احذروا "سوسو" التكفيري

لا بد للحق أن يقال، فإن كثيراً من الناس - وإن لم يلتزموا ببعض أحكام الإسلام، ويخرجون عن بعضها الآخر - يحبون الإسلام ويغارون على أمتهم، وهذا معتقد مترسخ في قلوبهم، فهم جزء من الأمة، يصيبهم ما يصيبها، يحزنون لحزنها، ويفرحون لفرحها.

كذلك الحال مع صاحبنا "سوسو" المطرب، فهو وإن كان مولعاً بالغناء والعزف، إلا أنه يعيش بين ظهراني الأمة، يسمع ويرى ما يحل بها من نكبات وأزمات، فما من يوم يمر عليها إلا وفيه قتل، وقصف، واحتلال، ونهب وسلب، وغير ذلك مما تعانيه الأمة، وكل هذا يجري تحت ذريعة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك، التي هي في حقيقتها تتناقض مع أبسط حقوق الإنسان المزعومة، فهي خروج عن كل قيم وأخلاق، منسلخة عن أي شرع وعقل وفطرة، مما أثار ذلك حفيظة "سوسو"، وطفح عنده الكيل، وبلغ في نظره السيل الزبى.

فأخذ "سوسو" يبحث عن طريق يضع من خلاله حداً لأزمات الأمة ونكباتها، فأخذ يفكر ويفكر، ماذا بوسعه أن يفعل؟ كيف يفعل؟ ومتى يفعل؟ وأين يفعل؟...

أسئلة كثيرة تطرق فكر "سوسو" ولا يجد لأيها جواباً، فاحتار الرجل في أمره، ولم يجد أمامه إلا "شيخ السلطان"، فهو العالم الذي يرجع إليه في الخلاف، ويصدر الناس عن رأيه.

"سوسو" ذهب إلى "شيخ السلطان" قائلاً: (يا شيخ أنت تعلم ما يحل بالأمة، وتعلم جيداً ما تعانيه من كيد أعدائها بها، فأعداؤها يتربعون على صدرها يسومونها سوء العذاب، وأمتنا - شيخنا الفاضل - هي خير أمة أخرجت للناس، وأعز أمة عرفها التاريخ، وصل حالها إلى ما ترى، فما هو الواجب علينا اتجاه امتنا لنعيدها إلى سابق عهدها؟).

"شيخ السلطان" يقول متنهداً: (آه يا "سوسو" آه، ما تقوله صحيح، صحيح، نسأل الله العفو والعافية، ولكن يا "سوسو" أنت ترى أحوالنا، فالعين بصيرة، واليد قصيرة، وما لنا إلا الصبر، وطاعة السلطان، فكلنا ثقة به).

"سوسو": (ولكن يا سيدي، أليس الجهاد فرضاً على كل مسلم، ولا يجوز لأي مسلم التخلف عنه؟).

"شيخ السلطان": (بلى يا "سوسو"، ولكن الجهاد مشروط بإذن مولانا السلطان، والسلطان لم يأذن لنا بعد) - "شيخ السلطان" يقول بصوت منخفض: (ولن يأذن أبداً الحمد لله) -

"سوسو": (السلطان لم يأذن! وكيف يأذن السلطان يا شيخنا وهو ممن يعينون الكافرين على تحقيق أهدافهم الخبيثة في أمتنا؟).

"شيخ السلطان" - وقد بدأ الغضب يعلوه -: (يا "سوسو"، إن غيبة السلطان لا تجوز، يتولد عنها فتنة عظيمة يا "سوسو"، فالسلطان تجب طاعته، السلطان يا "سوسو" تجب طاعته، هل فهمت؟).

"سوسو": (ولكن يا سيدي، هل نبقى هكذا تحت سطوة الكفر إن لم يأذن لنا السلطان بالدفاع عن عقيدتنا وأنفسنا؟!).

"شيخ السلطان": (يا "سوسو"، قلت لك؛ إن طاعة السلطان واجبة، والتكلم في السلطان فتنة عظيمة، إنها الفتنة يا "سوسو").

"سوسو": (الفتنة! وأي فتنة أعظم من فتنة الكفر؟).

"شيخ السلطان": (إنك يا "سوسو" تتحدث بأمور عظيمة، لا يعرفها إلا أهل العلم الكبار، وقد أوصانا علماؤنا بعدم التدخل في شؤون السياسة، لأنهم يقولون؛ إن السياسة تياسة، وما عليك يا "سوسو" إلا الاهتمام بشؤونك، وعدم التدخل بشؤون العامة، فهذا ليس من شأنك، فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حسن إيمان المرء تركه ما لا يعنيه").

"سوسو": (وهل التفكر في واقع المسلمين، وما آل إليه حالهم، والعمل على إخراجهم مما هم فيه مسألة لا تعنيني؟).

"شيخ السلطان": (بالطبع يا "سوسو"، بالطبع، فأنت فنان تفهم في الغناء والرقص، ولا دخل لك بما يجري في واقع الأمة، فهذا ليس من اختصاصك).

"سوسو": (ولكني يا سيدي جزء من هذه الأمة، يهمني ما يهمها، وما يجب عليها يجب علي).

"شيخ السلطان": (يا "سوسو" قلت لك؛ هذه مسائل كبيرة، ليست من شأنك، إن هذه المسائل من شأن السلطان، فالسلطان وحده هو الذي يقرر ما يفعله، فهو أدرى بمصلحة الأمة مني ومنك يا "سوسو").

"سوسو": (ولكن يا سيدي، أنت ترى ما يحل بالأمة، وما هي مواقف السلطان منها، إنه يا سيدي ينظر إلى الأمة تقتل ولا يحرك ساكناً، وإن حرّكه ففي مصلحة أعدائها، فكيف نوكل أمورنا إليه؟).

"شيخ السلطان" - يزداد به الغضب -: (يا بني إن طاعة السلطان واجبة، فهي من دعائم هذا الدين الحنيف، وإن معصيته من أكبر الكبائر، فلا يجوز بأي حال الخروج عن طاعته وسلطانه إلا أن نرى منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان).

"سوسو": (ولكن يا سيدي لقد ظهر من السلطان ما يدل على الكفر البواح، فها هو لا يحكمنا بالقوانين الربانية، ولا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، يوالي أعداء الأمة، ويعادي من يواليها، و... و... و... و... و... أوليس ذلك من الكفر البواح؟).

"شيخ السلطان": (بلى يا "سوسو"، ولكنها تبقى إن لم يعتقد السلطان حلها معاصيَ لا تؤثر بولاية السلطان علينا، ولا تبرر خروجنا عليه).

"سوسو": (ولكن يا سيدي أليس السلطان جنة يقاتل من ورائه، ويتقى به؟ فما هي الفائدة من وجود السلطان إن عمل على خلاف ذلك؟).

"شيخ السلطان": (قلت لك يا "سوسو" مراراً وتكراراً؛ ما دام السلطان لم يعتقد حل ما يفعله، تبقى طاعته واجبة، والخروج عن طاعته من أكبر الكبائر التي يستحق الخارج عليها القتل).

سوسو": (وكيف لنا أن نعلم كفر السلطان؟).

"شيخ السلطان": (أحسنت يا "سوسو"، إننا لا يجوز لنا أن نكفر السلطان إلا إذا اعتقد جواز ما حرم الله، والاعتقاد مسألة قلبية لا يعلمها إلا الله، إذن فلا سبيل لنا إلى معرفة الكفر إلا إن يصرح السلطان هو بذلك، وأنا على يقين بأن السلطان لن يصرح بذلك أبداً، إذن فلا سبيل للخروج عليه...).

"سوسو": (إذن يا مولانا الشيخ لا سبيل لنا للخروج على السلطان، فماذا نفعل؟).

"شيخ السلطان": (قلت لك يا "سوسو"؛ نصبر على السمع والطاعة).

"سوسو" – بغضب -: (إلى متى نصبر على الكفر والزندقة؟ هل الله يرضى بذلك ويأمر به؟ أم يريد تطهير العباد والبلاد من الشرك والكفر؟).

"شيخ السلطان" - وقد عاوده غضبه -: (ماذا تقول؟ معاذ الله من قولك، بل الله يريد تطهير العباد والبلاد من الشرك والكفر يا "سوسو").

"سوسو": (إذن نعمل على إزالة السلطان لأن إرادته تخالف إرادة الله سبحانه).

"شيخ السلطان" - وقد أحمر وجهه غضباً -: (نخرج على السلطان، هذا منكر عظيم مخالفة لإرادة الله، بل الواجب علينا أن نطيع السلطان، فطاعة السلطان إرادة الله يا "سوسو").

"سوسو": (سيدي الشيخ كيف تقول؛ إن طاعة السلطان إرادة الله؟ وما بعث الله به رسله هو دعوة الناس إلى التوحيد، والكفر بكل ما سواه، والسلطان يعمل على خلاف ذلك، وهل أوجد الله السلطان إلا لإقامة شرعة والذود عنه، واحتضان المسلمين تحت راية واحدة؟).

"شيخ السلطان": (هذا صحيح يا "سوسو"، ولكن لا نستطيع الخروج على السلطان، إنها الفتنة يا "سوسو" الفتنة).

"سوسو": (وأي فتنة يا شيخ وقد أمرنا الله سبحانه بالعمل لإعلاء كلمة الحق؟).

"شيخ السلطان" – مضطرباً -: (الدماء، الدماء يا "سوسو"، الدماء).

"سوسو": هل الواجب علينا يا شيخنا هو بذل نفوسنا وأموالنا في سبيل الله، أم الواجب هو تضييع دين الله حفاظاً على أنفسنا وأموالنا؟).

"شيخ السلطان": (الواجب علينا أن نبذل أنفسنا وأرواحنا في سبيل الله، ولكن...).

"سوسو": (لا عذر لك يا سيدي أمام الله، لا عذر لك بدفاعك عن الظلم وأنت تعلم الحق، الواجب عليك هو حث المسلمين على إقامة دينهم الحق، لا حثهم على الصبر على الكفر والنفاق الذي جاء الإسلام لدحرهما).

"شيخ السلطان" - مرتبكاً مترقباً -: (اسكت يا "سوسو" اسكت، لا يسمعك السلطان).

"سوسو": (هذا ما خرجت به، حسبتك ستقول الحق وتصدع به!).

"شيخ السلطان": (أقول الحق وأصدع به ويلي، ويلي من بطش السلطان، أي مصيبة هذه التي وقعت فيها، النجاة، النجاة).

"شيخ السلطان" - دافعاً الشبه عن نفسه يصيح بأعلى صوته -: (احذروا "سوسو" التكفيري، احذروا "سوسو" التكفيري)!

  الكاتب : إبراهيم بن عبد العزيز بركات

سوسو وأخلاق شيخ السلطان

رغم أن السلطان يعيش في قصر مهيب، وعيش رغيب، وخير قريب، وشعب أديب؛ يشعر بالملل، فحوله الهمل لا يرون العمل، إلا بكثرة الزلل. مما تسبب ذلك بأن تنكّست أحلامه، وهدّمت آماله، وتكدرت أحواله، وما عاد يسعده رجاله ولا أمواله. وجلس طريح الفراش، لا يبالي بمن مات من شعبه أو عاش. فجاءه كل حبيب، وأستدعي له الطبيب، وعلم بأمره الغريب والقريب.

وصعب أمره على شيخه الأمين، فجاءه يسعى بقلب حزين، يشاوره في أمره الأصحاب، ويطرق للحل كل باب. فدخل على السلطان، برأس منحني، وأعضاؤه من الهيبة لا تنثني، يسأله عن أحواله، وكيفة تعكر باله.

شيخ السلطان: "مولاي السلطان لمَ هذه الأحزان؟".

السلطان بحزن وكآبة: "فارقني السرور، وأرهقني الغرور، ومللت الحضور من كثرة الأمور، وسئمت القصور، وكأنها القبور".

شيخ السلطان: "أكل هذا كان، وأنت مليك الزمان، ما أردت كان، وما كرهت فانٍِِ؟".

شيخ السلطان يخرج من عند السلطان حزيناً مهموماً، يفكر كيف يرجع للسلطان أفراحه، ويخرج عنه همومه وأطراحه، وفجأة وصل للحل، أجل وصل للحل! إنه سوسو المهبول، فقوله مقبول، وفعله معسول.

شيخ السلطان يتحدث مع سوسو الفنان: "سوسو الفنان، اذهب إلى السلطان، وأعد له الأمان، فانظم المعاني، بأجمل الأغاني، وابلغ المعالي بالنكت الحسان، لترقص الطيور، وتزهر الزهور، وتشدو البحور، بالعزف والألحان، وحقق الأماني، وردد المغاني، لتهل التهاني، وتذهب الأحزان، وجمّل الأمور، وأدخل السرور، لتعيد القصور إلى ما كان، وعندها يا سوسْ، تكثر الفلوس، فتطيب النفوس، ويحبك السلطان".

سوسو: "حسناً إني أوثق العهود، وبأن أبذل الجهود، وأطلق القيود، وأحقق الوعود، ليرجع الأمر إلى ما كان".

وبعد أن انتهى الحوار بين شيخ السلطان، وبين سوسو المطرب، ذهب سوسو المطرب لقصر السلطان، بهمة وجد وألحان!!!

فأخذ يعزف للسلطان أعذب الألحان حتى غنت الأطيار، ورقصت الأشجار، وفتحت الأزهار، ورددت الألحان، وخضرت السهول، وأثمرت الحقول، فأتت بالحلول، ورجع السلطان إلى ما قد كان.

فعاد سوسو المطرب فرحاً مسروراً إلى شيخ السلطان ليخبره بالأمر.

سوسو يقول للشيخ: "السلطان عاد إلى ما كان، وامتلأ القصر فرحاُ وأمان، وزالت عنه الهموم والأحزان".

شيخ السلطان - بفرح وسرور -: "أحسنت يا سوسو، ولكن هل منحك السلطان العطايا؟".

سوسو: "بالتأكيد يا سيدي الشيخ".

الشيخ: "فأين نصيبي منها يا سوسو؟".

سوسو: "تعلم يا سيدي الشيخ أن ديوني كثيرة فقد أنفقت كل العطايا، ولم يبق منها بقايا".

شيخ السلطان بغضب: "سوسو لا تمازح، فالصبر مني نازح، وفكري في العطايا سارح".

سوسو: "إني لا أمازح، ولا أقول يا سيدي إلا الحق".

شيخ السلطان بصوت عال: "أيها الجهول ؛ تدبر ما تقول، وهات المعقول، وعنه لا تميل، فافهم ما أقول، افهم ما أقول، وإلا لا أبالي، بضربك وأغالي، ورب الجلال، بسيفي المسلول".

سوسو الدخيل: "شيخي الجليل، الكذب مستحيل، وإليه لا أميل، وربي الجليل، إني صدوق، وقولي موثوق، وقولك مخروق، فلست بالجهول".

شيخ السلطان بغضب شديد ينظر عن يمنيه، وعن يساره، يأخذ عصا غليظة وينهال على رأس سوسو ضرباً وهو يقول: "اتفو عليك يا سوسو، يلعن... يا سوسو، يا ابن... يا سوسو".

سوسو من العذاب، يركض نحو الباب، وخلفه الشيخ المرتاب: "عد أيها الكذاب، عد أيها الكذاب".

سوسو بصوت عليل، فالدم من رأسه يسيل: "شيخنا الجليل، ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء، يرحمك من في السماء".

  الكاتب : إبراهيم بن عبد العزيز بركات

سوسو لن ينافق

بينما كان سوسو يدق أبواب المستقبل بحثاً عن الشهرة والغنى، يلج كل طريق يوصله إلى ذلك؛ فهو رجل موهوب يجيد الغناء والعزف، ويلهم ألحاناً عذبة تجعل من الساكن متحركاً، إلا أن صاحبنا غير موفق في أعماله فكلما فتح باباً غلقت دونه أبواب، وكلما ولج طريقاً وجد نفسه أمام موجات سراب.

وهكذا أخذ صاحبنا يشعر بالحزن والاكتئاب، ويتراجع شيئاً فشيئاً حتى كاد يختنق من الغيظ والألم، ولكنه لم يفقد الأمل فأخذ يفكر ويفكر في خروجه من مأزقه، كيف يدخل الدنيا من أوسع أبوابها؟ كيف يصبح غنيا مشهوراً؟ متى يشار إليه بالبنان؟ أفكار كثيرة تراود صاحبنا سوسو إلا أنه لم يجد لها أي أجوبة، ولم يهتد إلى أي سبيل، ولم يجد سوسو أمامه سوى التوجه إلى الله سبحانه بالدعاء والتضرع فهو القادر على حل مشاكل سوسو.

وما كان من سوسو إلا التوجه إلى أحد المساجد ليدعو الله سبحانه أن يوفقه في أعماله ويحقق له آماله...

سوسو يدخل المسجد في خشوع، يجلس متربعاً رافعاً يديه إلى السماء قائلاً: (اللهم وفقني وحبب الناس في مواهبي، واجعلني خير عازف ومطرب، اللهم وفقني إلى أجمل الألحان واجعل صوتي من أحسن الأصوات!!)...

وهكذا يجتهد سوسو بالدعاء بالطريقة التي يراها مناسبة، وإذ به يفاجئ بشيخ السلطان واقفاً على رأسه.

شيخ السلطان: (ماذا تفعل يا سوسو؟).

سوسو: (كما ترى يا سيدي... أدعو الله).

شيخ السلطان: (وما بك يا بني؟).

سوسو: (يا سيدي الشيخ أنا رجل موهوب، ولكني غير موفق في أعمالي، فكلما فتحت باباً غلقت دوني أبواب).

شيخ السلطان: (وما مجال عملك يا سوسو؟).

سوسو: (طرب يا سيدي).

شيخ السلطان: (مطرب؟!... حسناً فقد أباح الغناء بعض العلماء).

سوسو: (أرجوك ساعدني يا سيدي).

شيخ السلطان مندهشاً: (وبماذا أساعدك يا سوسو؟).

سوسو: (بأي شيء يا سيدي الشيخ).

يقف الشيخ حائراً قائلاً لنفسه: (وماذا بوسعي أن أساعد هذا المعتوه؟)، شيخ السلطان يفكر ويفكر ثم يصرخ قائلاً: (وجدتها يا سوسو، وجدتها يا سوسو...).

سوسو مبتسماً مسروراً: (كيف يا سيدي؟ كيف يا سيدي؟).

شيخ السلطان: (ألم تقل يا سوسو بأنك مطرب؟).

سوسو: (نعم يا سيدي).

شيخ السلطان: (إذن سوف تغني للسلطان وعندها ترقص لك الدنيا بأسرها).

سوسو – مندهشاً -: (ولكن كيف سأصل للسلطان يا سيدي؟).

شيخ السلطان: (لا عليك يا سوسو أنا سأوصلك للسلطان، وما عليك هو أن تذهب وتجهز أغنية جميلة تغنيها للسلطان بأعذب الألحان).

سوسو: (بالطبع يا سيدي سأفعل، سأفعل كل ما بوسعي من أجل السلطان).

شيخ السلطان: (ولكن لا تنس يا سوسو بأني صاحب فضل عليك، ولا بد من أن آخذ نصيبي مما يعطيك إياه السلطان وإلا...).

سوسو: (بالطبع يا سيدي بالطبع فأنا لن أنسى فضلك علي أبداً).

شيخ السلطان: (حسناً يا سوسو إذهب وجهز اللحن).

سوسو يذهب مسرعاً إلى البيت ويمسك بطنبوره، ويأخذ يجتهد بالتأليف واللحن، يثبت هذه الجملة ويشطب تلك، يعجبه هذا اللحن ولا يعجبه ذاك، وهكذا تمر الساعات وسوسو لا زال منشغلاً قد فارق النوم عينيه، وشغل الأمل فكره حتى خرج عليه الصباح وهو سعيد بالأغنية التي لحنها للسلطان.

سوسو يخرج من بيته مسرعاً ومعه اللحن، يركض سوسو كي يدرك شيخ السلطان قبل خروجه، يصل سوسو بيت شيخ السلطان منهكاً وهو يقول بصوت عال: (سيدي الشيخ! ها انا قد أتيت ومعي أجمل أغنية).

شيخ السلطان: (عظيم يا سوسو حقاً أنك ماهر وموهوب، هيا اسمعني تلك الأغنية الجميلة).

سوسو يمسك بطنبوره ويأخذ يغني تلك الكلمات التي لحنها للسلطان:
(يا أيها المليك آن النهوض فاحمل السلاح واقتل اليهود
من عاث في الأرض فسادا وأظهر الحقد وخان العهود
ولا تنس أبدا جرم قوم هدّموا العراق واكثروا الجحود
وتبجحوا فوق الديار تكبرا وامضوا إلى اليهود العقود
وحاربوا كل خير وعدل وجيشوا ضد أقوامنا الحشود
ليهدموا بزعمهم شريعة رب ارتضاها للناس ديناً وحدودا
وإياك وبطانة سوء تهدم صروح نور ومجد جدود
واقتلنّ بمهند حق كل منافق شايع اليهود ومنحهم ذل السجود
وارفعنّ راية الحق عالية فوق الأقصى وابقِ الصعود).


وما أن أنهى سوسو أغنيته حتى صاح شيخ السلطان من شدة الغضب قائلاً: (يخرب بيتك يا سوسو، يخرب بيتك يا سوسو، ما هذه السخافات، ما هذه الحماقات، ما هذه الخزعبلات، أتريد ان تخرب بيوتنا بجهلك يا سوسو؟!).

سوسو: (ولم يا سيدي الشيخ؟! إنها كلمات جميلة تشجعه على الجهاد في سبيل الله).

شيخ السلطان: (جهاد...؟ جهاد...؟ اسكت يا سوسو اسكت، حسبتك عاقلاً تعرف مصلحتك، ولكن يبدو انك سوف تظل فاشلاً).

سوسو - بحزن -: (ماذا أفعل يا شيخ علمني أرجوك؟).

شيخ السلطان: (حسنا يا سوسو أما لو أنك قلت في أغنيتك:
يا خير من عرف الوجود يا من بدمه للحق يجود
رفعت فينا منار عدل وشرع وهدّمت صوامع الكفر والجحود
وأرويت ظمأ اليتيم عزا وأغنيت الفقير وأوفيت العهود
العلم في رحاب عدلك سائد والظلم ذليل أنهكته القيود
فأنت فينا رسول رحمة وأنت مليك جللته الجهود
وأنت مليك ملحمة عدل إذا جد جدك الكون تسود
لا تخف عدواً ولا تخش منية فقومك خلفك كلهم أسود
قد احنوا الجباه مذلة تحت قدميك فعندهما السعود
وانقادوا لأمرك ليس فيهم معاند فنعمت قائداً وفاز من تقود).


سوسو: (ولكن يا سيدي هذا كذب ونفاق).

شيخ السلطان: (ماذا تقول يا هذا؟ كذب ونفاق، إذن كيف تضحك لك الدنيا وتصبح غنياً مشهوراً؟).

سوسو: (أصبح غنياً مشهوراً بالكذب والنفاق؟! لا يا سيدي... سوسو لن يفعل ذلك، الفقر خير لي من الكذب والنفاق).

سوسو يخرج من بيت شيخ السلطان مرددا بصوت عال: (سوسو لن ينافق... سوسو لن ينافق... سوسو لن ينافق).

[وكتب؛ إبراهيم بن عبد العزيز بركات]

آن لـ "سوسو" أن يمد قدميه !!

بينما كان "شيخ السلطان" متجهاً إلى الحافلة التي ستنقله إلى الوجهة التي يريدها، وفي يده رقم المقعد الذي زوده به المضيف، صعد "شيخ السلطان" إلى الحافلة في سرور قاصداً مقعده الذي يحمل رقمه، ويا لدهشته حين وصل المقعد!

فقد رأى رجلاً يحلق رأسه مرينز - قزع - وحول رقبته سلسلة ذهبية،تكاد رقبته تنكسر من ثقلها، وقد زينت الخواتم كبيرة الحجم معظم أصابعه، ناهيك عن لباسه الذي لا يستطيع أحد تميزه عن لباس المرأة السافرة، والأهم من ذلك كله، أن الرجل يضع على فخذه طنبوراً - آلة موسيقية -.

"شيخ السلطان" يقول له بغضب: من أنت؟

الرجل مرتبكاً: أنا.. أنا اسمي "سوسو" المطرب.

"شيخ السلطان": ولمَ تجلس على هذا المقعد؟

"سوسو": المضيف هو الذي أمرني بذلك.

"شيخ السلطان" متأفئفاً: حسناً... أعاننا الله على هذا السفر!!!

"شيخ السلطان" يجلس على مقعده متذمراً، ولا تكاد عيناه تتوقف عن التطلع إلى ذلك الرجل المخنث، بينما يجلس "سوسو" المطرب خائفاً على نفسه من بطش "شيخ السلطان"، يجلس "سوسو" في مقعده وقد ضم ركبتيه إلى صدره، وانحنى ببصره إلى الأرض، إلا أن "سوسو" أراد أن يبرر موقفه، فقال بصوت مختنق لا يكاد يسمع يا شيخ: سمعت أن كثيراً من العلماء يبيحون الغناء؟

"شيخ السلطان" بتذمر: هذا صحيح، ولكن... ولكنه قول مردود على أصحابه.

"سوسو" المطرب: ولمَ يا سيدي الشيخ؟

"شيخ السلطان" يقول في نفسه: أف لهذا الرجل، ولكن لا بد من الإجابة عن سؤاله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) .

"سوسو" يقول مرتبكاً مرة أخرى - فعساه أن يكون أغضب الشيخ -: سيدي لم تجبني؟

"شيخ السلطان": الغناء يا ولدي محرم بنص الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

"شيخ السلطان": فقد ثبت يا ولدي عن كثير من أهل العلم بأن المقصود بلهو الحديث ؛ الغناء، ثبت ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقد جاء في الأثر عنه أنه قال: (والله الذي لا إله إلا هو، إن لهو الحديث الغناء) - يكررها ثلاث - وثبت ذلك عن ابن عمر، وابن عباس وغيرهما، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا ؛ ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)، وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره، وهذا الحديث واضح الدلالة بتحريم الغناء، بل انظر ما هي عقوبة الذي يستمع إلى الغناء، ثم لا يتوب إلى الله يمسخه الله سبحانه قرداً أو خنزيراً.

"سوسو" المطرب يقول متعظاً: الله يغفر لي.

"شيخ السلطان" ينظر إلى "سوسو" المطرب وقد امتلأت عيناه بالدمع، وأصبح يُسمع لصدره نجيش .

"شيخ السلطان" يقول في نفسه: يا إلهي لقد تأثر "سوسو" المطرب فلا بد من مواصلة الحديث معه...

"شيخ السلطان": يا ولدي إن هذه الدنيا زائلة، والحياة الآخرة هي دار الحيوان.

يا ولدي: إن الإنسان مهما عاش في هذه الحياة الدنيا فسوف يرحل عنها،فهي سريعة الزوال، لذلك سميت دنيا لقرب زوالها، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، فانظر يا "سوسو" كيف قال تعالى: {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً}، ولم يقل ثم يخضر، لأن الأصل في الزرع حين يهيج أن يكون مخضراً، ولكن الله سبحانه قال: { فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً}، هذا دليل على أن مدة بقائه مخضراً قليلة لذا لم يذكرها الله سبحانه.

بل تأمل هذا الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته. فمر بجدي أسك ميت. فتناوله فأخذ بأذنه. ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء!. وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟)، قالوا: والله! لو كان حيا، كان عيبا فيه، لأنه أسك. فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله! للدنيا أهون على الله، من هذا عليكم). فانظر يا "سوسو" كيف بين الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، أن الدنيا لا تساوي عند الله هذا الجدي الميت...

وهكذا أخذ "شيخ السلطان" يعظ "سوسو" المطرب، حتى بدا على "سوسو" المطرب علامات الندم على ما فرط في جنب الله، وأخذ يحدث نفسه بالتوبة الصادقة، كيف لا وقد شحنه شيخ السلطان بكثير من الشحنات الإيمانية.

"سوسو" المطرب يزداد خشوعاً في مجلسه، فهو لا يزال يضم ركبتيه إلى صدره، ويصغي بالسمع إلى "شيخ السلطان"، ولا زالت عيناه تذرف دموع الندم، و"شيخ السلطان" كلما لمس تجاوباً من "سوسو" المطرب كلما ازدادت مواعظه له.

وبينما هما على هذه الحال، إذ رفع سائق الحافلة صوت المذياع، فقد بدأ المذيع بقراءة نشرة الأخبار .

المذيع يقول: لقد نقل إلينا مراسلنا في العراق بأنه تم قتل جنديين أمريكين وسط بغداد.

"سوسو" المطرب: يقول فرحاً مسروراً، الله أكبر! الله ينصر المجاهدين.

وهكذا يا أخي تعلم ما صنعت كلمات الشيخ بهذا الرجل، إنها جعلته يفرح بذلك الخبر، ولكن "شيخ السلطان" كان له موقف آخر.

"شيخ السلطان" يقول متذمراً: "سوسو"!! اتق الله!! هؤلاء خوارج يقتلون الأبرياء!! فإن الأمريكان جاءوا ليحرروا العراق.

"سوسو" مندهشاً - وقد مد قدميه وعدل جلسته - ومد يده إلى جيبه وأخرج علبة السجائر - التي كاد يختنق بسبب تركه للدخان احتراماً للشيخ - "سوسو" المطرب أخذ من علبة السجائر سيجارة، ونظر إلى "شيخ السلطان" قائلاً: هل تدخن يا هذا؟

  الكاتب : إبراهيم بن عبد العزيز بركات

عجوز عامي يقيم الحجة على رأس مرجئي !

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


عجوز عامي يقيم الحجة على رأس مرجئي !

الكاتب : إبراهيم بن عبد العزيز بركات


على منصة التدريس يجلس شيخ مرجئي يعظ الناس، وحوله أناس كثيرون منهم الخواص، ومنهم العوام، وبينما كان الشيخ مندمجاً في الشرح والتفصيل، وإذا به يفاجئ بعجوز عامي يستوقفه قائلاً: أيها الشيخ الجليل.

الشيخ - بدهشة -: ما بك؟

العجوز: أريد أن أسألك عن مسألة.

الشيخ: بكل سرور.

العجوز: إن لي أبناً يعقني، ولا يبالي بأمري، وأنا كما ترى شيخ كبير.

الشيخ: وماذا أيضاَ؟

العجوز: وهو فوق ذلك لا يصل الأرحام، ولا يحسن الكلام، ويكثر الآثام، ويؤذي الأنام.

الشيخ: وماذا بعد؟

العجوز: لا يأمر أهله بالصلاة، ولا يؤتي الزكاة، ولا يغضب من أبنائه العصاة، ولا يضرب المذنبين بالعصا.

الشيخ: وهل بعد ذلك جرم؟

العجوز: تخرج نساؤه متبرجات، وهن على كل فاحشة متفرجات، ومع أهل الفسق والزيغ مندمجات، وكل طريق باطل منتهجات.

الشيخ: إنها كبيرة، ليس فوقها جريرة.

العجوز: لا يخرج للجهاد، ولا يعمل لإصلاح البلاد، وعن الآثام لا ينهى العباد.

الشيخ: إنه شيء عظيم، وخطره واضح جسيم.

العجوز: وهو فوق ذلك، يقصي عنه المؤمنين، ويدني منه الكافرين، ويرفع شأن المنافقين، ولا يرحم المساكين، ولا ينصر المستضعفين، ولا يخفف آلام الثكلى والأيتام المحرومين.

الشيخ: إنه زنديق... زنديق.

العجوز: يقاتل إخوانه مع الأعداء، ويثقل عليهم بالبلاء، ويقتل من سمع منه للحق النداء.

الشيخ: هذا أفاك أثيم.

العجوز: ويقتل القتيل، ويمنع عن أهله المُعيل، ولا يرحم الصغير مهما اشتد به العويل، ولكنه يقول؛ إني عظيم الإيمان، فقلبي ممتلئ بالإحسان.

الشيخ: هذا كذوب كذوب، فلو استقر الإيمان في قلبه لما وقع في ما وقع فيه من الآثام، ولما آذى الأنام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول؛ (وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد القلب كله، ألا وهي القلب).

العجوز: وما حكم هذا الرجل؟

الشيخ: إذا كان الأمر ما ذكر، فهذا أمره عسر، يقام عليه حد المحارب لله والرسول، ويضرب بالسيف الصارم المسلول.

العجوز: وهل ينطبق ذلك على الحكام؟

الشيخ، كلا بلا كلام.

العجوز: وما الفرق يا حاذق، حتى تفرق بين مارق ومارق؟

الشيخ: الفتنة يا عجوز، وهذا أمر لا يجوز.

العجوز: أما أمر الله سبحانه أن تبذل لدفع الفتنة النفوس، وبذلك نزل على النبي الناموس.

الشيخ: الأمر متوقف على الاستحلال، وهذا حق بلا محال.

العجوز: أما قلت إن صلاح الأبدان من صلاح القلوب، أم هنالك فرق بين عيوب وعيوب؟

الشيخ في مأزق: الباب يا هذا مفتوح، والعيون بالأسرار تبوح.

العجوز: القلوب هي القلوب، فمن صلح قلبه صلح عمله، ومن فسد قلبه فسد عمله، لا فرق بين محبوب، ومحجوب.

الشيخ: آه... آه... آه...

المصدر: منبر التوحيد و الجهاد

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية