالشرك بالله وموالاة المشركين على المؤمنين. قال الشيخ محمد رحمه الله تعالى([2]): «إذا شهد الإنسان أن هذا دين الله ورسوله كيف لا يُكَفِّر من أنكره وقتل من آمن به وحبسهم؟ كيف لا يكفر من أتى المشركين ليحثهم على لزوم دينهم ويزينه لهم ويحثهم على معاداة الموحدين وأخذ أموالهم؟ كيف لا يكفر وهو يشهد أن هذا الذي يحث عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكره ونهى عنه وسمَّاه الشرك بالله ؟ وهذا الذي يبغضه ويبغض أهله ويأمر المشركين بقتلهم هو دين الله ورسوله. واعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ـ ولم يشرك ـ أكثر من أن تحصر من كلام الله ورسوله وكلام العلماء. وأنا أذكر لك آية من كلام الله أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ )([3]). وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفًا منهم لكن قبل الإكراه إذا كان هذا يكفر فكيف بمن كان معهم وصار من جملتهم؟ فكيف بمن أعانهم على الشرك وزيَّنه لهم؟ فكيف بمن أمرهم بقتل الموحدين وحثَّهم على لزوم دينهم؟!!». أهـ.
وفي باب آخر([4]): «ذبيحة المرتد وما يكفر به المسلم وحكمه. يقول المصنِّف عن الشيخ: وسئل عن ذبيحة المرتد وتكفير من يعمل بفرائض الإسلام بعد أن يجيب عن ذبيحة المرتد يقول الشيخ: وقولكم لِمَ تكفرون مَنْ يعمل بفرائض الإسلام الخمس، يقول في الإجابة: أنه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى الإسلام ثم مرق من الدين، كما في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث البراء بن عازب معه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله وقد انتسب إلى الإسلام وعمل به، ومثل قتال الصديق والصحابة مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين بعد ما عملوا بشرائع الإسلام، ومثل اجتماع التابعين على قتل الجعد بن درهم وهو مشتهر بالعلم والدين، ومثل بني عبيد الذين ملكوا مصر والشام وغيرها لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يتوقف أحد من أهل العلم والدين عن قتالهم، مع ادعائهم الملة، ومع قولهم: لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعنا منكم فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب وهو: باب ”حكم المرتد“ وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعًا كثيرة كل نوع منها يكفر الإنسان ويحل دمه وماله حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
إلى أن يقول: وقولكم هل يعلمون للنبيّ صلى الله عليه وسلم دينًا إلا الإسلام الذي جاء به جبريل، فمعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام يدعو الناس إلى التوحيد سنين عديدة قبل أن يدعوهم إلى أركان الإسلام، ومعلوم أن التوحيد الذي جاء به جبريل أعظم فريضة وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من أركان الإسلام كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل من نوح إلى محمد لا يكفر؟! لأنه يقول: لا إله إلا الله، أو لأنه يفعل كذا وكذا.
إلى أن يقول: ولكن الأمر كما قال عمر رضى الله عنه: أنها لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. فذلك أنه إذا لم يعرف من الشرك ما عابه القرآن وما ذمَّه وقع فيه وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شرٌّ منه.
إلى أن يقول: فتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك وإن لم يعادهم فهو منهم ولو لم يفعله واسأل عن معنى قوله تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ)([5])». إلى آخر ما ذكره.
وقال رحمه الله([6]): هذه أربع قواعد ينبغي لكل إنسان أن يتأملهن، ويفهمهن فَهْمَ قلب، يفيض عملهن على الجوارح.
الأولى: الإنسان إذا مات على ما علم من ألفاظ الصلاة فقط هل معه دين يدخل به الجنة وينجيه من النار أم لا؟.
الثانية: هذه الحوادث عند المقامات ونحوها هل هي توجد، أو شيء منها في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، والقرون المُثْنَى عليهم أم لا؟.
الثالثة: هذا الذي يفعلونه عندها من القصد، والتوجه من إجابة الدعوات، وقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات هل هو الذي يفعله مشركوا العرب قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم عند اللات، والعزى، ومناة، سواء بسواء أم لا؟.
