الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (4)

· خامسًا: الخطأ من أجل الإشراب:
من المنقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية([1]): «ومازال المشركون يسفهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة كما قال قومُ نوحٍ لنوحٍ وعادٌ لهودٍ عليهما السلام: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا)([2])، فأعظم ما سفَّهُوه لأجله وأنكروه هو: التوحيد، وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك لما عنده من الشرك. وكثيرٌ من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي يبنى للصلوات الخمس معطلاً مخربًا ليس له كسوة إلا من الناس، وكأنه خان من الخانات. والمشهد الذي يبنى على الميت فعليه الستور وزينة الذهب والفضة والرخام والنذور تغدو إليه وتروح، فهل هذا إلا مِن استخفافهم بالله وآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك؟!، فإنهم يعتقدون أن دعاءهم للميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء اللهِ والاستغاثة به في البيت الذي بُني لله عزَّ وجلّ! ففضلوا البيت الذي بُني لدعاء المخلوق على البيت الذي بُني لدعاء الخالق! وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة لمشركي العرب، الذين ذكر الله حالهم في قوله عز وجل: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)([3])،كانوا يجعلون له زرعًا وماشية ولآلهتهم زرعًا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غنيٌّ وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا حال أهل الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما يبذل عندهم للمساجد ولعمَّار المساجد والجهاد في سبيل الله.
وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده وخضع ويدعو ويتضرع ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن.
إلى أن يقول: ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله.
إلى أن يقول: إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسنة لاغية وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم، وسكتت ألسنتهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشرب العطشان منهم ماء.
إلى أن يقول: فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله.
إلى أن يقول: ومن هؤلاء من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبيُّ بذكر أمه، فيتعسر أحدهم فيقول يا فلان وقد قال الله للموحدين: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)([4])، ومن هؤلاء مَنْ يحلف بالله ويكذب، ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله... إلى آخره.
ويقول في موضع آخر([5]): وهؤلاء الغلاة المشركون إذا حصل لأحدهم مطلبه ولو من كافر، لم يقبل على الرسول بل يطلب حاجته من حيث أنها تقضى، فتارة: يذهب إلى من يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه قبر كافر أو منافق، وتارة: يعلم أنه كافر أو منافق فيذهب إليه كما يذهب قومٌ إلى الكنيسة أو إلى مواضع يقال أنها تقبل النذور، فهذا يقع فيه عامتهم وأما الأول فيقع فيه خاصتهم». انتهـى.
وفي ”الدرر السنية“ للشيخ محمد بن عبد الوهاب([6]): «وأنت يا مَنْ مَنَّ اللهُ عليه بالإسلام وعرف أن ما من إله إلا الله لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وأنا تاركٌ ما سواه لكن لا أتعرض للمشركين ولا أقول فيهم شيئًا. لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لابد من بغضهم وبغض مَن يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم؛ كما قال أبوك إبراهيم والذين معه: (إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)([7])، ولو يقول رجلٌ: أنا أتبع النبيّ وهو على الحق لكن لا أتعرض لللات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل، وأمثاله، ما عليّ منهم؛ لم يصح إسلامه؛ وأما مجادلة بعض المشركين بأن هؤلاء الطواغيت ما أمروا الناس بهذا ولا رضوا به. هذا لا يقوله إلا مشرك مكابر، فإن هؤلاء ما أكلوا أموال الناس بالباطل ولا ترأسوا عليهم ولا قرَّبوا من قربوا إلا بهذا. وإذا رأوا رجلاً صالحًا استحقروه وإذا رأوا مشركًا كافرًا تابعًا للشيطان قرَّبوه وأحبوه وزوجوه بناتهم وعدُّوا ذلك شرفًا!!. وهذا القائل يعلم أن قوله ذلك كذب، فإنه لو يحضر عندهم ويسمع بعض المشركين يقول جاءتني شدة فنخيت الشيخ أو السيد فنذرت له فخلصني، لم يجسر أن يقول هذا القائل لا يضر ولا ينفع إلا الله، بل لو قال هذا وأشاعه في الناس لأبغضه الطواغيت بل لو قدروا على قتله لقتلوه. وبالجملة لا يقول هذا إلا مشرك مكابر وإلا فدعواهم هذه وتخويفهم الناس وذكرهم السوالف الكفرية التي بآبائهم شيء مشهور لا ينكره من عرف حالهم كما قال تعالى: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ)([8])». انتهى.
ونقلاً عن ابن القيم([9]) في ”الدرر السنية“ وكذلك في ”النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين“ يقول ابن القيم نقلاً عن ”الدرر“: «وأما الشرك فنوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ويغضبون لها ولا يغضبون إذا انتقص أحدٌ ربَّ العالمين، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش وهو لا يذكر إلا ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده وهكذا كان عبَّاد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذها من البشر.
إلى أن يقول: وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها لله قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ*وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه)([10]).
والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية لكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا، وهذا الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» وهذا لأن من لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية فتنقض بذلك عري الإسلام ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا واللهُ المستعان». أهـ.
ومن أصدق قولاً من الله؟! (لا أحد). يقول الله عز وجل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)([11])،ويقول عز وجل: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)([12]).
ومن الناس من يريد بالعلم الدنيا فيخطئها إلى الله عزَّ وجلّ، ومن الناس من يريد بالدعاء الله فيخطئه إلى الأنداد أو بحسب ما أُشرِب كلُّ في قلبه، كمن أشرب قلبه حب أحد أبنائه دون بقيتهم فإذا أراد ذكر واحد منهم ذكره هو وإن لم يكن يقصده. واللهُ المستعان.
· سادسًا: تغيير الأسماء لا يغير حقائق الأشياء، والمشرك مشرك، شاء أم أبى:
جاء من كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله([13]) نقله عنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «ومن أصغى إلى كلامه([14]) وتفهمه: أغناه عن البدع والآراء، ومن بعد عنه فلابد أن يتعوض بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته والتوكل عليه أغناه عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، فالمعرض عن التوحيد: مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة: مبتدع، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله: عابد الصور، شاء أم أبى». انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
ومن كلام أبي بطين رحمه الله([15]): «ومن قال: لا إله إلا الله ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتي والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائـح فهذا مشرك شاء أم أبى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)([16])، ويقول تعالى: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)([17])، ومع هذا فهو شرك ومن فعله فهو كافر». أهـ.
ومن كلام أبي بطين رحمه الله ([18]): «فتبيَّن أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه هو معنى لا إله إلا الله، إذا تبيَّن ذلك فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمى الزنا والربا والخمر بغير أسمائها لم يخرجها تغيير الاسم عن كونها زنًا وربًا وخمرًا ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه وكونه متضمنًا مسبَّة الربّ وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلاً وتشفعًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا لهم ونحو ذلك. فالمشرك: مشرك، شاء أم أبى، كما أن الزاني: زانٍ، شاء أم أبى، والمرابي: مرابٍ، شاء أم أبى.
وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته: يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الخمر باسم آخر غير اسمها وذمَّهم على ذلك، فلو كان الحكم: دائرًا مع الاسم لا مع الحقيقة لم يستحقوا الذَّم. وهذه: من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم، قديمًا وحديثًا، أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم وغير اسمه بتسميته إياه توسلاً وتشفعًا، ونحو ذلك؛ واللهُ الهادي إلى سواء السبيل». أهـ.
وجاء في ”تبرئة الشيخين“ لابن سحمان في هذا المعنى ملخصًا([19]): «فإذا تأملت كلام شيخ الإسلام وجدته مناقضًا لما قاله هذا المعترض خصوصًا قوله رحمه الله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، ومثل هذا كثير في كلام العلماء والمقصود التنبيه على ذلك، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب ”حكم المرتد“، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان ولو أتى بجميع الدين، وهو صريح في كفر عبَّاد القبور ووجوب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، فإذا كان من التزم شرائع الدين كلها إلا تحريم الميسر والربا والزنا يكون كافرًا يجب قتاله، فكيف بمن أشرك بالله ودُعِي إلى إخلاص الدين لله فأبى عن ذلك، واستكبر، وكان من الكافرين؟!...
وهل في بني آدم أجهل من رجلٍ يقول: أن من الكفر العملي الذي لا يخرج عن الملة كفر من يدعوا الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله!...
وأعجب من هذا الجهـل: دعواه أن المشركيـن عبَّاد الأوثان يثبتون التوحيد لله، وهم لم يوحدوا الله بالدعاء بل يهتفون بمعبوداتهم عند الشدائد!...
وقد زعم أن كفرهم هذا: كفر عمل، لا كفر اعتقاد، فليت شعري هل يقول هذا من يعقل ما يقول؟، وهل فوق هذا الجهل جهل ينتهي إليه؟!، أما عَلِمَ هذا المتمعلم الجاهل أن اليهود يقولون: لا إله إلا الله، وأن بني حنيفة يقولون: لا إله إلا الله، وأن المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار يقولون: لا إله إلا الله، وكذلك بنو عبيد القداح ملوك مصر يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون الجمعة والجماعة وينصبون القضاة ومع هذا كله لما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم، وأن بلادهم بلاد حرب.
إلى أن يقول: فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلاً، واستغاثةً، ورهبةً، ورغبةً، ودعاءً، وغير ذلك مما هو مختص بالله لا يشركه فيه أحد من خلقه، فمن أشرك مع الله أحدًا من خلقه بنوع من أنواع العبادة فهو مشرك، وإن تلفظ بالشهادتين وصلَّى وزكى وصام وحج ولو لم يسم من يقصده بهذا رَبًّا وإلهًا. فإن الحقائق لا تتغير بتغير الأسماء كما يقول عبَّاد القبور في هذه الأزمان: إنَّا لسنا نعبدهم بهذه الأفعال، بل نعتقد أن الله هو النافع الضار وأنه المحيي المميت المدبر لجميع الأمور، وأن الإعدام والإيجاد بيده وأن التأثير لله وحده، وإنما هو توسل وتشفع وتعظيم للأولياء والصالحين، فنطلب من الله بجاههم وشفاعتهم لأنهم أحباب الله المقربون. وهذا هو شرك الجاهلية الأول من عُبَّاد الملائكة والأنبياء والصالحين، كما ذكر ذلك العلماء في مصنفاتهم وما ردوا به على هؤلاء الملاحدة الذين شرعوا لهؤلاء الجهلة من الدين ما لم يأذن به الله، وأوهموهم أنهم إذا اعتقدوا أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنهم إذا لم يعتقدوا أن من يدعونه من دون الله ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد والملمات أربابًا وآلهة أن هذا ليس بشرك يخرجهم من الملة تعالى الله عمَّا يقولون علوًا كبيرًا.
إلى أن يقول: فإذا تأله القلب بغير الله فدعاه، واستغاث به في كشف كربة، أو شدة نزلت به، وهتف باسمه في طلبها فقد أشرك ذلك الغير مع الله. ـ ثم يتكلم عن الذبح والنذر وطلب الشفاعة ـ إلى أن يقول: وكذلك إذا نذر لله ونذر لغيره كان ذلك إشراكًا به، ولا ينفعه مع هذا الشرك اعتقاده أن هذا المدعو في جلب منفعة أو دفع مضرة، وأن هذا الولي إذا ذبح له وتقرب إليه بشيء من ماله إذا لم يسمه إلهًا أن ذلك لا يضره، وأن اعتقاده أن الله هو الإله ينجيه من الشرك فذلك ظنُّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النَّار. فإنَّ الحقائق لا تتغير بتغير أسمائها.
ثم ينقل عن ”فتح المجيد“ باب ”من تبرك بشخص أو حجر ونحوهما كبقعة أو قبر ونحو ذلك“([20]) ـ أي: فهو مشرك ـ يقول تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)([21]).
إلى أن يقول: ثم قال رحمه الله تعالى: ومطابقة الآيات للترجمة من جهة أن عبَّاد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتها وشفاعتها وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات والأشجار والأحجار كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبودهم أعظم مما وقع من أولئك فالله المستعان.
ثم يذكر قصة ذات أنواط. إلى أن يقول رحمه الله: قوله: وللمشركين سدرة يعكفون عندها ـ العكوف هو الإقامة على الشيء في المكان ـ ومنه قول الخليل u: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)([22])، وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها، وفي حديث عمرو كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله. قوله: «وينوطون بها أسلحتهم» أي يعلقونها عليها للبركة. فقلت: ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها.
إلى أن يقول: قوله: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ)([23])، فشبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل بجامع أن كُلاً طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة. ففيه الخوف من الشرك وأن الإنسان قد يستحسن شيئًا يظن أنه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده عن رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعبَّاد مع أرباب القبور من الغلو فيها وصرف جلّ العبادة لها ويحسبون أنهم على شيء وهو الذنب الذي لا يغفره الله.
وبعد أن ينقل قول أبي شامة في كتاب ”البدع والحوادث“ عن التبرك الشركي بالعيون والشجر والحوائط والحجر، مثل ما في دمشق من عوينة الحمى والعمود المخلق والشجرة الملعونة خارج باب النصر، يقـول:
وذكر ابن القيم رحمه الله نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون أن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر أي تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. وسيأتي ما يتعلق بهذا الباب عند قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد»، وفي هذه الجملة من الفوائد أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ولا يغتر بالعوام والطغام.
ثم يواصل نقله عن ”فتح المجيد“. إلى أن يقول: وفيها أمر قصة ذات أنواط ـ أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء ـ ولهذا جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم طُلبتَهم كطلبة بني إسرائيل ولم يلتفت إلى كونهم سمُّوها ذات أنواط. فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمَن يسمى دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك وإن سمَّاه ما سمَّاه وقِس على ذلك.
وبعد أن يذكر خلاصة قول ”فتح المجيد“ وخلاصة قول المعترض على الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنسوب إلى الصنعاني زورًا كما يقول. يقول:
فاعتبر هذا المعترض الجاهل الجهل المركب، الأسماء دون الحقائق يتعلق بتسمية أهل الجاهلية من عبَّاد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم آلهةً وأربابًا، ولم يعتبر معاني هذه الأسماء وحقائقها. فإذا تأله العبد غير الله بنوع من هذه الأنواع فدعاه مع الله واستغاث به أو استعان به أو خافه([24]) أو رجاه مع الله أو طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله أو ذبح له أو نذر له أو توكل عليه أو صرف له من هذه العبادة شيئًا فقد عبده من دون الله وتألهه، وإن لم يسمِّ ذلك المعبود إلهًا وربًّا وسواء اعتقد التأثير منه أو لم يعتقد. فإن الحقائق لا تتغير بتغير الأسماء، فالاعتبار بالحقائق والمعاني لا بالأسماء». انتهى ملخصًا.

([1]) الدرر السنية، جـ1، ص 409.
([2]) سورة الأعراف،الآية: 70.
([3]) سورة الأنعام،الآية: 136.
([4]) سورة البقرة،الآية: 200.
([5]) الدرر السنية، جـ1، ص 403.
([6]) المصدر السابق، جـ2، ص 109.
([7]) سورة الممتحنة،الآية: 4.
([8]) سورة التوبة،الآية: 17.
([9]) الدررالسنية، جـ2، ص 429،مجموعة الرسائلوالمسائلالنجدية، جـ5، ص 608.
([10]) سورة سبأ،الآيتان: 22-23.
([11]) سورة الزمر،الآيات: 43-45.
([12]) سورة غافر،الآية: 12.
([13]) الدرر السنية، جـ1، ص 423.
([14]) يقصد الشارع.
([15]) المصدر السابق، جـ2، ص 313.
([16]) سورة النساء،الآية: 48.
([17]) سورة المائدة،الآية: 72.
([18]) الدرر السنية، جـ2، ص 298.
([19]) تبرئة الشيخين، ص 203.
([20]) فتح المجيد، ص 144-156.
([21]) سورة النجم،الآيتان: 19-20.
([22]) سورة الأنبياء،الآية: 52.
([23]) سورة الأعراف،الآية: 138.
([24]) خوف السر الذي لا يكون إلا لله وكذلك الرجاء.

الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (3)

الرد تفصيلاً عما تثيره الجهمية المعاصرة من شبهات تحت شعار التوفيق كما قال الله عز وجل عن المنافقين: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا).
أ- بخصوص تقييد الشرك في النسك باعتقاد التأثير:
يقول في ذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ([1]): «وقد بعث اللهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وكانت العرب في وقته وزمن مبعثه معترفين لله بتوحيد الربوبية والأفعال، وكانوا على بقية من دين إبراهيم الخليل عليه السلام قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)([2])، وقـال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) إلى قوله (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)([3])، والآيات في المعنى كثيرة ولكنهم أشركوا في توحيد العبادة والإلهية، فاتخذوا الشفعاء والوسائط من الملائكة والصالحين وغيرهم وجعلوهم أندادًا لله ربِّ العالمين، فيما يستحقه عليهم من العبادات، والإرادات كالحب والتعظيم والإنابة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات لأجل جاههم عند الله والتماس شفاعتهم، لا اعتقاد التدبير والتأثير، كما ظنه بعض الجاهلين قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)([4])، وقال عز وجل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ)([5])، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )([6]).
فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، وكفَّر أهله وجهَّلهم وسفَّه أحلامهم، ودعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وبيَّن أن مدلولها الالتزام بعبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دون الله. وهذا هو أصل الدين وقاعدته.
إلى أن يقول: وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق وصدق عليهم إبليسُ ظنَّهُ فاتبعه الأكثرون، وتركوا ما جاءت به الرسل من دين الله الذي ارتضاه لنفسه، وتلطف الشيطان في التحيل والمكر والمكيدة حتى أدخل الشرك وعبادة الصالحين وغيرهم على كثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام في قالب محبة الصالحين والأنبياء والتشفع بهم وأن لهم جاهًا ومنزلة ينتفع بها من دعاهم ولاذ بحماهم. وأن مَنْ أقرَّ لله وحده بالتدبير واعتقد له بالتأثير والخلق والرزق فهو المسلم ولو دعا غير الله واستعاذ بغيره ولاذ بحماه، وأن مجرد شهادة: أن لا إله إلا الله تكفي مثل هذا، وإن لم يقارنها علم ولا عمل ينتفع به، وأن الدعاء والاستعانة والاستغاثة والحب والتعظيم ونحو ذلك ليس بعبادة، وإنما العبادة السجود والركوع ونحو هذه الزخرفة والمكيدة. وهذا بعينه هو الذي تقدمت حكايته عن جاهلية العرب». انتهى.
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف مثل هذا في الرد على الصحَّاف([7]) وهذا كثير للشيخ ابن عبد الوهاب في الأربع قواعد وغيرها.
ب- موضوع الذبح:
جاء في ”الدرر السنية“ ([8]) نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية:
«وقال رحمه الله تعالى في الكلام على قولـه تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)([9])، ظاهره: أنَّ ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ به، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للَّحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، وكما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى كان أزكى مما ذبحناه للَّحم وقلنا عليه: بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستغاثة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه، لحرم، وإن قال فيه: بسم الله كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء لا تباح ذبائحهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجنِّ». انتهى كلام الشيخ رحمه الله.
فتأمل رحمك الله هذا الكلام وتصريحه فيه بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة فهو: كافر مرتد لا تباح ذبيحته لأنه يجتمع فيه مانعان: الأول: أنها ذبيحة مرتد وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع. الثاني: أنها لما أهل به لغير الله». انتهى.
جـ- أما عن النذر:
فيقول عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في ”شرح تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود ابن جرجيس“: «وفي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)([10])، إشارة إلى ذمِّ الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: أنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله عزَّ وجلّ ونجعل ثوابه للوليّ، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى: أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ودعـواهم الثانية: لا بأس بها لو لم يطلـبوا منهم بذلك شفاء مريضهم ورد غائبهم أو نحو ذلك. والظاهر من حالهم الطلب ويرشدنا إلى ذلك أنه لو قيل: أنذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا». انتهى.
أقـول: والحقيقة أن ما يجعلونه لله يصل إلى شركائهم كما قال عز وجل: (فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ)([11]).
د- التقييد بالاعتقاد مطلقًا:
يقول الشيخ أبو بطين في ”الانتصار لحزب الله الموحدين“: «لما سمع عديُّ بن حاتم ـ وهو يقرأ صلى الله عليه وسلم ـ قول الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)([12])، قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنَّا لسنا نعبدهم!! قال صلى الله عليه وسلم: «أليس يحرمون ما أحلَّ اللهُ فتحرمونه ويحلون ما حرَّم اللهُ فتحلونه» قال: قلت بلى. قال: «فذلك عبادتهم». فعديُّ بن حاتم رضى الله عنه ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم لهم، وأخبره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن ذلك عبادة منهم لهم مع أنهم لا يعتقدونه عبادة. وكذلك ما يفعله عبَّاد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة». انتهى.
أقـول: قد مرَّ إبطال التقييد بالاعتقاد في شرك العبادة، والنواقض المكفرة له من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ”الصارم“ و”الإيمان“ وكلام ابن الوزير في ”إيثار الحق على الخلق“ وغير ذلك، وكذلك إبطال التقييد بقصد الكفر، أو شرح الصدر به.
هـ- حكم الدار:
مرَّ ما فصَّلناه أن وجود ظواهر الشرك في النسك في دار الإسلام لا يغير حكمها إلى دار كفر، أو حرب من كلام أبي بطين، وأن غلبة ذلك على الدار وإطباقه عليها يغير حكمها ويجعلها دار كفر وحربٌ من كلام ابن عتيق. وفي كلتا الحالتين: لا تكفير بالعموم، ونفي ذلك نفيًا باتًا قاطعًا.

([1]) الدرر السنية، جـ1، ص 456.
([2]) سورة يونس،الآية: 31.
([3]) سورة المؤمنون،الآيات: 84-89.
([4]) سورة يونس،الآية: 18.
([5]) سورة الزمر،الآية: 43.
([6]) سورة الزمر،الآية: 3.
([7]) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية في الرسالة 73، جـ3، ص 430.
([8]) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، جـ1، ص 428.
([9]) سورة المائدة،الآية: 3.
([10]) سورة الحج،الآية: 73.
([11]) سورة الأنعام،الآية: 136.
([12]) سورة التوبة،الآية: 31.

الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (2)


·ثانيًـا:وجه الشرك في هذه الممارسات ـ غالبًا ـ هو: في اتخاذ الوسائط، وليست المسألة مسألة صيغة، بل حقيقة، ومضمون، ومعنى، ولب الأفعال ـ كائنة ما كانت الصياغات ـ هي اتخاذ الوسائط، والشفعاء عند الله كخواص الملوك، فلو صحح لهم الصيغة متمعلم ما استطاع أن يغير المضمون.
جاء في رسالة الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين“ يقول رحمه الله: وأما كلام العلماء فنشير إلى قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك، قال في ”الإقناع وشرحه“: «من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعًا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام قائليـن: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)*.أهـ.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وقد سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنَّا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك.
فأجاب بقوله: «إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه قال الله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ), ومَنْ أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذه العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم يسألونه ذلك، ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لم يأذن اللهُ لـه فيهـا قـال تعالـى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) وقال عز وجل: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ )، وقال عز وجل: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) وقال عز وجل: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ *وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقـال عز وجل: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) إلى قولـه (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى والعُزَير والملائكة والأنبياء، فبيَّن اللهُ لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه وقال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فبيَّن سبحانه وتعالى أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفرٌ. فمن جعلَ الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وتيسير الفاقات فهو كافرٌ بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ *لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ *يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) إلى قولـه (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) وقال عز وجل: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) وقال عز وجل: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) وقـال عز وجل: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقال عز وجل: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) ، وقال عز وجل: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالحُجَّاب بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن اللهَ تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الخالق، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم، أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبِّهون، شبَّهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الردِّ على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى.
فإنَّ هذا دين المشركين عبَّاد الأوثان كانوا يقولون أنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله تعالى وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال عز وجل: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أي: فليستجيبوا إذا دعوتهم بالأمر والنهي، وليؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم لي بالمسألة والتضرع.
إلى أن يقول: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لابن عباس: «إذا سألتَ فاسألْ الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم فإنَّ صلاتكم تبلغني» وقال صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذِّر ما صنعوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا». انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقول الشيخ حمد بن ناصر عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال رحمه الله في موضع آخر: «والله سبحانه لم يجعل أحدًا من الأنبياء، والمؤمنين، واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو ويشفع واللهُ تعالى يقول:(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، وقال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) وقال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) .
فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة، والنبيين أربابًا كفر. ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شركٌ كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم. فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفَّار لأن اللهَ تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين ولهذا قال عز وجل: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) وقال عز وجل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُجَمِيعًا) وقال عن صاحب يس: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) .
وأما الخوارج والمعتزلةفإنهم أنكروا شفاعة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته. وهؤلاء مبتدعة ضلاَّل مخالفون للسنَّة المستفيضة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولإجماع خير القرون.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة، وأئمتها، ومن اتبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته اللهُ في كتابه وسنَّة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون: أنهم إذا أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: أنهم عند اللهِ كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، واللهُ تعالى قد نزَّهَ نفسه عن ذلك». انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
·ثالثًـا: معنى الإله أو الآلهة التي تتخذ من دون الله في القرآن الكريم هو بمعنى: الواسطة أو الذي يشفع على الله إدلالاً على الله لما له عنده من مكانة، وهو معنى صاحب السر في استعمالات مشركي هذه الأمة، والدليل الحاسم على ذلك هو قول صاحب يس: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) فلم يذكر لهذه الآلهة التي تتخذ استقلالاً بالتأثير أو مشاركة فيه إنما هي شفاعة لا ترد إلى الله، هذا ما أبى أن يفعله مع المشركين.
والدليل الثاني: قول أصحاب موسى له: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) وقول من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط» شيئًا يتخذ للتبرك، فيقصد لذلك لتقضى به الحاجات، وتفرج به الكربات من الله تعالى.
والثالث: وهذا هو معنى قول أصحاب السامريّ عن عجلهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) ،أي: واسطتكم إلى الله، وواسطة موسى إلى الله عزَّ وجلّ لأنه مزج الذهب بقبضة تراب من أثر الرسول وهو جبريل u تبركًا، فاتخذوا العجل للتبرك لتقضى به من الله حاجاتهم وتفرج به من الله كرباتهم، فكان هذا الفعل هو معنى العبادة، ومعنى الإلهية أو الألوهية.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك: «فلمّا جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيُّها صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لتتبعنَّ سنن مَنْ كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه» وكان من قبلهم، كما ذكر اللهُ عنهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني وأحمد البدوي وعديّ بن مسافر وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف أعني على الداعي وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم. وبيَّن أهل العلم: أن هذا هو الشرك الأكبر.
إلى أن يقول: واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنهم يدعون الملائكة، والأولياء، والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله. فهم لا يدعونها إلا في الرخاء فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله قال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) واعلم أن التوحيد هو: إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده.
إلى أن يقول: فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) وقوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة.
إلى أن يقول: وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدينُ كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو: الذي أحلَّ دماءهم وأموالهم؛ عرفت حينئذ التوحيد، الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو: معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيٍّا؛ لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: السيد؛ فأتاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها، والكفَّار الجهال يعلمون أن مراد النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق ـ والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه ـ فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله؛ قالوا: (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
فإذا عرفت أن جهَّال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهَّال الكفَّار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظنّ أن معناها لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبِّر الأمرَ إلا الله. فلا خير في رجل: جهَّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
ويقول في موضع آخر: القاعدة الثانية: وهي أنهم يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سمَّاه إلهًا، ولا يعني بذلك أنه يخلق أو يرزق، بل يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)الإله في لغتهم هو: الذي يسمَّى في لغتنا: فيه السر، والذي يسمونه الفقراء شيخهم يعنون به أن يُدعى، وينفع، ويضر، وإلا فهم مقرون لله بالتفرد بالخلق والرزق، وليس ذلك معنى الإله، بل الإله المقصود المدعو المرجو لكن المشركون في زماننا أضلُّ من الكفَّار الذين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين: أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء، وأمَّا في الشدائد فيخلصون لله الدين كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أُناسًا لا يوازنون عيسى والملائكة»***. انتهى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
* مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 603.
** مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 606-608.
*** الدرر السنية، جـ1، ص 66.

الرد على شبهة أن القوانين الوضعية ليست رداً لأمر الله عليه (2)