الرابعة: من فعل هذا، وهو مسلم، مؤمن، هل يكفر ويحبط إيمانه بذلك أم لا؟.
فإن أشكلت عليك الأولى: فانظر إلى سؤال الملكين في القبر وقوله: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت مثلهم. الثانية: إن قلت توجد فعليك الإثبات. الثالثة: إن قلت القصد ـ غير القصد ـ فعليك التفريق بالأدلة الصحيحة من كتاب أو سنة أو إجماع الأمة. الرابعة: إن قلت الإسلام يحميه من الكفر؛ ولو فعل ما فعل، فطالع باب ”حكم المرتد“ من ”الإقناع“ وغيره، والله أعلم». انتهى.
3- أدلة نفي العبادة عن غير الله وحكم من فعلها كائنة ما كانت المعبودات:
يقول الشيخ([7]): فدليل الشمس والقمر: (وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)([8])، ودليل الملائكة قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)([9])، ودليل الأنبياء قوله تعالى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)([10])، ودليل الصالحين قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)([11])، ودليل الأشجار والأحجار قولـه تعالـى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)([12])، وحديث أبي واقد الليثي حديث ذات أنواط، ويذكر الحديث. أقول: ودليل الكواكب والنجوم: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى)([13])، وقوله تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا)([14]).
يقول الشيخ: فقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفرِّق بينهم، والدليل قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)([15]).
4- والتفريق بين الشرك الأعظم والبدعة أو الشرك الأصغر:
جاء في ”الدرر السنية“([16]): يقول عن شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب: «وقال أيضًا: الدعاء الذي يفعل في هذا الزمان أنواع؛ النوع الأول: دعاء الله وحده لا شريك له الذي بعث الله به رسوله. النوع الثاني: أن يدعو الله، ويدعو معه نبيًّا، أو وليًّا، ويقول: أريد شفاعته، وإلا فأنا أعلم ما ينفع ولا يضر إلا الله، لكن أنا مذنب وأدعو هذا الصالح لعله يشفع لي، فهذا الذي فعله المشركون، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتركوه ولا يدعوا مع الله أحدًا، لا لطلب شفع ولا نفع. النوع الثالث: أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بنبيِّك، أو بالأنبياء، أو الصالحين فهذا ليس شركًا، ولا نهينا الناس عنه ولكن المذكور عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهم أنهم كرهوه، لكن ليس مما نختلف نحن وغيرنا فيه». أهـ.
وجاء في ”الدرر السنية“ عن الإمام ابن القيم يقول([17]): «وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير وهؤلاء من جنس عبَّاد الأصنام، وكذلك السجود للقبر، وتقبيله والتمسح به. النوع الثاني: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو: بدعة إجماعًا. والنوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك، فهذا أيضًا: من المنكرات إجماعًا، وما علمت فيه نزاعًا من أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعله». أهـ.
5- وفي ”الانتصار لحزب الله الموحدين“([18]) و”الدرر“ و”الرسائل والمسائل“، تكرر شرح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في موضوع العذر بالجهل في التوحيد، وموضوع المعين، وبينوا الفرق بين المقالات الخفية، والأمور الجلية، وبالنسبة لموضوع المعين، فقالوا: كلام الشيخ: «حتى يُبيِّن لهم لا حتى يتبيّن لهم، وأن بلوغ الحجة غير فهم الحجة، وأن ما كان كفرًا يقال هذا كفر ومن فعله كافر، لكن بالنسبة للمعين لابد من استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، إلا إذا كان كفره بواحًا، لا أن الجهل وغيره يمنع كون الفعل كفرًا، والمدعي أن مرتكب الكفر ـ متأولاً أو مجتهدًا مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلاً معذورًا ـ مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لابد أن ينقض أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب كما لو توقف في تكفير مَن شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك». انتهى.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم عدد ما أحاط به علمك، وخطَّ به قلمك، وأحصاه كتابك.

([1]) الدرر السنية، جـ2، ص 56.
([2]) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، جـ4، ص 43.
([3]) سورة النحل،الآية: 106.
([4]) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، جـ4، ص 43-46.
([5]) سورة المائدة،الآية: 81.
([6]) الدرر السنية، جـ2، ص 78-79.
([7]) الدرر السنية، جـ2، ص 25.
([8]) سورة فصلت،الآية: 37.
([9]) سورة سبأ،الآيتان: 40-41.
([10]) سورة آل عمران،الآية: 80.
([11]) سورة الإسراء،الآية: 56.
([12]) سورة النجم،الآيتان: 19-20.
([13]) سورة النجم،الآية: 49.
([14]) سورة الأنعام،الآية: 76 وما بعدها.
([15]) سورة الأنفال،الآية: 39.
([16]) الدرر السنية، جـ2، ص 83.
([17]) الدرر السنية، جـ1، ص 423.
([18]) الانتصار لحزب الله الموحدين، ص 46.

الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (5)

· سابعًـا: الفرق بين الشرعـي والشركـي في التوسل والتبرك:
أولاً: التوسـل:
1- جاء في ”الدرر السنية“([1]): «ولهذا اتفق العلماء كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم فقد كفر، لأن هذا كفر عابدي الأصنام.
ثم يقول: والشفاعة التي أثبتها اللهُ ورسوله هي الشفاعة الصادرة عمن أذن له لمن وحَّدَه، والشفاعة التي نفاها اللهُ الشركية التي يظنها المشركون فيُعَامَلُون بنقيض قصدهم ويفوز بها الموحدون، فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وقد سأله من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، فجعل أعظم الأسباب التي ينال بها الشفاعة تجريد التوحيد، عكس ما اعتقده المشركون ـ أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله ـ فقلب النبيّ صلى الله عليه وسلم زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن اللهُ للشافع أن يشفع فيه.
ومن جهل المشرك اعتقاده إن اتخذ من دون الله شفيعًا أن يشفع له وينفعه كما يكون عند خواص الملوك والولاة ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رَضِيَ قوله وعمله كما قال تعالى في الفصل الثاني: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)([2])، وبقى فصل ثالث: وهو أنه ما يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولون والآخرون كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون. ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها؛ فالأول: أنه لا شفاعة إلا بإذنه. والثاني: أنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. والثالث: أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.
وقد قطع سبحانه الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعًا يعلم من تأمله وعرفه، أن من اتخذ من دون الله وليًا أو شفيعًا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا، فقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ *?wعليه السلامصلى الله عليه وسلموَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)([3]).
فالمشرك إنَّما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا لمن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا كان معينًا وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه وتعالى المراتب الأربع نفيًا مرتبًا منتقلاً من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشرك والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية برهانًا ونورًا وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ويظنه في قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك.
ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمّه ووقع فيه وأقره ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فتنتقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة ويبدع الرجل بتجريد التوحيد ومتابعة الرسول ومفارقة أهل الهوي والبدع». أهـ.
2- وجاء في مجموعة الرسائل والمسائل ([4]): «”فصل“، وأما قول القائل: الثالث: أنه قد ورد في حديث الضرير قوله: يا محمد، وفي ”الجامع الكبير“، وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته قال: «يا عباد الله أحبسوا»، فهذا دعاء ونداء لغير الله.
يقول: بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب لم يأمر اللهُ به ولا رسوله، ولا فعله أحدٌ من الصحابة، ولا التابعين، ولا فعله أحدٌ من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته ـ ولا قال أحدٌ: أن الصحابة استغاثوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعد موته. ولو كان هذا جائزًا، أو مشروعًا لفعلوه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد كان عندهم من قبور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر صحابي ولا دعاه ولا استغاث ولا استنصر به.
ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بل على نقل ما هو دونه وحينئذ فلا يخلو إما: أن يكون دعاء الموتى والغائبين أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل أو لا يكون. فإن كان أفضل فكيف خفي علمًا وعملاً على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟، فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علمًا وعملاً بهذا الفضل العظيم، ويظفر به الخلوف علمًا وعملاً. وهذان الحديثان اللذين أوردهما السائل إما: أن يكون الصحابة الذين رووهما وسمعوهما من النبيّ صلى الله عليه وسلم جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء المتأخرون، وإما أن يكون الصحابة علموهما علمًا وزهدوا فيهما عملاً مع حرصهم على الخير وطاعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وكلاهما محال، بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطوع الناس لأوامره وأحرص الناس على كل خير وهم الذين نقلوا إلينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم فهل فهموا من هذه الأحاديث جواز دعاء الموتى والغائبين فضلاً عن استحبابه والأمر به؟!
والمضطرب يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعًا لا سيما الدعاء فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملاً صالحًا لفعلوه.
فهذه سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريق جميع الصحابة والتابعين. هل يمكن أحد أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة أو عرضت لهم شدة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسَّحوا بها فضلاً عن أن يسألوها حوائجهم، فمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد في ذلك فليوقفنا عليه.
نعم، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون بكثير من المختلقات والحكايات المكذوبات، حتى لقد صنَّف في ذلك عدة مصنَّفات ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما فيها التمويهات والحكايات المخترعات والأحاديث المكذوبات.
يقول بعد كلام يؤكد فيه وجوب اتباع المحكم من القرآن، وفهم المتشابه في إطاره، واتباع السلف في الفهم والعمل، حتى لا يستدل بكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يظن أنه أمر به، أو أباحه، أو أجازه، على ما نهى عنه، ويستدل بأمره على نهيه.
الوجه الرابع: أن هذا الحديث: «يا عباد الله أحبسوا»، لا يصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فإن من رواته معروف بن حسان وهو منكر الحديث، قاله ابن عديّ.
الوجه الخامس: أن يقال: إن صحَّ الحديث فلا دليل فيه على دعاء الميت والغائب، فإن الحديث ورد في أذكار السفر، ومعناه أن الإنسان إذا انفلتت دابته وعجز عنها فقد جعل اللهُ عبادًا من عباده الصالحين من صالحي الجن أو من الملائكة، أو ممن لا يعلم من جنده سواه: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)([5])، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن لله عبادًا قد وكلهم بهذا الأمر، فإذا انفلتت الدابة ونادى صاحبها كما أمره به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حبسوا عليه دابته، فإن هؤلاء عباد الله أحياء، وقد جعل اللهُ لهم قدرة علي ذلك كما جعل للإنس فهو ينادي مَنْ يسمع ويعين بنفسه كما ينادي أصحابه الذين معه من الإنس، فأين هذا من الاستغاثة بأهل القبور؟ بل هذا من جنس ما يجوز طلبه من الأحياء، فإن الإنسان يجوز له أن يسأل المخلوق من الأحياء ما يقـدر عليه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)([6])، وكمـا في قولـه تعالـى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)([7]).
إلى أن يقـول: وأما حديث الأعمى فالجـواب عليه من وجـوه:
الوجه الأول: أن الحديث إذا شذَّ عن قواعد الشرع لا يعمل به.
الوجه الثاني: أن يقال: هذا الحديث قد رواه النسائي في عمل اليوم والليلة والبيهقي وابن شاهين في دلائلهما كلهم عن عثمان بن حنيف ولم يذكروا فيه هذه اللفظة، أعني: «يا محمد». إلى أن يقول: وساقه الترمذي رحمه الله بسياق قريب من هذا ونص الدعاء فيه: «اللهم إنِّي أسألك وأتوجه إليك بنبيِّك محمد نبيّ الرحمة إنِّي توجهتُ بك إلى ربِّي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه فيّ»، فيقول هذا لفظه بحروفه وفي نسخة أخرى: «إني توجهت به إلى ربِّي»، وليست هذه اللفظة في الحديث في سياق هؤلاء الأئمة أعني قوله: «يا محمد» التي هي غاية ما يتعلق به المبطلون.
الوجه الثالث: أن يقال على تقدير صحة هذه اللفظة فليس فيها ما يدل على دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد موته ولو كان فيها ما يدل على ذلك لفعله الصحابة رضى الله عنهم فلما ثبت أن الصحابة لم يفعلوه بل ولا أجازوه علمنا أنه ليس في ذلك دلالة فيبقى أن يقال ما معناه؟ فنقول: ذكر العلماء في معناه قولين أحدهما: أنه توسل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فيدل على جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته إلاَّ أن التوسل ليس فيه دعاء له ولا استغاثة به وإنما سؤال الله بجاهه، وهذا ذكره الفقيه أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه فإنه أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: أما التوسل به صلى الله عليه وسلم فجائز إن صح الحديث فيه. يعني حديث الأعمى.
إلى أن يقول: الثاني: ما ذهب إليه الأكثرون أن معناه التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته بحضوره كما في صحيح البخاري أن عمر رضى الله عنه استسقي بالعباس فقال: «اللهم إنَّا كنَّا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنَّا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا» فيسقون.
إلى أن يقول: فدلَّ الحديث على أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم شفع له ودعا له، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمره هو أن يدعو اللهَ وأن يسأله قبول شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهذا نظير توسلهم به في الاستسقاء حيث طلبوا منه أن يدعو الله لهم ودعُوا هُمُ الله تعالى أيضًا، وقوله: «يا محمد: إني توجهت بك إلى ربِّي»، خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، وكما يستحضر الإنسان من يحبه أو يبغضه أو يخاطبه وهذا كثير. فهذا كله يُبيِّن أن معنى التوسل والتوجه به وبالعباس وغيرهما في كلامهم هو التوسل والتوجه بدعائه وبدعاء العبَّاس ودعاء مَنْ توسلوا به وهذا مشروع بالاتفاق لا ريب فيه. انتهى كلام أبي العباس ابن تيمية.
ثم يقـول عن التوسـل المشـروع أنـه:
· التوسل والتوجه إلى الله بالأسماء والصفات.
· التوسل بالأعمال الصالحة.
· التوسل بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم في حياتهم.
· التوسل إلى الله بإيماننا بالرسل ومحبتهم وطاعتهم.
أما التوسل بالذات([8]) بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك، ويستثنى من ذلك التوسل بذات النبيّ على قول ابن عبد السلام إنْ صحَّ حديث الأعمى، ولا يجوز الإقسام بالمخلوق على الله عمومًا.
إلى أن يقول([9]): نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما قوله في حديث أبي سعيد: «أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا»، فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به سبحانه والتوجه به والتسبب به، ولو قُدِّر أنه قسمٌ لكان قسمًا بما هو من صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: «أعوذُ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك»، والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نصَّ عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. فاستعاذ بعفوه ومعافاته من عقوبته مع أنه لا يستعاذ بمخلوق كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لا يسأل المخلوق، ومن قال من العلماء: لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته.
إلى أن يقول: وأما قول بعض الناس أسألك بالله وبالرحم، فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة وتقتضي أن يصل الإنسان به قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب.
وينقل عن ابن القيم قـوله في ”إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان“: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته وهؤلاء من جنس عبَّاد الأصنام. النوع الثاني: أن يسأل الله به وهو بدعة إجماعًا. النوع الثالث: أن يظن الدعاء عنده مستجابًا أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فهذا أيضًا من المنكر إجماعًا». انتهى.
ثانيًـا: التبـرك:
يقول الإمام الشاطبي([10]) بعد ذكر نصوص التبرك بالنبيّ صلى الله عليه وسلم: «فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يُتبرك بفضل وضوئه ويُتدلك بنخامته ويُستشفى بآثاره كلها ويُرجى نحو مما كان في آثار المتبوع صلى الله عليه وسلم إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله وهو أن الصحابة رضى الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق رضى الله عنه فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك ولا عمر رضي الله عنهما وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم عليّ ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبيَّ صلى الله عليه وسلم فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء. وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه صلى الله عليه وسلم كان نورًا كله في ظاهره وباطنه فمن التمس فيه نورًا وجده على أي جهة التمسه. بخلاف غيره من الأمة ـ وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله ـ لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته، ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك. فعلى هذا المَأْخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة.
الثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع خوفًا من أن يجعل ذلك سنة ـ كما تقدم ذكره في اتباع الآثار ـ والنهي عن ذلك أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر رضى الله عنه الشجرة التي بويع تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية ـ حسبما ذكره أهل السير ـ فخاف عمر رضى الله عنه أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم. ولقد حكى الفرغاني مذيل تاريخ الطبري عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى ادعوا فيه الإلهية تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ولأن الولاية وإن ظهر لها في الظاهر آثار فقد يخفي أمرها لأنها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله فربما ادعيت الولاية لمن ليس بوليّ أو ادعاها هو لنفسه أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة لا من باب الكرامة أو من باب السحر أو الخواص أو غير ذلك والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر فيعظمون من ليس بعظيم ويقتدون بمن لا قدوة فيه ـ وهو الضلال البعيد ـ إلى غير ذلك من المفاسد، فتركوا العمل بما تقدم وإن كان له أصل بما يلزم عليه من الفساد في الدين. وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني أرجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لأمته أنموذجًا منها ما لم يدل دليل على الاختصاص إلا أن الوجه الأول أيضًا راجح من جهة أخرى وهو إطباقهم على الترك؛ إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال إما وقوفًا على أصل المشروعية وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع.
وقد خرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثني رجلٌ من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لما تفعلون هذا ؟ قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذِ جاره» فإذا صحَّ هذا النقل فهو مشعر بأن الأولى تركه، وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى من وظائف التكليف، ولا يلزم الإنسان في خاصة نفسه ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها أو دعاء الرجل لغيره على وجه سيأتي بحول الله». انتهى.
ويجدر هنا ذكر بعض الضوابـط إذا صحَّ التبرك لمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- لا يتبرك بحائط، ولا بحجر([11])، ولا شجر، ولا عين ماء، ولا بقبر.
2- لا يطلب من الأشياء المتبرك بها ما لا يقدر عليه إلا الله، وفعل هذا شركٌ أعظم.
3-ولا يصرف للأشياء المتبرك بها ما هو حق خالص لله، كالذبح، والنذر، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وفعل هذا شركٌ أعظم.
4-لا يتخذ الأشياء المتبرك بها تمائم، أو تعاليق، وفعل هذا شركٌ أصغر، فعن عمران بن حصين رضى الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صُفِر. فقال: «ما هذه؟». قال: من الواهنة. فقال: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا فإنَّك لو متَّ وهي عليك ما أفلحتَ أبدًا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تعلق تميمة فلا أتمَّ اللهُ له، ومَنْ تعلق ودعة فلا ودع الله له»، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «أن الرقى والتمائم والتولة شركٌ» رواه أحمد وأبو داود، وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضى الله عنه: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: «أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «من تعلق شيئًا وُكِّلَ إليه»، ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)([12]).
5-ألا يتخذ الأشياء المتبرك بها وسيلة له عند الله، ولا واسطة، ولابد أن يفصل التبرك عن الدعاء، أي أن يدعو الله بما شاء منفصلاً عن التبرك.
6- ألا تشدَّ الرحال إلى تلك الأشياء.
7- ألا تتخذ هذه الأشياء للتبرك على وجه كلي وتوضع للناس ليقصدها العامة لذلك.
8- ألا تكون ذريعة لإخفاء الشرك الأعظم، أو الأصغر في التبرك المباح.
9- ألا تكون ذريعة تفضي إلى شرك أصغر، أو أعظم.
10- ألا تتخذ سنة فتشعر بالوجوب، أو الندب، أو أنها من التكاليف الشرعية المطلوبة.
11- ألا يعتمد عليها في ترك الأسباب لجهاد العدو وعمارة الأرض.
12- الترك أولى كما قال الشاطبي، وأن يتحرى ما هو الآكَدْ والأحرى من وظائف التكليف.
13-التبرك استعمال للشيء فيما يستعمل فيه، وليس توجهًا ولا طلبًا من الشيء، أو توسلاً به، أو إقسامًا به على الله، والتوسل إنما يكون بحبك للمتبرك به في الله عزَّ وجل كطاعة، وعمل صالح من أعمالك تتقرب به إلى الله كما مرَّ في التوسل.
14-حتى في الرقى فإن الاستغناء بالخالق عزَّ وجلّ عن غيره ترفعًا عن السؤال والأسباب أفضل: «لا يرقون ولا يسترقون»، «لا تسألوا الناس شيئًا»، «وعلى ربِّهم يتوكلون» عبارات من أحاديث صحيحة.
15-التبرك عاطفة، وحب، واحتفاظ، أو استعمال لبعض متعلقات المحبوب في الله عزَّ وجلّ ولحبِّ ما كان عليه من القيام بأمر الله ولا يخرج عن هذا.
يقول الإمام الشاطبي في سد الذرائع([13]): «خرَّج الطبري عن مدرك بن عمران قال: كتب رجلٌ إلى عمر رضى الله عنه: فادع الله لي. فكتب إليه عمر رضى الله عنه: إنِّي لستُ بنبيٍّ ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك.
إلى أن يقول: وروى عن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه أنه لما قدم الشام أتاه رجلٌ فقال: استغفر لي. فقال: غفر اللهُ لك. ثم أتاه آخر فقال: استغفر لي. فقال: لا غفر اللهُ لك ولا لذاك. أنبيٌّ أنا؟ ونحوه عن زيد بن وهب أن رجلاً قال لحذيفة رضى الله عنه: استغفر لي. فقال: لا غفر اللهُ لك. ثم قال: هذا يذهب إلى نسائه فيقول استغفر لي حذيفة. أترضين أن أدعو الله أن تكن مثل حذيفة، فدلَّ هذا على أنه وقع في قلبه أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة حتى يخرج عن أصله بقوله بعد ما دعا على الرجل: هذا يذهب إلى نسائه فيقول كذا، أي فيأتي نساؤه لمثلها ويشتهر الأمر حتى يُتخذ سنة ويُعتقد في حذيفة ما لا يحبه هو لنفسه وذلك يخرج المشروع عن كونه مشروعًا ويؤدي إلى التشيع واعتقاد أكثر مما يحتاج إليه». إلى آخر ما ذكر.
ويقول الشاطبي([14]) في ذلك في تتبع الآثار لسد الذرائع أيضًا: «أخرج الطحاوي وابن وضَّاح وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدي قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها: «ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربُّك» و«لإيلاف قريش»، ثم رأى ناسًا يذهبون مذهبًا فقال: أين يذهب هؤلاء؟. قالوا: يأتون مسجدًا هاهنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا يتتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلَّى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصل فيها وإلا فلا يتعمَّدها». إلى آخر ما ذكر في ذلك.
أما التبرك الشركـي فقد مرَّ ذكره مرارًا ونشير إليه إشارات سريعة([15]):
«وأيضًا فإنَّ من تبرك بحجر، أو شجر، أو مسح على قبر، أو قبة يتبرك بهم فقد اتخذهم آلهة، ثم يذكر قصة ذات أنواط وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة». إلى آخر ما ذكر.
ويقول([16]): فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب، حتى قال هؤلاء الجهلة ممن ينتسب إلى العلم والفقه قبلتنا من أمَّها لا يكفر. فلا إله إلا الله، نفيٌّ وإثبات الإلهية كلها لله: فمن قصد شيئًا من قبر، أو شجر، أو نجم، أو ملك مقرب، أو نبيّ مرسل لجلب نفع وكشف ضرٍّ فقد اتخذه إلهًا من دون الله؛ مكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
فإن قال هذا المشرك: لم أقصد إلا التبرك؛ وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضرّ. فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت كما أخبر الله عنهم أنهم لما جاوزوا البحر: (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ )([17]).
ثم يذكر حديث ذات أنواط، وقوله عز وجل: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى)([18])، وفي الصحيح عن ابن عباس وغيره: كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره». إلى آخر ما ذكر.
وينقل الشيخ سليمان بن سحمان عن ”فتح المجيد“ بشرح كتاب التوحيد([19]): «قوله: باب ”من تبرك بشجر، أو حجر، أو نحوهما“، كبقعة، أو قبر، ونحو ذلك، أي: فهو مشرك، قوله: وقول الله عز وجل: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) ، ومطابقة الآية للترجمة من جهة أن عبَّاد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه ويؤملونه ببركتها وشفاعتها وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات وبالأشجار والأحجار كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان. فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عبَّاد الأوثان فيما كانوا يفعلون معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك. فاللهُ المستعان.
ثم يذكر التبرك بالسدرة من فعل المشركين. يقول: قلت ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها». انتهى.
أقـول: وتدبر مثل هذا في التبرك عن ابن القيم وابن أبي شامة محدث الشام عن العيون والأشجار التي تقبل النذر.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ([20]): «وأيضًا فإنَّ من تبرَّك بحجر، أو شجر، أو مسح على قبر، أو قبة، يتبرك بهم فقد اتخذهم آلهة.
يقول الشارح يعني بالتبرك المنافي للتوحيد، بخلاف التبرك بآثار النبيّ ونخامته ودم حجامته وتبرك الشافعي بقميص الإمام أحمد، وكل هذا يراد به ذكرى الحب كالمعهود من عشَّاق الحسان». انتهى.
وفي كتاب ”شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور“ الصادر عن دار الإفتاء السعودية: «يعتمد على توهين أسانيد الأحاديث التي يحتج بها المخالفون ممن يجمعون هذه النوادر لإباحة شرك القبوريين. والحق أن المتون نفسها ليس فيها حجة لهم على تقدير ثبوت بعض الأحاديث مع القطع بضعف الأخرى، وكل ما ساقه المخالفون ليس في محل النزاع وبغض النظر عن مناقشة الاستدلالات فهذه يمكن الرجوع إليها في الكتاب المذكور، فهناك قاعدة مهمة جدًا ذكرها الإمام الشاطبي في ”الموافقات“([21]) في العمل القليل، أو النادر، عن صحابي لم يستمر هو عليه، ولم يقع من غيرهن والعمل المخالف له معمول به دائمًا أو أكثريًا، فإن هذا العمل يكون كقضايا الأعيان، وقضايا الأعيان لا تكون بمجردها حجة ما لم يعضدها دليل آخر لاحتمالها في نفسها، وإمكان ألا تكون مخالفة للعمل المستمر». إلى آخر ما ذكر.

([1]) الشيخ حمد بن ناصر، الدرر السنية، جـ1، ص 196.
([2]) سورة الأنبياء،الآية: 28.
([3]) سورة سبأ،الآيتان: 22-23.
([4]) مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 616 وما بعدها.
([5]) سورة المدثر،الآية: 31.
([6]) سورة القصص،الآية: 15.
([7]) سورة الأنفال،الآية: 72.
([8]) ذوات الأنبياء وغيرهم.
([9]) مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 632.
([10]) الاعتصام، جـ2، ص 8-11.
([11]) باستثناء الحجر الأسود.
([12]) سورة يوسف،الآية: 106.
([13]) الاعتصام، جـ2، ص 24.
([14]) المصدر السابق، جـ1، ص 346.
([15]) الدرر السنية، جـ2، ص 127.
([16]) المصدر السابق، جـ2، ص 87.
([17]) سورة الأعراف،الآية: 138.
([18]) سورة النجم،الآية: 19.
([19]) فتح المجيد، ص 146.
([20]) مجموعة الرسائل والمسائل، جـ4، ص 39.
([21]) الموافقات، جـ3، ص 58.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « مارس 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                1 2 3 4 5 6 7
                8 9 10 11 12 13 14
                15 16 17 18 19 20 21
                22 23 24 25 26 27 28
                29 30 31        
                التغذية الإخبارية