وقبل أن نُبَيِّن سلطة القاضي في مراقبة دستورية القوانين يجب علينا أن نبادر إلى القول بأن مسألة مخالفة القاعدة القانونية للدستور لا تثور إلا بالنسبة إلى القواعد القانونية الناشئة عن التشريع العادي وتلك الناشئة عن التشريع الفرعي الذي يتضمن اللوائح أو المراسيم والقرارات، ذلك أن الدستور هو نوع من أنواع التشريع كما بيَّنا والتشريع يَجُبُّ عند التطبيق غيره من المصادر، ويترتب على ذلك أنه إذا وجدت قاعدة دستورية تقضي بأمر معين امتنع على القاضي أن يتجاوزها إلى غيرها من القواعد الناشئة عن العرف، أو عن مبادئ الشريعة الإسلامية، أو عن قواعد القانون الطبيعين والعدالة، وهكذا لا تعرض للقاضي فرصة النظر فيما إذا كانت قواعد العرف، أو مبادئ الشريعة، أو قواعد القانون الطبيعي تخالف الدستور أو تتمشى معه ومن ثَمَّ نجد مراقبة القاضي دستورية القواعد القانونية الناشئة عن المصادر الثلاثة السابقة محلولة من تلقاء نفسها لأن القاضي يطبق دائمًا ما يقضي به الدستور دون أن ينظر حتى إذا كانت القواعد السابقة موجودة أم لا؟.
وإذا استبعدنا قواعد العرف، ومبادئ الشريعة الإسلامية، وقواعد القانون الطبيعي من نطاق المسألة التي نحن بصددها، ما بقيت إلا القواعد الناشئة عن التشريع العادي، وتلك الناشئة عن التشريع الفرعي، وقد سبق لنا أن بينَّا أن التشريع أنواع ثلاثة تتدرج في الأهمية، ففي القمة يوجد التشريع الدستوري ويليه التشريع العادي أو الرئيسي ويأتي في نهاية المطاف التشريع الفرعي، ويترتب على تدرج هذه الأنواع الثلاثة في الأهمية أنه لا يصح أن تخالف إحداها التشريع الذي يسمو فوقه مرتبة، فلا يصح أن يخالف التشريع العادي الدستور، ولا يصح أن يخالف التشريع الفرعي الدستور ولا القانون، هذه نتيجة مسلمة من الجميع.
وبالنسبة للتشريع الفرعي:
يقول: إذ لعل أهم الأسباب التي رجع إليها إجماع الفقه والقضاء على منح المحاكم سلطة مراقبة دستورية التشريعات الفرعية أن هذه التشريعات تجريها السلطة التنفيذية، وليس لهذه السلطة في نفوس الناس من التعظيم والإجلال ما للسلطة التشريعية. وباعتبار أن هذه السلطة الأخيرة تمثل الأمة قام في ذهن الكثيرين أنه لا يصح أن يجعل من القضاء رقيبًا عليها لأنها تعبر عن الأمة فيما تقول، أما وهذا الاعتبار غير متوافر فيما تصدره السلطة التنفيذية من التشريعات الفرعية فلم يشعر أحد بالحرج من أن يسلم للقضاء أن يراقبها، على أن هناك رأيًا آخر هو: أن فوق السلطتين التشريعية والقضائية سلطة أعلى منهما هي التي خلقتهما وهي سلطة الدستور الذي وضعته الأمة ليُسِّير دفة أمورها، وإذا كانت المحاكم ملزمة بتطبيق ما تنصه السلطة التشريعية فإنها أكثر إلتزامًا باحترام أحكام الدستور، ولا يوجد قانون بالمعنى الصحيح إلا إذا أصدرته السلطة التشريعية في الحدود التي رسمها لها الدستور وكلتا السلطتين لهذا الاعتبار مشتركتان في الخضوع لسيد الكل ألا وهو الدستور وإذا وجد القاضي نفسه أمام تشريعين يخالف أحدهما الآخر وأحد هذين التشريعين أعلى مرتبة من الثاني امتنع عن تطبيق التشريع الأدنى في سبيل احترام التشريع الأسمى وهو الدستور فإهمال القانون المخالف للدستور لا يرجع إلى القاضي وإنما يرجع إلى سيادة الدستور التي يجب أن يحني الجميع أمامه رؤوسهم صادعين صاغرين حتى السلطة التشريعية فيما تضعه من قوانين.
إلغـاء القوانين: وقد نص المشرع على نوعي الإلغاء الصريح والضمني في ”المادة 2“ مدني التي تقول بأنه: «لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع»، وأساس هذا الإلغاء الضمني أن الشارع وقد أصدر رغبتين متعارضتين وجب علينا أن نأخذ رغبته الأخيرة، والسلطة التي تملك الغاء قانون معين هي تلك التي تملك خلقه أو خلق قانون أعلى منه مرتبة. وقد سبق أن رأينا أن القواعد القانونية ليست على درجة واحدة وإنما تختلف باختلاف مراتبها ففي القمة توجد القواعد القانونية التي يرجع مصدرها إلى التشريع وتليها القواعد العرفية ثم يجئ بعد ذلك مبادئ الشريعة الإسلامية وينتهي المطاف بقواعد القانون الطبيعي والعدالة وهكذا ، فالتشريع أعلى مصادر القانون مرتبة فلا يلغيه إلا تشريع مثله وقد جاءت ”المادة 2“ معبرة عن هذا المعنى حيث تقول: «لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق». فالعرف لا يلغي التشريع لأنه أدنى منه مرتبة، ولا فرق في ذلك بين أنواع التشريع المختلفة أي: سواء كنا بصدد تشريع دستوري، أو بصدد تشريع عادي، أو بصدد تشريع فرعي كلائحة أو قرار. والتشريع يلغي العرف لأنه أسمى منه مرتبة، وهو يلغي أيضًا أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية، وأية قاعدة من قواعد القانون الطبيعي، والعرف اللاحق يلغي العرف القديم.
وخلاصـة هذا كله:
أن التشريع لا يُلغى إلا بتشريع مثله، في حين أنه يلغي كل القواعد القانونية التي تأتي بعده من المصادر الأخرى. وللتشريع ثلاث مراتب: دستوري، عادي، فرعي. والتشريع لا يُلغى إلا بتشريع في مرتبته أو أعلى منه مرتبة، فالتشريع الدستوري لا يُلغى إلا بتشريع دستوري مثله، أو بإرادة الأمة باعتبارها مصدر السلطات جميعًا، والقانون العادي يُلغى بقانون عادي مثله، أو بنص دستوري، والتشريع الفرعي يُلغىÅ بتشريع فرعي من درجته، أو بالقانون العادي، أو بنص دستوري». انتهى.
ثم يقـال بعد ذلك أنهم لا يردون أمر الله ولا يردون شرع الله؟! أي وقاحة وجرأة على الافتراء أكثر من ذلك؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
وأقـول هنا ما قلته في كتاب ”حد الإسلام“ تعليقًا على هذا([1]):
«هذا الواقع قد تجاوز حد التشريع المطلق إلى الإقرار الصريح بحق التشريـع لغيـر الله بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون ـ عندهم ـ لو أرادوا العمل بها إلا بصدورهـا عمن يملك حق التشريع ـ عندهم ـ تعبيرًا عن إرادته. وهذا فقط هو الذي يعطيها صفة القانون فشأنها في ذلك كشأن غيرها من العرف، أو القانون الفرنسي، أو آراء فقهاء القانون، أو ما استقرت عليه المحاكم، أما صدورها عن الله عزَّ وجلّ فلا يعطيها صفة القانون لأنه عندهم ليس مصدرًا للسلطات، وليس من حقه التشريع، بل استمرار صلة النص به يضع النص في مرتبة احتياطية ثانية وانسلاخ نص آخر من نصوصه عنه والتحاقه بالتشريع الوضعي كمصدر رسمي له يعطيه صفة القانون ويلزم القاضي الأخذ به بينما يبقى الآخر في المرتبة الثانية الاحتياطية حيث لم يحظ بصدوره تعبيرًا عن إرادة المشرع الوضعي نيابة عن الأمة صاحبة الحق في السلطات وأظهر مظاهرها التشريع ويمنع القاضي من مجرد النظر فيه مع وجود ما يحكم به في موضع النزاع من التشريع الأسمى ـ القانون الوضعي ـ نصًا أو روحًا أو نصًا غامضًا قابلاً للتفسير، والعرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية لأنه أسمى منها مرتبةً، وكذلك القانون يلغي العرف ومبادئ الشريعة الإسلامية، والدستور يلغي القانون فالسلطة التي وضعت الدستور هي التي تملك أن تلغي الدستور أو القانون ولكن السلطة التي وضعت القانون لا يمكن أن تلغي الدستور، ولذلك فالقانون لا يلغي الدستور وكذلك السلطة التي وضعت القانون تلغي القانون أو العرف ولا تلغي الدستور، والسلطة التي تضع العرف يمكنها أن تلغي عرفًا سابقًا بعرفٍ لاحق ويمكنها أن تلغي الشريعة ولا يمكنها أن تلغي القانون، والسلطة التي وضعت الشريعة الإسلامية عندهم لا يمكنها أن تلغي العرف وإن أمكنها أن تلغي القانون الطبيعي وقواعد العدالة». انتهى.
وبعد كل هذا يقـال أنهم لا يردون أمر الله ـ سبحانك هذا بهتانٌ عظيـمٌ ـ واليهود لم يقدموا شرع غير الله على شرع الله، وإنما استبدلوا حكمًا بحكم وكان ذلك خوف القتل وحتى يتساوى الناس في العقوبة لعجزهم عن إقامة الحد على أبناء الملوك وكانوا مع ذلك متحرجين من هذا الفعل يبحثون له عن مخرج يحاجون به عند الله، يقولون: أفتانا به نبيٌّ لك بُعث بالتخفيف، فانظر إلى الفرق بين الكفرين أليس كفر هؤلاء أفحش بكثير بل بكثير جدًا ومع ذلك يقولون عنهم أنهم لا يردون أمر الله؟! إذا لم يكن هذا ردًا فكيف يكون الرد؟!! وعندما قدم التتار الياسق على الحكم بالكتاب والسنة كفروا بإجماع المسلمين، والأمر واضح في تفسير ابن كثير وغيره. مرَّ ذلك في كتاب ”حد الإسلام“ بالتفصيل، وربما يأتي ذكره ولا داعي للتكرار، فالحق أوضح من أن يُستَدَلَّ عليه، ولربما يقولون: «لقد قالوا عن الشريعة أنها: مصدر رئيسي، أو أساسي للتشريع»، ونقـول: هذا تفسير ما قالوه يا قوم من أفواههم، فافهمـوه!!!.
جاء في ”جريدة الأهرام“ بتاريخ 18/2/1994 تحت عنوان «مع القانون» إعداد عبد المعطي أحمد في قضية نصر أبو زيد وزوجته: المحكمة تؤكد، القانون المصري لا يعرف دعوى «الحسبة»: أكد لي الدكتور محمد نور فرحات الأستاذ بكلية الحقوق جامعة الزقازيق والمحامي بالنقض أن دعاوى الحسبة غير مقبولة في منازعات الأحوال الشخصية، كما أنها غير مقبولة في مختلف القضايا لأن النظام القضائي المصري يقوم على مبدأ أنه لا دعوى بلا مصلحة شخصية ومباشرة، وردًا على سؤال عن الأسانيد القانونية التي أقامت عليها محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصية قضاءها بشأن الدعوى التي أقامها عدد من الخصوم الفكريين للدكتور نصر أبو زيد يطلبون فيها التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس بحجة أنه ارتد عن الإسلام لأنه نشر بعض الكتابات التي تعد في نظرهم خروجًا عن الدين الإسلامي قال: إن المدَّعين أقاموا دعواهم باعتبارها: «دعوى حسبة» أي: دعوى يجوز لأي شخص أن يرفعها بصرف النظر عما إذا كان له مصلحة شخصية ومباشرة فيها واستندوا في ذلك إلى أن ”المادة 280“ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي أحالت فيما لم يرد فيه نص إلى أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ليطبق على النزاع، وأشار إلى أنه لمَّا كانت دعاوى الحسبة غير معروفة في قانون المرافعات المصري ولم يرد نص بشأنها في التشريع، فإن الشريعة الإسلامية ممثلة في مذهب أبي حنيفة تجيز رفع دعاوى الحسبة، كما استند المدَّعون إلى حكم صادر من محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 20 لسنة 34 قضائية في 30/3/1966، ويقضي بأن لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وما يقضي فيها إلى أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة هو القانون العام في مسائل الأحوال الشخصية دون ما تفرقة بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية وبالتالي أجازت محكمة النقض في هذا الحكم نظام دعاوى الحسبة في بعض منازعات الأحوال الشخصية، إلا أن محكمة الجيزة الابتدائية في قضية الدكتور نصر أبو زيد خالفت هذا القضاء واختلفت معه وذكرت في حكمها أنه قضاء يتصادم مع أحكام القانون 462 لسنة 1955 كما أنه يجب العدول عنه بعد صدور قانون المرافعات المدنية 13 لسنة 1968 وصدور الدستور المصري سنة 1971 فقانون المرافعات نص صراحة في المادة الثالثة على أنه لا دعوى بلا مصلحة، وهذا القانون هو القانون الواجب التطبيق على منازعات الأحوال الشخصية بعد إلغاء المحاكم الشرعية فضلاً عن أن الدستور المصري عندما نصَّ في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فإن هذا الخطاب ليس موجهًا إلى القاضي ليحكم به مباشرة وإنما هو موجه للمشرع ليصوغ تشريعاته وفقًا لمبادئ الشريعة، أما القاضي فهو ملزم بتطبيق التشريع دون نظر ما إذا كان مستمدًا من الشريعة أم لا.
ولذلك أصدرت المحكمة حكمها الذي قضى في منطوقه بعدم قبول الدعوى وإلزام رافعها بالمصاريف وأتعاب المحاماة». أهـ.
هل الأمر يحتاج إلى تعليـق؟؟!
ولذلك فإن محكمة النقض تبطل أي حكم للقاضي يخالف فيه القانون العادي أو الرئيسي أو يخالف فيه الدستور حتى ولو كان حكمًا متفقًا مع الشريعة الإسلامية، أو مراعيًا لأسسها الأخلاقية قريبًا من قيمها أو مراعيًا لقيم المجتمع المتأثرة بالدين ولو إلى حد ما.
جاء في ”جريدة الأهرام“ بتاريخ 16/1/1989، 8 جمادى الثانية سنة 1409هـ تحت عنوان ”براءة لسهرة غير بريئة“ كتبت نادية العسقلاني: «حكمت محكمة النقض بإلغاء الحكم الصادر بحبس موظف 6 أشهر وبرائته من التهم المنسوبة إليه، قالت المحكمة: أن المتهم اصطحب فتاة من الشارع إلى منزله لقضاء سهرة غير بريئة وهذا لا يندرج تحت أي نص عقابي آخر، وإن الحكم المطعون فيه قد دانه بجريمة معاونة أنثى على ممارسة الفجور يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه والقضاء ببراءة الطاعن، أصدرت الحكم الدائرة الجنائية بمحكمة النقض برئاسة المستشار محمد وجدي عبد الصمد». أهـ.
القانون واضح أنه لا جريمة في الزنا إذا لم يكن في الأمر اغتصاب، أو إغواء قاصر، أو إتجار، أو خيانة زوجية وكان بين بالغين متراضيين. وجرائم الدعارة الشهيرة في أوساط مشاهير الفنانين وسيدات المجتمع ونجومه كان الحكم فيها بالبراءة بمجرد ثبوت التراضي وانتفاء الإتجار، وأن حرية الجنس على وجه جماعي في حفلات صاخبة ومتكررة في نطاق الشلة والأصدقاء هو نمط حياتهم العادي، بعلم الأزواج والزوجات دونما اعتراض من أحد، ودون دخول عنصر الإتجار فيه بأي وجه وكان هذا هو الدفاع الذي حاز به المحامون البراءة للمتهمين في تلك القضايا، ولو حكم القاضي بغير ذلك لأبطلت حكمه محكمة النقض لمخالفته الدستور والقانون. ومعروف أنه في حالة الخيانة الزوجية حتى مع ثبوت الزنا والإقرار به فإن من حق الزوج إسقاط الدعوى بالتنازل لأنه حقه هو، وليس حقًا لله كما ينصُّ الشرع، لأن الشرع غير معتبر عندهم وليس لله حق أصلاً عندهم في أي شيء يتصل بالتشريع، هذه هي الحقيقة مهما تعاميتم عنها!!!
أبعد كـل هـذا مازالـوا لا يردون أمـرَ اللهِ، وصدق الله العظيـم: (öأَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِيالزُّبُرِ)([2]).
ومن مقالة لويس عوض أيضًا في ”جريدة الأهرام“ 5/9/1987: «وكان موضوع المحاضرة التي ألقيتها بالإنجليزية في 11 فبراير 1983 ثم أعدت إلقاءها في جامعة كاليفورنيا فرع لوس إنجيليس هو ”مستقبل الهيومانيزم في مصر“، أي: مستقبل الفلسفة الإنسانية في مصر، وعندما عدت إلى مصر ترجمت هذه المحاضرة ونشرتها في ”مجلة المصور“ في 23/9/1983 و 30/9/1983 و 7/10/1983 تحت عنوان ”قصة العلمانية في مصر“، فأنا أرادف دائمًا بين العلمانية والهيومانيزم أو الفلسفة الإنسانية بالمعنى الأيديولوجي، وفي خريف 1983 اشتركت مع ألبرت حوراني ومكسيم رودانسون في مؤتمر المستشرقين الأمريكيين بمدينة شيكاغو وتحدثنا نحن الضيوف الثلاثة في موضوع ”الأيديولوجيات والحريات“، في ظل ازدهار دعوة الحكومة الدينية في مصر وعند عودتي ترجمت محاضرتي ونشرتها أيضًا في ”المصور“ في 30/12/1983، 9/4/1984 وكنت المتفائل الوحيد بين المتكلمين المطمئن إلى مستقبل حقوق الإنسان والحكم المدني والقوانين الوضعية تأسيسًا على رسوخ الفلسفة العلمانية ومبادرة الدولة الحديثة في مصر منذ 1800، ثم يتكلم عن الفترة التي اتهم فيها توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس وأحمد بهاء الدين وغيرهم بالكفر، ورسالة الحكيم إليه يعرب فيها عن تخوفه من سقوط العلمانية في مصر وظهور الحكومة الدينية... إلخ». أهـ.
وكذلك يقول فرج فودة في رده على خالد محمد خالد رادًا لدعوته بتحكيم الشريعة: «بأن تطبيق الشريعة سوف يجعل من المواطن المسيحي مواطنًا من الدرجة الثانية لا تقبل له شهادة ويزداد البعض تطرفًا بالقول بأنه لا ولاية له وسوف يصبح غناء المطربات دعوة للزنى لا تستقيم مع إقامة حده، وسوف يصبح الرقص مجونًا، والتمثيل فسقًا، وتزيين المرأة تبرجًا من الجاهلية الأولى، ونحت التماثيل كفرًا...إلى آخر ما يعف القلم عن ذكره هنا».
وكذلك عبد الرحمن الشرقاوي وتعرضه لهذا الأمر واستهجانه واستهجان غيره لما فعله محمود عبد الحميد غراب من تطبيق حكم شارب الخمر في الشريعة في قضايا عرضت عليه وكيف أن هذا الحكم مخالف للدستور لتضمنه عقوبة بدنية، وخرقه لميثاق القضاء والقوانين التي أقسم اليمين على احترامها، وكيف يقدم المصدر الاحتياطي الثاني على المصدر الأساسي الأول؟؟!! ومعلوم أن هذه الأحكام التي أصدرها لم تنفذ وعابوا عليه كيف يصدر أحكامًا يخالف بها الدستور، يعلم أنها لن تنفذ لخروجها عن القوانين ومخالفتها للدستور سيد الكل؟؟!!
ثم يقـال بعـد كـل هـذا أنهـم لم يـردُّوا أمـر الله عليـه، هـذا الذي لا ينتهي منه العجب!، ولا حـول ولا قـوة إلا بـالله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

([1]) حد الإسلام، ص 376.
([2]) سورة القمر،الآية: 43.

الشبهة الثامنة: الرد على شبهة أن الولاء ينقسم إلى خمسة أحكام

إذا أطلق الشرع الذم لولاء الكافرين في كل موضع وجعله من النواقض المكفرة للتوحيد في كل موضع يذكر فيه، ولم يستثن من حكم الكفر إلا ما قيده منه بقيد يخرجه عن الإطلاق إلى صورة الولاء المقيد ولم يحدث هذا إلا في موضع واحد في القرآن في قصة حاطب في ”سورة الممتحنة“ على أحد الاحتمالين في التفسير، وهذا الموضع المقيد وإن أخرج من حكم الكفر إلا أنه لم يخرجه عن الذم، علمًا بأن الصور التي تمثل فيها الولاء للكافرين بحقيقته الشرعية لم تقترن بقرينة تفيد التقييد فهي كلها على إطلاقها على ما ذكرناه، فلا يمكن والحال هذه أن تؤول هذه الأحكام بالذم والتكفير والإخراج عن الملة بالردّة إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرَّم، وقد نصَّ الشرع لفظًا على كونها كفرًا مخرجًا من الملة، وللإمام الشاطبي قاعدة جليلة في هذا الشأن بخصوص البدع حيث ورد الشرع بذمَّها على الإطلاق، ومن ثم كانت غير مشروعة فلا تنقسم والحال هذه كما قال البعض إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرَّم.
ويرد الإمام الشاطبي على مَنْ قال بتقسيم البدع إلى أحكام التكاليف الخمسة([1]):«والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها فالجمع بين تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمعًا بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دلَّ دليل على منع أمر أو كراهته لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم ألبتة إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا بناءً ـ والله أعلم ـ على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسميته لها بلفظ البدع وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة، واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد. ولما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة». أهـ.
أقـول: بالمفهوم اللغوي لها لا الشرعي كما قال شيخ الإسلام في ”اقتضاء الصراط المستقيم“: «أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس، لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع».
يقول في ذلك الإمام الشاطبي ([2]): «فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذمِّ من أوجه: أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء ألبتة ولم يأت فيها مما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد فدلَّ على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.
أقـول: نفس القاعدة تنطبق تمامًا على موالاة الكافرين .
والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )([3])، ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى )([4])، وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك فما نحن بصدده من هذا القبيل إذا جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلقة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها فدلَّ ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق على موالاة الكافرين.
الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمِّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية. فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت فدلَّ على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق على موالاة الكافرين.
الرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لأنه من بابِ مضادة الشارع وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، وأيضًا فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمِّ لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك، وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها، إذ لو قال الشارع: المحدثة الفلانية حسنة لصارت مشروعة كما أشاروا إليه في الاستحسان، ولمَّا ثبت ذمها ثبت ذمّ صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذًا المذموم على الحقيقة، والذمّ خاصته التأثيم فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم». أهـ.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق لأن أي علاقة غير مذمومة بين المؤمن والكافر لا يسميها الشارع ولاء للكافرين، وإنما يسميها برًا وقسطًا، فعدل عن اسم ولاية الكافرين فيما فيه إباحة وقصره على ما هو محرم، وهذا دليل على أن هذا اللفظ: ”ولاء الكافرين“، قد تمحض للذمِّ فمناطه قد تمحض للتحريم وليس فيه ما يباح، وتعريف صوره أو مناطاته إنما يكون بالحقيقة الشرعية دون اللغوية أو العرفية.
ومن هنا ينكشف لنا خبث المحاولة بإدخال معان مشروعة من البر والقسط للكافرين تحت اسم ولاء الكافرين، ثم يقال: هذه قد عُلِمَ من الدين بالضرورة كونها مباحة بل ومشروعة وغير مكفرة وهي ولاء كافرين، ومن ثَمَّ فكل ولاء للكافرين غير مكفِّر إلا ما كان الباعث عليه تغير الاعتقاد وبذلك يتم تحريف الكلم عن مواضعه بصرف الأحكام عن مناطاتها الحقيقية إلى مناطات أخرى لا علاقة لها بها.
وعلى النقيض تمامًا يأتي موقف الإفراط والغلو بالقول بأن كل هذه المعاني المفهومة من اللغة والعرف للولاء: ولاء شرعي تتنزل عليه أحكام الكفر المخرج من الملة التي جاءت في القرآن لولاية الكافرين، فيتم أيضًا تنزيل أحكام الشرع على غير مناطاتها، فيُكَفِّرون بذلك من لا يستحق التكفير ظلمًا وجهلاً وغلوًا، لأنهم صرفوا الأحكام دون أن يؤولوها إلى أوسع من مناطاتها الشرعية، وعدلوا عن الحقائق الشرعية إلى الحقائق العرفية واللغوية مع وجود الشرعية. وأهل التفريط أدخلوا الحقائق اللغوية مع الشرعية، ثم أوَّلوا الأحكام للجميع وقيَّدوا الحكم بالباعث، فأخرجوا المناط عن أن يكون مناطًا بعدم تأثيره في الحكم وجودًا وعدمًا. والحق أن الأحكام التي جاءت في القرآن لولاء الكافرين غير مؤولة، ولكنها لا تتنزل إلا على مناطاتها الشرعية التي ذكرها القرآن، وبعضها قد ذكرته السنة ومن ثمَّ لا يتسع نطاق التكفير إلى مناطات لا يكفر مرتكبها فيُكَفَّر المسلمون بغير موجب، وتقييد الحكم بالباعث دون المناط يخرج المناط عن أن يكون مناطًا. فإذا قلنا أن من تولى الكافرين لا يكفر إلا بالاستحلال، أو الجحود، أو تغيير الاعتقاد إلى النصرانية أو اليهودية، أو إلى شك، أو تكذيب، فلا فرق في ذلك بين ولاية الكافرين وبين الغيبة والنميمة، فإن مرتكب الغيبة والنميمة لا يكفر إلا بالاستحلال، أو الجحود، أو تغير الاعتقاد على أي نحو كان عليه هذا التغير، فلماذا عدَّ الشارع ولاية الكافرين كفرًا مع أنها لا تكون كفرًا إلا بهذا القيد ولم يعد النميمة والغيبة كفرًا، وعدَّها معصية غير مخرجة من الملة. وإذا كان متولي الكافرين لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد، فإذا تولى الكافرين ولم يتغير اعتقاده لا يكفر، وإذا تغير اعتقاده ولم يتول الكافرين يكفر، إذن لا تأثير لولاية الكافرين في حكم الكفر المخرج من الملة وجودًا وعدمًا، وقد جعله الشرع مناطًا فيكون مؤثرًا، فكيف يجعله الشرع مناطًا مؤثرًا في الحكم وهو غير مؤثر؟!، هذا باطل، ولكون ما عدَّه الشرع مناطًا هو المؤثر وجودًا وعدمًا في الحكم دون غيره، وإذا كانت ولاية الكافرين غير مؤثرة في الحكم فذِكْرُها في النص وربطها بالحكم لا يتحكم منه فائدة زائدة وهذا عبث يتنزه عنه كلام المخلوق فضلاً عن الخالق.
وهذه القواعد الثلاثة في ضرورة ربط الحكم بمناطه دون أي شيء آخر قد ذكرها ابن تيمية عليه رحمة الله في مناط سبِّ الرسول صلي الله عليه وسلم في كتابه القيم ”الصارم المسلول“. يقول في ذلك([5]):
«الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السبَّ حلال، فإنّه لما اعتقد أن ما حرَّمه اللهُ تعالى حلال كَفَرَ، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النبيِّ صلي الله عليه وسلم وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرَّمها، فإنَّه من فعل شيئًا من ذلك مستحلاً كفر مع أنه لا يجوز أن يقال من قذف مسلمًا أو اغتابه كفر، ويعني بذلك إذا استحله. الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السبّ أو لم يقترن به، فإذًا لا أثر للسبِّ في التكفير وجودًا وعدمًا وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء». أهـ.
([1]) الاعتصام، جـ1، ص 191-193.
([2]) الإعتصام، جـ1، ص 141.
([3]) سورة فاطر،الآية: 18.
([4]) سورة النجم،الآية: 39.
([5]) الصارم المسلول، ص 455.



الشبهة السابعة قالت الجهمية: أن ولاء الكافرين لا يكون مكفرًا إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد

أن ولاء الكافرين لا يكون مكفرًا إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد وأن المسلم إذا تولى الكافرين لدنيا يصيبها منهم من مال أوشرف أو نكاح لا يكفر بذلك مادام لا يحبهم في الباطن، ويعتقد صلاح دينهم وفضله على دين الإسلام، وأن الذي يكفر هو الذي يتولى النصارى لا لشيء إلا لنصرانيتهم حبًا لها وإعجابًا بها، أو تولى اليهود لا لشيء من أغراض الدنيا إلا ليهوديتهم حبًا لها وإعجابًا بها واعتقادًا منه بأنها الدين الحق وأنها أفضل من دين الإسلام، وأن الأحكام المتعلقة بالظاهر من ولاء الكافرين كلها مؤولة مادام في الباطن ليس متوليًا لهم ولا يثبت كفره مهما كانت درجة ولائه في الظاهر لهم ومظاهرتهم على المسلمين لاستئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم إلا إذا قامت الأدلة على ولائه للكافرين في الباطن، وحتى هذا الولاء في الباطن لا يكفر به إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد، فكفره في الحقيقة يرجع إلى تغير الاعتقاد وليس إلى الولاء لا في الظاهر ولا في الباطن، وقد انضمت هذه البدعة إلى بدعة شنيعة جدًا لم يسبقهم أحد إليها من الجهمية القدامى ولا غيرهم من المبتدعة في كل العصور وهي القول بأن ولاء الكافرين ليس له حكم شرعي محدد بل هو يتبع الأحكام الخمسة فيكون ولاء الكافرين واجبًا أحيانًا كولاء المسلم لزوجته الكتابية!! هكذا قالوا. ويكون ولاء الكافرين مندوبًا أحيانًا، ويكون ولاء الكافرين مباحًا، ويكون ولاء الكافرين محرمًا، ويكون ولاء الكافرين مكروهًا، ويكون كفرًا أحيانًا إذا قامت الأدلة على وجوده في الباطن وكان الباعث على هذا الولاء الباطن هو تغير الاعتقاد، لا يكون كفرًا إلا بهذين الشرطين. والذي أدخل عليهم كل هذه البدع الشنيعة هو سوء فهمهم لقصة حاطب بن أبي بلتعة، مع مرض في قلوبهم يميل بهم إلى الكافرين والمشركين ويحرفهم عن المؤمنين والمجاهدين والموحدين.
والذي قالـه المفسرون في قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ) ([1]).
فتفسير (?تُلْقُونَ) أنها: مستأنف، أو حال من ضمير: ( لَا تَتَّخِذُوا )، أو صفة لأولياء.
والفهم العلمي الدقيق لهذا الإعراب ولقواعد اللغة والتفسير يقول:
1- إذا كان الولاء مطلقًا في قوله تعالى: ( لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء )، وهو الولاء المنهي عنه، فالاستئناف لا يجعل قصة حاطب مناطًا للحكم وإن كانت سببًا للنزول، ويكون فعل حاطب ليس هو المنهي عنه في الآية المذكورة ولكن المنهي عنه هو ما يمكن أن يؤدي إليه فعل حاطب من الولاء المطلق، ويكون فعل حاطب ذريعة إليه، فيكون النهي مطابقة عن الولاء المطلق وتضمنًا عن الذرائع المفضية إليه، ومنها فعل حاطب الذي نقطع بأنه لم يكن كفرًا.
2- إذا كان الولاء مقيدًا، فالحال والصفة للتقييد وذلك مثل: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وكقوله تعالى: ( مِن مَّاء دَافِقٍ )([2])، وليستا للمناط وذلك لتقييد الولاء فيكون هذا ولاء مقيدًا وهو بذلك يكون مناطًا لقوله تعالى: ( وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ )، ويخرج بذلك عن الولاء المطلق المذكور في باقي سور القرآن.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في هذا المعنى([3]):
«ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )([4])».أهـ.
وقولـه تعالـى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ )([5])، في الـولاء المطلـق، ويتمثل في صور ذكرها القـرآن:
1- مظاهرة المشركين: وذلك في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً{97} إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً{98} فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً{99})([6]).
2- ترجيح ولاء القبيلة على ولاء العقيدة أو عدله به: وذلك في قولـه تعالى:( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً{88} وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً{89} إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً{90} سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً{91} )([7])، قال المفسرون: الذين يصلون إلى محاربين والذين يصلون إلى مواثقين وحصرة الصدور والمتلاعبين بالدين كلهم كفَّار إلا أن يتوبوا بالهجرة، استثنى من القتال الذين يصلون إلى مواثقين وحَصَرَة الصدور، وأمر بقتال مَنْ يصل إلى محاربين والمتلاعبين بالدين إن لم يعتزلوا ويلقوا السلم ويكفُّوا أيديهم عن المؤمنين.
3- وفي قولـه تعالى:( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{138} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً{139} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً{140} الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً{141} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً{142} مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً{143} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً{144} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً{145} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً{146} مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً{147})([8]).
أقـول: في قولـه تعالى في هذا السياق القرآني ثلاثـة مناطـات:
أ- تكثير سواد الطاعنين في دينِ اللهِ ترويجًا لباطلهم ابتغاءً للعزةِ عندهم.
ب- الدخول تحت ولاية الكافرين. أي: من أدخل نفسه بطوعه تحت ولاية الكفَّار.
ج- انعدام الولاء للمؤمنين والكفَّار بحيث يتذبذب ولاؤه مع تذبذب مصلحته، إلهه هواه. تعس عبدُ الدِّرْهَم والقطيفة والخميصة يبيع المؤمنين للكفار بأدنى ثمن ويبيع الكفار للمؤمنين بأدنى ثمن.
4- التآمر مع الكفَّار على المؤمنين لإلحاق الضرر بهم والتفريق بينهم: حيث يقـول تعالـى: (? وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ)([9])، وهذه الصورة متكررة في كثير من سور القرآن الكريم.
5- التفرق المطلـق والقتـال على دعـاوي الجاهليـة والتولـي بغير ولايـة الإسلام: وذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ{100} وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{101} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{102} وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{104} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{105} يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ{106} وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{107} )([10])، وفي قوله عز وجل: (ö قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ)([11])، وقوله عز وجل: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([12]).
6 ـ التشبُّه المطلـق بالكفـار: حيث يقول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم: «مَنْ تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم».
وفي قوله تعالى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً )([13])، تجرد المناط عن خصوصية محل، أو مزاحمة أوصاف، وارتبط بحكمه بحرف الفاء والحكم: ﴿ لَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ﴾، هو نفي للصلة من كل وجه، وهذا يفيد الكفر الذي ينقل عن الملة، لأن هذا لا يكون إلا للكافر. أما المؤمن ولو كان فاسقًا فإنه تنقطع صلته بالله من وجه وتبقى من وجه، فلم يبق إلا تحقيق المناط. وتحقيق المناط يكون بتقديم الحقيقة الشرعية، فإن لم تكن حقيقة شرعية أُخِذَ بالحقيقة العرفية الاستعمالية، فإن لم يكن أخذ باللغوية.
والحقيقة الشرعية هنا هي الصور التي ذكرها القرآن، والصورة التي ذكرتها السنة التي تمثل فيها ولاء الكافرين وانحصر فيها، وبيان وجه المناط فيها إما نصًا أو من سبب النزول تبينه السنة الصحيحة شارحة للقرآن، فلا يعدل عن هذه الحقيقة الشرعية وهي الصور التي عدَّها القرآن ولاءً للكافرين دون غيرها من الصور الممكنة من اللغة، أو العرف، وذَكَرَ ما سواها مما قد يُعَد في العرف، أو اللغة ولاءً، ولم يسمه ولاءً ولا كفَّر به بل سمَّاه اتخاذ بطانة، أو وليجة، أو بر، أو قسط، وبذلك يكون القرآن قد أسقط اعتبار الاستعمال العرفي أو اللغوي في الولاء، وذلك بذكر بعض صوره وتعمَّد تسميتها بغير اسم الولاء ليبين أن الولاء هو ما حصره في الصور التي جاء بها بيانًا لإجمال الآية المذكورة في سورة آل عمران: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً )، فالاستعمال اللغوي والعرفي اعتبار ملغي في الولاء، والاستعمال المعتبر هو الحقيقة الشرعية فقط. وفي قول الله عز وجل: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )([14])، لم يقل: لا ينهاكم الله أن تولوهم، ولا قال: أوجب عليكم ولايتهم وهم كافرون، لأن ولايتهم معناها الدخول في رايتهم والدخول في رابطتهم سلمًا وحربًا، وهذا لا يكون لكافر أبدًا، لا لقوم كفَّار، ولا لراية، أو رابطة، أو جامعة، أو ولاية كافرة، وإنما قال: ( أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ )، وهي صلة أفراد لأفراد مع براءتهم من رايتهم ورابطتهم وهذه الصلة لم يسمها الله ولاءً، وإن كان يصحّ تسميتها ولاءً بالمعنى اللغوي أو العرفي لأن المعتبر هو المعنى الشرعي وهي ليست ولاءً بالمعنى الشرعي، ولم يقل ما قاله هؤلاء الجهمية من أن صلة الزوجة الكتابية ولاءً واجبًا للكفار وصلة الأم وهي سبب نزول هذه الآية أقوى من صلة الزوجة ولم يسمها الله ولاءً واجبًا للكفار، ولا قال أنه: ولاء مباح، أو مستحب، ولو كان شيء مما يقال عنه أنه ولاء لغوي يصحّ أن يسمى ولاء بالاصطلاح الشرعي لسمي صلة أسماء لأمها ولاءً، لأنه لا حب زوجة ولا ولد أقوى من حب الأم، ولذلك يقول المفسرون: «لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء».
يقول الطبري في التفسير([15]): «وقال آخرون: بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم. قال: ونسخ اللهُ ذلك بعد الأمر بقتالهم. يقـول: حدثنا ابن عبد الأعلى قـال: حدثني ابن ثور عن معمر عن قتادة في قولـه: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ )، قـال: نسختهـا: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ )([16])، ثم يرجِّح الطبري أن الله عز وجل عمَّ بقولـه: ( الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ)، جميع من كان ذلك صفته ولا معنى للقول بالنسخ لأن برَّ المؤمن مِنْ أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرم ولا منهيٌّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح». أهـ.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{118} هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{119} )([17])،كلّ هذه الآيات ليس فيها حكم ولا وصف بالكفر، وليس فيها تسمية اتخاذ البطانة ولاءً، وكذلك فعل الأنصار مع سعد بن معاذ عندما قالوا: أرفق في مواليك، وقال سعد: لقد آن لسعد ألا تأخذه في اللهِ لومة لائم، فلم يقل عن فعل الأنصار أنه: ولاء واجب، أو محرم، أو مكروه، أو مباح، لم يدخل القول أصلاً تحت وصف الولاء.
فولاء الكافرين دائمًا كفر، وكل ما جعل اللهُ تكييفه الشرعي من الأقوال والأفعال أنه ولاء كافرين فهو كفر، إلا أن يقيده بوصف كما في قصة حاطب فيكون شعبة من شعب الولاء، وليس الولاء المطلق فيخرج عن كونه كفرًا إلى كونه ذنبًا أو خلافًا للأَوْلى مثل شعب النفاق وفروع الكفر من المعاصي، ولم يرد في القرآن ذلك إلا في موضع واحد هو المذكور في سورة الممتحنة على تفسير: ( تُلْقُونَ )، بأنها حال من الفاعل أو صفة من المفعول وليست للاستئناف. أما ما عدا ذلك من المعاني التي تصح أن تدخل في مسمى الولاء اللغوي أو المقيد فيسميها القرآن: «ركون»، أو «طاعة»، أو «خلة»، أو «بطانة»، أو «ظهير» ويحتف بها من القرائن ما يخرجها عن الولاء المطلق لفظًا ومعنى، وعندما كان مباحًا زواج المشركة فقد كان منهيًا عن ولائها كما هو منهي عن ولاء الآباء والأبناء والأخوة والعشيرة والزوج من العشيرة وإن كان مأذونًا بالصلـة ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً )([18])، فإباحة الزواج لا تعني إيجاب الولاء لأن ولاءها معناه تولي قومها ورايتها لأجل حبِّه لها أو دخوله تحت طاعتها والزوجة هي ولية زوجها وليس العكس فحبه لها كحبِّه لأمه أو أبيه المشرك وبره لهما وإن كانا حربيين لا يسمى ولاءً.
يقول عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24} )([19])، ويقول عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{14} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قوله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )([20]).
وإذا كان قتال فقد كان أبو بكر حريصًا على قتل ابنه في الحرب لو إلتقى به، وكان طلحة حريصًا على قتل أبيه في الحرب لو إلتقى به.
وقد جاء في كتاب ”اختلاف الدارين وأثره في أحكام المناكحات والمعاملات“([21]): «وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لمسلم أن يتزوج المشركات من غير أهل الكتاب، كما لا يجوز لمسلم أن يزوج بناته المسلمات الكفَّار سواءً كانوا من أهل الكتاب أمْ من غيرهم وذلك لقوله تعالى: ( وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )([22])، ولقوله تعالى: ( لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ )([23]).
ويقول في حكم زواج المسلم بكتابية من أهل دار الإسلام: أما حكم الإسلام في مسألة زواج المسلم بكتابية من الذميات فللفقهاء في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية من أهل الذمة وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والنخعي وابن القاسم المالكي، وأحد قولي الشافعية والحنابلة والظاهري والصحيح من مذهب الزيدية فقال الجصاص رحمه الله: إباحة نكاح الحرائر منهن إذا كنَّ ذميات وصرَّح الحنابلة بقولهم أن الذميات يبحن بلا نزاع في الجملة. وقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: لا تكره الذمية لأن الاستفراش إهانة، والكافرة جديرة بذلك.
واستدلوا بقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )([24])، وجه الاستدلال فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ )([25])،قائلا: العفائف مِنْ أهلِ الكتاب حِلٌّ لكم إذا أتيتموهنَّ أجورهن. وأخرجه بنحوه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وروى عن ابن عباس أيضًا: أن هذه الآية خاصة لأهل العهد من الذميات دون أهل الحرب في دار الحرب.
الرأي الثاني: يحرم على المسلم نكاح الكتابيات مطلقًا سواء كانت ذمية أو حربية وسواء كانت في دار الإسلام أو في دار الحرب وهو رأي ابن عمر رضي الله عنهما... إلى آخر ما قال.
الرأي الثالث: يكره للمسلم أن يتزوج ذمية وأصحاب هذا الرأي اختلفوا على قولين: القول الأول: يكره للمسلم أن يتزوج ذمية مطلقًا وهو قول الإمام مالك رحمه الله حكى ذلك ابن القاسم رحمه الله قائلاً: قال مالك([26]): أكره نكاحَ نساءِ أهلِ الذِّمَة، اليهودية والنصرانية وذلك لأسباب منها أولا: أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر فيضاجعها ويقبلها. ثانيًا: أنها تلد منه أولادًا فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر وتذهب به إلى الكنيسة... إلخ.
القول الثاني: وهو أحد قولي الشافعية وبعض الحنابلة فيقول الشافعية ([27]): يكره للمسلم أن يتزوج ذمية مع وجود امرأة مسلمة ولم يرج إسلامها وذلك كي لا تفتنه بفرط ميله إليها أو ولده وإن لم يجد مسلمة فلا كراهة في ذلك».
ويشبه ذلك ما نقل عن القاضي وغيره من الحنابلة من أنه يكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود المسلمات وحجتهم ما روى عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا بن عبد الله يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال: تزوجناهن من زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا فلما رجعنا طلقناهن. وقال: فقال لا يرثن مسلمًا ولا يرثونهن ونساؤهم لنا حل ونساؤنا حرامٌ عليهم.
الترجيح: مما تقدم تبين أن السلف قد ذهبوا في زواج الكتابيات من أهل الذمة إلى عدة آراء: منهم من رأي بالمنع مطلقًا، ومنهم الجواز مطلقًا، ومنهم الكراهة مطلقًا، ومنهم من قيد ذلك بالظروف والأحوال، كما ذهب إلى ذلك بعض الصحابة في أنهم إنما نكحوا الكتابيات في حالة الحرب مثلاً وهو الرأي الراجح في نظرنا. فيكره للمسلم أن يتزوج ذمية إن لم يغلب على ظنه أنها ستسلم مع تيسر زواج المسلمات خوفًا لحدوث الفتنة في الدين كتنصير الأولاد أو تهويدهم، ويؤيد ذلك ما يروى عن عمر رضى الله عنه قال للذين تزوجوا نساء أهل الكتاب: طلقوهن، فطلقوهنَّ إلا حذيفة فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة. قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال. فأبى أن يطلقها. فلما كان بعد طلقها. فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يظنَّ الناس أني ركبت أمرًا لا ينبغي. فظاهر هذا الأثر أن زوجات هؤلاء الصحابة لم يسلمن ولم يرج إسلامهن لذلك أمرهم عمر بطلاقهن لخطرهن عليهم وهم اعترفوا بذلك فطلقوهنَّ. وكذلك فإن اختلاف السلف فيما بينهم يدل على أن الإباحة خصت بحال دون حال([28]).
ويقول عن زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب. يقول: «وأما الفقهاء الذين يبيحون زواج المسلم بكتابية ذمية فقد اختلفوا في حكم زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب على رأييـن:
الرأي الأول: يحرم على المسلم أن يتزوج بكتابية من أهل دار الحرب وهو رأي ابن عباس رضي الله عنهما.
الرأي الثاني: يكره للمسلم أن يتزوج حربية في دار الحرب، أما الحربية المستأمنة في دار الإسلام فحكم الزواج بها كحكم الزواج بالذمية وهو رأي على والحسن وقتادة وقد ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة. ثم يقول: وقد اتفق أصحاب هذا الرأي على جواز نكاح المسلم بحربية في دار الحرب إذا كان يخشى العنت على نفسه للضرورة ولأن التحرز عن الزنا فرض([29]).
بعد استعراض أقوال أصحاب هذا الرأي نجد أن علل الكراهة تكون في احتمالين اثنين أولهما: حدوث المودة المنهي عنها. والثاني: حدوث الفتنة لاحتمال بقاء المسلم وزوجته الحربية مع أولادهما في دار الحرب. وعلى هذا ولو استطاع أحد أن يتغلب على هذا المحذور بأن يشترط في عقد الزواج الخروج بها إلى دار الإسلام ويغلب على ظنه بأن زوجته الحربية ستسلم بعد ذلك ولن يبقى هو وزوجته الحربية في دار الحرب زالت علل الكراهة وحينئذ يجوز له أن يتزوج في دار الحرب كما قال أهل المدينة: إذا كان المسلمون يُتركون إذا نكحوهنَّ أن يخرجوا بهنَّ وبأولادهم إلى أرض الإسلام ولا يُحبسون فلا بأس بذلك([30]). بل يسن له ذلك إذا رجى إسلامها عند الشافعية([31]).
الترجيح: الراجح هو رأي الجمهور فيكره لمسلم أن يتزوج حربية في دار الحرب إلا في إحدى الحالتين:
أولهما: إذا خشى العنت على نفسه ولم يتيسر له زواج المسلمات.
الثانية: إذا غلب على ظنه أن زوجته الحربية ستسلم بعد الزواج بها وأنها تخرج معه إلى دار الإسلام». أهـ.
أقـول: واضح هنا أن زواج الكتابية سواء كانت ذمية أو حربية هو للاستفراش وليس للمودة كما قال ابن حجر الهيثمي، وأنه لحالة الضرورة وخوف العنت للتحرز عن الزنا. وهناك رأي قوي بتحريم زواج الحربيات لابن عباس رضي الله عنهما. وأما الذمية فهي في ذمة زوجها المسلم وولايته وولاية دار الإسلام التي تقيم بها، وزوجها ليس في ذمتها ولا في ولايتها ولا في ولاية قومها، وعلى فرض وجود المودة والحبّ فهما شيء آخر غير الولاء الشرعي إذ الولاء الشرعي أن يلزم من زواجه بها وحبه لها ومودته لها أن يتولى قومها ويظاهرهم على المسلمين، أو أن يدخل في ولائهم وتحت رايتهم سلمًا وحربًا من أجلها. هذا هو معنى الولاء بحقيقته الشرعية، فهل قال أحد أن زواج المسلم بالكتابية ذمية كانت أم حربية يستلزم ذلك وأباح للمسلم زواج الكتابية على هذا الاعتبار وفرض عليه إذا تزوجها أن ينسلخ عن ولاء المسلمين إلى ولاء قومها من الكفار ويظاهرهم على المسلمين ويدخل تحت رايتهم سلمًا وحربًا، وأن هذا واجب عليه بحكم الشرع الإسلامي فيكون ولاء الكافرين في هذه الحالة داخلاً في أحد أنواع التكليف الخمسة وهو الوجوب؟! هل قال بذلك عالم من قبل أو حتى أحد عوام المسلمين بالغًا ما بلغ جهله، وهل نسب هذا القول من قبل إلى أهل السنة، أو أحد من الفرق الثنتين والسبعين على مدار التاريخ الإسلامي كله؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.
ويقول الدكتور فطاني([32]):
”نفقة الأقارب“: أما نفقة الأقارب فهي نوعان:
الأول: قرابة الولادة وهي الأصول والفروع. الثاني: قرابة غير الولادة وهي إما قرابة محرمة للنكاح كالأخوة والعمومة، وإما قرابة غير محرمة للنكاح كقرابة بني الأعمام والأخوال والخالات. واختلف أهل العلم في القرابة الموجبة للنفقة فعند الحنفية أن القرابة الموجبة للنفقة هي قرابة الولادة وقرابة غير الولادة المحرمة للنكاح فتجب النفقة للفروع على أصولهم، وللأصول على فروعهم، والمراد بالأصول عندهم هم الأبوان والأجداد والجدات ويدخل فيهم الجد لأب والجد لأم وإن علوا وجداته لأبيه وجداته لأمه وإن علون، أما الفروع فهم الأولاد وإن نزلوا، وأما قرابة غير الولادة فتجب لها النفقة إذا كانت محرمة للنكاح ويجرى فيها الإرث. وعند المالكية لا تجب النفقة إلا على الولد لوالديه وعلى الأب لولده فلا تجب على الولد نفقة جده أو جدته، ولا تجب نفقة ولد ابن على جده. وعند الشافعية لا تجب النفقة إلا في قرابة الولادة فتجب للأصول على الفروع وبالعكس. وعند الحنابلة والزيدية تجب النفقة للأصول وإن علوا وللفروع وإن نزلوا كما تجب على كل قريب موسر يرث قريبه المحتاج بفرض أو تعصيب. وعند الشيعة الإمامية تجب النفقة في قرابة الولادة وتستحب في غيرها... إلى آخر ما يقول.
ثم يقول: أثر اختلاف الدارين في نفقة الأقارب بين المسلم والحربي أو المستأمن. يقول: إذا تصفحنا كتب الفقهاء نجد أن جمهور الفقهاء لم يشترطوا اتفاق الدين في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة للأصول على الفروع وبالعكس، ولو مع اختلاف الدين إذا اتحدت الدار بينهما، وقد اختلفوا في الحربي والمستأمن حول وجوب نفقته على أصوله أو فروعه المسلمين وكذلك العكس على أربعة آراء:
الرأي الأول: لا تجب النفقة على المسلم لأصوله وفروعه الحربيين وإن كانوا مستأمنين، وكذلك لا تجب على المستأمن أو الحربي لأصوله وفروعه المسلمين وهو رأي الحنفية. فقال ابن الهمام رحمه الله: إلا أنهم إذا كانوا حربيين فلا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمنين.
الرأي الثاني: لا تجب نفقة الأقارب على المسلم لأقاربه الكافرين سواء كانوا ذميين أو مستأمنين أو حربيين وبالعكس، وسواء كانت قرابة الولادة أو غيرها، وذلك لاختلاف الدين بينهما وهو رأي الحنابلة وقد صرَّحوا بذلك فقالوا: ولا نفقة مع اختلاف دين بقرابة ولو من عمودي النسب.
الرأي الثالث: التفريق بين قرابة الولادة، وقرابة الرحم المحرم حيث لا أثر لاختلاف الدارين في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة للأصول على الفروع وبالعكس، ولو مع اختلاف الدارين بينهما.
إلى أن يقول: أما في غير قرابة الولادة من الرحم المحرم فلا تجرى النفقة بين المسلم أو الذمي الذي في دار الإسلام وبين الحربي ولو كان مستأمنًا لاختلاف الدارين بينهما، وكذلك لا نفقة بين المسلم المقيم في دار الإسلام وبين الحربي الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا لاختلاف الدارين وهو رأي الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله وعلَّل ذلك بأن الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن وجوب نفقة غير قرابة الولادة من الرحم المحرم بطريق الصلة ولا تجب هذه الصلة عند اختلاف الدارين وتجب في قرابة الولادة.
الثاني: أن وجوب نفقة غير قرابة الولادة من الرحم المحرم بحق الوراثة ولا وراثة عند اختلاف الدارين بخلاف وجوب النفقة في قرابة الولادة فإنه بحق الولادة الموجب للجزئية وهذا المعنى لا يختلف باختلاف الدار كما لا يختلف باختلاف الدين.
ويرد على هذا التعليل بأن وجود الموجب في شيء لا يلزم منه الحكم بالإيجاب إذا كان فيه مانع، فالمانع هو ثبوت معنى القتال والإخراج في الحربي المقاتل وهذا المعنى يؤدي إلى القتل فكيف يصح الاجتماع بين القتل ووجوب النفقة فيه؟.
الرأي الرابع: التفريق بين الحربي وبين المستأمن في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة على المسلم لأصوله وفروعه المستأمنين وبالعكس ولا تجب للحربيين من الأصول والفروع وكذلك العكس، وهو رأي الشافعية والإمامية وظاهر الزيدية فقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: يلزمه نفقة الوالد والولد إن علا وإن سفل وإن اختلف دينهما بشرط عصمة المنفق عليه كما مرَّ لا نحو مرتد وحربي([33]). واستدلُّوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ )([34]).
الثاني: لوجود الموجب للنفقة في قرابة الولادة وهو البعضية فلا فرق بين المسلم والكافر إلا الحربي فلا تجب نفقته إذ لا حرمة له لأنه مأمور بقتله، وبذلك يتبين أن أصحاب هذا الرأي لم يعدوا اختلاف الدارين في وجوب النفقة وإنما عدُّوا وجود العصمة وعدم وجودها في ذلك سواء اختلفت الدار أم اتحدت.
ويرجح الكاتب هذا الرأي الرابع إلا أنه يرى جواز نفقة الولد لوالديه الحربيين غير مستأمنين بشرط ألا يكونا من المقاتلين وخاصة إذا كانا كبيرين في السن لعدم وجود النص الصريح للنهي عن ذلك.
ثم يقول في المبحث الأول مشروعية الوصية وحكم وصية المسلم للذمي: وقد قرر الفقهاء على عدم اشتراط الإسلام في الموصي والموصَى له فتصح وصية الذميّ بالمال للمسلم والذميِّ وكذلك المسلم للذميّ بالاتفاق وذلك لقوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) فالآية الكريمة لم تنه عن برِّ الذميين والوصية لهم برٌّ فكانت غير منهي عنها.
المبحث الثاني: حكم الوصية بين الطرفين المختلفين في الدار([35]):
اختلفت آراء الفقهاء في ذلك على الوجه التالي:
الرأي الأول: تصح وصية المسلم أو الذميِّ للمستأمن لا الحربي وبالعكس. يقول: وهو رأي معظم الحنفية والمعتمد في المذهب المالكي وقول للشافعية والحنابلة والثوري والظاهرية والزيدية والإمامية.
الرأي الثاني: لا تصحّ وصية المسلم أو الذميّ للحربي ولو كان مستأمنًا لأن المستأمن من أهل دار الحرب وذلك لثبوت اختلاف الدارين بين الطرفين وهو رأي الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومن وافقهما.
الرأي الثالث: تصحّ وصية الكافر للمسلم ووصية المسلم للكافر المعين مطلقًا سواء كان الكافر ذميّاً، أو معاهدًا، أو مستأمنًا، أو حربيًا، كما تصحّ وصية الذميّ للحربي وبالعكس، وسواء أكان الحربيّ في دار الإسلام أم دار الحرب، ولا أثر لاختلاف الدارين بين طرفي الوصية في حكم الوصية من شيء وهو رأي بعض المالكية والمعتمد من مذهب الشافعي والحنابلة. وقال الشافعية: وتصح الوصية لذميّ بما يصح تملكه له وفي معنى الذميّ المعاهد والمستأمن وكذا حربيّ معين سواء أكان بدارنا أم لا بما له تملكه وكذا مرتد معين في الأصح([36]).
وقال الباجوري([37]): وتصح للكافر ولو حربيًا ومرتدًا لكن صورته أن يوصي لزيد ونحوه وهو في الواقع حربيّ أو مرتد بخلاف ما لو قال: أوصيت لفلان الحربيّ أو المرتد لأن تعليقه الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق فكأنه قال: لحرابته أو ردته فيكون القصد منه المعصية.
يقول: وأكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن ضوبان رحمهما اللهُ بقولهما: تصح، أي: الوصية لمسلم وذمي وحربي لا نعلم فيه خلافًا.
وقال الحارثي الحنبلي رحمه الله: والصحيح من القول أنه إذا لم يتصف بالقتال والمظاهرة صحَّت وإلا لم تصح.
الرأي الراجح: يرجَّح الكاتب الرأي الأخير وذلك لأسباب أهمها: قوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{9} )([38])، فاحتجاج المانعين بدلالة الآية على مدعاهم لا حجة لهم فيها بل هي حجة لمن قال بصحة الوصية للكافر المعين لأن آخر الآية يدل بمنطوقها على أن المقصود هو عدم اتخاذهم أولياء لا عدم البر والإقساط، وكانت الولاية غير البر والإقساط والوصية من أنواع البر التي لا ننهى عنها والمنطوق مقدَّم على المفهوم.
إلى أن يقول: فالآية تدل على جواز البرِّ بين المشركين والمسلمين وإن كانت الموالاة بينهما منقطعة([39]).
إلى أن يقول: ومع ذلك فإني أرى أنه يجب أن يراعي الموصي بالشروط اللازمة لصحة وصيته للموصَى له الحربي أهمها ما يلي:
الأول: أن لا يكون الكفر أو الحرابة جهة في وصيته.
الثاني: أن لا يتصف الحربي الموصَى له بالقتال والمظاهرة وقت عقد الوصية له حتى ساعة وفاة الموصي فلا تصح لمن اتصف بذلك([40]).
الثالث: أن يعين الموصَى له.
الرابع: أن تكون الوصية غير الوقف، ثم بيَّن أن الصحة والبطلان للوصية غير الجواز وعدمه». انتهى.
بعد كل هذا البيان ننتقل إلى شرح الآية نفسها:
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{9} )([41]).
بيَّن سبب نزول الآية: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ)، أنها كانت في المعاهدين لا الحربيين وقد فهم أن إباحة البرِّ والقسط هو للمعاهدين دون الحربيين، ولذلك قالوا: بالنسخ لإنهاء العهود مع المشركين بعد نزول سورة براءة وفهم من الآية أيضًا أن الحربيين منفيٌّ عنهم البرِّ والقسط فكأن فهم الآية على هذا الأساس:
· الولاية منتفية عن الجميع معاهدين، وحربيين، وذميين.
· البر والقسط ثابت للمعاهدين والذميين، دون الحربيين.
· وبعد نفي العهود ينتفي البر والقسط، والولاء منتف عن الجميع بداية.
والفهم الآخر للآية وهو الأصح وهو فهم شيخ المفسرين الطبري أنه لا نسخ للآية، وأن الآية تُثْبِِت:
1 - انتفاء الولاية عن الجميع ذميين، ومعاهدين، وحربيين.
2 - ثبوت البر والقسط للجميع ذميين، ومعاهدين، وحربيين.
لا يستثنى من الحربيين إلا من تحققت فيه صفة القتال والمظاهرة بعينه لأن البر والقسط في هذه الحالة يكون نوعًا من الولاء لتعديه على أهل الإسلام.
3 - الولاء غير البر والقسط، والبر والقسط غير الولاء.
البر والقسط صلة وإحسان. والولاء دلالة على عورات المسلمين وتقوية لأهل الحرب على أهل الإسلام بالكراع والسلاح.
المفهوم من آخر الآية هو انتفاء البر والقسط عن الحربيين بثبوته للمعاهدين، والمنطوق هو نفي الولاء دون نفي البر والقسط، والولاء غير البر والقسط، والمنطوق مقدم على المفهوم، لذا لم ينتف البر والقسط عن الحربيين وإن انتفى عنهم الولاء، ولا ينطبق المفهوم إلا على من تحققت فيه صفة القتال والمظاهرة من الحربيين دون غيره. كذلك مفهوم نفي الولاء عن الحربيين يعطي ثبوت الولاء للمعاهدين والثابت للمعاهدين هو البر والقسط دون الولاء وذلك لسببين:
1- عموم النهي عن ولاء الكافرين بمنطوق متكرر في جميع سور القرآن والمفهوم لا يعارض المنطوق ولا يخصصه والمنطوق دائمًا مقدم على المفهوم.
2- الثاني أن الله سبحانه وتعالى لو أراد إثبات الولاء للكفار المعاهدين ونفيه عن الكفار الحربيين لقال أذنتُ لكم في ولاء هؤلاء ونهيتكم عن ولاء هؤلاء فكونه عدل عن ولاء المعاهدين إلى إباحة البر والقسط لهم يدل على أن البرَّ والقسط ليس ولاء وأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر بجميع أفراده.
ومن كل ذلك يتضح أنّ:
1- عموم النهي عن ولاء الكافرين وأنه لا يباح في أي حال ولا في حال دون حال بل هو محرم في كل حال.
2- لا يُفَسَّر مناط الولاء بالحقيقة اللغوية ولا بالحقيقة العرفية، ولكن يُفسَّر بالاصطلاح الشرعي، وذلك بالصور التي عدَّها اللهُ ولاء وكَفَّرَ مرتكبها وقد مرَّ ذكرها.
ومِنْ ثمَّ لا يؤتى بمعنى لغوي لم ينصّ اللهُ سبحانه وتعالى أنه ولاء، وذكر الولاء وعدّه مغايرًا له كما في الآية التي سبقت الإشارة إليها ومن ثمَّ فليس منه، ثم يقال: هذا ولاء وليس كفرًا، فكل ولاء لا يكون كفرًا وإنما الكفر بالباعث عليه، لأن هذا المسلك تحريف للكلم عن مواضعه.




([1]) سورة الممتحنة،الآية: 1.
([2]) سورة الطارق،الآية: 6.
([3]) الدرر السنية، جـ1، ص 470.
([4]) سورة إبراهيم،الآية: 4.
([5]) سورة آل عمران،الآية: 28.
([6]) سورة النساء،الآيات: 97-99.
([7]) سورة النساء،الآيات: 88-91
([8]) سورة النساء،الآيات: 138-147.
([9]) سورة التوبة،الآية: 107.
([10]) سورة آل عمران،الآيات: 100-107.
([11]) سورة الأنعام،الآية: 14.
([12]) سورة الأنعام،الآية: 153.
([13]) سورة آل عمران،الآية: 28.
([14]) سورة الممتحنة،الآية: 8.
([15]) تفسير الطبري، جـ12، ص 62.
([16]) سورة التوبة،الآية: 5.
([17]) سورة آل عمران،الآيتان: 118-119.
([18]) سورة لقمان،الآية: 15.
([19]) سورة التوبة،الآيتان: 23-24.
([20]) سورة المجادلة،الآيات: 14-22.
([21]) دكتور إسماعيل لطفي فطانى، مطبعة دار السلام، ص 161-178 بتصرف.
([22]) سورة البقرة،الآية: 221.
([23]) سورة الممتحنة،الآية: 10.
([24]) سورة المائدة،الآية: 5.
([25]) سورة المائدة،الآية: 5.
([26]) المدونة الكبرى، جـ2، ص 301، جـ1، ص 231.
([27]) الأم، جـ5، ص 7، المدونة الكبرى، جـ2، ص 308.
([28]) فتح الباري، جـ9، ص 417.
([29]) شرح السير الكبير، جـ5، ص1838، تحفة المحتاج، جـ7، ص322، نهاية المحتاج، جـ6، ص 390.
([30]) كتاب الحجة على أهل المدينة، جـ2، ص 357، لسان الحكام في معرفة الأحكام، ص 179-180، شرح السير الكبير، جـ5، ص 1833.
([31]) الشرقاوي على النحرير، جـ1، ص 238.
([32]) اختلاف الدارين، ص 246.
([33]) المنهاج وشروحه من تحفة المحتاج، جـ8، ص345، نهاية المحتاج، جـ7،ص 8. مغني المحتاج، جـ3، ص 447، المهذب وشرحه المجموع، جـ17،ص 177.
سنى المطالب، جـ3، ص2، حاشية البجيري، جـ4، ص 119.
([34]) سورة الممتحنة،الآية: 8.
([35]) المصدر السابق، ص 271.
([36]) مغني المحتاج، جـ3، ص43، الوجيز، جـ1، ص262-270، المهذب وشرحه تكملة المجموع، جـ14، ص323.
([37]) المقنع وحاشيته، جـ2، ص366، الإنصاف، جـ7، ص231،المغني، جـ1،ص104.
([38]) سورة الممتحنة،الآيتان: 8-9.
([39]) تفسير القاسمي، جـ16، ص577، التفسير الكبير للفخر الرازي،جـ29، ص 304.
([40]) مجموع فتاوى ابن تيمية، جـ31، ص31، أحكام أهل الذمة، جـ1، ص 300-301.
([41]) سورة الممتحنة،الآيتان: 8-9.

الشبهة السادسة: الردُّ على شبهة الولاء إنما يكون في الدين وليس على شيء من الدنيا

تقول الجهمية: لا يكون ولاء الكافرين مكفِّرًا حتى يكون ولاء النصارى لا لشيء إلا لكونهم نصارى لا رغبة في مال، أو جاه، أو نكاح، ولابد أن يكون ولاؤه للنصارى بقلبه لا لشيء إلا لكونهم نصارى، فلو أن مسلمًا تولى النصارى لتغليب راية الصليب على راية القرآن لجاه، أو مال، أو نكاح وظاهرهم وتآمر معهم لاستئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم، ولتغلب خيل الصليب خيل محمد صلي الله عليه وسلم وتولاهم على ذلك بظاهره بكل ما يملك من قوة، ولكن لم يتولهم بقلبه وفعل ذلك من أجل الدنيا لا لكونهم نصارى لا يكون فعله هذا ولاءً مكفِّرًا مخرجًا من الملة، ولو تولاهم بقلبه لا لشيء إلا لكونهم نصارى حتى لو لم يفعل شيئًا من الموالاة الظاهرة لهم يكون كافرًا بهذه الموالاة القلبية الباعث عليها حبّ ما هم عليه من الدين وتفضيله على دين الإسلام وهذه البدعة باطلة من أوجـه:
· أولاً: قولـه تعالـى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، فلو أن مسلمًا تولى النصارى لا لشيء إلا لكونهم نصارى لكانت ردته لنصرانيته وكان ولاؤه تبعًا لدينه الجديد، ولم تكن ردته لولائه للنصارى لأنه أصبح نصرانيًا قبل أن يتولى النصارى، ولم يتولهم وهو مسلم ثم تولاهم بعد أن أصبح منهم وعلى دينهم فكان ولاؤه لهم بعد نصرانيته لا قبلها، وكان المفروض في هذه الحالة أن يقول الله عزَّ وجلَّ ـ لو كان هذا القول صحيحًا ـ ”ومن يتولهم منهم فإنَّه منهم“، لكن اللهَ عز وجل قال: ( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )، فثبت أن كفره لولائه لا لنصرانيته.
  ثانيًـا: الأسباب التي من أجلها تولى المنافقون في المدينة الكفار والتي من أجلها تولى الناكلون عن الهجرة الكفار في مكة وغيرها ذكرها القرآن وليس منها لا لشيء إلا لموافقة لهم في الدين، بل هذا السبب لم يندرج في هذه الأسباب التي ذكرها القرآن الكريم وهذه الأسبـاب منهـا: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ )، فهذا أحد الأسباب خشية الدوائر.
وسبب آخر قريب من هذا: ( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ )، فأي فريق ظهر كانت لهم أيادي عنده فينفعه ذلك.
يقول ابن كثير: «إنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم».
لا لموافقة اليهود والنصارى في الدين في الباطن ولا لموافقة المسلمين أيضًا.
ويقول ابن كثير أيضًا نقلاً عن ابن جرير: حدثنا محمد بن المثني حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن عمر عن النبيّ صلي الله عليه وسلم قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيهما تتبع»، تفرد به مسلم.
وثمة سبب آخر في قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً )، ابتغاء العزة.
وثمة سبب آخر هو الكره أو الحقد المشترك على المسلمين هو الذي جمع اليهود مع النصارى مع المشركين مع المنافقين على المسلمين بالرغم مما بينهم من التنافر والاختلاف في العقائد حتى أن بعضهم ليقول على الآخر أنه ليس على شيء: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ )، ولم يكن عداء اليهود لمحمد صلي الله عليه وسلم لاعتقادهم أنه على باطل أو لتفضيل ما هم عليه من الاعتقاد على دينه بل عرفوا الرسول بعلاماته وقالوا عنه: هو هو، كما حكت السيدة صفية أمُّ المؤمنين رضي الله عنها عن أبيها وعمِّها ولكن كمـا قـال عزَّ وجلّ: ( وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ* بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ )، وابن أُبَّيّ إنما نافق لذهاب ملكه بقدوم محمد صلي الله عليه وسلم فشَرَق بها كما يقولون وقد كانوا على وشك أن يعقدوا له الخرز ويُتوجوه ملكًا عليهم فضاع ذلك منه فكره أمر محمد صلي الله عليه وسلم ونافق ووالى اليهود لا لحبه لما هم عليه أو إعجابه باليهودية كعقيدة واعتقاده لها فإن شيئًا من ذلك لم يكن أبدًا، وإنما جمعهما الحقد على محمد صلي الله عليه وسلم لذهاب دنياهم به. وهذا معروف في الكتب. في التفاسير وكتب الحديث والسير لا يحتاج إلى استشهاد أو نقل، وكذلك المشركون في مكة لم يتركوا إتباع الرسول صلي الله عليه وسلم من أجل شكهم في صدقه أو تكذيبهم له واللهُ صلي الله عليه وسلم يقول: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ).
يقول ابن كثير في التفسير عن قصة الأخنس بن شريق مع أبي سفيان وأبي جهل فنقـل منها: «فقال ـ يعني الأخنس ـ: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب كفرسي رهان قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه! واللهِ لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه»، وفي موضع آخر يقول ابن كثير: «فالتقى الأخنس وأبو جهل فخلا الأخنس بأبي جهل فقال يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا. فقال أبو جهل ويحك واللهِ إنَّ محمدًا لصادق وما كذب محمدٌ قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ).
وسببٌ آخر هو تأثير الحنين الفطري للأب والابنة والأخ والزوج والعشيرة والقبيلة وإيثار كل ذلك على ولاية المسلمين عند التعارض والدخول بسبب ذلك في ولاية الكافرين ولو كان عن كره لها يقـول عزَّ وجلّ: (÷ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ* يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ).
يقول ابن جرير في التفسير: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانةً وأصدقاءً تفشونَ إليهم أسراركم وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله وتؤثرون المكثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام: (إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) و(وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ ) ومن يتخذهم بطانة من دون المؤمنين ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ودار الإسلام: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). يقـول: وقيل: إنَّ ذلك نزل نهيًا من اللهِ للمؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام.
حدثنا محمد بن عمرو. قال: حدثنا أبو عاصم. قال: حدثنا عيسى بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) قال: أمروا بالهجرة. فقال العبَّاس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فأنزلت: ( لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء) إلى قوله: ( حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ) بالفتح في أمره إياهم بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة، وعن مجاهد: حتى يأتي اللهُ بأمره: فتح مكة».
ويقول تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، يقول ابن جرير في التفسير: إنما أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ نبيه بهذه الآية أنَّ الذين تولوا قومًا غضب اللهُ عليهم ليسوا من أهل الإيمان بالله ولا باليوم الآخر ولذلك تولوا الذين تولوهم من اليهود». أهـ. 
· ثالثًـا: الذين وافقوا الرسول والمؤمنين في الدين وخالفوهم في الولاء ووافقوا المشركين في الولاء وخالفوهم في الدين.
يقول عزَّ وجلّ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً).
جاء في التفسير ”لابن كثير“، و”لباب النقول في أسباب النزول“، قوله تعالى: «(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ )، روى البخاري عن ابن عباس: أن أناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلي الله عليه وسلم فيأتي السهم يرمى فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ )، وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ )، فكتبوا بها إلى مَن بقى بمكة منهم وأنه لا عذر لهم فخرجوا. فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا فنزلت:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ )،فكتبَ إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا فنزلت:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌرَّحِيمٌ )، فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل وأخرج ابن جرير من طرق كثيرة نحوه».أهـ. 
ويقول عزَّ وجلّ: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ )، يقول ابن كثير في التفسير: «وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله أو كما قالوا، أتقتلون قومًا تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا أو لم يتركوا ديارهم فنستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهي واحدًا من الفريقين عن شيء فنزلت: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ )، رواه ابن أبي حاتم. وقد روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا». انتهى كلام ابن كثير في التفسير.
والشاهد أن ولاءهم للكافرين هنا كان ولاءً ظاهرًا ولم يقترن معه موافقة للكافرين على دينهم بل كانوا مخالفين لهم في الدين وبعضهم يعلن ذلك ولكن يبقى ولاؤه معهم إيثارًا للوطن والعشيرة.
رابعًـا: العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يقبل الرسول صلي الله عليه وسلم ادعاءه للإسلام يوم بدر مع مظاهرته للمشركين وإن كان مكرهًا على ذلك، ولم يخرجه من الأسر إلا الفداء، والإسلام السابق يمنع الأسر وذلك بالرغم من أننا نقطع أن هذا الولاء للكافرين كان ظاهرًا فقط، وكان باطن العباس على خلاف ذلك لقوله تعالى: ( إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ).
يقول ابن كثير في التفسير: «وفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال بن شهاب: حدثنا أنس بن مالك: أن رجالاً من الأنصار قالوا يا رسول الله: إئذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. قال: «لا واللهِ لا تذرونَ منه درهمًا»، وقال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سمَّاهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم في فداء أسراهم ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلمًا. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : «الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فإنَّ الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا فافد نفسك وابن أخيك نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر». قال: ماذاك عندي يا رسول الله قال: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم». قال: واللهِ يا رسولَ الله إنِّي لأعلمُ أنَّك رسولُ الله إنَّ هذا لشيءٌ ما يعلمه أحدٌ غيري وغير أمِّ الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا، ذاك شيء أعطانا الله منك»، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه فأنزل الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، قال العبَّاس: فأعطاني اللهُ مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عزَّ وجلّ.
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ )، وقال ابن جرير عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: نزلت في العباس وأصحابه، قالوا: لننصحن لك على قومنا. وفسرها السدي على العموم، وهو أظهر واللهُ أعلم». أهـ.
يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، يقول: «إن يعلم اللهُ في قلوبكم إسلامًا: ( يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ) من الفداء ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ )، يقـول: ويصفح لكم عقوبة جرمكم الذي اجترمتموه بقتالكـم لنبيّ الله وأصحابه وكفركم بالله ( وَاللّهُ غَفُورٌ ) لذنوب عباده إذا تابوا ( رَّحِيمٌ) بهم أن يعاقبهم عليها بعد التوبة.
ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ )، حدثنا القاسم. قال: حدثنا الحسين. قال: حدثنا حجاج عن بن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: ( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ) يعني العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئتَ به ونشهدُ أنَّك رسولُ اللهِ لننصحنَّ لك على قومنا، يقول: إن كان قولهم خيانةً:( فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْö)، يقـول: قد كفروا وقاتلوك فأمكنك اللهُ منهم». أهـ.
وفي السيرة أن إسلام العباس كان قبل الفتح، أو أن هجرته كانت وقت ذلك وكان إسلامه قبل ذلك وبعد بدر ولم يعتد بإسلامه السابق على بدر. والله تعالى أعلم.
· خامسًا: الردة عمومًا وليس الولاء فقط تكون لشبهة، أو شهوة، ولا تكون فقط لشبهة، والشبهة: فسادٌ في الاعتقاد، والشهوة: إيثارٌ للدنيا من مال، أو نكاح، أو شرف.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك في الرد على الرافضة في دعواهم ردة الصحابة: «فإنَّ المرتد إنما يرتد لشبهة، أو شهوة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه؟، وأما الشهوة فسواء كانت شهوة رياسة، أو مال، أو نكاح، أو غير ذلك كانت في أول الإسلام أولى بالإِتباع، فمن خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعز حبًا لله ورسوله طوعًا غير إكراه كيف يعادون اللهَ ورسولهَ طلبًا للشرف والمال؟، ثم هم في حال قدرتهم على المعاداة وقيام المقتضي للمعاداة لم يكونوا معادين لله ورسوله، بل موالين لله ورسوله ومعادين لمن عادى اللهَ ورسوله، فحين قوي المقتضي للموالاة وضعفت القدرة على المعاداة يفعلون نقيض هذا. هل يظن هذا إلا مَنْ هو من أعظم الناس ضلالاً؟، وذلك أن الفعل إذا حصل معه كمال القدرة عليه وكمال الإرادة له وجب وجوده وهم في أول الإسلام كان المقتضي لإرادة معاداة الرسول أقوى لكثرة أعدائه وقلة أوليائه وعدم ظهور دينه، وكانت قدرة من يعاديه يومئذ باليد واللسان أقوى حتى كان يعاديه آحاد الناس ويباشرون أذاه بالأيدي والألسن، ولمّا ظهر الإسلام وانتشر كان المقتضي للمعاداة أضعف والقدرة عليه أضعف. ومن المعلوم أن من ترك المعاداة أولاً ثم عاداه ثانيًا لم يكن إلا لتغير إرادته أو قدرته، ومعلوم أن القدرة على المعاداة كانت أولاً أقوى والموجب لإرادة المعاداة كان أولاً أولى، ولم يتجدد عندهم ما يوجب تغير إرادتهم ولا قدرتهم فعلم علمًا يقينيًا أن القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم ألبتة، والذين ارتدوا بعد موته صلي الله عليه وسلم إنما كانوا ممن أسلم بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد. فأما المهاجرون الذين أسلموا طوعًا فلم يرتد منهم أحدٌ». أهـ.
 سادسًا: يضع شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب النقاط على الحروف في قضية الموالاة في رسالته الشهيرة ”كشف الشبهات“، يقول: «لنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة تُفهم مما تقدم ولكن نُفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها. فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثيرٌ من الناس يقولون: إن هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق، ولكنَّا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحقَّ ولم يتركوه إلا لشيء من الأعـذار كما قـال تعالـى: ( اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ])، وغير ذلك من الآيات كقوله: ( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ )، فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافـق وهو شرٌّ من الكافـر الخالص: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار ).
وهذه المسألة مسألة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى مَنْ يعرف الحقَّ ويترك العمل به لخوفِ نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا فإذا سألت عمَّا يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله أولاهما: قولـه تعالـى: ( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الرومَ مع الرسول صلي الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفًا من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ )، فلم يعذر الله مِن هؤلاء إلا مَنْ أُكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا، أو مداراة، أو مشحة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من وجهين: الأول: قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، فلم يستثن اللهُ تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها. والثاني: قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، فصرَّح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة للكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين». أهـ.
 ويقول شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب في ذلك في موضع آخر في رسالة إلى أحمد بن إبراهيم بعد كلام بالعامية النجدية والعربية: «ولكن ودي تفكر فيما تعلم لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وبإجماع أهل العلم أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى مع أنهم عثوا في دمائهم، ومعلوم أن كلاً من الطائفتين أهل العراق وأهل الشام معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب عليٍّ مَنْ أشرك بعليٍّ وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم لكن حرقهم عليّ. وابن عباس يرى قتلهم بالسيف، أترى أهل الشام لو حملهم مخالفة عليٍّ على الاجتماع بهم والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحدًا من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان. فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقي شبهة إلا على من أراد اللهُ فتنته». أهـ.
وقد مضى من كلام الشيخ ـ رحمة الله عليه ـ أنه لا يصح لأحدٍ إسلامٌ إلا بعداوة المشركين فكيف بموالاتهم؟، ومذهبه في ذلك أشهر من أن يختلف فيه أو يحتاج إلى استدلال عليه، وقد مضى نقل الكثير من أقواله وأقوال أبنائه وأحفاده وتلامذته في ذلك فلا داعي للإعادة.
وبقيت نقطـة: وهي أن فعل حاطب إنما كان تقية بما لا يضر في ظنه، فكان ولاؤه ثابتًا للمؤمنين، منتفٍيًا عن الكفار مع انتفاء قصد الإضرار، وهذا يخرج الفعل عن كونه ولاءً للكافرين.
وتكرر القول بأن ولاء الأب والابنة والأخ والزوج والعشيرة من الكفار معناه: أن يتولى قومهم ويدخل تحت راية الكفر بسبب حبه لذويه وإيثاره المكث أو المقام بينهم، ولو كان في ذلك دخولاً في ولاء الكافرين أو تحت ولاية الكافرين سلمًا وحربًا، عداءً وولاءً، أو دخولاً تحت رايتهم ورابطتهم الكفرية الجاهلية، أو تغليب خيلهم على خيل المسلمين، ورايتهم على راية المسلمين، مظاهرة في العلن، أو تآمرًا في السر لا مجرد الصلة الشخصية بسبب القربى، أو الجوار، أو الصداقة، أو غير ذلك من الأسباب، فإن هذه الصلة لو خلت عن هذا الولاء، فلو كانت مشروعة فهي قسط وبر، أو عمل مباح، ولو كانت غير مشروعة فهي إما ترك الأولى، أو رقة في الدين، أو ركون، أو استكانة للظالمين، أو اتخاذ بطانة أو وليجة من دون المؤمنين، وهذا لو خلا عن معنى الولاء الشرعي الذي سبق بيانه فإنه يكون معصية وفسقًا، ولو خلا عن معنى المعصية والفسق وفي نفس الوقت عن معنى المشروعية والإباحة فهو ترك للأولى وتفاوت في درجة التجرد لله عزَّ وجلّ بالتبرؤ ممن يعاديه، وكل مَن أثبت هذه المعاني ولاءً شرعيًا للكافرين ُيكَفَّر به فاعله فهو غالٍ في الدين ضال مضل على شعبة من عقيدة الخوارج في تكفير المسلمين بغير موجب نعوذ بالله من الخذلان. وهذا يفضي به إلى ترك ولاء المسلمين فيصدق عليه قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان»، نسأل الله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، واللهُ أعزُّ وأحكم وأعلى وأعلم، بيده مقاليد كل شيء، وإليه وحده تصير الأمور، نسأله أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحقِّ وهو خيرُ الفاتحين.

الشبهة الخامسة: ومن افتراءات الجهمية قولهم أن الـولاء ليس من أصـل الدين

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمي: «وأصل الدين أن يكون الحبُّ لله والبغضُ لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوفُ مِن اللهِ، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله، وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله».
ويقول في ”منهاج السنة“، أيضًا: «فنفس محبته أصل لعبادته، والشرك في محبته أصل الإشراك في عبادته».
ويقول في نفس الجزء: «فاللهُ فطرَ عباده على الحنيفية ملة إبراهيم وأصلها محبة الله وحده، فما من فطرة لم تفسد إلا وهي تجد فيها محبة الله تعالى، لكن قد تفسد الفطرة إما لكبر وغرض فاسد كما في فرعون، وإما بأن يشرك معه غيره في المحبة كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ). وأما أهل التوحيد الذين يعبدون اللهَ مخلصين له الدين فإن في قلوبهم محبةَ اللهِ لا يماثله فيها غيره، ولهذا كان الربُّ محمودًا حمدًا مطلقًا على كل ما فعله، وحمدًا خاصًا على إحسانه إلى الحامد فهذا حمد الشكر، والأول حمده على كل ما فعله، فالحمد ضد الذم، والحمد: خبرٌ بمحاسن المحمود مقرونًا بمحبته، والذم: خبرٌ بمساوئ المذموم مقرونًا ببغضه.
إلى أن يقول: فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود ولا يكون حمد إلاَّ بحبِّ المحمود وهو سبحانه المعبود المحمود. وأول نصف الفاتحة الذي للربِّ حمده وآخره عبادته، أوله الحمد لله ربِّ العالمين، وآخره إياك نعبدُ وإيَّاك نستعين.
إلى أن يقول: وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلتُ أنا والنبيُّونَ مِنْ قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير»، فجمع بين التوحيد والتحميد، كما قال تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين)».انتهى

الشبهة الرابعة: الردّ على شبهة أن الولاء إنما يكون في الباطن وليس في الظاهر

يرد ذلك قوله تعالى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ).
والدليل على أن المراد هو الظاهر من وجهين:
الأول: لفظ الاتخاذ ظاهر لا باطن وإرادة لا اعتقـاد يقـول تعالـى: ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا )، أي: يضعوه موضع الولد ويجعلوه ولدًا لهم وهو ليس ولدهم في الحقيقة، وليس المعنى أن يعتقدوا أنه ولدهم أو يعلموا أنه ولدهم بعد جهلهم بهذا، فالموضع موضع وضع وجعل وليس موضع علم ومعرفة واعتقاد، وهذا الوضع والجعل في الخارج وليس أمرًا مستكنًا في خفايا الضمير.
وكذلك في قصة سيدنا موسى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ).
وفي سورة العنكبوت: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )، والعنكبوت لم تتخذ بيتها عقيدة مستكنة في خفايا الضمير، وإنما اتخذته على الحوائط والأسقف.
الوجه الثاني: لو كان الولاء في الباطن دون الظاهر لما كان هناك معنى لاستثناء المكره إذ أن المكره وغير المكره يستويان في عدم تحقق الولاء للكافرين، إذ لم يكن الباعث على ذلك تغير الاعتقاد وشرح الصدر بهذا التغير، فاستثناء المكره في هذه الحالة لا يتحكم من ذكره فائدة زائدة وهذا عبثٌ يتنزه عنه كلام المخلوق فضلاً عن الخالق. وثمة أمرٌ آخر وهو أنه لا إكراه على الباطن والاعتقاد وشرح الصدر، وإنما الإكراه على الظاهر، فاستثنى المكره لذلك فدلَّ ذلك على أن الولاء للكافرين إنما هو بالظاهر ولا يتقيد بالباطن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
يقول: «ومعلومٌ أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال، واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط. فعُلِمَ أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ مِنَ اللهِ وله عذابٌ عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافرٌ أيضًا فصار من تكلم بالكفر كافرٌ إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وقال تعالى في حق المستهزئين:( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ )، فبَيَّن أنهم كفَّار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته. وهذا بابٌ واسعٌ والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم. فإذا عُدِم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلة، وإذا وجد الضد كان مستلزمًا لعدم الضد الآخر. فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرًا. واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق فالقلب يصدق بالحقِّ، والقول يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول، والتكذيب بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب ورافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح فأيُّما قام به كفرٌ تعدي حكمه إلى الآخر». أهـ.
وثمة وجه ثالـث للاستدلال وهو: أن المناطات التي ذكرها القرآن لولاء الكافرين كلها مناطات ظاهرة سواء ما حدث بمكة أو بالمدينة فقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين).
يقـول الطبري في التفسير:( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ ):
«من يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار الإسلام: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم هم الذين خالفوا أمر الله فوضعوا الولاية في غير موضعها وعصَوْا الله في أمره. وقيل: إن ذلك نزل نهيًا من اللهِ للمؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام. حدثني محمد بن عمرو. قال: حدثنا أبو عاصم. قال: حدثنا عيسى عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، قال أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أحد بني عبد الدار وأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فأنزلت:( لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) إلى قوله:( يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِه ِ) بالفتح في أمره إياهم بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة». أهـ.
فالذين رفضوا الهجرة استحبوا الكفر على الإيمان:( وَمَن يَتَوَلَّهُم )، يترك الهجرة لتركهم إيثارًا للمقـام معهم عاطفـة لهم أو خشيـة عليهم:( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).
أقـول: هذه كلها أعمال ظاهرة وقوله تعالى:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، لم يصفهم اللهُ بالنفاق المخرج من الملة لاعتقاد مستكن في الضمائر في هذا الشأن ولم يكشف عن نوايا مجرد نوايا وحقد وحسد وكراهية وضغينة داخل القلب ليس لها وقوع في الخارج وإنما كشف عن تآمر مع عدو اللهِ أبي عامر الفاسق، وكذا الذين قالوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُم)، أعمال ظاهرة ليست عقيدة مستكنة في الضمائر... إلخ، ما في القرآن من مناطات لولاية الكافرين كلها أعمال ظاهرة لا تتقيد لاستحقاق الوصف بقيد من الباطن عند استكمال تكييفها الشرعي بالضوابط الشرعيـة كمناط لولاية الكافرين. واللهُ تعالى أعزُّ وأحكم، وأعلى و أعلم.

الشبهة الثالثة: القـول بالبـاعث بدلاً من المنـاط

وهذا من أفحش بدعهم وسبب غلطهم أنهم لم يفرقوا في القصدين بين القصد الأول الذي يجعل الفعل إراديًا، والقصد الثاني الذي يعطي هذا الفعل تكييفه الشرعي. فالمشركون قدموا المدينة محاربين في أحد، وقدموا وفودًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم في أوقات أخرى ولا يسمون مهاجرين، وقد يقدمها من يريد التجارة ولا يسمى مهاجرًا، وإنما المهاجر من يقدم إليها ليدخل في ولاء الله ورسوله والمؤمنين، وكلهم مشتركون في فعل السفر، وقد أوقعوا هذا الفعل بقصد ولكن هذا القصد مع الانتقال لا يعطي صفة الهجرة، وإنما الانتقال كفعل إرادي قصدي: سفر، والسفر بقصد الدخول في جماعة المؤمنين في المدينة: هجرة، فهذا مناط الهجرة. أما الباعث عليها فأمر آخر، وهكذا في فعل القتل مثلاً فالفعل قد يقع خطأ محض فلا يكون إراديًا، وقد يقع بقصد القتل فيكون إراديًا ولكنه مع وقوعه إراديًا قد يكون إيقاعه إراديًا بقصد قتال الكفار، أو المرتدين أو المارقين، أو البغاة أو الممتنعين عن الشرائع، أو أهل الحرابة أو دفعًا للصائل فيكون مشروعًا، وقد يقع بقصد السرقة والنهب فيكون حرابًا وقطعًا للطريق أو غيلة أو عمدًا، وقد يقع قصاصًا أو إقامة لحد أو دفعًا لصائل وقد يقع مع كفار لمؤمنين مظاهرة للكفار عليهم فيكون ولاية للكافرين، فالقتل فعل واحد ولكن له تكييفات شرعية متنوعة من الجهاد، إلى إقامة الحدودوالقصاص ودفع الصائل إلى العمد والغيلة والحرابة وولاية الكافرين. والحكم الشرعي لا يتنزل على الفعل المحسوس مجردًا عن القصد مطلقًا فإن ذلك كأفعال العجماوات والجمادات، ولا يدخل على الفعل إراديًا قصديًا فقط دون ارتباط بأي قصد آخر فإن ذلك أيضًا لا يمكن تنزيل الحكم الشرعي عليه حتى تعرف جهته هل هو عمد، غيلة، قصاص، حد، حرابة، ولاية كافرين، جهاد، قتال مشروع، قتال غير مشروع، دفع للصائل؟. كل هذه المناطات قد يكون الفعل القصدي فيها واحدًا وهو القتل ولكن المناط مختلف تمامًا من مناط إلى مناط ولكل مناط حكمه الشرعي.
هذه مقدمـة، ولندخل في الموضوع بعد هذا الشرح:
مناط الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقع من عبد الله بن أبيّ بن سلول في حادثة الإفك، أذىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه الكفر الناقل من الملة. ووقع كلام من حسَّان وحمنة ومسطح لم يقع أذىً لأن زوجاته في الدنيا لم يكن لهنَّ بعد حكم زوجاته في الآخرة، وأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، وأنه ليس له أن يبدلهن فكان من الممكن له وقت ذلك طلاقهن، ولذلك قال مَن قال: طلقها فإن النساء كثير. فالوقوع في عائشة رضي الله عنها وقتها ليس وقوعًا في عرضه لإمكان الانفكاك، أما بعد أن أصبحن زوجاته في الدنيا والآخرة وأنه ليس له أن يستبدل بهن من أزواج ولو أعجبه حسنهن، فالوقوع فيها وقوع في عرضه وقت ذاك لعدم إمكان الانفكاك ولذلك كفَّرت الأمة من يقع في عرض عائشة رضي الله عنها أو غيرها من أمهات المؤمنين بعد هذه الآية لأنه طعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر. فلو وقع مناط الأذى من حسان أو حمنة أو مسطح وتحقق وقوعه منهم لكفروا به في أي وقت يقع، ولكن لم يقع منهم أذىً للرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم الذي تناقلوه لإمكان الانفكاك وقت ذلك ولو قالوا ما قالوه بعد عدم إمكان الانفكاك لوقع ما قالوه أذى، ولكفروا به بغض النظر عن الباعث لوقوع الأذى، فلو تحقق الأذى بأي نحو في أي وقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكفر بذلك مهما كان باعثه، فلا فرق في أذى الرسول بين من يريد أذاه لدنيا يصيبها من غيره في مقابل هذا الأذى، أو لأنه يبغضه، أو يحسده، أو رعونة وحمقًا، أو استخفافًا بالحرمة لغرض، أو ليسب به إنسانًا سبه، أو لينال من سبه من عرض إنسان نال من عرضه أو غير ذلك، كل ذلك مُلغْى تمامًا كمن يسرق رغبة في التملك، أو إتلافًا لمال غيره، أو لينفق على المخدرات، أو الخمر، أو النساء، أو لمجرد شهوة السرقة مادام مناط السرقة قد تحقق، ولكن ليس كل آخذٍ لمال الغير بغير وجه حق يقال عنه أنه سرقة، فالسرقة لها مناط لا تتحقق إلا بتحققه، فإذا تحقق لا يختلف الحكم المنزل عليها باختلاف الباعث، وقد يتولى مسلم الكافرين عشقًا لامرأة، أو بسبب مال، أو شرف، أو ملك، أو أي مصلحة تتحقق له بذلك، أو حسدًا على أمير، أو بغضًا لقومه وعشيرته من المسلمين، أو لتغير اعتقاده. فالفرق بين عبد الله بن أبيّ أنه قصد بقوله الأذى وقوله إرادي، وقصده به الأذى إرادة أخرى للأذى، فهناك إرادة القول وإرادة الأذى به، وهذا هو الذي يعطي التكييف الشرعي للأذى. وحمنة ومسطح وحسان أرادوا القول ولم يريدوا الأذى به، وهذا هو الذي لم يعط لقولهم مناط الأذى، وبالتالي لم يأخذ قولهم حكم الأذى. ويُعرف هذا من ذاك بالقرائن الحالية والمقالية، ولو وقع منهم هذا القول بعد حكم الله فيها وفي غيرها من أمهات المؤمنين بأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة وأنه ليس له أن يستبدل بهن من أزواج ولو أعجبه حسنهن لوقع القول منهم أذى له لعدم إمكان الانفكاك، ولم تقبل دعواهم بغير ذلك ولكفروا بذلك لإرادتهم القول، وقيام القرائن الحالية والمقالية لإرادتهم بالقول الأذى، فيقع بذلك مناط الأذى ويأخذ حكم الكفر. ولا فرق عندئذ بين أن يكون الباعث هو كره الرسول، أو تكذيبه، أو حسده، أو استخفافًا بحرمته لغرض كمَالٍٍ، أو شرف، أو نكاح، أو لذة، كل ذلك لا يغير من الحكم الخاص بالمناط.
وأصحاب بدعة الباعث بدلاً من المناط ربطوا الأحكام بالبواعث وصرفوها عن المناطات التي أنزلها الله وهذا هو تحريف الكلم عن مواضعه وقانا اللهُ الفتنة وعصمنا من الزلل.
هل هناك فرق بين من أراد القول وأراد بالقول الأذى والباعث له على ذلك غرض يناله من امرأة، أو مال يناله من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ملك يناله بسبب ذلك، أو ما دون الملك من الشرف والمكانة والجاه عند أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو كان الباعث حسده للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو بغضه له، أو تكذيبه، أو شكه، أو لتغير اعتقاده، وهل من أراد القول ولم يرد به الأذى، يعتبر قد وقع في مناط الأذى؟! وهل يستوي هذا مع من أراد الأذى لمال ويختلف عمن أراد الأذى بغضًا للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أم أن إرادة القول وإرادة الأذى تتفق في حكمها مع اختلاف البواعث وتختلف في حكمها عمن أراد القول ولم يرد به الأذى؟.
كذلك من أراد بقوله أو فعله مظاهرة المشركين على المسلمين، أو التآمر مع الكافرين لاستئصال شأفة المؤمنين، أو تكثير سواد الطاعنين في دين الله ترويجًا لباطلهم ابتغاءً للعزة عندهم، أو ترجيح ولاء القبيلة على ولاء العقيدة... إلخ. هل يوجد فرق بين أن يكون باعثه على ذلك المال، أو الشرف، أو النكاح، أو التكذيب، أو الشك، أو تغير الاعتقاد، أو الحسد، أو الكبر، أو البغض للرسول والمؤمنين؟، وكذلك من رغب عن شرع الله إلى غيره، أو عدل به غيره بسبب مال، أو شرف، أو ملك، أو جاه، أو دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، هل يؤثر اختلاف الباعث في الحكم، وهل يختلف الحكم مع اختلاف الباعث إذا كان المناط واحدًا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.‍
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن حراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ)، نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة واللعنة في المنافقين عامة. فقد بيَّن ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه، فإن قذف المرأة أذًى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه.
إلى أن يقول: ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن، حدّ لقذفها لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين، والرواية الأخرى عنه وهو قول الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لا قذف لهما، والحد التام إنما يجب بالقذف، وفي جانب النبيّ صلى الله عليه وسلم أذاه كقذفه. ومن يقصد عيب النبيّ صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق، وهذا معنى قول ابن عباس: «اللعنة في المنافقين عامة»، وقد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال: سألت سعيد بن جبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ قال: لا بل الزنا. قال: قلت: إن الله تعالى يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )، فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة. وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، قال: هذه لأمهات المؤمنين خاصة. وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: هنَّ نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم.
إلى أن يقول: وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة. وبعد أن يذكر كفر ابن أُبيّ ونفاقه بهذا الفعل واستحقاقه للعن بهذا الفعل يقول: بقى أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح وحسان وحمنة ولم يرموا بنفاق، ولم يقتل النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا بذلك السبب، بل قد اختلف في جلدهم. وجوابه: أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يظهر منهم دليل على أذاه بخلاف ابن أُبيّ الذي إنما كان قصده أذاه. لم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواج له في الآخرة وكان وقوع ذلك من أزواجه ممكنًا في العقل ولذلك توقف النبيُّ صلى الله عليه وسلم في القصة حتى استشار عليًّا وزيدًا وحتى سأل بريرة. فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم لإمكانه أن يطلق المرأة المقذوفة. فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال، ولا يجوز ـ مع ذلك ـ أن تقع منهن فاحشة». انتهى بتصرف.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية