تفجيرات الغاز ........لماذا؟؟

المنشور الذي وزعه مجاهدو سيناء بعد الضربة العاشرة لخط الغاز

( تفجيرات الغاز ... لماذا ؟ )

تفجيرات الغاز ... لماذا ؟


أمتنا الغالية ... عانت مصر لسنوات طويلة فترات من الظلم و الظلام ... فترات معاناة لهذا الشعب العظيم ... نظام ظالم متجبر تحكم في رقاب الشعب و مقدراته وموارده و حولها من مصر بلد الخير إلى مصر بائسة ... فقر و بطالة ... ارتفاع في الأسعار ... أزمة إسكان و عشوائيات و ساكني قبور ... أزمة الصحة و أصبحت مصر بؤرة للأمراض ... أزمات لأنابيب البوتاجاز ... أزمات في رغيف الخبز.

- كل هذا و ثروات بلادنا تنهب و تدمر و الأدهى من ذلك أنها سلمت بواسطة النظام السابق الخائن إلى أعدائنا و أعداء أمتنا ... فلم يكفي أننا لا نستفيد بها بل تقدم لعدونا لينتفع بها و يتقدم علينا و تعينه على قتال إخواننا و التعدي علينا .

- و كان من ابرز مظاهر تلك العمالة صفقة تصدير الغاز المصري لإسرائيل .

تفاصيل الصفقة :

- اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل: هي اتفاقية وقعتها الحكومة المصرية عام 2005 مع إسرائيل تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاما لإسرائيل ، بثمن يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية بينما يصل سعر التكلفة 2.65 دولار، كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية من عام 2005 إلى عام 2008.

خسائر مصر من الصفقة:

أ- خسائر مادية بالبيع بسعر اقل من التكلفة : حيث أن تكلفة إنتاج المليون وحدة 2.65$ بينما يباع بثمن بين 70سنت إلى 1.5$.

ب- البيع بأقل من السعر العالمي ... و خسائر بالمليارات : حيث أن السعر العالمي يتراوح بين 10دولارات للمليون وحدة إلى 15 دولار ( كما تبيع روسيا صاحبة المخزون الضخم من الاحتياطي) , قال إبراهيم زهران الخبير البترولي إن مصر خسرت فى كل عقود الغاز منذ بدء التصدير في يناير 2005 حتى الآن 80 مليار دولار، وفى حالة تفعيل باقي التعاقدات لنهايتها ستخسر مصر 180 مليار دولار.... إضافة الى خسائر أخرى ، فمع تصدير ما نحتاجه من الغاز نضطر لاستيراد بدائل مثلالمازوت والسولار .. وسعر المليون وحدة حرارية من المازوت يبلغ 17 دولار .. ويؤكدأن زيادة استخدام المازوت فى محطات توليد الكهرباء بدلا من الغاز يؤدى الى تدهور المعدات ، ويبلغ متوسط عمر محطة الكهرباء التي تعملبالغاز 10 سنوات بينما هو 4 سنوات مع استخدام المازوت .. ويكفى ذكر أن خسائر أعطالمحطات توليد الكهرباء بتأثير المازوت بلغت 10 مليارات جنيه .. لذلك مصر أفضل بدونتصدير الغاز الطبيعي.

ج- المخزون المصري لا يسمح بالتصدير من الأساس: حيث أن الاحتياطي المؤكد وفقا لتقارير ترسلها الشركات المنتجة للغاز فى مصر الى هيئةالبترول كل 30 يونيو تقول أن الاحتياطي لا يزيد عن 23 تريليون قدم مكعب و في أقصي تقدير 28 تريليون قدم مكعب ... أبرم النظام السابق عقودا بتصدير 18 تريليون منها، مما يعنى أن ما يتبقى لمصر 5 إلى 10 تريليون قدم مكعبة فقط.
و مصر تستهلك تريليوني قدم من الغاز سنويا... (أما ما أطلقته وزارة البترول سابقاً من تصريحات عن احتياطي يصل إلى 78 تريليون قدم فكما أوضح الخبراء انها تضع تقديرات للإحتياطي المؤكد زائد حقول تحت الاكتشاف بتقديرات مبالغ فيها جداً) .

د- توجيه الغاز المصري للعدو بدلاً من توصيله لمنازل المواطنين مما ينتج عنه أزمات أنابيب الغاز الدائمة و ما تمثله من عبئ على المواطن و إهدار لكرامته.

هـ - كل هذا و أكثر يؤدي إلى تدمير الاقتصاد المصري المدمر أصلاً و يزيد من الأعباء على المواطن المصري و يزيد فقره و حاجته.

أرباح إسرائيل من الصفقة :

أ- شراء الغاز بسعر متدني أقل من تكلفة استخراجها للغاز . ب - الحفاظ على مخزونها من الغاز.

ج- انخفاض أسعار الكهرباء مما يساعد فى رفاهية المواطن الإسرائيلي و خفض أسعار السلع و انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي .. يقول السفير المصري المتقاعد إبراهيم يسري للجزيرة نت إن مصر طبقا لهذه الاتفاقية تتكلف 50 مليون جنيه (نحو تسعة ملايين دولار) يوميا لدعم الطاقة في إسرائيل، في حين نصف قرى مصر ومدنها لم يدخلها الغاز الطبيعي

د- توفير استخدام مصادر الطاقة السائلة لاستخدامها في المجهود الحربي كوقود للآليات تضرب إخواننا و قريباً تضربنا .

هـ- تقوم إسرائيل بتصدير الفائض عن احتياجها من الغاز المصري بالأسعار العالمية مما يحقق أرباح مضاعفة .

تحرك الشعب المصري ضد هذه الصفقة المشبوهة :

- و كان رد فعل الشعب المصري واضحاً من هذه الخيانة و هو الرفض التام لهذه الصفقة رغم القهر الذي كان يرضخ تحته الشعب
و كان من مظاهر هذا الرفض :

أ - حملات ضد تصدير الغاز ووقفات احتجاجية: مثل الحملة الشعبية لوقف تصدير الغاز الطبيعي المصري و الوقفات الاحتجاجية المتكررة لمصريين ضد تصدير الغاز لإسرائيل و تقدم عددا كبيرا من نواب مجلس الشعب المصري إلى الاحتجاج وتقديم طلبات إحاطة.

ب - بيان جبهة علماء الأزهر ضد تصدير الغاز: أصدرته في 5 مايو 2008 يدين هذا الفعل و يحرم العمل فى الشركات
التى تصدر الغاز إلى إسرائيل .

جـ - دعاوي قضائية ضد الحكومة و أحكام تمنع تصدير الغاز: حكمين بتاريخ 18 نوفمبر 2008 و 6 يناير 2009 يقضيان بوقف قرار الحكومة بتصدير الغاز الطبيعي إلى عدة دول من بينها إسرائيل.


و كان رد فعل النظام السابق هو التعنت و الاستمرار فى نهج الخيانة و تدمير ثروات و مقدرات البلاد و رفض تنفيذ أحكام القضاء و هناك من ظن أن هذه السياسة و الخيانة ستسقط مع سقوط رأس النظام و أعوانه في الثورة المباركة و لكن للأسف استمر الحال و بقت هذه الجريمة في حق الشعب و الأمة . . . و لكل ما سبق كان لزاماً علينا التحرك ووقف هذه المهزلة و الحفاظ على ثروات أمتنا ووقف الدعم لعدونا:

ولهذا .... قمنا بنسف محطات وخطوط الغاز المؤدية لإسرائيل.

وما قمنا بهذا إلا لحفظ ثروات البلاد وحفظ حقوق العباد وتقوية لاقتصاد بلادنا وإضعاف لعدونا وحرمانه من خيرات بلادنا التي يتقوون بها علينا (وما سفكنا دما وما قتلنا احد فليس هدفنا سفك الدماء ولا قتل العباد ) إنما هدفنا (نصرة امتنا وحفظ ثرواتها وإضعاف عدوها)

وبعد هذا يقول المجلس العسكري وحزبه وأعوانه من الأمن الوطني أننا مخربون وأننا مفسدون ثم ينسبون إلينا ما لم نفعله لخلط الأوراق والتلبيس على عامة الناس.

وبعد هذا من منا المخرب المفسد ... من نصر أمته وحافظ على ثروات البلاد وحقوق العباد أم من خان أمته
وقدم ثروات بلاده رخيصة للصهاينة.

يقولون أننا مخربون نلحق الخسائر ببلدنا و اقتصادنا بهذه العمليات بحجة أن إصلاح الخطوط يتم على حساب البلد و للرد على ذلك ننقل شهادة الخبير النفطى الدكتور رمضان أبو العلا رئيس قسم هندسة البترول حول خسائر مصر من عمليات التفجير و أنها لا تقارن بما تتكبده بشكل يومي من عقود تصدير الغاز ، حيث تصل خسائر مصر من خلال تصدير الغاز لإسرائيل 3.4 مليار جنيه سنويا بما يعادل 10 مليون جنيه يوميا.

و يضيف رداً على من يقول أن إلغاء العقد غير ممكن وإلغاء عقود التصدير الحالية لن يكلف مصر شيئا .. فتلك العقود تتضمن بنودها إمكانيةتعرضها للإلغاء فى حالة ” القوة القاهرة ” .. وهى بالطبع تشمل حالات مثل الزلازلوالبراكين ، والثورات الاجتماعية .. ويمكن منح الدول المستوردة للغاز المصري مهلة 6شهور لتدبير مصادر أخرى لكن بالأسعار العالمية.

نتائج هذا العمل و تأثيره على الكيان الصهيوني :

ا- اضطرار إسرائيل إلى شراء مصادر بديلة للطاقة ملوثة للبيئة بسعر مرتفع: قال وزير البنى التحتية (عوزي لانداو) إن وقف الغاز المصري يهدد أمن الطاقة في إسرائيل، ودعا للإسراع في توفير بدائل أخرى حتى لو كانت ملوثة للبيئة كالفحم الحجري .

ب - توجه إسرائيل لاستهلاك مخزونها من الغاز. جـ - انهيارات و خسائر في بورصة الطاقة الإسرائيلية.

د - ارتفاع أسعر الكهرباء و السلع : ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن شركة الكهرباء الإسرائيلية أعلنت الأربعاء، 16/11/2011 عن رفع أسعار الكهرباء بنسبة 30%، وذلك فى أعقاب التفجير المتكرر لأنبوب الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل .. وأضافت يديعوت أن الارتفاع فى أسعار الكهرباء جاء نتيجة لاستخدام السولار بدلاً من الغاز المصرى فى تشغيل محطة الكهرباء... وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أن شركة الكهرباء الإسرائيلية تدفع نحو13.4 أجوره أى أقل من نصف شيكل، لإنتاج كيلو وات واحد من الكهرباء، المنتجة بواسطة الغاز المصري، بينما تدفع نحو1.43 شيكل لإنتاج نفس الكمية من الكهرباء، المنتجة من السولار... ونقلت يديعوت عن المدير العام لإتحاد الصناعيين الإسرائيليين (أماير حايك) قوله: "إن رفع أسعار الكهرباء يعد ضربة قوية وصعبة للصناعات الإسرائيلية،وأوضح التقرير الذى نشره الاتحاد أن رفع أسعار الكهرباء سيؤدى إلى رفع أسعار المواد الغذائية والمنتجات الصناعية الإسرائيلية، وخاصة الصناعات البلاستيكية والمعدنية".

هـ- تراجع فى الاقتصاد الصهيوني و ارتفاع تكاليف الحياة و هو ما تمثل فى المظاهرات ضد إرتفاع الأسعار في إسرائيل: قال الخبير النفطى الدكتور رمضان أبو العلا رئيس قسم هندسة البترول.. إن إسرائيل قد تكبدت خسائر تصل إلى 60 مليون دولار خلال أسبوع، نتيجة توقف الإمدادات المصرية من الغاز، ومتوقع استمرارها حالة استمرار توقف الخط

و- معالجة هذه الأزمات تقتضي تحويل التمويل العسكري الى الدعم للمواطنين مما يقلل من التفوق العسكري و يخفف الضغط على إخواننا .

رغم كل ما سبق مازال المجلس العسكري مصر على العمل ضد مصالح الشعب باستمراره في إصلاح خط الغاز و استئناف التصدير و هناك من يعمل فى هذه الشركات و يساهم فى الجريمة و هناك من يحمي هذه الخطوط و هو مساهم أيضاً و لذلك نوجه رسائلنا لهؤلاء:

1- العاملين بالشركات: الى العاملين بشركة الغاز لن نري شئ نقوله لكم خيرا من فتوى علماء الأزهر الشريف .
2- القائمين على حراسة الخط من أبناء القبائل: عار عليكم ثم عار عليكم ثم عار عليكم أن تحرسوا مصالح بني صهيون و تكونوا عيناً تسهر تحرس هذه السرقة ... أمن أجل حفنة جنيهات ؟!!! كيف ستقفون أمام الله عز وجل يوم القيامة ؟؟؟.
3- رجال الجيش المخلصين: إلي متى صمتكم؟؟؟ أما آن أن تنتفضوا ثائرين على واقع مخزي مهين ... إن قادتكم يمدون عدوكم الصهيوني بالطاقة ليتقوى بها عليكم ليحارب أمتكم ويقتلكم ويقتل إخوانكم ... أما آن أن تقولوا لن نسمح ببيع امتنا أما آن لهذا الخوف أن يزول
4- شباب الثورة شباب ميدان التحرير: يا من قمتم رجالا أحرارا اسود تدفعون الظلم والطغيان ... أين وقفاتكم في دفع الظلم أين صوتكم يعلوا لاسترداد الحق ... لا نريد منكم إلا أن تعلو أصواتكم كما عهدناها لوقف هذه الصفقة
ختاما امتنا الغالية قدر الله لنا وشرفنا بحماية هذا الثغر
وإنا بتوفيق الله وتسديده لنا قائمون وبتثبيت الله ومدده لنا مستمرون
فنسألكم الدعاء بالتثبيت والمدد والتوفيق والسداد

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
============================
و أرفق معه نص بيان جبهة علماء الأزهر
نص البيان

بعد أن فضح الله سرائر الخائنين، وأسفر الصبح لكل ذي عينين عن أبشع جريمة بيعت فيها كرامة الأمة وشرفها بثمن بخس دراهم معدودة، باعوها وكانوا فيها من الزاهدين.
نقول للعاملين في تلك المصانع - والظن بهم إن كانوا من مصر أنهم من الغافلين- استنقذوا أنفسكم من لعنة الله وغضبه، ولعنة التاريخ ولعنة الناس أجمعين، قبل أن تكونوا مسمارا في نعش مصر، وصونوا أولادكم وذراريكم وآليكم من المال الحرام الذي يأتيكم من عملكم وسعيكم مع الساعين في خرابها وتدميرها، واعلموا أن الجريمة لا يبررها ضرورة ولا تُسوِّغُها حاجة، وكل لحم - كما قال صلى الله عليه وسلم - نبت من حرام فالنار أولى به، فإياكم وبيع شرفكم وأعراضكم جراء دريهمات رخيصة للمجرمين، إنه لا حرمة لجريمة ولا براءة لمجرم كائنا من كان {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: من الآية 6]، أطيعوا الله وحده في سلامة مصر وسلامة الأمة كلها {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [سورة الشعراء 151:152].
لا تظلموا أنفسكم فتسلكوها في عداد المجرمين الذين احتالوا ثم باعوا تمهيدا لغدٍ مظلم، ويومٍ أسود، واستعمار قبيح جديد لن يكون أقل ضراوة مما هو عليه الآن في عاصمة المنصور والرشيد، التي جهزوها لتكون "أول تلميذ يتخرج من المدرسة التعليمية التي أسستها عصبة الأمم منذ عام 1932م لتكون نموذجا لما يفعل بالشعوب المتأخرة" - (هنري فوستر، نشأة العراق الحديث ص15).
كونوا أول الثائرين على الخيانة بصادق عزيمتكم على الحق، واجتماع أمركم على حصارها بالزوال عنها، وتلك وأيم الحق عزيمة إن صدقتم الله فيها فلن يغلبكم أحد عليها، لأنه سلطان لظالم على القلوب و{إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة الأنفال: من الآية 70]، ولا عذر يقبل عند التفريط في حقها أو استرخاص قدرها.
إعزموا، وقاطعوا، واعذروا إلى الله وإلى التاريخ، قبل أن تستأصلكم الجريمة وتأتي بنيرانها عليكم وعلى من تعولون، ورثوا أولادكم تاريخا شريفا يبقى لهم ولكم ذخرا خير لهم ولكم من دنيا تسربلت بسربال الخيانة وتزينت بزينة الفجور، يقول جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء: 97].
ثم ثقوا بعد ذلك في نصر الله وتأييده لكم، ف{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128].
{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد: 35]، هذا إن وفيتم لأمتكم وأخلصتم لربكم، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [سورة المنافقون: من الآية 8].
صدر عن جبهة العلماء ليلة الأثنين التاسع والعشرون من ربيع الثاني 1429هـ الموافق 5 من مايو 2008م

منقول للأهمية وللفائدة

بيان لتنظيم فتح الإسلام : فلسطين أرض وقف ومجرم من باعها

بسم الله الرحمن الرحيم

alt

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما بلا اعوجاج، وجعله عصمة لمن تمسك به واعتمد عليه في الاحتجاج، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك بإيضاح الشريعة والمنهاج، وصلى الله على محمد الذي مزق الله به ظلام الشرك بما معه من السراج، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا أهل الكفر من غير امتزاج ، الحمد لله القائل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) المائدة51

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ".

أما بعد :
فإنّا نكتب هذا البيان رداً على ذهاب منظمة التحرير ومن لف لفها لتمرير قرار يعلنون فيه دولتهم المزعومة ويثبتون فيه دولة يهود، ونبدأ بتذكرة الجميع بأنّ الصهاينة عرضوا قبلاً صفقات كثيرة باءت بالفشل وذهبت أدراج الرياح، ومن هذه الصفقات قرارات التقسيم بطرح بريطاني ،وعرض الضفة الغربية وغزة كدولة مستقبلية، كل هذه العروض كانت والكيان الصهيوني لم يمتلك القوة النووية بعد وكانت أنظمة الثورة في حالة مد، فكان لا بد أن يجد الصهاينة من يمثل القضية للتوقيع على بيعها، فكانت مؤامرة صناعة منظمة التحرير كمقاومة برؤية عربية تقودها الصهيونية ، وكان لها ما أرادت ، فأنشأت المنظمة التي استنزفت الشعب الفلسطيني عقوداً من الزمن حتى أوصلته لما أوصلته إليه ، ومع تقهقر أنظمة الثورة وبروز الموقعين بوفرة وكثرة، أصبحت الفرصة سانحة للذهاب لمجلس الأمن للاعتراف بدولة فلسطينية ترسمها أيدي الصهيونية ، وبالتالي لا يوجد أفضل من منظمة التحرير للذهاب هناك، خاصة وأن أوضاع المنطقة لا تصب في صالح الصهاينة فأوعزوا إلى ربيبتهم منظمة التحرير للقيام بالمهمة ولعبوا هم دور الرافض للقرار ليجعلوا منه بعد إقراره نصراً للمنظمة مؤيدة بأكبر عدد ممكن من المغرر بهم المدلس عليهم .
يقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) التوبة73
واستشهاداً بأمر ربنا فإنّا نرسل عبر بياننا هذا عدة رسائل إلى من يخصه الأمر
أولا:
إلى ما يسمى بمنظمة التحرير العميلة ومن والاها أبشروا بتسونامي جهاد على أرض فلسطين يرمي بكم إلى مزابل التاريخ .
ثانيا:
إلى من ركب الدين مطية وارتداه قناعاً ، إلى حماس ومن والاها عودوا إلى الله من قبل أن نقدر عليكم فتصبحوا على ما اقترفتم نادمين .
ثالثا:
إلى حكام الصهاينة الجبناء اقترب الوعد الحق وآن أوان زوالكم إن شاء الله.

الرسالة الأولى إلى منظمة التحرير العميلة ومن لف لفها مستعرضين تاريخها بإختصار، فالكل يعلم أنّ ثائرة المسلمين ثارت بسبب قيام ما يسمى دولة إسرائيل مما شكل ضغطاً كبيراً على الحكام المرتدين الذين اضطروا لركوب قطار إدعاء تحرير أرض باعوها بأيديهم ، فقاموا بشن حروب وهمية لينفّسوا عن شعوبهم لكنها باءت بالفشل وأورثت الخيبة ،وكان لا بد لهؤلاء الحكام من أن يخترعوا ثورة مصطنعة يقفون ورائها ، وتكون لهم ذريعة لتغطية خيانتهم من جهة ،ومثبتة لحكمهم بقمع العباد وإفساد البلاد بحجة دعم الثورة من جهة أخرى، فيصبح كل منتقد لهم خائن للثورة ومن يدعمها أي حكام الثورة، ونذكّر هنا بكلام العبد الخاسر(جمال عبد الناصر) عن المنظمة عندما قال ( هي خطأ لكنها يجب أن تكون ) فكانت فكرة منظمة التحرير التي ادعت الثورة وكانت منذ نشأتها كما رآها الحاج أمين الحسيني على أنها أداة بيدالأنظمة العربية التي كانت تسمى بأنظمة الثورة ، فتبنت هذه المنظمة شعارات تخدع فيها الشعوب وتخدع نفسها قبلهم، ومن هذه الشعارات تحرير فلسطين من النهر إلى البحر،وشعار عودة اللاجئين، وشعار تحرير فلسطين واجب ديني وقومي ووطني ، فالشعار الأول والثاني كان لتجيش الفلسطينيين ، والشعار الثالث لتوهم الشعوب أنها تحمل فكرتهم بتحرير فلسطين، ولكن من يستعرض تاريخ هذه المنظمة يعلم تماماً مدى عمالتها وتفريطها بقضية المسلمين، ومن هذا التاريخ بإختصار : ففي بيانها الأول حرصت المنظمة على بيع الضفة الغربية للملك حسين إرضاءً له، فقد تعمد الشُقيري إخراج الضفة الغربية من خطابه الوطني الفلسطيني لكسب دعم الملك حسين، وبعد ثلاثة أعوام من تأسيس المنظمة كانت النتيجة حرب حزيران، التي أكمل بها الصهاينة إحتلال الوقف الإسلامي فلسطين، وبعد الحرب بعام كانت معركة الكرامة التي كادت أن تكون مقتلة في صفوف المغرر بهم وهزيمة نكراء لولا تدخل الجيش الأردني والمدفعية العراقية في الوقت المناسب ، مما أدى إلى تراجع الصهاينة، وشكلت هذه المعركة موجة إعلامية كبيرة سيرت لمصلحة المنظمة بمباركة حكام الردة، أدت إلى مد ثوري في صفوف الشعوب المسلمة عامة وشعب فلسطين خاصة ، وتراكضت الأنظمة المرتدة لادعاء دعم الثورة تثبيتاً لكراسيها وإرضاءً لشعوبها الخائبة التي كانت ترى فيهم حكاماً مهزومين ، نعم لقد انقلبوا بفضل هذه المعركة من حكام عملاء مهزومين إلى حكام ثوريين، وبعد معركة الكرامة بعامين كان الإنجاز الأكبر للمنظمة في ذلك الحين ألا وهو حرب أيلول الأسود مع الجيش الأردني في الأردن، مما أدى إلى إخراج الكم الأكبر من الشعب الفلسطيني من معادلة الثورة ، وخسارة أكبر حدود مع فلسطين ،ومن النتائج العظمى لحرب أيلول هي إفراغ الجيش الأردني من الفلسطينيين (الوطنيين) الذين كان لهم الدور الأكبر في إستنزاف العدو على تلك الجبهة، وبعد أيلول تم الانتقال إلى سورية ولبنان ،نعم لبنان التي حاولت المنظمة أن تجعله مسرحاً لها ولفسادها، حتى أضحى مستعمرة لها بحجة المقاومة حتى سمي في مرحلة من المراحل (فتح لاند)
فما هي إنجازات هذه المقاومة في لبنان ؟ قيام الصهاينة بإجتياحه مرتين وإحتلال جنوبه وإستباحة عاصمته والتجزير بمخيمات اللاجئين فيه، وكل هذا ببساطة بسبب أوامر الإنسحاب التي كانت تُعطى للمقاتلين الذين كانوا يُسمون بمفهوم قيادة المنظمة بالحمير ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل كان من شروط الانسحاب إعطاء رتبة لكل منسحب، فكانت النتيجة نقمة أهل هذا البلد على الفلسطينيين وقضيتهم، وهذا ما يفسره عيش الذل الذي يعيشه شعب فلسطين في لبنان ،( لا بناء، ولا طبابة، ولا عمل ) ومن منجزات المنظمة أيضا تقسيم الشعب الفلسطيني إلى أحزاب متناحرة فيما بينها منقسمة على نفسها ،فبعدما كانت البندقية موجهة نحو الصهاينة أصبحت موجهة نحو (اللاجئ) المسكين ، فمزقوا الشعب حتى قتل الأخ أخاه ،ومن ثم تم الانتقال إلى تونس والجزائر بعدما أنجزوا مهمتهم بإخراج جبهات بلاد الشام من الجهاد، وبعد انتفاضة عام سبعة وثمانين وتسع مئة وألف دخلت المنظمة فلسطين وعلى صدرها وسام العار أوسلو، فقامت بقمع الشعب الذي ادعت أنها جاءت لتحريره، وقبلت بغزة وأريحا بحجة المرحلية المزعومة ،وتتالت مؤتمرات البيع ( كامب ديفيد وطابا والعقبة وشرم الشيخ وأنابوليس ) والقيام بالمساومة الحقيقية على حق اللاجئين ، وطرح فكرة التعويض على هذا الشعب المنهوب من قبل كل تنظيماته، فكل مؤتمرات الدعم كانت تصب في جيوبهم وجيوب الحكام المرتدين، والآن وبكل وقاحة تتوجه المنظمة إلى ما يُسمى بالأمم المتحدة لتمرير قرار الاعتراف بدولة ما يسمى فلسطين على أقل من عشرين بالمائة من وقف فلسطين، مفرطة بحقوق (اللاجئين) وبالقدس ومعترفة بثمانية وسبعين بالمائة من وقف فلسطين لليهود بشكل رسمي، دون الالتفات إلى المليار ونصف المليار مسلم الذين دفعوا الكثير من أموالهم لهذه المنظمة العميلة لتحرير فلسطين التي كانوا يظنوا بها الخير, والأوقح من ذلك إدّعاء توجهها لما يسمى بالأمم المتحدة بأنّه نصر للشعب الفلسطيني التي جعلت منه وقوداً لخيانتها ، لقد قدمت المنظمة هدية كبرى للصهاينة والغرب بهذا التوجه وما منع الكيان الصهيوني وحليفه الغرب من عرقلة القرار إلا ما يحدث في البلدان العربية من ثورات، فهم لا يريدون أن يتسرعوا بقرارهم من قبل أن تهدأ الساحة ، وخلاصة القول نستعرض بنقاط أهم منجزات منظمة التحرير : بيع الضفة في أول بيان ، إخراج الأمّة من جهادها وحصر القتال بالشعب الفلسطيني الأعزل، مقتلة الكرامة ، حرب أيلول وإخراج اكبر نسبة لاجئين وأكبر جبهة قتال مع العدو من المعادلة ، تخريب لبنان وتقسيم الشعب الفلسطيني لأحزاب وتنظيمات متناحرة وتجسيد الذّل للاجئين فيه ، التنازل عن ثمانين بالمائة من فلسطين في أوسلو والاعتراف بدولة إسرائيل، نهب أموال الشعب الفلسطيني وتحويل فئاته لعمال يدورون حيث تدور المنظمة ، وتجسيد العمالة الواضحة لكل أجهزة الاستخبارات الداعمة للمنظمة, وبعد هذا كله لا زال من أهل فلسطين من يثق بهذه المنظمة العلمانية العميلة .

الرسالة الثانية إلى قيادة حماس التي أذهبت دماء المسلمين هباءً منثوراً ، وركبت سفينة أوسلو فقامت بأوسلة قضية المسلمين باعترافها بأوسلو بغطاء ديني، وإلى من يدور في فلكها متقنعاً معها بالدين وإلى العقلاء منهم نقول لهم عودوا إلى شرع الله من قبل فوات الأوان ، فو الله لن ينفعكم مشعل عند الله ،ألا يكفي أنه سار تحت مظلة أوسلو وبارك قتل المسلمين في رفح، وهدر دماء أهل الشيشان إرضاءً لروسيا ، ألا يكفي عمالته لنظام النصيرية في سورية وقوله عنهم مؤمنين، لا بل تجرأ بأن يعلن من عاصمة الروافض طهران بأنّ تحرير القدس يبدأ من طهران ،ألا خسئ وخسئوا فو الله وتالله لنحررنّ خرسان والأهواز وجزر الخليج انطلاقا من الأقصى إن شاء الله ، لقد بات واضحاً جلياً أمام الجميع أنّ حماس تلعب مع منظمة التحرير على وتر واحد منافسةً إيّاها في ساحات ما يسمى الوطنية والسياسة على التفاوض مع الصهاينة ادعاءاً منهم أنهم يمثلون المسلمين عموماً والفلسطينيين خصوصاً ، إنّهم بإختصار يريدون أن يورثونا عاراً لم يستطع الصهاينة أخذه بالقوة ألا وهو بيع الأرض والمقدسات ، ونحن نتساءل هل ذهبت دماء عياش وعقل وأبو هنود والرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وغيرهم الكثير الكثير مقابل القبول بتقزيم القضية لتصبح فتح معبر وإغلاق معبر ، لقد رهنت قيادة حماس الجهاد بأجهزة مخابرات عميلة تنفذ أجندة الصهاينة، وأصبح جهاد المسلمين بإتجاه فلسطين فقط بالمال لا بالنفس ، ففي مؤتمرات الدعم تصبح فلسطين لكل المسلمين لكي تحصل حماس والمنظمة والفصائل على أكبر قدر ممكن من المال ، وإذا ما تقدم مجاهد مسلم نحو فلسطين أو تفوه بكلمة يصبح خارجي وتكفيري، والجهاد لا يحق في فلسطين إلا لهم والجهاد منهم براء ، وهاهي قيادة حماس تعلن موقفها من توجه منظمة التحرير إلى مجلس ما يسمى الأمن لإعلان الدولة بأنّها إنّما عارضت الخطوة لأنّ المنظمة لم تشركها فيها وبالتالي ذهبت المنفعة أدراج الرياح .
وللعلم فإنّ الفصائل الفلسطينية تنقسم إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها القسم الأول هو قسم اللصوص والعملاء وهم القيادة ،والقسم الثاني هو قسم المرتزقة والمتسلقين وهم الصف الثاني، والقسم الثالث هو القسم المغرر به المضحوك عليه وهو الذي يدفع الدماء ، وبالنهاية فإنّ أموال الشعب الفلسطيني تصب في جيوبهم وجيوب من معهم دون بقية الشعب الذي حولوه لوقود ثورة أضاعت حقه في العودة وباعته على لسان ياسر عبد الصهاينة، وجعلوا من هذا الشعب وقضيته مطية يتسابقون عليها لمصافحة الصهاينة الجبناء.

الرسالة الثالثة إلى الصهاينة الأوغاد المحتلين أبشروا باقتراب وعد الله بدخولنا المسجد كما دخلناه أول مرة وبتتبيرنا عُلوكم تتبيراً بإذن الله، فمهما اتفقتم مع المدّعين شرعيتهم فلن يُفيدكم ولن تمرروا مخططاتكم إلا على جثثنا، فأجمعوا ومن معكم أمركم ثم لا تُنظرونا فإنّا لكم بالمرصاد إن شاء الله, إنّ الله قد وعدنا بتحرير المسجد الأقصى وحدد لنا طريقة التحرير هي الجهاد فقط وليس التنازلات والإتفاقيات والصلح, وأخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله بأنّ الذي سيحرر المسجد الأقصى هم أهل لا إله إلا الله, هم الذين لا يعترفون بحدود مصطنعة ولا بقومية مقيتة ولا بديمقراطية عفنه هم الذين يريدون لشرع الله أن يحكم البشرية , فنحن والمخلصين من هذه الأمة سوف نريكم العجب وسوف ترون بأعينكم كيف يكون الجهاد نسأل الله التيسير.

وأخيراً نتوجه إلى شعب الجهاد شعب فلسطين نقول لهم ناصحين، أما آن الأوان لإسقاط هذه التنظيمات كما تسقط أنظمة الردة في باقي البلدان ، إلى متى التحكم بكم وبقراركم ورهنكم للغير ؟ إلى متى عيش الذل والدونية بسبب هذه الفصائل ؟ أما آن الأوان للعودة إلى خط لا إله إلا الله فبه عزتكم وكراماتكم في الدنيا والآخرة.. هل ستقبلون بالتنازل عن عكا وحيفا ويافا وصفد ببضع دراهم لتورثوا أنفسكم وأولادكم العار بإسم المرحلية المزعومة ، إنّ الذي باع قد باع مهما زين كلمة بيعه من ألقاب ، هل نبيع الأرض ببضع ورقات؟ لا والله هذا لن يكون بإذن الله .

وفي النهاية نُحذر كل الذين سولت لهم أنفسهم التفكير في التفريط أو بيع وقف المسلمين فلسطين بأنّه سيكون هدفاً مشروعاً للمجاهدين كائناً من كان سواءً كان حكومة أو فصيلاً أو شخصاً, فاحذروا وراجعوا أنفسكم من قبل أن نصلكم بحصاد لا ينبتُ بعده زرع.

( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )

القسم الإعلامي لتنظيم فتح الإسلام 

الثلاثاء 20/ ذو القعدة/ 1432هـ الموافق 18 / أكتوبر/2011م

alt

 

حملة الشهيد بن لادن الخيرية لإغاثة المتضررين من الجفاف

بسم الله الرحمن الرحيم

حملة الشهيد بن لادن الخيرية لإغاثة المتضررين من الجفاف



الحمدُ لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد و على آله وصحبه أجمعين أما بعد:

وصل اليوم الخميس إلى مخيم آل ياسر بولاية شبيلى السفلى قافلة من المساعدات مقدمة من القيادة العامة لتنظيم القاعدة، وتتكون القافلة الخيرية التي حملت أسم (حملة الشهيد بن لادن الخيرية) من كمية من المواد الغذائية تتنوع بين الأرز والتمر والزيت، و2000 قطعة من الحجاب الشرعي، وثياب مخصصة لـ 10000 طفل من المخيم، و4000 علبة حليب مجفف، و4000 كيلو تمر، و1500 مصحف، و1500 نسخة من كتاب حصن المسلم، وسيارة إسعاف وشحنة من الأدوية مقدمة من القيادة العامة لتنظيم قاعدة الجهاد، بالإضافة إلى مبلغ 17000 دولار تم تحويله إلى العملة المحلية وتوزيعه على المتضررين بالمخيم ليستعينوا به في موسم الزراعة الحالي لدى عودتهم إلى قراهم.

وقد رافق القافلة وفد من قيادة حركة الشباب المجاهدين على رأسهم الشيخ علي محمود راجي المتحدث الرسمي باسم حركة الشباب المجاهدين، وقد شكر الشيخ علي لدى حديثه لوسائل الإعلام القيادة العامة لتنظيم القاعدة وفي مقدمتهم الشيخ الدكتورأيمن الظواهري حفظه الله.
كما قرأ الأخ أبو عبد الله المهاجر بيانا من تنظيم قاعدة الجهاد على أهالي المخيم، نقل في أوله تحية من تنظيم القاعدة إلى أهالي المخيم وأكد على الدور الذي كان يقوم به الشيخ الشهيد أسامة بن لادن تقبله الله في مواساة المسلمين، وشكر الحركة على إهمتامها بمساعدة المتضررين من موجة الجفاف.

صور من القافلة

alt

alt

 

alt

 

alt

alt

alt

alt

 

alt

 

alt

 

alt

 

اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب، اهزم الصليبيين ومن حالفهم من المرتدين.
اللهم اجعلهم وعتادهم غنيمة للمسلمين.
اللهم دمّرهم و زلزلهم.
اللهم أنت عضدنا وأنت نصيرنا،اللهم بك نصول وبك نجول وبك نقاتل.

والله أكبر

{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}


مُؤسَّسةُ الكَتائِب للإنتَاج الإعلامِي
حَركةُ الشَّبابِ المُجَاهدِين

الجمعة 16 ذو القعدة 1432 هـ
14/10/2011


المصدر : (مركز صدى الجهاد للإعلام)
الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية
رَصدٌ لأخبَار المُجَاهدِين وَ تَحرِيضٌ للمُؤمِنين 

الثورة بين السلاح وداء استوكهولم

الكاتب : أبو المنذر الشنقيطي
تاريخ الإضافة: 2011-12-24

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

يقولون عن "داء استوكهولم" أنه يعني تعلق الضحية بالجلاد وتعاطفها معه ..

وقد رأينا أعراض هذا المرض بارزة في الأمة ومنتشرة بين المسلمين بشكل عام وجموع الثائرين بشكل خاص.

وقد ظهرت تلك الأعراض في عدة مواقف وتجلت في الكثير من الأزمات ..

ظهرت في إصرار الكثير من الثوار على تمسكهم بشعار سلمية الثورة مع تعرضهم للمذابح المستمرة والمجازر الوحشية من طرف هذه الأنظمة وجنودها.

حتى إن الثوار في اليمن يتركون أسلحتهم في البيوت ويخرجون إلى الشارع فيتلقون رصاص النظام بصدور عارية!

لم قاموا إذن بجمع السلاح طيلة السنوات الماضية ؟!

قالوا بأن الشعب اليميني شعب مسلح وأن تداول بيع السلاح مثل تداول بيع قطع الحلوى وأن لكل قبيلة سلاحها الخاص وربما كان لها دبابات ومدافع ..

فهل كدسوا هذا السلاح لبأس أعظم من بأس الطاغية على صالح ؟

أم أن الشاعر أحمد مطر عناهم بقوله :

لملم عباس ذخيرته والمتراس ،
ومضى يصقل سيفه ،
عبر اللص إليه، وحل ببيته ،
(أصبح ضيفه)
قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سيفه ،
صرخت زوجة عباس : " أبناؤك قتلى، عباس ،
ضيفك راودني، عباس ،
قم أنقذني يا عباس" ،
عباس ــ اليقظ الحساس ــ منتبه لم يسمع شيئا ،
(زوجته تغتاب الناس)
صرخت زوجته : "عباس، الضيف سيسرق نعجتنا" ،
قلب عباس القرطاس، ضرب الأخماس بأسداس ،
أرسل برقية تهديد ،
فلمن تصقل سيفك يا عباس" ؟"
( لوقت الشدة)
إذا، اصقل سيفك يا عباس .

***


وظهرت في تعامل الثوار مع القوات التي تواجههم وتبطش بهم ومن القصص التي سمعناها عن الثوار في مصر أن بعضهم كانوا يقدمون وجبات الطعام إلى هؤلاء الجند الذين يضربونهم ويقتلونهم !

وأن بعضهم قاموا بتأمين بعض الجنود وأخرجوهم من مكان كانوا محاصرين فيه فجازاهم أولئك الجنود بجزاء سنمار وأردوهم بين قتيل وجريح !

***


وظهرت في تأسف الكثير من الناس على الطريقة التي قتل بها الطاغية القذافي واستنكارهم لعرض جثمانه وقولهم بأنه كان من حقه أن يحاكم ويقتل قتلة شريفة ..

ونسي أولئك كل ما قام به هذا الطاغية من مجازر وحشية لآلاف مؤلفة دون أي محاكمة أو توجيه تهم ونسوا أنه هو من تفنن في القتل والتعذيب وانتهاك حرمة القتلى ..

أيكون من الظلم أن يعامل قصاصا بما فعله بضحية واحدة من ألوف الضحايا ؟

كلا .. ولو كان له ألوف من الأنفس لكان من العدل أن يقتل ألوف المرات دون أي محاكمات.

***


وظهرت في التأول لجند طواغيت الردة واعتبارهم مكرهين ومضطرين ومعذورين لأنهم إن لم يقوموا بمهمتهم الإجرامية "ذاق العيال مرارة الحرمان" كما قال الشاعر السجين وهو يطري (!) سجّانه :
والصمت يقطعه رنين سلاسل ٍ............ عبثت بهن أصابع السجان
ما بين آونة تمر وأختها....................... يرنو إلي بمقلتي شيطان
من كوة بالباب يرقب صيده................... ويعود في أمن إلى الدوران
أنا لا أحس بأي حقد نحوه................ ماذا جنى فتمسه أضغاني؟
هو طيب الأخلاق مثلك يا أبي ...........لم يبد في ظمأ إلى العدوان
فلربما وهو المروِّع سحنة.................. لو كان مثلي شاعراً لرثاني
أو عاد من يدري إلى أولاده.................. يوماً تذكر صورتي فبكاني
لكنه إن نام عني لحظةً...................:... ذاق العيالُ مرارة الحرمان


ويتناسى هؤلاء الذين عذروا جند الطاغوت بأنه كان عليهم أيضا أن يعذروا جند فرعون الذين قال الله تعالى في شأنهم : {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} ..

فلماذا لم يعذر الله تعالى جند فرعون وهامان ؟

ويتناسى من يعذر هؤلاء الجند أنه تقرر في القواعد الفقهية أن : (الاضطرار لا يبطل حق الغير) أي أن الضرورة لا تبيح الاعتداء على حقوق الآخرين أو النيل منها، وقد قال تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}.

وقال تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ولا شك أن المتعدي على حقوق الآخرين متجانف للإثم ومتعد وباغ فلا رخصة له في تلك الضرورة .

كما أجمع أهل العلم على أن من أكره على قتل مسلم لم يجز له قتله ولا تبيح له الضرورة الاعتداء على نفس غيره طلبا لسلامة نفسه .

قال القرطبي :

(أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الاقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.) تفسير القرطبي - (10 / 183).

ولا يجوز للمسلم أن ينضم إلى أي جيش يقاتل المسلمين ويعتدي عليهم وإن أكره على ذلك لقوله تعالى : { قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم .... } الآية، فقد نزلت هذه الآيات في المسلمين الذين لم يهاجروا وتخلفوا في مكة، فأكرههم المشركون على أن يقاتلوا معهم ضد المسلمين في معركة بدر فنزلت الآية تُبيّن عدم عذرهم، وإن مأواهم جهنم.

وحتى لو أكره شخص على الاعتداء على حقوق غيره فإن حق المعتدى عليه لا يسقط بهذا الاكراه بل يتعين على هذا المكره ضمان ما اعتدى عليه من حق غيره، كما قال في النظم :
والإثم والضمان يسقطان بالجهل والإكراه والنسيان
إن كان ذا في حق مولانا ولا تسقط ضمانا في حقوق للملا


***


وهذا المرض إن استشرى في البشر فلن يقاد من ظالم ولن ينصف مظلوم !

فمن الإجرام أن يعذر أهل الإجرام بحجة أنهم ضحية لملابسات وظروف دفعت بهم إلى ارتكاب الجريمة .

وهو يعني تشجيع الظالم على ظلمه ومكافأته على عدوانه وإجرامه ..

كما قال الشاعر :
أحسنوا العفو والتجاوز حتى مهدوا حرمة لأهل الجرائم


وهذا هو الداء الذي يعاني منه القانون الجنائي الغربي ..داء الشفقة على المجرم واعتباره ضحية !

يقول الشيخ محمد قطب :

(وتمتد هذه النظرة إلى الجريمة والعقاب، فتعطف هذه الدول على المجرم عطفاً بالغاً، وتدللـه باعتباره ضحية أوضاع فاسدة أو عقد نفسية أو اضطرابات عصبية لم يكن يملك التغلب عليها، ومن ثم تحاول تخفيف العقوبة عنه بقدر الإمكان، وتظل تخففها في الجرائم الخلقية خاصة حتى تكاد تخرج بها من دائرة العقاب.

وهنا يتدخل علم النفس التحليلي ليبرر الجريمة.

وقد كان فرويد بطل هذا الانقلاب التاريخي في النظر إلى المجرم على انه ضحية العقد الجنسية التي تنتج من كبت المجتمع والأخلاق والدين والتقاليد للطاقة الجنسية التي يجب أن تجد منصرفها الطليق! ثم تبعته مدارس التحليل النفسي سواء اعترفت مثله بأن الطاقة الجنسية هي مركز الحياة أم لم تعترف. والمجرم في نظرها جميعاً مخلوق سلبي لا يملك أمره من تأثير البيئة العامة والظروف الخاصة التي نشأ فيها وهو طفل صغير. فهم يؤمنون بما نسميه " الجبرية النفسية " أي أن الإنسان لا إرادة له ولا تصرف في الطاقة النفسية التي تتصرف بطرقة جبرية.) شبهات حول الإسلام - (1 / 135)

نعم إنه داء يفضي إلى النتيجة التي توصل إليها الجبرية عندما عذروا كل معتد أثيم لكونه مسيرا بالمشيئة الإلهية ..

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد عليهم :
وهبك كففت اللوم عن كل كافر.................... وكل غوي خارج عن محبة
فيلزمك الإعراض عن كل ظالم........ على الناس في نفس، ومال، وحرمة
ولا تغضبن يوما على سافك دما................... ولا سارق مالا لصاحب فاقة
ولا شاتم عرضا مصونا، وإن علا ...................ولا ناكح فرجا على وجه غية
ولا قاطع للناس نهج سبيلهم ولا............. مفسد في الأرض في كل وجهة
ولا شاهد بالزور إفكا وفرية............................... ولا قاذف للمحصنات بزنية
ولا مهلك للحرث والنسل عامدا........................ ولا حاكم للعالمين برشوة
وكف لسان اللوم عن كل مفسد...................... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة
وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى.................. من الأنبياء محييا للشريعة
على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا .........ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة
وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل................. فعال ردى، طردا لهذي المقيسة
فهل يمكن رفع الملام جميعه.................... عن الناس طرا عند كل قبيحة ؟
وترك عقوبات الذين قد اعتدوا..................... وترك الورى الإنصاف بين الرعية
فلا تُضمنن نفس ومال بمثله........................ ولا يُعقبن عاد بمثل الجريمة
وهل في عقول الناس أو في طباعهم .........قبول لقول النذل ما وجه حيلتي؟
وقول حليف الشر إني مقدر علي..................... كقول الذئب هذي طبيعتي


***


البعض يحاول أن يجعل من هذا الداء قيمة أخلاقية ملائكية رفيعة تسموا بصاحبها عن خلق الانتقام بما فيه من أحقاد وضغينة .

والحقيقة أن البشر لا يتسامى إلا بتحقيق بشريته، أما محاولة التسلق إلى الأفق الملائكي فهي محاولة عبثية وعرض من أعراض الخلل الفطري على شاكلة من يتعبد لله بترك الزواج!

ولربما أصبح بعض هؤلاء اليوم يرفع شعار : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر!

صحيح أن المسلم مأمور بالعفو ومطالب به ولكن العقوبة والأخذ بالحق لها محل ومقام، والعفو والصفح له محل ومقام .

كما قال الشاعر :
أرى الحلم في بعض المواطن ذلةً وفي بعضها عزاً يسود فاعله


وبيان ذلك أن لله تعالى أمر بالانتصار والأخذ بالحق فقال تعالى في وصف المؤمنين : {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}.

وأمر بالعفو والصفح فقال : {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.

ولا تعارض بين الآيتين بل لكل منهما محله ومقامه .

فالمقام الأول : حين يكون الظلم قائما والظالم متماد في غيه وعدوانه فيجب على المظلوم مواجهته وصد عدوانه ورفع الظلم عن نفسه حسب قدرته لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}.

قال الشوكاني :

({والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ } أي : أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح؛ لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[ المنافقون : 8 ]، فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة . قال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم السفهاء ،) فتح القدير - (6 / 386).

وقال الطاهر ابن عاشور :

(وإنما أثنى الله عليهم بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيها على أن ذلك الانتصار ناشئ على ما أصابهم من البغي فكان كل من السبب والمسبب موجب الثناء لأن الانتصار محمدة دينية إذ هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم مؤمنون، فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم،.) التحرير والتنوير - (25 / 172).

فالعفو عن الظالم لا يحسن إلا بعد الانتصار عليه والقدرة عليه ورفع ظلمه ..

قال البيضاوي :

(والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي ) تفسير البيضاوى ـ (5 / 133).

وهذا كما قال الشاعر :
يستحسن العفو إلا عن منابذة في العفو عنها لركن العز إيهان


وقال في الظلال :

(والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة. فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء. فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجئ ضعفا يخجل ويستحيي، ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى. والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو. فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا. .

وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز. فليس له ثمة وجود. وهو شر يطمع المعتدي ويذل المعتدى عليه، وينشر في الأرض الفساد! «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ») فى ظلال القرآن ـ (5 / 3167)
وبعض الحلم عند الجهــــــ ــــــــل للذلة إذعان
وفي الشر نجاةٌ حيـــ ـــن لا ينجيك إحسان


وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالانتصار وردع الظالم حسما للظلم وقطعا لأسبابه فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه » رواه الترمذي و أبو داود و أحمد.

وقال صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم.) رواه الطبراني في المعجم الكبير.

والانتصار أيضا متعين إن كان الظالم مسلما لوجوب نصرة الظالم المسلم أي منعه من الظلم لما روى البخاري في صحيحه عن أنس، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره.

وعن أبي هريرة قال : (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال أرأيت إن قتلني قال فأنت شهيد قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار) رواه مسلم .

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة من جاء يريد أخذ المال ولم يأمر بالعفو عنه والإعراض عنه وتركه يأخذ المال .

وعن سعيد بن زيد عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال : « من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد ».رواه أبو داود .

وهذا تحريض على التصدي للظالم وعدم الرضوخ له .

والمقام الثاني الذي يندب فيه العغو والصبر يتحدد في صورتين :

الصورة الأولى :

أشار إليها ابن العربي بقوله : (أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } وقوله تعالى : { فمن تصدق به فهو كفارة له } ) أحكام القرآن لابن العربي - (7 / 88).

الصورة الثانية :

أن يكون ذلك في الفتنة كالقتال على العصبية أو القتال الذي لم يعرف سببه ولم يتبين فيه وجه الحق، فقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على الأمر بالصبر وعدم التصدي للظالم في الفتنة.

ومن هذه الأحاديث :

1- حديث أبى ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم، قلت : ما خار الله لي ورسوله، قال عليك بمن أنت منه، قلت : يا رسول الله أفلا آخذ سيفى وأضعه على عاتقى قال : شاركت القوم إذن، قلت : فما تأمرنى ؟ قال : تلزم بيتك، قلت : فإن دخل على بيتى، قال : فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف، فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه ".أخرجه أبو داود وابن ماجه

2- حديث أبى موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بين يدى الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسى كافرا، ويمسى مؤمنا، ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشى فيها خير من الساعى، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل بغى على أحد منكم فليكن كخير ابنى آدم " أخرجه أبو داود

3- حديث عبد الله بن خباب قال : سمعت أبي - رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : - " تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل" - أخرجه ابن أبي خيثمة. والدارقطني والحديث مداره على رجل من عبد القيس، وهو" مجهول".

وهذه الاحاديث كلها خاصة بالفتنة ولا تعارض بين خاص وعام .

فالنصوص التي تأمر بمواجهة الظالم والنصوص التي تأمر بالعفو والصبر لا تعارض بينها لاختلاف المقام .

وفي ذالك يقول الطاهر ابن عاشور :

(وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} وبين قوله آنفا {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى : 37] تعارض لاختلاف المقامين كما علمت آنفا.) التحرير والتنوير - (25 / 172).

ومن المهم عند الحديث عن العفو معرفة موضعه ومجاله إذ ليس للإنسان ان يعفو إلا عن حق نفسه، وليس له العفو عن حق غيره من الناس، وليس له العفو عن حق الله عز وجل .

فالحدود من حق الله عز وجل ولا يجوز العفو فيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف عن بن جريج قال أخبرني عبد العزيز بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب قال لا عفو عن الحدود عن شيء منها بعد أن يبلغ الإمام فإن إقامتها من السنة .

ومن الحدود التي هي من حق الله حد الحرابة فلا يجوز مع أهل الحرابة عفو ولا صفح ولا مَن.

كما قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة :

(والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به فإن قتل أحدا فلا بد من قتله وإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه وكثرة مقامه في فساده فإما قتله أو صلبه ثم قتله أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يتوب).

وذالك لقوله تعالى : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة : 33].

ومن الحدود التي هي من حق الله حد الردة وقد نزلت الآيات السابقة في من جمعوا بين الردة والحرابة من العرنيين.

وقد قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيدي العرنيين وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم ولم يحسمهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا .

ونحن مهما بلغنا من الرحمة والعفو والصفح فلن نكون أرحم من الله عز وجل وهو الرحمن الرحيم وأرحم الراحمين .

وقد حذر الله تعالى عباده من الرحمة واللين عند استيفاء الحدود والحقوق فقال تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور : 2].

قال العلامة السعدي في تفسيره :

(ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب،) تفسير السعدي - (1 / 561).

قال صفي الدين الحلي :
لا تطمعن ذوي الفساد بتركهم، فالنذل تطغى نفسه إذ تكرم
فأقم حدود الله فيهم، إنهم وثقوا بأنك راحم لا تنقم
إن كنت تخشى أن تعد بظالم لهم، فإنك للرعية أظلم
فالحلم في بعض المواطن ذلة، والبغي جرح، والسياسة مرهم
ما رتب الله الحدود، وقصده، في الناس، أن يُرعى المسيءُ ويرحمُ
لو شاء قال دعوا القصاص ولم يقل بل في القصاص لكم حياة تنعم
إن كان تعطيل الحدود لرحمة فالله أرأف بالعباد وأرحم
فاجز المسيء، كما جزاه بفعله واحكم بما قد كان ربك يحكم
عقرت ثمود له قديما ناقة وهو الغني، عن الورى، والمنعم
فأذاقهم سوط العذاب، وإنهم بالرجز يخسف أرضهم ويدمدم
وكذاك خير المرسلين محمد، وهو الذي في حكمه لا يظلم
لما أتوه بعصبة سرقوا له إبلا من الصدقات، وهو مصمم
لم يعف بل قطع الأكف وأرجلا من بعد ما سمل النواظر منهم
ورماهم من بعد ذاك بحرة نار الهواجر فوقها تتضرم
هذي حدود الله من يخلل بها، فجزاؤه، يوم المعاد، جهنم .



أخيرا :

نقول لجمهور المسلمين الثائرين :

إن الطواغيت الذين وصلوا إلى الحكم بالقوة لن يتركوه إلا بالقوة، والحديد لا يفله إلا الحديد، والقتل أنفى للقتل{ولكم في القصاص حياة} .

ولن تصل هذه الثورات إلى نتيجة إلا إذا كان لها قوة تحمى المتظاهرين وتدك عروش الطغاة المجرمين :
وكنت إذا قوم غوزني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم
متى تحمل القلب الذكي وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم



لن تنجح الثورات إلا إذا تحول الثوار من متظاهرين عزل مسالمين إلى ثوار مقاتلين مسلحين.

فلن يحميكم من بطش هؤلاء الطواغيت إلا السلاح ..

والتجربة الليبية خير مثال على ذلك .

ولا يفت في عضدكم أن المجاهدين قد خرجوا على هذه الأنظمة منذ سنوات ولم يفض ذلك إلى نتيجة فإن الأيام دول والدهر قلّب وقوي الأمس قد يكون ضعيف اليوم والمنتصر بالأمس قد يكون مهزوما اليوم ..

ومن الخطأ إلقاء السلاح بعد الهزيمة ممن كان مؤمنا بقضيته..

وقد هزم المسلمون في معركة أحد فما ضعفوا وما استكانوا حتى نصرهم الله ودالت الدولة على أعدائهم .

وقد لاحت البشائر بانكسار هؤلاء الطواغيت وقرب زوالهم بعد أن ظهرت مخازيهم وكشفت أستارهم ولم يعد أمرهم خافيا على الأحمق والبليد ..

فالله الله في أمتكم ودينكم ولا تجعلوا من أنفسكم فريسة سهلة لهؤلاء الطواغيت ..

نقول للإخوة في سوريا وفي اليمن التحقوا بركب المجاهدين الذين حملوا السلاح ضد هذه الأنظمة وكونوا لهم عونا ونصيرا .

ونقول للإخوة في مصر واصلوا الاعتصام من أجل إسقاط حكم العسكر، ولا تغفلوا في الوقت نفسه عن إعداد العدة والحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه :
أبو المنذر الشنقيطي
29 ذو الحجة 1432 هـ

منبر التوحيد والجهاد

هل كان للأقباط دور تاريخي في مقاومة المحتل

هل كان للأقباط دور تاريخي في مقاومة المحتل
حملات صليبية ـ فرنسي ـ بريطاني

بقلم د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية ـ لندن

لأقباط واستعراض القوة:

التظاهرة غير المبررة والمفتعلة التي قامت في الكاتدرائية القبطية في القاهرة بزعم خطف زوجة القسيس الذي تبين بعدها أن السيدة وفاء قسطنطين[1] لم تخطف وأنها أسلمت سراً منذ سنوات وحفظت 17 جزءاً من القرآن الكريم ثم قررت أن تعلن إسلامها وتركت منزل الزوجية الذي انفسخ بحكم إسلامها.. فإذا بقيامة الأقباط قد قامت وغرهم انشغال الشعب المصري المسلم بما يعانيه من قهر وظلم وتضييق في حريته ورزقه .. غرهم تحريض أقباط المهجر وخفافيش البنتاجون .. واستمروا في العصيان لكن الملفت للانتباه أن هذه التظاهرة قوبلت كسابقتها (تظاهرة القس المشلوح الذي نشرت له صور خليعة) قوبلت التظاهرة من رجال الأمن بصبر منقطع النظير وغير معهود على هؤلاء الأشاوس الذين يتعاملون مع مثل هذه الأحداث رغم استفزاز المتظاهرين لقوات الأمن والحكومة وترديد شعارات معادية للإسلام وأهل البلد والحكومة نفسها حتى وصل الأمر إلى إصابة أكثر من أربعين من ضباط وجنود الشرطة مما اضطرهم للقبض على بعض هؤلاء المتظاهرين.. والعجيب أن الكنيسة انتفضت فجأة وكأن شعارهم (يا لثارات الأقباط) ثم إننا نجد أنفسنا أمام هذا الاستعراض الطائفي مسلطين الضوء على الحقائق التالية:


أولاً: هذه تظاهرة لاستعراض القوة ومحاولة لابتزاز الحكومة التي دأبت على تدليل الأقلية القبطية والرضوخ لمطالبهم المتعسفة التي يفتقدها الشعب المسلم في مصر، بل يطالب عدد كبير من المسلمين أن تعاملهم الحكومة مثلما تعامل الأقلية المسيحية حيث كل أنواع القمع والتضييق على المسلمين سواء في الفصل من الوظائف الحكومية والتربوية وإحالة العديد من المدرسين إلى وظائف إدارية، والطرد من المؤسسة العسكرية أو جهاز الشرطة أو الأجهزة الإدارية الحساسة وغير الحساسة في الدولة لكل من يشتبه أن له قريباً كان ذات يوم معتقلاً سياسياً أو يشتبه بأن هذا القريب كانت له صلة بالجماعات الإسلامية، بالإضافة إلى حملة حكومية منظمة بغية تجفيف المنابع الإسلامية سواء في برامج الإعلام أو المناهج التعليمية.
ثانياً: اعتقاد بعض رجال الكنيسة المصرية أن ظهرهم محمي وأن وراءهم الغرب المسيحي وعلى رأسهم أمريكا؛ هذا الاعتقاد قد أدى إلى افتعال أحداث والمبالغة فيها بغية التزلف للغرب المعادي للإسلام كحادثة الكشح عام 2000م، وحادثة القس المشلوح بدير المحرق بأسيوط؛ صاحب الصور الخليعة عام 2001م، ثم حادثة السيدة وفاء قسطنطين عام 2004م التي أسلمت وأجبرت على العودة إلى الكنيسة مما يتصادم مع النظام العام في مصر هو الإسلام.. ومن ثم الضغط على الحكومة بزعم أن الأقباط في مصر مضطهدون من قبل المسلمين وأن الحكومة تشجعهم.
ثالثاً: انشغال الحكومة في مطاردة وملاحقة الإسلاميين (60 ألف معتقل مسلم لا يوجد بينهم نصراني) عبر سلسلة المحاكمات العسكرية وتأميم النقابات المهنية وفرض الحراسات عليها والاعتقال طويل الأمد ومحاربة روح التدين، والسخرية من الهدي الظاهر لدى المتدينين المسلمين كالنقاب واللحية وتسخير كافة الأجهزة الأمنية لمحاربة الإسلاميين تحت شعار محاربة (الإرهاب)، وأحداث سبتمبر 2001م وجنون أميركا، واحتلالها العراق 2003م؛ كل ذلك شجع زعماء الكنيسة المصرية أن تدبر بليل تلكم التظاهرات وهي مطمئنة من عدم ملاحقة قوات الأمن لأتباعها لأن ظهرهم محمي جداً من أميركا وأوروبا.
رابعاً: ارتفاع منحنى حماس الأقلية النصرانية في مصر بعد اعتراف الغرب بتيمور الشرقية للأقلية المسيحية وإجبار أندونسيا على الاعتراف بهذا الانفصال عن الدولة الأم.. ونود أن نهمس في أذن الأقباط أن مصر الإسلامية التي افتتحها عمرو بن العاص والزبير بن العوام وعبادة بن الصامت وكل هؤلاء الأخيار لا ولن تكون نصرانية مرة أخرى، ولن يعود التاريخ كما يحلم الواهمون.

النقطة الأولى: تمرد الأقباط المسلح تاريخياً[2]:

بعد هذه التقدمة نود أن نلقي الضوء على جانب من تمرد الأقباط ونقضهم عقد الذمة منذ الفتح الإسلامي سنة 20هـ ، رغم تعامل ولاة المسلمين معهم بكل تسامح، فكانوا يتظاهرون ويعلنون العصيان المسلح على الدولة ويقتلون عمال الحكومة ويتصلون بدولة الروم ثم يتصدى الحكام لهم بإرسال من يطالبهم بفض العصيان في مقابل العفو عنهم إلا أنهم في الغالب يتعنتون ويصرون على التمرد بزعم أن دولة الروم قد تساعدهم غير أن حساباتهم كانت على الدوام خاطئة فسرعان ما ينتصر عليهم جيش المسلمين ثم يعفو عنهم الخليفة أو الوالي ويجددون له الولاء والطاعة والالتزام بنود عقد الذمة المنصوص عليه في اتفاقيتي بابليون الأولى (الخاصة بأهل مصر قبل فتح الإسكندرية)سنة 20هـ وبابليون الثانية (الخاصة بأهل الإسكندرية) سنة 20هـ أيضاً، لكنهم يعودون مرة أخرى لعصيانهم متذرعين بأحداث لا تتناسب وحجم عصيانهم المسلح.. وهذا ما سنمر عليه سريعاً عبر هذه المحطات التاريخية السريعة التالية:

الأول: في ولاية عبد العزيز بن مروان (65ـ 86هـ) علي مصر قام بطريك الكنيسة المصرية بالاتصال بملكي الحبشة والنوبة للتآمر على الدولة الإسلامية.
الثاني: تمردهم على الخليفة الأموي مروان بن محمد بعد أن تبين أنه مطارد من قبل العباسيين وتآمروا على قتله سنة 132هـ .
الثالث: استغلوا الفتنة التي قامت بين الأمين والمأمون فأعلنوا عصيانهم بقيادة قساوستهم ورهبانهم في وجه بحري.
الرابع: وفي عهد الوالي عبد الله بن عبد الملك بن مروان (86-90هـ) قامت حركة تمرد ضد الدولة بقيادة قساوسة وادي النطرون وبطرك الكنيسة القبطية في الإسكندرية وتم إخماد المؤامرة.
الخامس: في عهد والي مصر قرة بن شريك (90-96هـ) تمرد النصارى وظل يطاردهم قرة بن شريك حتى توفي وجاء بعهده أسامة بن زيد التنوخي واستطاع اخماد الفتن.
السادس: وفي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99ـ101هـ) ورغم تسامحه إلا أنهم كانوا يتآمرون سراً على الدولة الإسلامية.
السابع: في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك (101ـ105هـ) تآمر النصارى وتمردوا على الحكومة مما جعل الخليفة يرسل جيشاً لقمع تمردهم ولذلك فإنهم يكرهونه جداً ويصفونه بالشيطان.
الثامن: وفي عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105ـ125هـ) فرغم تعامله مع نصارى مصر بالتسامح إلا أنهم تمردوا وتم قمع تمردهم.
أقول: لكن هذه الحركات المناوئة للدولة وإعلان العصيان لم تكن كبيرة بالمقارنة لما سيحدث بعد ذلك.
التاسع: في عهد هشام بن عبد الملك (106ـ126هـ) تحديداً في سنة 121هـ أعلن أقباط الصعيد عصيانهم وعدم التزامهم باتفاقية بابليون الأولى والثانية وقاتلوا عمال الحكومة، وكان والي مصر في ذلك الوقت حنظلة بن صفوان (119ـ124هـ) فأرسل لهم جيشاً لقتالهم فانتصر عليهم وقضى على فتنتهم.
العاشر: لم تهدأ حركة عصيان النصارى رغم تعامل الحكومات الإسلامية بالحسنى وبالشروط التي قبلوها والتزموا بها منذ الفتح الأول لمصر سنة 20هـ. وفي ذلك الوقت أي في سنة 132هـ تمرد رجل نصراني من (سمنود) اسمه (يحنس) وجمع حوله مجموعة كبيرة من النصارى المسلحين لكن والي مصر عبد الملك بن موسى بن نصير أرسل جيشاً لمحاربته فانتصر عليهم وقتل يحنس.
حادي عشر: وفي عهد مروان بن محمد (129ـ132هـ) آخر الخلفاء الأمويين أعلن القبط بمدينة رشيد عصيانهم فأرسل جيشاً فقضى على تمردهم. وفي عهد هذا الخليفة أيضاً أثناء هروبه من العباسيين تمرد أهل (البشرود) واستغلوا فرصة انشغاله بحربه مع العباسيين فتآمروا عليه وكانوا سبباً في قتله سنة 132هـ لذلك كافأهم العباسيون في أول عهدهم.
ثاني عشر: وفي عهد الخليفة العباسي أبو العباس السفاح (132ـ137هـ) تمرد الأقباط في مدينة (سمنود) بزعامة شخص يدعى (أبو مينا) فبعث إليهم أبو عون والي مصر (133ـ136هـ) جيشاً لمحاربتهم فهزموا وقتل زعيمهم (أبو مينا).
ثالث عشر: ثم ما لبث الأقباط أن أعلنوا عصيانهم في مدينة (سخا) 150هـ إبان ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة على مصر (144ـ152هـ) واتسع التمرد فانضم إليهم أقباط (البشرود) وبعض مناطق الوجه البحري فقويت شوكتهم بعد أن هزم الجيش الذي أرسله الوالي والذي شجعهم على ذلك أنهم كانوا على اتصل بالكنيسة البيزنطية من خلال الجواسيس الذين ينزلون الإسكندرية ومحافظات الوجه البحري على هيئة تجار فكانوا يحرضونهم على التمرد والعصيان على دولة الخلافة. لذلك نجدهم يجاهرون بعدائهم ويجمعون أعداداً كبيرة من الأقباط سنة 156هـ في ولاية موسى بن علي اللخمي (155ـ161هـ) فأرسل لهم جيشاً فهزمهم.
رابع عشر: لكن أعتى تمرد وأعنفه كان في سنة 216 هـ إبان عهد الخليفة المأمون ((198ـ218هـ) وكان والي مصر وقتئذ عيسى بن منصور حيث تمرد أقباط الوجه البحري كلهم لدرجة أن الخليفة المأمون بنفسه قدم مصر على رأس جيش فكسر شوكتهم بقيادة قائده الشهير (الأفشين) واستطاع أن يلحق الهزيمة بأهل البشرود أو البشمور (كانوا يقطنون المنطقة الواقعة بين فرعي دمياط ورشيد) وكانت هذه المنطقة تحيط بها المستنقعات والأوحال التي كانت تعيق حركة الجند لذلك كانوا يعلنون عصيانهم كثيراً نظراً لطبيعة أرضهم مما كان يضطر الجند للاصراف عنهم لكن هذه المرة لم يهدأ الأشفين إلا أن يقتحم حصونهم ويلحق الهزيمة بهم حتى جاء كبار قساوستهم وأعلنوا ولاءهم لدولة الخلافة مرة أخرى، وقد قبل منهم الخليفة المأمون حسب شروط اتفاقية بابليون الأولى والثانية. ونلاحظ أن الخليفة المأمون أحضر معه بطرك أنطاكية (ديونسيوس) ثم أرسل إلى أقباط البشرود وضواحيها البطرك (أنايوساب) والبطرك (ديونسيوس) ووعدهم ألا يعاقبهم إن هم رجعوا عن عصيانهم لكنهم رفضوا وغرتهم قوتهم وحصونهم ولم يجيبوا البطركين فحاصرهم الخليفة المأمون مع قائده الإفشين حتى هزمهم ثم غادر الخليفة المأمون مصر سنة 217 هـ بعد أن ظل فيها أكثر من أربعين يوماً ثم عاد إلى عاصمة الخلافة بغداد.
وقد ذكر ابن القيم تململ الخليفة المأمون منهم لدرجة أن المسلمين كانوا يتظلمون منهم أو كما قال "قال عمرو بن عبد الله الشيباني: استحضرني المأمون في بعض لياليه ونحن بمصر، فقال لي: قد كثرت سعايات النصارى، وتظلم المسلمون منهم، وخذلوا السلطان في ماله"[3]
وكانت هذه آخر حركة عصيان مسلح قام به الأقباط وخاصة أقباط الوجه البحري ورغم نقضهم لجميع الاتفاقيات المتعلقة بأهل الذمة خلال هذه الفترات التاريخية إلا أن الحكام المسلمين كانوا يعفون عنهم وكان في إمكان هؤلاء الحكام والولاة أن يبيدوهم عن بكرة أبيهم بموجب قانون الحرب وكانت لدى هؤلاء الحجة وهي نقض الأقباط العقود المتعلقة بأهل الذمة، لكنهم للأسف الشديد ظلوا يتربصون بالمسلمين الدوائر خاصة في حالات ضعف الدولة الإسلامية أو في حالات العدوان الذي شنه أعداء الأمة الإسلامية بدأ من الصليبيين الأوائل ومروراً بالعدوان الفرنسي على مصر (1213هـ) الموافق (1798م) وانتهاء بالصليبيين الجدد (احتلال بريطانيا لمصر عام 1882م) ثم موقف بعض الضباط النصارى والجنود إبان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م عندما كانوا يذهبون للجنود الفرنسيين ويقولون لهم نحن مسيحيون مثلكم، وكانت فضيحة بكل المقاييس لذلك غضت الدولة الطرف عنها ولم تسلط عليها أضواء وسائل الإعلام خشية غضبة الأمريكان الذين تدخلوا لمساعدة حكومة ناصر في ذلك الوقت.

النقطة الثانية: عيسى العوام .. رمز الوحدة الوطنية (الهلال والصليب):

لقد اختار النظام المصري في حقبة الستينات قصة شاب اسمه عيسى العوام وزعموا أنه كان نصرانياً هذا الشاب الذي كان يحارب مع السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وكان ماهراً في الغوص والعوم ويتجسس على الصليبيين وينقل الرسائل ويهربها للسلطان صلاح الدين وكانت هذه القصة ضمن المقرر الدراسي لتلاميذ المرحلة الابتدائية ولم يكتفوا بذلك بل شخصت في فيلم (الناصر صلاح الدين) ليؤكدوا على هذه الوحدة الوطنية الموهومة ليثبتوا أن الأقباط شركاء للمسلمين في الوطن (مصر) وأنهم شركاء في مقاومة المحتل (الصليبيين ـ الفرنسيس ـ الإنجليز) ثم ثبت أن أصل القصة مختلق ولا علاقة لعيسى العوام الحقيقي بعيسى العوام (النسخة المعدلة) لعبد الرحمن الشرقاوي وكتبة سيناريو فيلم الناصر صلاح الدين.. وحتى لا يظن ظان أننا نفتري على القوم سنستعين بشاهد عيان ومؤرخ أمين (بهاء الدين بن شداد ت 632هـ) فقد كان موجوداً في عكا إبان حصار الصليبين لهم في سنة 586هـ وقد ذكر ذلك بالتفصيل في كتابه الماتع (المحاسن اليوسفية) وهذا نصه:

عيسى الغواص الحقيقي كان مسلماً:

قال ابن شداد: "ومن نوادر هذه الواقعة ومحاسنها أن عواماً مسلماً كان يقال له عيسى، وكان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلاً، على غرة من العدو. وكان يغوص ويخرج منم الجانب الآخر من مراكب العدو، وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس. فيها ألف دينار وكتب للعسكر، وعام في البحر فجرى عليه من أهلكه، وأبطأ خبره عنا وكانت عادته أنه إذا دخل البلد طار طير عرّفنا بوصوله فأبطأ الطير فاستشعر الناس هلاكه، ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد وإذا البحر قد قذف إليهم ميتاً غريقاً فافتقدوه فوجدوه عيسى العوام، ووجوا على وسطه الذهب وشمع الكتب وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رؤي من أدى الأمانة في حال حياته وقد أداها بعد وفاته إلا هذا الرجل "[4]

النقطة الثالثة: الحملة الفرنسية (1213هـ /1798م ـ 1216هـ/ 1801م) ودور الأقباط فيها:

من منا لا يعرف (المعلم يعقوب حنا القبطي ـ وملطي ـ وجرجس الجوهري ـوأنطوان الملقب بأبي طاقية ـ وبرتيلمي الملقب بفرط الرومان، ونصر الله النصراني ترجمان قائمقام بلياز، وميخائيل الصباغ غيرهم من زعماء النصارى) الذين كانوا يعملون مع المحتل الفرنسي لمصر.
لقد استغل نصارى مصر احتلال نابليون لمصر فتقربوا إليه واستعان بهم ليكونوا عيون جيشه حيث كانوا يرشدونهم على بيوت أمراء المماليك ورجال المقاومة الذين كانوا يجاهدون الفرنسيس، وكل ذلك ثابت لدى الجبرتي في عجائب الآثار ونقولا الترك في (أخبار الفرنساوية وما وقع من أحداث في الديار المصرية)، إذ يؤكد المؤرخان المعاصران للحملة الفرنسية أن نابليون استقدم معه جماعة من نصارى الشام الكاثوليك كتراجمة بالإضافة إلى استعانته بنصارى مصر (الأرثوذكس) وقد ذكر الجبرتي المعلم يعقوب القبطي الذي كان يجمع المال من الأهالي لمصلحة الفرنسيس.. بل إن المعلم يعقوب وصل به الأمر أن كون فرقة من الأقباط لمعاونة المحتل إذ يقول الجبرتي: "ومنها أن يعقوب القبطي لما تظاهر مع الفرنساوية وجعلوه ساري عسكر القبطة جمع شبان القبط وحلق لحاهم وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية (..) وصيرهم ساري عسكره وعزوته وجمعهم من أقصى الصعيد، وهدم الأماكن المجاورة لحارة النصارى التي هو ساكن بها خلف الجامع الأحمر، وبنى له قلعة وسورها بسور عظيم وأبراج وباب كبير"[5] بل إنهم كانوا يقطعون الأشجار والنخيل من جميع البساتين كما تفعل قوات الاحتلال في فلسطين والعراق، ولم يتورعوا في هدم المدافن والمقابر وتسويتها بالأرض خوفاً من تترس المحاربين حسب وصف الجبرتي.. حتى قال "وبثوا الأعوان وحبسهم وضربهم، فدهى الناس بهذه النازلة التي لم يصابوا بمثلها ولا ما يقاربها"[6] .. بل كان زعيمهم (برتيلمي) الذي تلقبه العامة بفرط الرومان لشدة احمرار وجهه ؛ كان يشرف بنفسه على تعذيب المجاهدين وهو الذي قام بحرق المجاهد سليمان الحلبي قاتل كليبر، وكان هذا البرتيلمي يسير في موكب وحاشية ويتعمد إهانة علماء المسلمين ويضيق عليهم في الطرقات محتمياً في أسياده الفرنسيس تماماً مثل ما يحدث في العراق اليوم من خلال الجواسيس الذين يعملون مع الاحتلال الأمريكي الذين يرشدون قوات الاحتلال على بيوت المقاومين.

نص عريضة زعماء الأقباط إلى الجنرال منو:

"حضرة ساري عسكر العام:
إن جنابكم من قبل ما فيكم من العدل والحلم والفطنة أرسلتم تسألونا بأن نوضح لكم ما نحن به من القهر، نحن قبل الآن لم نقصد كشف جراحنا التي كانت في كل يوم تتسع شيئاً فشيئاً؛ أولاً تسليماً للمقادير وعشماً بكون كل واحد منا يرجع لذاته ويحاسب نفسه. تأنياً خوفاً من أن يقال عنا أننا نحب السجس (الظلم) ونواخد (نؤاخذ) بذلك من الحكام. ثالث ليلى (لئلا) يتضح كأننا أخصام لأخوتنا وقاصدين الشكوى عليهم ولكن من حيث جنابكم أبو الجميع وطبيب الرعايا وقد زاد علينا الحال حتى ظهرنا من جملة العصاة على أوامركم وقد قاصصتمونا لذلك فاقتضى الحال أن نستغيث بكرسيكم تعيّنوا بأمركم أناساً من أهل الفطنة خاليين الغرض ممن ترونهم أنتم يقعدوا في ما بيننا ويتبصروا في حال حسابنا وفي النهاية بعد أن يردوا الجواب لجنابكم لكم التبصر فيما تأمرون به ومع ذلك فنرجوكم بأن لا تظنوا بكوننا قاصدين بعرضحالنا الشكوى على أحد أم قصاصه بل قصاصنا نحن بوجه خاص إنكان (إن كان) يظهر كلامنا هذا بخلاف الواقع ثم إن هذا الأمر يدركه أيضاً خادمكم الخاص حضرة الجنرال يعقوب ومع ذلك لأجل طبعه الوديع محتار كيف يتصرف في مثل هذه الدعوى والله تعالى يحفظكم. من عند توابعكم المباشرين: ملطي وأنطوان"[7]
أقول: مع العلم أن ملطي هذا كان من أكبر زعماء الأقباط وقد ظهر نجمه في أيام الاحتلال الفرنسي لمصر وقد تولى في عهد نابليون رئاسة محكمة القضايا.. وهي أول محاولة لتنحية الشريعة الإسلامية في مصر لأن هذه الهيئة كانت تتكون من اثني عشر تاجراً نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من النصارى وأسند منصب رئيس المحكمة إلى قاضي قبطي هو الملطي الموقع على العريضة السابقة للجنرال مينو الذي خلف كليبر في الحكم.. وكذلك صديقه أنطوان الذي كانت تلقبه عوام المصريين بأبي طاقية وكان من كبار زعماء الأقباط وأكثرهم غنى، وأما الجنرال يعقوب فهو نفسه المعلم يعقوب حنا رجل الاحتلال الفرنسي وخادمهم المخلص الذي رحل معهم إلى فرنسا..
هكذا لم يثبت تاريخياً أن النصارى قاوموا الإحتلال الفرنسي وأن حكاية اختراع بطولات وهمية مثل أن بعض الأقباط في ثورة القاهرة الثانية كان يمد الثوار بالمال واللوازم خاصة في منطقة بولاق أثناء حصار كليبر لأهالي بولاق.. فهذه شهادة الجبرتي :" وأما أكابر القبط مثل جرجس الجوهري، وفلتيوس، وملطي فإنهم طلبوا الأمان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم وفي وسطهم وخافوا على نهب دورهم إذا خرجوا فارين، فأرسلوا إليهم الأمان"[8] إذن ما دورهم في مقاومة الاحتلال الفرنسي إلا الفزع الهلع وطلب الأمان ثم صاروا العين الحارسة لمصالح الإحتلال.. بل إن زعيمهم المعلم يعقوب حنا كان شغله الشاغل هو حرب زعيم المجاهدين في منطقة بولاق حسن بك الجداوي؟ لماذا؟ لأن حسن بك الجداوي كان يطلب من الأغنياء مساعدة المجاهدين لشراء أسلحة وبارود وذخائر ومؤن وكل مستلزمات المقاومة فكان من يدفع منهم مالاً كان لصيانة نفسه وخوفه من انتقام المقاومين الذين كانوا متترسين في منطقة بولاق بالقاهرة وضواحيها لذلك قال الجبرتي في عجائبه: "وأما المعلم يعقوب فإنه كرنك في داره بالدرب الواسع جهة الرويعي واستعد استعداداً كبيراً بالسلاح والعسكر المحاربين وتحصن بقلعته التي كان شيدها بعد الواقعة الأولى، فكان معظم حرب حسن بك الجداوي معه"[9]
هكذا استعد المعلم يعقوب لزعيم المجاهدين المسلمين وليس لجيش الاحتلال الفرنسي! كما أننا نتساءل أين كان شباب الأقباط في ذلك الوقت ولماذا لم نر لهم دوراً في مقاومة المحتل الفرنسي ولو كان ضعفياً؟!

النقطة الرابعة: لماذا شارك الأقباط في ثورة 1919م؟

لا يهولننا بعض الكتابات التي تخرج بين فينة وأخرى مشيدة بدور الأقباط في الحركة الوطنية المصرية وإن كان كتابها من المسلمين؛ إذ للأسف الشديد فجل هؤلاء الكتاب ينطلق من منطلقات لا علاقة لها بالمنظومة الإسلامية لذلك نجدهم يرهقون أنفسهم في نبش التاريخ لعل وعسى يعثرون على حكاية أو قصة تثبت أن الأقباط كان لهم دور في مقاومة المحتلين، لذلك نجدهم يضخمون بعض الأحداث الفردية وتسليط الضوء عليها لتحسين دور الأقباط في حركة التاريخ المصري المقاوم للاحتلال.. لذلك يهتمون بثورة 1919م ومشاركة الأقباط فيها رغم أن الأقباط ما شاركوا فيها إلا ليأسهم من الإنجليز الذين كانوا ينظرون إليهم بعين الإزدراء؛ فالاحتلال الإنجليزي يدين بالولاء للكنيسة الإنجيلية التي لا تعترف بها الكنيسة الأرثوذكسية في مصر ولا حتى الكاثوليكية في روما، وهذا ما حدث من قبل مع نابليون وحملته العدوانية على مصر إذ تقرب الأقباط إليه واستخدمهم جيداً لكنه كان ينظر إليه أيضاً بعين الإزدراء فنابليون وإن كان لا دينيا فقد كانت لديه بقايا المعتقد الكاثوليكي مع الاعتزاز بتفوق الرجل الأبيض! فلا غرو إذن أن يشارك الأقباط في ثورة 1919م لأنهم علموا بالتجهيزات التي يقوم بها المسلمون للثورة ويعلمون أن جماهير غفيرة من كل فئات الشعب ستشارك وأن انطلاقة الثورة ستكون من جامع الأزهر فكان لابد من المشاركة بأمر بعض زعمائهم (على طريقة حساب المكسب والخسارة) لأنه لو نجحت هذه الثورة لكان من حقهم أن يشاركوا في الحكم بقوة وهم مطمئنون أن الدولة المصرية الحديثة التي وضع لبناتها محمد علي باشا قد غيبت الشريعة الإسلامية ومن ثم فلا حكم إلا بالقانون الوضعي السائد في ذلك الوقت.. وينطبق هذا على مشاركتهم في بعض الحروب لأن التجنيد كان إجبارياً بحكم مفهوم المواطنة ولا مناص أمام شبابهم إلا الالتحاق بالجيش لتفادي العقوبة العسكرية التي ستحل بهم.

النقطة الخامسة: الحقبة العلمانية منذ(1272هـ/1856م ـ إلى وقتنا الحاضر):

كانت مصر تحكم بالشريعة الإسلامية منذ الفتح الإسلامي عام 20 هـ وكان أول قاض بمصر هو قيس بن أبي العاص السهمي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى وصل إلى سدة الحكم محمد علي باشا (ت1849) الذي حمى النطفة الأولى للعلمانية التي استنسخها الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (ت1873) ثم جاء خلفاؤه وتبنوا هذا السلخ الجديد (العلمانية) فأنشأوا المحاكم المختلطة سنة 1870م وبعد احتلال الإنجليز مصر سنة 1882 أكملوا مشروعهم التخريبي في استبعاد الشريعة الإسلامية من الحكم واستمر الوضع هكذا حتى قام انقلاب يوليو 1952م وتم القضاء على البقية الباقية من الحكم بالشريعة الإسلامية وتم الاستيلاء على أوقاف المسلين فقط أما أوقاف النصارى فلم تمس!!
وفي عهد محمد علي باشا استورد لنا الشيخ رفاعة الطهطاوي مصطلح (المواطنة) حسب منطلقات المنظومة الغربية، وبموجب مفهوم هذا المصطلح الجديد حلت رابطة المواطنة محل رابطة الدين وصار الولاء للوطن مقدماً على الولاء للدين.. ومن ثم فلا ضرورة لعقد الذمة وأخذ الجزية ولسنا بحاجة إلى اتفاقية بابليون الأولى والثانية حسب الوضع الجديد الذي تبنته الأسرة العلوية حيث تم استبعاد الشريعة الإسلامية رسمياً من الحكم وتم إنشاء محاكم تحكم بقوانين مترجمة من فرنسا وإنجلترا وإيطاليا ولم يعد للشريعة الإسلامية مجال للحكم إلا في ما يسمى بقوانين الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث.
لذلك لا عجب أن يصبح في عهد الخديوي إسماعيل أول مجلس نيابي بالمعنى الغربي، ونواب أقباط لأول مرة في تاريخ مصر: أصبح لهم نواب في المجالس النيابية ( كان لهم نائبان من أصل خمس وسبعين عام 1869 ، وأربعة من أصل ثمانين عام 1881)..
و لأول مرة يكون للأقباط قضاة ومستشارون في محاكم الاستئناف. ومنذ عام 1883 جرى التقليد على تعيين وزير قبطي واحد في كل وزارة، ثم ارتفع العدد إلى اثنين عام 1924 عندما شكل سعد زغلول وزارته. وفي العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، تولى اثنان من الأقباط رئاسة الوزارة في مصر، وهما بطرس غالي ( 1908-1910) ويوسف وهبه باشا (1919-1920). واشترك الأقباط في الأحزاب السياسية المصرية، فكان منهم اثنان في الهيئة التأسيسية لحزب الإصلاح الذي تزعمه الشيخ علي يوسف.
واثنان من أبرز أعضاء قيادة الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل، وستة عشر عضواً من أصل مائة وثلاثة عشر عضواً في حزب الأمة الذي تأسس عام 1907. كل ذلك تم ببركة محمد علي باشا وخلفاؤه الذين نحوا الشريعة الإسلامية التي ظلت حكم مصر منذ سنة 20هـ حتى حكم محمد علي باشا.

النقطة السادسة: اعتكافات الأنبا شنودة السياسية:

الأنبا شنودة الثالث وترتيبه رقم 117 في قائمة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إذ شغل هذا المنصب بعد وفاة (كيرلس السادس) سنة 1971م وقد دأب الأنبا شنودة على اعتكافه السياسي إلى وادي النطرون كلما أراد أن يضغط على الحكومة للاستجابة لطلبات الأقباط المصطنعة؛ وقد فعل ذلك مع السادات عدة مرات ثم ها هو ذا يعود لهوايته القديمة لإجبار الحكومة على الإفراج عن المتظاهرين الأقباط وهذا ما سنشير إلى في النقطة التالية:
لقد أظهر محمد علي باشا وخلفاؤه المسألة القبطية ورغم ذلك فلم تنج من ألاعيب الحكام أيضاً مثل استغلال الرئيس أنور السادات (قتل 1981) تطبيق الشريعة الإسلامية لكسب شعبية بعد أحداث 18 ، 19 يناير1977 م وللضغط على الأقباط ليكسب ودهم "وفي شهر أغسطس 1977 وفي أعقاب نشر الصحف لما معناه أن الحكومة برئاسة ممدوح سالم تنوي تطبيق الحدود في الشريعة الإسلامية على المرتد عقد المجمع المقدس اجتماعاً في 1/8/1977 برئاسة البابا شنودة، وأصدر قراراً بتقديم مذكرة لرئيس الجمهورية تتضمن رفض الطوائف المسيحية تطبيق الشريعة الإسلامية وقانون الردة وضرورة حل مشاكل الطائفة(..) واتخذ قراراً بإعلان الصوم الانقطاعي ابتداءً من يوم 5/9/1977 تعبيراً عن رفض مشروع قانون الردة. وبالتوازي مع هذه الحركة من الداخل كان للتكتلات القبطية والتي هاجرت واستقرت في أمريكا واستراليا تأثير كبير في الضغط على التشريعات، مستغلين كل وسائل الضغط المتاحة لهم من إعلام واتصالات، ولم يهدأوا إلا بعد أن أرسلت لهم قيادتهم الدينية في القاهرة برقية تنبئ بزوال الأزمة بعدما سحبت الحكومة مشروع القانون"[10]
وهذا ما تكرر في قضية السيدة وفاء قسطنطين إذ ذهب الأنبا شنودة إلى معتكفه السياسي في دير وادي النطرون ليجبر الحكومة على الإفراج عن الأقباط المتظاهرين الذين اعتدوا بالسباب والضرب على رجال الشرطة الأشاوس الذين لا يظهرون قوتهم إلا في حالة اقتحام المساجد فقط أو اعتقال المسلمين!! وفعلاً تم الإفراج عن المتظاهرين وإن كان النائب العام قد أفرج عن نصفهم فبقيتهم سيفرج عنهم في مرحلة لاحقة حفاظاً لهيبة الدولة التي لا هيبة لها أصلاً لدى شنودة وبطانته، والمسلمين بالطبع.

النقطة السابعة: حادثة الزاوية الحمراء بالقاهرة 1981م:

لقد شهدت هذه المنطقة (الزاوية الحمراء) أحداثاً دامية إذ بدأ الأقباط بالاعتداء وقام المسلمون بالرد عليهم وملخصها كالتي: بدأ الصراع على قطعة أرض فضاء لا عمران فيها فقام أهل الحي بإقامة سور عليها وجعلوها مكاناً للصلاة وتعليم الأطفال القرآن الكريم، وكان هناك قبطي اسمه كمال عياد يملك مدفعاً آلياً يطلق عليه في مصر (رشاش بورسعيدي) وكان منزله أمام هذا المكان الذي أصبح مسجداً فيما بعد (مسجد النذير) فنزل وأطلق عدة أعيرة نارية على الأطفال الذين يدرسون في ذلك الوقت فقتل وجرح عدداً منهم وفر هارباً .. فلما علم أهل الحي بما حدث ورأوا الدماء ملطخة بحصير المسجد هاجوا وماجوا وطفقوا يتتبعون بيوتات الأقباط .. وقد ذهبت أنا شخصياً إلى مسجد النذير وكان حي الزاوية الحمراء أشبه بساحة معركة عسكرية؛ البيوت محترقة، ومكتوب عليها وعلى المحلات شعارات من كل طرف، قوات الأمن منتشرة في كل مكان، صلينا هناك وبتنا في المسجد رغم أنه كان عبارة عن مكان محاط بسور وأرض مغطاة بالحصير للصلاة، وكان الناس يتوافدون من كل حدب وصوب بدافع حماية المسجد خاصة بعد علمهم أن النصارى قتلوا المسلمين في الزاوية الحمراء فهبوا للدفاع عنهم.. وشهادة للتاريخ فإن الذين ردوا عدوان الأقباط في الزاوية الحمراء كانوا من عوام الناس الذين لا تربطهم أية علاقات بالجماعات الإسلامية رغم قوة الجماعات الإسلامية في ذلك الوقت لكن بسطاء الناس الذين كانوا يجلسون على المقاهي ويدخنون الشيشة والنرجيلة هم الذين قاموا برد الاعتداء وخاصة لما سمعوا أن الأقباط يقتلون المسلمين ثم امتدت الأحداث إلى منطقة الوايلي بالقاهرة وكادت أن تعم القاهرة .. واستغل الأقباط في الداخل والخراج هذه الأحداث وصاروا يشنعون على المسلمين بالأكاذيب رغم أنهم هم الذين بادروا بالاعتداء، وقلبوا الحقائق وزعموا أن المسلمين هم الذين بدأوا قتال النصارى وهم الذين يحرقون بيوتهم.. ولا زلت أذكر هذه الأحداث ونحن نستمع لشهادات الناس إذ تبين لنا أن الكنائس الكبرى بها سراديب وأخاديد ومكدسة بالأسلحة والذخائر... وهناك أماكن خاصة في الكنائس للتدريب على استعمال الأسلحة الخفيفة والتدريب على الكاراتيه والكونغفو.. وأن بعض القساوسة يتقنون استخدام الخناجر بصفة خاصة وقد اقتحم بعض المسلمين في الزاوية الحمراء منزل أحد القساوسة الذي كان مختبئاً وراء دولاب الملابس.. إذ صاح فيهم فجأة وأشهر خنجره وكان ماهراً في رياضة الكاراتيه إلا أنهم تمكنوا من شل حركته .. وهنا اتهم المسلمون الدولة بتشجيع الأقباط على استعمال السلاح في الوقت الذي تحرمه على المسلمين!!
تلاعب السادات بورقة تطبيق الشريعة الإسلامية:

هكذا كان السادات يستغل الدين ويلوح في وجه الأقلية القبطية بتطبيق الشريعة الإسلامية وهو غير جاد وكاذب في نفس الوقت!! بغية تحقيق مكاسب وشراء ولاء الأقباط حيث يشعرهم أنه لولاه لطبقت الشريعة الإسلامية في مصر وهم يخشون تطبيق الشريعة الإسلامية رغم أنهم أيام تطبيق الشريعة الإسلامية قبل الحقبة العلمانية لأسرة محمد علي باشا كانوا يعيشون في أمن وأمان ولم تظهر مثل هذه المشاكل وما يسمى بالفتنة الطائفية إلا في ظل الحكم العلماني وبسبب غياب الشريعة الإسلامية!!

النقطة الثامنة: محاضر الدولة وشيخ الأزهر:

في أيام الملك الصالح أيوب "كان في دولته نصراني يسمى (محاضر الدولة) أبا الفضائل بن دخان، ولم يكن من في المباشرين أمكن منه. وكان المذكور قذاءً في عين الإسلام، وبثرة في وجه الدين، ومثاله في الصحف مسطورة، ومخازيه مخلدة مذكورة، حتى بلغ من أمره أنه وقع لرجل نصراني أسلم بردّه إلى دين النصرانية، وخروجه من الملة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنج بأخبار المسلمين وأعمالهم وأمر الدولة وتفاصيل أحوالهم. وكان مجلسه معموراً برسل الفرنج والنصارى، وهم مكرمون لديه، وحوائجهم مقضية عنده، ويحل لهم الأدرار والضيافات؛ وأكابر المسلمين محجوبون على الباب لا يؤذن لهم، وإذا دخلوا لم ينصفوا في التحية ولا في الكلام. فاجتمع به بعض أكابر الكتاب فلامه على ذلك وحذره من سوء عاقبة صنعه، فلم يزده ذلك إلا تمرداً"[11]
أقول: لكن كانت هناك بقية من دين وحياء لدى سلاطين ذلك الزمان فلما علم السلطان بجرائم ابن دخان عزله وعاقبه.. وهذا ما لا يستطيع شيخ الأزهر وأنصاره من أهل المشيخة.. فهل يجرؤ شيخ الأزهر أن يعلن اعتكافه في المسجد الأزهر مثلاً أو حتى في بيته احتجاجاً على تسليم السيدة وفاء قسطنطين التي أسلمت إلى الكنيسة وإجبارها على الردة؟! هل يستطيع شيخ الأزهر أن يشهر في وجه رئيس الدولة آية سورة الممتحنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ).. وهل يستطيع شيخ الأزهر أن يعلن الاعتكاف ولو على سبيل التجربة احتجاجاً على اعتقال 60 ألف مسلم يقبعون في سجون النظام المستبد منذ عشرين سنة؟ هل يعتكف شيخ الأزهر مرة واحد مطالباً رئيسه الذي عينه بمساواة الأغلبية (75مليون مسلم) بالأقلية (4 مليون قبطي) في كافة الحقوق التي يحصل عليها الأقباط ويحرم منها غالب الشعب المصري المسلم؟ لا أظن أنه سيفعل؟

النقطة التاسعة: هل نصارى مصر أهل ذمة حقاً؟

منذ حكم الأسرة العلوية فإن نصارى مصر لم يعودوا أهل ذمة بالمعنى الشرعي لهذا المفهوم للأسباب التالية:

أولاً: لم يعد الحاكم مطبقاً للشريعة الإسلامية ومن ثم فقد صار خارجاً على الشريعة الإسلامية ولا يعتد بكافة القوانين التي يصدرها إذ أنه والعدم سواء وما بني على باطل صار باطلاً ومن هذا الباطل تخليه عن تطبيق عقد الذمة على نصارى مصر.
ثانياً: تعتبر ممارسات أقباط مصر مثل تعاونهم مع المحتل الفرنسي يعتبر نقضاً لعقد الذمة أي أنهم قد نقضوا عقد الذمة قبل استبعاد الشريعة الإسلامية من الحكم رسمياً إبان حكم محمد علي باشا وأسرته.
ثالثا: أقباط مصر في حاجة إلى تجديد عهد الذمة مستقبلاً لأنه لا يوجد حاكم مسلم يطالبهم بتجديد هذا العقد وحتى وجود هذا الحاكم المسلم فإن زعماءهم من بطاركة وقساوسة وشمامسة مطالبون بتبصير بني جلدتهم أنهم غير معاهدين لفسخ عقد الذمة بردة الحاكم ولنقضهم العقد من خلال عدم التزامهم ببنود عهد الذمة المنصوص عليه في الشريعة الإسلامية.
رابعاً: إن وجود ضباط وجنود أقباط في الجيش المصري شاركوا في الحروب التي خاضتها مصر منذ 1956 وحتى 1973م لا علاقة له بعقد الذمة إذ أنهم تحت حكم علماني لا يطبق الشريعة الإسلامية سواء كان هذا الحكم (خديوية ـ ملكية ـ جمهورية) فإنه لا يكون بديلاً عن عقد الذمة لأنهم بموجب قانون المواطنة والجنسية المصرية يتوجب عليهم أن يؤدوا الخدمة العسكرية وإلا سوف يحاكمون عسكرياً بعدم إطاعة الأوامر العسكرية التي تصل إلى حد الخيانة العظمى إذن فهم لم يشاركوا في هذه الحروب رغم قلتهم طواعية.
خامساً: لا يجوز أن تكون المواطنة بديلاً عن عقد الذمة وأخذ الجزية لأن المسألة ليست في بند أخذ الجزية فقط بل هناك شروط أخرى يجب أن يلتزم بها النصارى وقد أخلوا بها جميعاً ومنها وهي كالتالي:
" أما المستحق فستة شروط أحدها: أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن فيه ولا تحريف له. والثاني: أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيب ولا إزدراء. والثالث: أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه، والرابع: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح. والخامس: أن لا يفتنوا مسلماً عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دينه. والسادس: أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنيائهم. فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط إشعاراً لهم وتأكيداً لتغليظ العهد عليهم ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً لعهدهم"[12]
وفي حالة نقضهم يقول الماوردي:
"وإذا نقض أهل الذمة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم ولا غنم أموالهم ولا سبي ذراريهم ما لم يقاتلوا ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك، فإن لم يخرجوا طوعاً أخرجوا كرهاً"[13]
وهذا ما فعلوه في قضية السيدة وفاء قسطنطين، واستعانتهم بأعداء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ورغم علمنا أنهم قد نقضوا عقد الذمة منذ ما يناهز قرنين إلا أن ما قاموا به مع السيدة وفاء قسطنطين يعضد أنهم يتربصون بالمسلمين الدوائر.

صفوة القول

إن أقباط مصر يرفعون شعارات بالية (مصر قبطية وستعود إلى الأقباط) ويقومون باستفزاز مسلمي مصر ويستعرضون قوتهم التي يتوهمونها أمام وسائل الإعلام في تحد سافر لمشاعر المسلمين؛ السواد الأعظم لشعب مصر. فحسب آخر إحصائية فإن عدد سكان مصر وصل تقريباً إلى 77 مليون نسمة؛ نسبة الأقباط منها حوالى 7 مليون.. إذن المتبقي هو 70 مليوناً من المسلمين.. فهل يعي عقلاؤهم بما سيحدث لهم إذا نفد صبر عوام الشعب المصري وليس (الحركات الإسلامية) من جراء تعمدهم انتهاك حرمات المسلمين عبر تظاهراتهم المصطنعة وقنواتهم الفضائية التي تهاجم عقيدة المسلمين؟ إن ما يقوم به أقباط مصر بقيادة الأنبا شنودة الثالث إهانة لمشاعر المسلمين في مصر وفي العالم الإسلامي بأسره. الأنبا شنودة الذي عودنا على اعتكافه السياسي في وادي النطرون مهدداً القيادة المصرية الخانعة المرتجفة من ضغوط الغرب؛ لن يجدي اعتكافه هذا إذا تمخض الزلزال وخرج المارد من قمقمه فلن يتحمل الشعب المصري كل هذه الإهانات المتكررة من أقباط مصر تلك الأقلية التي لا هم لها إلا الاستقواء بالغرب .. لا .. ولن تنفعهم أمريكا ولا قوات الناتو ولا من في الأرض جميعاً من غضبة الشعب المصري المسلم المكلوم المهان في دينه وكرامته.. فأفيقوا قبل أن يتمخض الزلزال.. وساعتها سيقول الجميع ولات حين ندم!.

مركز المقريزي للدراسات التاريخية ـ لندن

ذو القعدة 1425هـ
ديسمبر 2004م

www.almaqreze.net


[1] وفاء قسطنطين كانت نصرانية ثم أسلمت وهي مصرية من مدينة شبين الكوم التابعة لمحافظة المنوفية بدلتا مصر كانت تعمل مهندسة زراعية وكانت تزوجت من مجدى يوسف عوض الكاهن بكنيسة بمدينة أبي المطامير بمحافظة البحيرة ثم أسلمت وقامت قيامة البابا شنودة ونصارى المهجر فتم خطفها بأمر رئيس مصر حسني مبارك وبمباركة شيخ الأزهر طنطاوي وأودعت في دير وادي النطرون.

[2] كل هذه المعلومات منتقاة من عدة مصادر تاريخية لمؤرخين كبار من أمثال: ابن عبد الحكم (ت257هـ) في كتابه (فتوح مصر وأخبارها)، خليفة بن خياط (ت240هـ) في كتابه (تاريخ خليفة بن خياط)، ابن تغري بردي (ت 874هـ) في كتابه (النجوم الزاهرة)، الذهبي (ت748هـ) في كتابه (تاريخ الإسلام)، المقريزي (ت845هـ) في كتابه المواعظ والإعتبار، القلقشندي (ت821هـ) في كتابه كتاب (صبح الأعشى)، ابن إياس (ت 930هـ) في كتابه (بدائع الزهور)، الجبرتي (ت 1241هـ) في كتابه (عجائب الآثار)، الماوردي (ت450هـ) في كتابه (الأحكام السلطانية)، أبو يوسف (ت187هـ) في كتابه الخراج، يحيى بن آدم القرشي (ت203هـ) في كتابه الخراج، ابن الأثير (ت630هـ) في كتابه (الكامل في التاريخ)، البلاذري (ت279هـ) في كتابه (فتوح البلدان)، ابن القيم (ت751هـ) في كتابه (أحكام أهل الذمة)، الفريد بتلر المؤرخ الإنجليزي في كتابه (فتح العرب لمصر) تعريب محمد فريد أبو حديد، سيدة إسماعيل الكاشف (الدكتورة) في كتابها (مصر في فجر التاريخ)، وغير ذلك من مصادر قديمة وحديثة لم نشأ ذكرها حتى لا نرهق القارئ وخاصة أن هذه مجرد مقالة لتبسيط المسألة القبطية لدى الشباب المعاصر.
[3] ابن القيم: أحكام أهل الذمة ـ تحقيق طه عبد الرؤوف ـ دار الكتب العلمية بيروت 1415هـ ص170.
[4] ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ـ منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ دمشق ـ ص206.
[5] الجبرتي: عجائب الآثار/مج4/ص582.
[6] الجبرتي: السابق/ص582.
[7] الجبرتي: عجائب الآثارـ تحقيق عبد العزيز جمال الدين ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة ـ ج4 ملحق 29 ـ ص787.
[8] الجبرتي: عجائب الآثار/مج4 ص335.
[9] الجبرتي: عجائب الآثار/مج4 ص336.
[10] المناوي: الأقباط: الكنيسة أم الوطن//دارالشباب العربي للنشر والتوزيع والطباعة/مصر/ص 228 ومابعدها.

[11] ابن القيم: أحكام أهل الذمة ـ ص188.
[12] الماوردي: الأحكام السطانية ـ تحقيق عماد زكي البارودي ـ المكتبة التوفيقية ـ القاهرة ـ ص256 وص257.
[13] الماوردي: الأحكام السطانية ـ ص259.

الـــمــادة الــثــانــيــة فـي مـــيـــزان الإســــلام، حـــقـــائــق مـغــيـبـة !!

بسم الله والحمد لله وحده ؛
والصلاة على من لا نبي بعده ؛
وسلم تسليما كثيرا
ثم أما بعد ؛


فقد كثر الحديث والجدل عن المادة الثانية من الدستور المصري ما بين مدافع عن وجودها وما بين رافض لها وما بين مفسر لها كل على طريقته
وذلك في إطار الحديث عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية وتشكيل الأحزاب وغير ذلك من مظاهر ما يسمى باللعبة الديمقراطية
إذ وجدنا أن كثيرا من الإسلاميين قد استندوا إلى وجود المادة الثانية من الدستور المصري كأساس شرعي لمشاركتهم في المعترك الديمقراطي

ولكن ما يثير العجب هو أن أغلب الإسلاميين في مصر قد بذلوا جهدا ضخما كي لا تلغى هذه المادة ؛ ما بين بيانات ومحاضرات ومؤتمرات وحشد للناس للمشاركة في الاستفتاء .... إلخ

مع أنهم في الوقت ذاته، لم يدرسوا هذه المادة دراسة جيدة من الناحية الدستورية والقانونية، ولم يقفوا على حقيقتها وقوفا متأنيا
ونتج عن ذلك أنهم لم يبينوا للناس حقيقة هذه المادة من الناحية الشرعية
ولم يوضحوا أوجه مخالفتها لشريعة رب العالمين
ولم يظهروا للناس أن مجرد وجودها على هذه الصورة لا يعني تطبيق الشريعة، ولا يعني أن الحكم لله !!

اللهم إلا قليلا منهم ، وحتى هؤلاء فقد اكتفى أكثرهم بكلام مجمل عام، ولم يفصلوا ذلك من الناحية الشريعة والدستورية للناس خاصة المشتغلين منهم بالسياسة

حتى وصل الحال إلى أننا وجدنا أن الأغلبية الساحقة من عوام الناس صاروا يظنون أن وجود هذه المادة يعني أن مصر قد صارت دولة ذات دستور إسلامي !!،
بل وكثير من أبناء الصحوة أنفسهم ، بل وبعض مشايخها صاروا يظنون ذلك أيضا !!

حتى إن أحد كبار المشايخ في مصر قد وصل به الأمر إلى أن مدح المادة الثانية مدحا كبيرا حين قال: (وهذه المادة تمنع وصف المنازعة لله -عز وجل- في الحكم على المجالس التشريعية المصرية، ومعناها أن هذه المجالس لا تملك أن تنازع الله في حكمه، وأن شرع الله - سبحانه وتعالى- إذا ثبت فلا يمكن لأحد منازعته ، كذلك حين يقسم رئيس الدولة ورئيس الوزراء وضباط الجيش والشرطة وأعضاء مجلس الشعب والشورى يقسموا على احترام الدستور الذي ينص على أن حكم الله لا يمكن أن يعارض، فهذا شيء عظيم جدًّا) انتهى كلامه

وقد كان لزاما على العلماء بدلا من ذلك ، أن يدرسوا هذه المادة دراسة جيدة متأنية، ليحيطوا بها من جميع جوانبها الدستورية والقانونية في ضوء الشريعة، ثم يبينوا حقيقة هذه المادة وأوجه مخالفاتها للشريعة الإسلامية بكلام واضح ، حتى ولو طالبوا بإبقائها وعدم إلغاءها

ولذلك فقد كان الهدف من تلك الرسالة هو أمران رئيسيان؛
الأول؛
هو توضيح حقيقة هذه المادة من الناحية الدستورية والقانونية في ضوء الشريعة الإسلامية وذلك من أجل وضع تصور صحيح للمشاركة السياسية (سواء بالمنع أو بالجواز) استنادا إلى وجود هذه المادة ،
خاصة أن كثيرا من فصائل الإسلاميين قد بنوا رؤيتهم في المشاركة في الانتخابات البرلمانية إستنادا إلى وجود المادة الثانية في الدستور


الثاني؛
المساهمة في وضع تصور صحيح لكيفية إصلاح حال هذه المادة بل والدستور ككل بما يتوافق مع الشريعة
وذلك حتى يستطيع الإسلاميون إنشاء دستور إسلامي صحيح لا يخالف أصول الدين،
وحتى يستطيعوا تجنب خداع العلمانيين والليبراليين في هذا المجال،

إذ أن تشخيص الداء الحاصل حاليا هو أول خطوة في العلاج؛ وذلك لأننا لن نستطيع أن نقيم دستورا إسلاميا يرضى المولى جل وعلا، إلا بعد أن نعرف أوجه الخلل في الدساتير المعاصرة حتى نتمكن من علاجها

خاصة أن دخول الإسلاميين إلى العمل البرلماني قد يؤدي مع مرور الوقت إلى نسيان المفاهيم الصحيحة أو التصور الصحيح للدولة الإسلامية !!

وذلك لأن كثرة المساس بالنظام الديمقراطي الغير إسلامي وما يتضمنه من التعرض للضغوط من غير الإسلاميين، قد يخفض من سقف مطالب هؤلاء الإسلاميين من المطالبة بدستور إسلامي حقيقي إلى أن يصلوا إلى القبول بالوضع الحالي مع بعض الإصلاحات الطفيفة فيه والتي لا تجعله نظاما إسلاميا حقيقيا

وقد أشار الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية في الإسكندرية إلى معنى قريب من هذا المعنى حين قال: (نريد أن نعيش والإسلام هو مصدر نظم مجتمعنا، كما أنه مصدر عقيدتنا وعبادتنا، ولكن حتى تأتي هذه اللحظة لابد لنا مِن تقليل الشر والفساد.ومِن ثمَّ فمتى عشنا في دولة مدنية فيجب علينا أن نحاول قدر الإمكان أسلمة ما يمكن منها دون التنازل عن توضيح الصورة الواجبة المطلوبة، وإلا فلو حصلنا على بعض إصلاحات فوصفناها بأنها هي المطلوب شرعًا؛ فسيكون هذا تحريفًا للدين وخيانة للأجيال القادمة).... من مقال [المادة الثانية من الدستور بين التفعيل والتعطيل]ـ


وقبل الدخول في الموضوع وحتى لا يحمل الكلام على غير وجهه، فلابد من التفريق بين أمرين؛

الأمر الأول؛ وهو الآثار المترتبة على وجود المادة الثانية
والأمر الثاني ؛ وهو حقيقة المادة الثانية بذاتها ومدلولاتها الدستورية والقانونية


فبالنسبة للأمر الأول (ألا وهو الآثار المترتبة على وجودها)؛

فلا شك أن هناك بعض الآثار الإيجابية
أو إن شئنا الدقة فلنقل : أنها منعت بعض الآثار السلبية
مثل إصدار قوانين مؤتمر السكان وغيرها

لذلك قد لا ننكر أن وجود المادة الثانية ربما يمنع بعض الآثار السيئة
وبالتالي فوجودها قد يكون أفضل من عدم وجودها من هذا الوجه
وليس هذا هو محل الإشكال

ولكننا ينبغي أيضا ألا ننسى أن وجود المادة الثانية في الدستور على هذه الصورة الخادعة يلبس على عوام الناس دينهم
بل ويلبس أيضا حتى على كثير من أبناء الصحوة أنفسهم
بل والله وعلى بعض المشايخ أيضا كما ذكرنا آنفا !! ؛

إذ يظنون أن الدستور الذي يحكمهم هو دستور إسلامي أو يكاد !! ؛
أو يظنون أن المادة الثانية تتوافق مع الشريعة !! ؛

وهذا كله غير صحيح كما سيتضح لاحقا إن شاء الله



أما بالنسبة للأمر الثاني (الذي هو حقيقة المادة الثانية ذاتها ومدلولاتها) ؛

فلو راجعنا مواد الدستور القديم أو حتى الإعلان الدستوري الجديد نفسه
فسنرى أن المادة الثانية في حد ذاتها وفي إطارها الدستوري والقانوني تخالف أصول الإسلام، ولا قيمة لها بميزان الشريعة الإسلامية

لدرجة أنه يمكننا القول بكل ثقة أن الدساتير التي حكمتنا كلها بما فيها الإعلان الدستوري الحالي نفسه ليست دساتير إسلامية بالمرة

وذلك لعدة أسباب تتعلق إما بصياغتها هي ذاتها
أو بما يحيط بها من باقي مواد الدستور التي تضع المادة الثانية في إطار دستوري وقانوني غير إسلامي أصلا

وليس فقط لأنها (غير مفعـلة) كما يقول البعض
بل الأمر أكبر من ذلك بكثير

*****************
*****************


وإن شاء الله سوف نعرض في هذا المقام 8 مخالفات رئيسية في المادة الثانية وما يحيط بها من مواد الدستور التي تتعلق بها وذلك في ضوء تفسيرات المحكمة الدستورية العليا

وهذه المخالفات إما تتعلق بصياغة المادة ذاتها
وإما بآلية تنفيذها
وإما بنقصان سيادتها على بقية مواد الدستور أو القوانين

مع التنبيه على أن هذه ليست هي كل المخالفات الموجودة
ولكن يمكن القول أنها هي المخالفات الأكبر أو الأشد غموضا فيما يتعلق بالمادة الثانية وحدها
أولا: كلمة (مبادئ الشريعة) !!
ثانيا: كلمة (المصدر الرئيسي) !!
ثالثا: آلية تفعيلها هي آلية غير إسلامية
رابعا: لا سيادة للمادة الثانية على بقية مواد الدستور
خامسا: لا سيادة للمادة الثانية على القوانين الصادرة قبلها
سادسا: مجلس الشعب له السيادة على المادة الثانية بموجب الدستور
سابعا: الأساس الذي بنيت عليه هو اختيار الشعب لا حكم الله
ثامنا: لا أهلية شرعية للقائمين على تفسيرها وتفعيلها


***********
***********

نص المادة الثانية ؛
تقول المادة الثانية : (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)ـ
***********
***********
أولا: كلمة (مبادئ الشريعة) !! ؛
أصبح كثير من العلمانيين يستخدمون مصطلحات براقة جذابة يخدعون بها الناس
مستغلين عدم معرفة عوام المسلمين بالمعاني الحقيقية لهذه المصطلحات

ومن أشهر تلك المصطلحات هو مصطلح (مبادئ الشريعة)
فما الذي يقصدونه من هذا المصطلح ؟؟
إن كلمة (مبادئ الشريعة) ليس مقصودا بها أحكام الشريعة !! ؛
بل قيل في تفسيرها معنيان؛

المعنى الأول؛
هو أن المقصود بها هو مجرد المبادئ العامة فقط !! ؛

مثـل ؛
مـبـدأ : العدالة
ومبدأ : لا ضرر ولا ضرار
ومبدأ : حفظ النفس والمال
ومبدأ : عدم الإكراه في الدين

وليس المقصود (أحكام) الشريعة نفسها

وهذا هو قول المستشار السنهوري الذي وضع كثيرا من الدساتير العربية
وكذلك المستشارة تهاني الجبالي حيث تقول: (كما أنها (أى مبادئ الشريعة الإسلامية) تعد مصدرا باعتبارها أكثر تحديدا من المبادئ المستمدة من القانون الطبيعى وقواعد العدالة التى لا تصلح للتطبيق المباشر، ذلك لكون (مبادئ الشريعة الإسلامي) تحتوى أيضا المبادئ الشرعية الكلية (جوامع الكلم الفقهية) التى استنبطها الفقه من الأصول وشهد بصدقها الفروع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن «شكل العقد يحكمه قانون محل حصوله»، أو «أن الغش يفسد كل شيء» ، أو «الغرم بالغنم»، أو «لا ضرر ولا ضرار»… إلخ.)ـ من مقال في جريدة التحرير بعنوان [قصة المادة الثانية من الدستور؟]ـ

وأكبر دليل عملي على ذلك هو أن أغلب أحكام الشريعة ليست مطبقة فعلا
لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في القانون المدني ولا في العقوبات الجنائية ولا في القوانين العسكرية


أما المعنى الثاني؛
فهو الذي يُـفـهـم من تفسير المحكمة الدستورية لكلمة (مبادئ الشريعة)ـ
وهو يقصر مبادئ الشريعة على الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة فقط

حيث ورد في نص حكم المحكمة الدستورية قولها: (فلا يجوز لنص تشريعى، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً)ـ

وهذا يعني تحايلا على أجزاء ضخمة من الشريعة والالتفاف حولها، بحجة أنها أمور اجتهادية ليست قطعية

إذ أنه يعني الالتفاف على أغلب آيات القرآن لأنها غير قطعية الدلالة ، وكذلك على كثير من الأحاديث غير قطعية الثبوت أو غير قطعية الدلالة وهي تشكل غالبية الأحاديث، بل ويعني التفافا على القياس والاجتهاد بل وربما إجماع أهل السنة بنفس تلك الحجج
إلى غير ذلك من مصادر التشريع في الإسلام

وهذا التحايل والالتفاف لا يتم بصورة مباشرة واضحة، بل بطريقة ملتوية ماكرة
إذ يتم عن طريق تفسير هذه الآيات والأحاديث على حسب الأهواء، بما يجعلها لا تتعارض مع باقي مواد الدستور التي تخالف الإسلام أصلا، وبما لا يجعلها تمنع التشريعات المخالفة لها على هيئة قوانين تحت ذريعة أن هذه الآيات أو الأحاديث قابلة للاجتهاد وليست قطعية المعنى!!ـ

والاجتهاد الذي يقصدونه لا يُطبق بالأصول الشرعية الضابطة للاجتهاد على حسب أصول أهل السنة، بل هو اجتهاد بما لا يتعارض مع المبادئ الدستورية الوضعية كما سنبين الآن

فقد تكلم المستشار عبد الرزاق السنهوري الذي وضع غالب دساتير وقوانين الدول العربية فقال ما نصه: (كيف نفسر النصوص التي استقيت من الشريعة الإسـلامية، وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً، ونبين في إيجاز كيف تفسر النصوص المستمدة من الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً تاريخياً وباعتبارها مصدراً رسمياً .
الأمر الأول: هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي، فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها، ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة ، بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفي في جملته، ولعلنا نذهب إلى مدىً أبعد فنقول: إنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة، فهناك مذاهب أخرى كمذهب الزيدية، ومذهب الإمامية، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد .
والأمر الثاني: هو أن يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم في الحكم الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ، حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه)ـ[الوسيط في القانون المدني للسنهوري 1 / 48 - 49]ـ
كما ورد في نص حكم المحكمة الدستورية قولها: (ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملائمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل زمنا)ـ

وهذا وحده كفيل بأن يفرغ المادة الثانية من مضمونها
لأنه يعني تفريغا للشريعة من أغلب مصادر التشريع فيها بطريقة ملتوية وخبيثة
وذلك عن طريق البحث عن الأقوال الشاذة من جميع المذاهب بما فيها مذاهب الفرق الضالة أصلا مثل الروافض الإمامية كما ذكر السنهوري
ثم بأن يؤخذ من هذه المذاهب ما يتناسب مع بقية مواد الدستور الوضعية التي تخالف الشريعة أصلا مثل؛ سيادة الشعب والمدنية والمواطنة وحرية الاعتقاد وغيرها

وهذه بعض أقوال العلماء فيمن يتتبع الرخص ؛قال إسماعيل القاضي: (ما من عالم إلا وله زلة ، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه)ـوقال سليمان التيمي: (إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)ـ
وقال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام)ـ
وقال الشاطبي: (فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع، وأخر ما قدمه)ـ

إذا كان هذا كلام العلماء هذا كان فيمن يتتبع الرخص من أجل هواه أو ليبرر لنفسه الوقوع في بعض المحرمات ، فما بالنا فيمن يتتبع الرخص ليتوافق مع مبادئ الدستور الوضعي المخالفة لأصول الإسلام أصلا ... ؟؟

ولذلك فلا نستغرب أن يفرح كثير من العلمانيين بتفسير المحكمة الدستورية ويستندون إليه في كلامهم
ومن هؤلاء الفقيه الدستوري يحيى الجمل المشهور بعداوته للإسلاميين وبعلمانيته الواضحة والذي قال: (شوف الحكم بتاع المحكمة الدستورية رائع، حكم المحكمة الدستورية قال المادة الثانية بتتكلم عن مبادئ الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ديه بقي قضية طويلة وعريضة، أنا عاوز أقول لإخوانا بتوع الفقة يجيوا نقعد مع بعض ونشوف أيه هيا المبادئ قطعية الثبوت قطعية الدلالة في غير العبادات، العبادات كلها قطعية الثبوت قطعية الدلالة .... المبادئ قطعية الثبوت والدلالة محدودة جدا جدا في كل الشرائع الإنسانية من أيام حمورابي وجوستنيان واللي أحنا فيه)ـ في إحدى البرامج على"قناة التحرير"ـ

وكذلك المستشار أحمد عبده حيث قال: (أنا كرجل قانون أفسر المادة الثانية من الدستور كي لا يصرخ بعض الناس في اتجاه إلغاءها، أو في اتجاه بقائها، المادة الثانية من الدستور جميلة جدا لا تزعج أحد لا المسلمين ولا أي ملة أخرى، تقول أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، هناك فرق بين بين "مبادئ الشريعة الإسلامية" و "أحكام الشريعة الإسلامية" لو "أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي" سنرى من سنقطع يده ومن سيجلد ومن سنرجمه ومن سنقتله لكن "مبادئ الشريعة الإسلامية" نقصد بها الأخلاق)ـ في برنامج "أنا المصري" بتاريخ 7/2011م

وكذلك المسشارة تهاني الجبالي حيث تقول: (أن المشروع الدستورى أورد تعبير (مبادئ الشريعة الإسلامية) لا أحكام الشريعة الإسلامية، ولو قصد النص على أحكام الشريعة لما أعجزه التصريح بذلك فى النص، وهو ما يعنى الإحالة للمبادئ العليا وحدها)ـ من مقال في جريدة التحرير بعنوان [قصة المادة الثانية من الدستور؟]ـ


وكذلك د.عمرو حمزاوي في حواره مع الإعلامي عمرو أديب
حين قال حمزاوي: ((هل في تعارض بين القوانين المصرية والمبادئ الشريعة الاسلامية؟ شاورولي على قانون مصري واحد بيعارض مبادئ الشريعة الإسلامية))؛
فقال الإعلامي / عمرو أديب: (بس أحنا في مصر مبنقطعش يد السارق)؛
فرد حمزاوي قائلا: ((لا نتحدث عن أحكام الشريعة إحنا بنتكلم عن مبادئ الشريعة!! هل في تعارض بين القوانين الوضعية المصرية وبين المبادئ الشريعة الإسلامية ؟ يجاوبوا على السؤال !))ـ

وكذلك أيضا الدكتور مصطفى الفقي كما في جريدة "جريدة المصريون" بتاريخ 18/ 3 /2007 م حيث قالت: (أيد الفقي التمسك بالمادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وقال إن الحكومة لا تقبل أي جدال حولها وأن هذا يرجع لأسباب غير دينية لأنها ليست مادة دينية. وأكد الفقي أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر استلهام تشريعي في العالم كله باعتراف غير معتنقيها، مشيرًا إلى أن القائد الفرنسي نابليون بونابرت أخذ عنها وأن مرجعيات أوروبية عديدة وكذا الأمم المتحدة تعترف بها، موضحًا أن الدستور يتكلم عن مبادئ الشريعة وليس أحكام الشريعة)ـ

بل وقد اعترف بعض الإسلاميين بهذه الحقيقة ضمنيا مثل الدكتور « محمد سعد الكتاتني » ، وكيل مؤسسي حزب «الحرية والعدالة» والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين
حيث قال في حواره لـ«المصري اليوم» بتاريخ 25/02/2011: (نحن نقول فيما يخص موضوع تطبيق الحدود، إننا مع كل ما هو موجود في الدستور المصري وملتزمون به، ونحن مع مبادئ الشريعة الإسلامية المتوافقة مع الدستور المصري، ونحن لا ندعو إلى تغيير الدستور الحالي، لأن هناك فرقاً بين مبادئ الشريعة الإسلامية وبين الفقه)ـ


ولكن الأمر الغريب حقًا هو فرح بعض الإسلاميين بحكم المحكمة الدستورية

أما الله الملك الحق سبحانه وتعالى فقال:ـ{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون}ـ[سورة الجاثية : 18]ـ
ولم يقل على مبادئ الشريعة !!
ومن أحسن من الله قيلا ؟


ثانيا: كلمة (المصدر الرئيسي) !! ؛
كلمة المصدر (الرئيسي) من الناحية اللغوية والدستورية تعني أن يكون هناك مصادر فرعية أخرى للتشريع بجانب مبادئ الشريعة الإسلامية
يقول المستشار حامد الجمل: (قلنا : والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ولم نقل أنها المصدر الوحيد، وكان التيار الإسلامى يرغب فى أن تكون الصياغة " والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع" وهذا الكلام غير ممكن فى دولة قانونية، والرئيس السادات رفض ذلك)ــ[جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011]ـ

فإذا علمنا أن التشريع إنما هو حق لله وحده
فهل يصح مثلا أن يقول قائل: لا حكم رئيسي إلا لله !!؟؟
وهل يصح أن نرجع إلى حكم الله في بعض القضايا دون بعض ؟
قال تعالى:ـ{ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير}،
والله يقول:ـ{ولا يشرك في حكمه أحدا}ـ[الكهف: 26]؛
وفي قراءة ابن عامر من السبعة:ـ{ولا تشرك في حكمه أحدا}ـ
قال تعالى:ـ{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ـ[يوسف 40]ـوقال تعالى:ـ{أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}ـ[الشورى]ـ

وقد يحتج البعض بأن تفسير المحكمة الدستورية قال بأن وجود مصادر فرعية يشترط عدم مخالفتها للمصدر الرئيسي

والرد ؛
أن هذا المصدر الرئيسي نفسه ليس هو الشريعة نفسها إنما مبادئها العامة فقط، وبالتالي فكلمة (الرئيسي) هذه تعطي الحق لمجلس الشعب في أن يأتي بالقوانين الوضعية الغربية كالقانون الفرنسي مثلا، حتى ولو خالفت نصوص الشريعة غير قطعية الثبوت أو غير قطعية الدلالة أو إجماع السلف أو أصول الاجتهاد

ثم إن مصادر الشريعة أصلا لا تحتاج إلى مصادر أخرى مستقلة
إذ أن الشريعة ذاتها تقرر كيفية الاستفادة من قوانين الحضارات الأخرى بما لا يخالف أحكامها،
إذن فالشريعة نفسها تحتوي جميع مصادر التشريع التي نحتاجها، بما فيها كيفية الاستفادة من الحضارات الأخرى
فما الحاجة لكلمة (الرئيسي) إذا ؟؟!!

ثم، حتى لو فرضنا جدلا أنه لا إشكال في المعنى الدستوري لهذه الكلمة،
فلماذا نأتي بلفظ يعطي إيحاءً لغويا بوجود مشرع آخر مع الله ؟
إننا مأمورون شرعا أن نسد جميع الذرائع المؤدية إلى التحاكم إلى غير الله حتى ولو كانت لفظية فقط
فما بالنا وهي ليست لفظية فقط ، بل قانونية ودستورية أيضا ؟


والسؤال الأهم من هذا وذا؛
ما الذي يضمن أنه لن يأتي من قضاة المحكمة الدستورية من يحمل نفس هذا اللفظ على معنى غير صحيح كما هو حاصل حاليا فعلا ؟
خاصة أن تفسير ذلك يخضع لأهواء قضاة المحكمة الدستورية، دون ضابط من قرآن أو سنة


ثالثا: آلية تفعيلها هي آلية غير إسلامية؛
لأن مجلس الشعب هو المخاطب بهذه المادة وفقا لتفسير المحكمة الدستورية العليا؛
وذلك يعني أنه يُـشـتـرط موافقة (مجلس الشعب) أولا على أي قانون قبل إصداره

بل وألا تصدر القوانين إن صدرت إلا باسم الشعب !! ، كما ورد في المادة (٧٢) في دستور عام 1971؛ والتي تقول : (تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب) !! ؛

وكما ورد في المـادة (24) في الإعلان الدستوري الجديد 2011 ؛ والتي تقول أيضا : (تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب) ؛
وليس باسم الله رب العالمين !!
يقول المستشار حامد الجمل: (وأقول أن مبادئ الشريعة لا تدخل مباشرة فى التطبيق القضائي، ولكنها تدخل فى القانون الوضعي)ـ
ويقول أيضا: (وهناك مسألة مهمة ترتكز على أن الشريعة الإسلامية لا تطبق بقوة نصوص الدستور، ولكن تطبق بإرادة المشرع المصري)ــ[جريدة "الأهرام اليوم"الجمعة 1 ابريل 2011]ـ
أي أن (مبادئ الشريعة) لا تصاغ على هيئة قوانين إلا بعد عرضها للتصويت على ممثلي الشعب أولا
ومن حقهم بعد ذلك أن يوافقوا أو ألا يوافقوا طبقا لرأي الأغلبية
فإن وافقوا، فلا تصدر هذه القوانين إلا باسم الشعب
وإن عارضوها، فلا أحد يجبرهم على إصدارها ولا حتى المحكمة الدستورية

ولتوضيح كيفية حدوث هذا
فهناك احتمالان ؛

الاحتمال الأول ؛
أن يكون القانون المراد تشريعه أمر من الفرائض أو الواجبات الشرعية مثل فرض الزكاة أو حد السرقة مثلا
ففي هذه الحالة يقوم أحد النواب بتقديم مشروع القانون إلى مجلس الشعب
ثم يتم التصويت عليه
فإن وافقت الأغلبية تم إصداره
وإن لم توافق الأغلبية يتم رفضه
وليس لأحد أن يجبر مجلس الشعب على القبول أو الموافقة على إصدار هذا القانون ولا حتى المحكمة الدستورية
وهذا يعني أن المادة الثانية غير ملزمة للمجلس في إصداره لقوانين لهذه الفرائض الشرعية أو غيرها


الاحتمال الثاني ؛
أن يكون القانون المراد تشريعه أمر من المحرمات شرعا مثل تقنين الربا مثلا
فلابد أن يقوم أحد النواب بتقديم مشروع القانون إلى مجلس الشعب
ثم يتم التصويت عليه
فإن لم توافق الأغلبية يتم رفضه
وإن وافقت الأغلبية يتم إصداره رغم مخالفته للشريعة

وهذا يعني أيضا أن المادة الثانية لا تلزم المجلس بمنعه من إصدار ما يخالف الشريعة في هذه الحالة ، اللهم إلا بعد أن يصدر القانون فعلا وليس في أثناء إصداره، وذلك عن طريق المحكمة الدستورية فقط؛ إذ أنه من حق أي مواطن يتضرر من هذا القانون المخالف للشريعة ، أن يرفع دعوى للمحكمة الدستورية ضد هذا القانون لمخالفته للمادة الثانية والمحكمة هي التي تفصل في ذلك

يقول المستشار/ محمد وفيق زين العابدين: (فإذا ما صدر نص أو قانون يخالف مبادئ الشريعة الغراء وأحكامها ، يمكن لكل من يهمه الأمر - بشأن قضية هو أحد أطرافها - أن يطعن عليه أمام المحكمة الدستورية العليا ، فإذا ما قضت المحكمة الدستورية بمخالفة النص المطعون عليه لأحكام الشريعة فإن مقتضى نص المادتين (48) ، (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 أن يكون لقضاء هذه المحكمة في الدعاوى الدستورية حجية مطلقة في مواجهة الكافة ، وبالنسبة إلى الدولة بسلطاتها المختلفة ، باعتباره قولاً فصلاً في المسألة التي فصل فيها ، وهي حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو إعادة طرحه عليها من جديد لمراجعته)ـ

وبالتالي فإن المادة الثانية ليس لها أي تأثير أو سلطة أو سيادة على مجلس الشعب في عملية إصداره لقراراته ولا على عملية التصويت داخل المجلس، ولا يحق لها أن تجبره على قبول أي حكم شرعي مهما كانت أهميته أو درجة وجوبه
بل إن المجلس هو سيد قراره كما هو معلوم

إنما دور المحكمة الدستورية في تفعيل المادة الثانية يقتصر فقط على الطعن في ما أصدره مجلس الشعب من قوانين مخالفة فعلا

والإشكال هنا كيف تكون أحكام الله تحت حكم الشعب وتصدر باسم الشعب ؟
وكيف يكون الشعب له حق الاعتراض على أحكام الله متى شاء والعياذ بالله ؟
بل كيف يكون له مجرد حق الاختيار أصلا ؟

وقوله تعالى:ـ{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}ـ[القصص: 68]ـ
ويقول تعالى:ـ{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}ـ[الأحزاب : 36]ـ
وكلمة (الخيرة) في الآيتين معناها : الاختيار
أي أن المسلم ليس له حق الاختيار أصلا أمام أحكام الله
فضلا عن أن يكون له الحق في أن يرفضها
فمعنى الآية أن المسلم ليس له حق الاختيار أو التصويت على أحكام الله أصلا

ولكن قد يقول قائل : أن الشعب المسلم لن يعترض على أي أمر من أوامر الله، ولن يوافق على إباحة أي شيء محرم

والرد على هذا ؛ هو أننا لا نتحدث هل هذا ممكن الحدوث فعلا أم لا !!؟
نحن نتكلم على مجرد وجود مبدأ أن يكون من حق الشعب أن يناقش أحكام الشريعة حتى لو كنا متأكدين 100% أنه لن يعترض عليها ؟؟
إذ أن مجرد (عرضها للنقاش) على المسلمين جريمة كبيرة تخالف أصول الإسلام

بل إن هذا مبدأ علماني مدني في الأساسقال الشيخ محمد عبد المقصود في إحدى محاضراته قبل الثورة المصرية: (ولو أن الناس صوتوا في هذا المجلس - مجلس الشعب لصالح تطبيق الشريعة فطبقت لأن المجلس وافق على ذلك ما كان هذا إسلاماً أبداً ، لكن ينبغي أن تطبق الشريعة رغم أنف الرافضين لأنها حكم الله عز وجل ، والذين يملكون تطبيقها الآن يملكون إلغائها في المستقبل ، فإذا طبقت الشريعة لأن الغالبية وافقت على تطبيقها و الدستور ينص على أن الحكم للغالبية ، معنى هذا أن يكون الدستور حاكماً على شريعة الله عز وجل ، وهذا كفرٌ مجرد بإجماع المسلمين كما ذكرت مراراً و تكراراً) انتهى كلامه
وقال الشيخ "صلاح أبو إسماعيل" الذي حاول فيها تحكيم شريعة الله في البرلمان، وانتهى من ذلك إلى القول:(لم أكن أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى موافقة عباد الله، ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف - له قداسته في قلوبنا - إلى أن يوافق عباد الله في البرلمان على تصيير كلام الله قانوناً.وإذا اختلف قرار عباد الله في البرلمان عن حكم الله في القرآن؛ فإن قرار عباد الله يصير قانوناً معمولاً به في السلطة القضائية، مكفولاً تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية؛ ولو عارض القرآن والسنة. والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر، وأباحها البرلمان، وأن الله أمر بإقامة الحدود، وأهدرها البرلمان، والنتيجة على ضوء هذه الأمثلة: أن ما قرره البرلمان صار قانوناً رغم مخالفته للإسلام)ـ انتهى كلامه رحمه الله

ويقول الشيخ أحمد سالم: (مسلمة إلزامية موضوعية لا يسع دعاة الدولة المدنية إلا التسليم بها؛
ـ 1- إذا كان نص فلاسفة الدولة المدنية كتوماس هوبز حين يقول : «إنَّ الكتابَ المقدسَ لا يصبحُ قانونًا إلَّا إذا جعلَتْهُ السُّلطةُ المدنيَّةُ الشرعيَّةُ كذلِكَ» (ص/258)ـ
ـ 2- واسبينوزا حين يقول : «إنَّ الدينَ لا تكونُ لَهُ قوةُ القانونِ إلَّا بإرادةِ مَنْ لَهُ الحقُّ في الحكمِ»ـ ـ[(ص/422) ، وانظرْ : (ص/424)]ـ
ـ 3- ونفس الحقيقة يقررها أحد أشهر العلمانيين ودعاة الدولة المدنية المصريين وهو المستشار سعيد العشماوي حين يقول : ((الحكومة المدنية أو نظام الحكم المدني هو النظام الذي تقيمه الجماعة، مستنداً إلى قيمها، مرتكزاً إلى إرادتها، مستمراً برغبتها، حتى ولو طبق أحكاماً دينية أو قواعد شرعية))ـ ـ[ الخلافة الإسلامية (ص/18)]ـ
هذه النصوص الثلاثة بينة جداً في أن الحاكم أو البرلمان أو حتى الشعب بالديمقراطية المباشرة إذا اختار أحكاماً دينية وجعلها قوانين للحكم = أن ذلك لا يُخرج الدولة عن وصف المدنية؛ لأن اختيار السلطة العليا لها هو الذي أكسبها صفة الإلزام، وهذه هي آليات الدولة المدنية)ـثم يقول: (من ناحية الأصول الشرعية نرى أن الأحكام الشرعية ملزمة بنفسها لا تتوقف إلزاميتها على استفتاء أو اختيار من أحد) انتهى كلامه


رابعا: لا سيادة للمادة الثانية على بقية مواد الدستور؛
أن سيادة المادة الثانية وتأثيرها يقتصر على (القوانين) فقط، وليس على (مواد الدستور) الأخرى

أي أن مجلس الشعب لا يجوز له أن يشرع (قوانين) تخالف المادة الثانية عل النحو الذي أوضحناه سابقا، ولكن من حقه أن يشرع أو يعدل في (مواد الدستور) كيفما شاء
بما في ذلك المادة الثانية نفسها (كما سيأتي لاحقا)ـ

وبالتالي فإن المادة الثانية تكون مقيدة ومحكومة بالمواد الأخرى المخالفة للشريعة ؛ وذلك لأن جميع مواد الدستور لها نفس القوة إذ أنها تشترك معا في وضع شكل الدولة يقول المستشار حامد الجمل: (والمادة الثانية لا يمكن تفسيرها وحدها، بمعزل عن المواد الأخرى فى الدستور، ومنها ما يتعلق بالمساواة، وعدم التمييز بين المواطنين، كذلك المواد الأخرى المتعلقة بسيادة القانون، واستقلال القضاء، وأن المحاكم هى التى تتولى الفصل فى المنازعات)ـ
ـ[جريدة "الأهرام اليوم" الجمعة 1 ابريل 2011]ـيقول المستشار السنهوري : (يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه)ـ

ويقول أيضًا ردًا على سؤال للشيخ عبد الوهاب طلعت باشا؛
فقد سأله الشيخ: هل رجعتم إلى الشريعة الإسلامية!؟
فقال السنهوري : (أو كذلك أنّنا ما تركنا حكمًا صالحًا في الشريعة الإسلامية يمكن أن يوضع في هذا القانون إلاّ وضعناه)ـ
ـ[نقلاً عن كتاب (الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية) للشيخ عمر الأشقر]ـ
ويقول المستشار طارق البشري : (نقطة أخيرة أختتم بها حديثي، فنحن عندما نفسر أي قانون ونستقرئ أحكامه لا ننظر إلى كل نص فيه على حدة، نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه، ثم نضع أحكام القانون كلها جنبا إلى جنب؛ لأن كل نص إنما يحد من إطلاق غيره، ولأن المعنى المستفاد من أي نص إنما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخرى، ولأن السياق هو الذي يضبط المعنى ويظهر وجه التفسير، واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة، والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الأحكام الأخرى، وهذا ما يطلق عليه تعبير: النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏وطبقًا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالمساواة بين المواطنين، وإن اختلفت أديانهم أو مذاهبهم، إنما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر، ومن ثم يكون ملزما - من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الإسلامية للقوانين- أن يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مبادئ الدستور الأخرى وأحكامه الأخرى، وذلك في نطاق ما تسعه مبادئ الشريعة الإسلامية من وجهات نظر)ـ
ويقول الشيخ الألباني رحمه الله: (وإن كان قد نص في دستوره "دين الدولة الإسلام " فإن هذا النص قد ثبت عمليا أنه وضع لتخدير أعضاء النواب الطيِّبي القلوب!! ؛ذلك لأنه لا يستطيع أن يغيِّر شيئاً من مواد الدستور المخالفة للإسلام، كما ثبت عمليا في بعض البلاد التي في دستورها النص المذكور.)ـ انتهى كلامه رحمه الله
وما أكثر هذه المواد والمبادئ الدستورية المخالفة للشريعة في دستورنا !! ـ
مثل تلك المواد التي تقرر سيادة الشعب ومبدأ المواطنة والديمقراطية وحرية الاعتقاد
وغيرها من المبادئ المخالفة للإسلام
هذا نوع من الخداع والنفاق السياسي، كما اعترف بذلك الفقيه الدستوري (يحيى الجمل)ـ

إذ كيف لا يكون لمبادئ الشريعة سيادة على هذه المواد المخالفة للشريعة !!؟
إن هذا وحده يجعل المادة الثانية صورية ولا قيمة حقيقية لها

بل كان يجب أن يكون لها السيادة على كل مواد الدستور جميعها ، بل وإلغاء كل المواد المخالفة لها تماما


خامسا: لا سيادة للمادة الثانية على القوانين الصادرة قبلها؛
أن تأثير هذه المادة لا يشمل كل القوانين !! ؛ بل يقتصر على القوانين التي صدرت بعدها فقط

وذلك لأن المادة الثانية بصياغتها الحالية عاجزة وتأثيرها محدود حسب حكم المحكمة الدستورية، إذ قد قررت المحكمة أن تأثير المادة يقتصر على (القوانين التي صدرت بعدها فقط)!!ـ
أما القوانين القديمة فلا تأثير للمادة الثانية عليها

يقول المستشار/ محمد وفيق زين العابدين : (وجدير بالذكر أن تحرر بعض القوانين كتلك التي تخص الجرائم والعقوبات وامتداد عقود الإيجار القديمة غير محددة المدة وغيرها عن القيد الدستوري المذكور ، فذا لأن إلزام المشرع الوضعي باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع ـ بعد تعديل المادة الثانية من الدستور ـ لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرضه فيه هذا الإلزام ، بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية ، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فإنها بمنأى عن الخضوع لهذا القيد ، ولا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلاً قبل فرضه)ـ
وكأن (مبادئ شريعة الله) ليس لها السيادة على كل القوانين ،بل على بعضها دون البعض الآخر !! ؛
كيف تكون (مبادئ الشريعة) لها السيادة على بعض القوانين والبعض الآخر لا سيادة للشريعة عليه ؟؟؟؟؟؟؟؟

قال تعالى:ـ{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}ـ[البقرة:85]ـ


سادسا: مجلس الشعب له السيادة على المادة الثانية بموجب الدستور؛

فمجلس الشعب له السيادة على هذه المادة بموجب الدستور، بمعنى أنه إن شاء عدلها أو ألغاها في أي وقت ، متى توفرت الأغلبية اللازمة لذلك بموجب الدستور

وذلك لأن باقي مواد الدستور تعطي ممثلي الشعب ما يشبه حق (الفيتو) على أحكام الشريعة
وتعطي لهم الحق في تغيير المادة الثانية أو إلغائها متى يريدون !ـ
وذلك إذا توفرت أغلبية مناسبة في مجلس الشعب
وكأن مجلس الشعب له حق الاعتراض على حكم الله متى شاء والعياذ بالله !! ـ

فهل يصح مثلا أن يقول قائل أنا سأعبد الله، ولكن من حقي أن أترك عبادته لأعبد غيره إذا شئت ؟!!
هل يوجد مسلم يقول هذا ؟!!
إن مثل هذا أو قريب منه مكتوب في الدستور، ولكن بعبارات منمقة تخفي قبح المعنى

كالمادة الثالثة على سبيل المثال والتي تقول: (السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية)ـ
وكالمادة 189 من دستور 71 والتي تقول ما نصه: (لكل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والأسباب الداعية إلى هذا التعديل. فإذا كان الطلب صادراً من مجلس الشعب وجب أن يكون موقعاً من ثلث أعضاء المجلس على الأقل. وفى جميع الأحوال يناقش المجلس مبدأ التعديل ويصدر قراره في شأنه بأغلبية أعضائه، فإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضى سنة على هذا الرفض. وإذا وافق مجلس الشعب على مبدأ التعديل، يناقش بعد شهرين من تاريخ هذه الموافقة، المواد المطلوب تعديلها، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه. فإذا ووفق على التعديل اعتبر نافذاً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.)ـ

أي أن مجلس الشعب يحق له تعديل أي مادة من الدستور (بما فيها المادة الثانية طبعا) وذلك إذا وافقت أغلبية الثلثين ثم عرض على استفتاء شعبي ووافقت عليه الأغلبية ، كل هذا من غير ضابط من قرآن أو سنة طبعا.

وكذا نفس المعنى موجود في الإعلان الدستوري الجديد _ بل أشد _ حيث تقول المادة 60 منه: (يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسى شعب وشورى فى اجتماع مشترك ، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، خلال ستة أشهر من انتخابهم ، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو ، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد فى موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع ، خلال خمسة عشر يوماً من إعداده ، على الشعب لاستفتائه فى شأنه ، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه فى الاستفتاء .)ـ

أي أن اللجنة التي ستضع الدستور الجديد لها الحق في وضع الدستور كما تشاء، سواء أبقت على المادة الثانية أو ألغتها أو عدلتها من غير ضابط من قرآن أو سنة، بل لها الحق في أن تفعل ما تشاء ، وكأن حق التشريع لها وحدها من دون الله ودون الالتزام بأي ضابط من الوحي

وهذا وحده كفيل بأن يجعل المادة منقوصة السيادة ، ويجعلها تحت حكم مجلس الشعب وخاضعة له ، لا العكس
فهل يصح أن تكون (الشريعة الإسلامية) تحت حكم مجلس الشعب ؟؟؟
وهل يجوز لنا أن نقر بهذا الحال ؟

إن هذا وحده كفيل بأن يجعل هذه المادة بلا قيمة مطلقا من الناحية الشرعية لأن هذا يصطدم بقوله تعالى:ـ{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}ـ[الأحزاب : 36]ـ
وقوله تعالى:ـ{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}ـ[القصص: 68]ـ


وهنا مسألة مهمة ؛لو فرضنا جدلا أنه وجد دستور ما، وكانت كل مواده مستمدة من الكتاب والسنة المطهرة، ثم وضع في هذا الدستور مادة واحدة تنص على أن البرلمان له الحق في تعديل أي مادة في الدستور، إذا وافقت الأغلبية

فما هو حكم هذا الدستور في ميزان الإسلام ؟

الإجابة : هي أنه بهذه الصورة ليس دستورا إسلاميا
لأن هذا الدستور قد جعل الشعب له سيادة على مواد الدستور المستمدة من القرآن والسنة

ولحل هذه المشكلة يجب إبطال أي آلية في الدستور تسمح لمجلس النواب أو حتى لمجلس العلماء أن يعدلوا الدستور إلى دستور غير إسلامي أو حتى مجرد التصويت أو الاستفتاء على ذلك


سابعا : الأساس الذي بنيت عليه هو اختيار الشعب لا حكم الله؛

ذلك لأن بقية مواد الدستور خاصة المادتين الأولى والثالثة تجعلان المادة الثانية على كأنها ناتجة عن اختيار الشعب وإرادته، وليس على أنها عبادة لله لا يملك مسلم أن يناقشها فضلا عن أن يرفضها
وبالتالي هذا يجعلها عديمة القيمة من الناحية الشرعية !!

لأن هاتين المادتين وغيرهما تنصان على مبدأ الديمقراطية (أي مبدأ حكم الشعب لنفسه) ومبدأ (السيادة للشعب وحده)ـ

فالمادة 1 تقول : (جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة ، والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة)ـ
والمادة 3 تقول : (السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية)ـ

فمع أن السيادة لله وحده، ومع أن حق التشريع هو لله وحده، وحق التحريم والتحليل هو لله وحده، ومع ذلك فلا يوجد أي نص دستوري يقول أن التشريع حق لله عز وجل !!! ؛
مع أن هذا الأمر من أبجديات الإسلام المسلم بها والتي لا يختلف عليها مسلمان

مثال؛ لتوضيح هذه النقطة:

لو أن حكومة من حكومات الغرب طبقت حد السرقة مثلا، ولكن ليس من باب طاعة الله أو أن هذا عبادة لله، بل من باب أن هذا يساعد على تقليل السرقة !!
فهل نقول أنهم يحكمون بشريعة الله في تلك القضية ؟
الجواب ؛ لا طبعا، وذلك لأنهم لا بد أن يسلموا لله تسليما بحقه في الحكم والتشريع كما ورد في الآية الكريمة
فهم قد طبقوا هذا الحد لأنهم يريدونه لتحقيق لمصلحتهم، وليس إذعانا لخالقهم ولا تسليما له ولا عبادة له
قال تعالى:ـ{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}ـ[النساء:65]ـ

يقول الشيخ الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي: (فلا فرق بين أن يوافق البرلمان على حكم الله أو أن يرفضه؛ لأننا لا ننظر إلى النتيجة، ولكن إلى كيفية عرض حكم الله على الناس وأخذ رأي المخلوقين في حكم الخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالمبدأ موجود من الأصل، فعندما يعرض تحريم الخمر على البرلمان لاتخاذ قانون بذلك، فمعنى هذا: أنهم يجعلون حكم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى القطعي الذي ج

الـتـغـيـير يبدأ مـن الـقـمـة أم من القاعدة .. ؟د. أبو سلمان

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد ؛


إن بعض الناس حين يتحدثون عن موضوع التغيير والإصلاح للمجتمعات
فإنهم يشبهون المجتمع بالهرم

حيث تكون قاعدته هي ؛ الشعب
وتكون قمته هي ؛ السلطة الحاكمة


ويقولون أن التغيير يكون من القاعدة لا من القمة !!



أي أن الشعب ــ على زعمهم ــ لا بد أن يتغير أولا قبل أن يتغير النظام الحاكم !!



ويقولون أيضا ؛ أننا لا ينبغي أن نسعى إلى تغيير الظلم والفساد الموجود عند الحكام إلا بعد إصلاح الشعب ذاته أولا !! ـ



فإذا ما تغيرت القاعدة الشعبية فإن السلطة ستتغير هي أيضا !! ؛

أي أن التغيير ــ عندهم ــ يبدأ من الشعب أولا حتى تتغير ثقافته تماما
ثم بعد ذلك يحدث التغيير في السلطة !!!! ؛




ورغم أن هذا الكلام يبدو لأول وهلة جميلا ومنسقا

إلا أنه في الحقيقة سطحي جدا ... !

بل هو قمة في السذاجة ... !



وهو كلام غير واقعي بالمرة
ولا يوجد له ما يؤيده
لا في التاريخ
ولا في الواقع
وولا أصل له في الشريعة الإسلامية فيما نعلم



لماذا ؟؟

دعونا نناقش ذلك بهدوء


إن التغيير يبدأ أولا كفكرة يتبناها بعض الأفراد
ثم يدعون غيرهم إليها


وتكون هذه الدعوة موجهة للجميع سواء كانوا من عامة الناس
أو من أصحاب السلطة والمكانة

أي أن التغيير يبدأ من القمة والقاعدة معا في آن واحد
ولا تعارض بينهما كما يتوهمون


وليس يبدأ من القاعدة الشعبية فقط كما يقولون

ثم تستمر الدعوة إلى فكرة التغيير والإصلاح حتى تتكون ( طائفة ) من المجتمع تكون مقتنعة بهذه الفكرة وتعلم على إنجاحها

وهذه الطائفة لها احتمالين ؛
إما أن تكون ضعيفة وصغيرة ( كحال بداية الدعوة في مكة مثلا )


أو أن تكون قوية ومؤثرة ( كحال بداية الدعوة في المدينة المنورة )



وهذا يتوقف على نوعية استجابة المجتمع لفكرة الإصلاح
وهذا يختلف من مجتمع لآخر وتتحكم فيه عوامل كثيرة لا مجال للخوض فيها



فإن كان المستجيبون لفكرة الإصلاح من ( أصحاب النفوذ والسلطة ) فستكون دعوة قوية وتؤتي ثمارها سريعا
كما حدث في المدينة المنورة عندما استجاب لدعوة الإسلام كثير من وجهاء القبائل وسادتها مثل ؛ أسيد بن حضير و سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة رضي الله عنهم جميعا


فقد كانوا سببا في التمكن السريع للدعوة الإسلامية ودخولها إلى جميع بيوت المدينة المنورة



وأما إن كان المستجيبون للدعوة من العوام المستضعفين فستكون مستضعفة وحينئذ سيتأخر التغيير حتى يمن الله عليهم بامتلاك القوة والسلطة
كما حدث في مكة المكرمة حيث كان أغلب المستجيبين للدعوة هم من المستضعفين والعبيد والشباب


لذلك ؛
فالتغيير مستحيل دون وجود سلطة تغير وتؤثر في الناس
سواء كانت هذه السلطة سياسية
أو سلطة عشائرية وقبلية
او سلطة عسكرية
... إلخ


ولكن لماذا لا يمكن أن تتم فكرة التغيير الشامل للمجتمع إلا في وجود هذه السلطة التي تعمل على التغيير وترعاه ؟؟

لأنها مثلا التي تطبق القوانين والتشريعات التي تحارب الفساد أيا كانت هذه التشريعات والقوانين
ـ ( بصرف النظر عن موقفنا من التشريعات الوضعية المخالفة للشريعة المطهرة ) ـ


وهذه السلطة هي التي توجه الإعلام لتوعية الشعوب


وهي التي ترعى التقدم في جميع مجالات الحياة


وهي التي ترعى الدعاة والمثقفين والعلماء والكفاءات في جميع المجالات وتوفر لهم الفرص للإصلاح


وهي التي توفر المناخ المناسب للإصلاح والمصلحين



وإذا غابت هذه السلطة التي ترعى الإصلاح ووجدت سلطة فاسدة فسيحدث العكس تماما
كما حدث في مصر قبل ثورة 25 يناير

فهل كانت السلطة السابقة ستسمح لأحد بأن يغير ثقافة الشعب ؟؟
كيف ذلك والسلطة كانت تقف عائقا أمام المصلحين ؟؟
كيف ذلك وهي التي كانت تضعهم في السجون وتضيق عليهم وتهددهم في حياتهم وأعراضهم وأموالهم ؟؟

كيف ذلك والسلطة الحاكمة كانت توفر مناخا فاسدا وترعى الفساد وتشجعه حتى صار ثقافة عامة عند المجتمع بجميع فئاته ؟؟
كيف ذلك وهي كانت تمتلك آلة إعلامية جبارة تضلل الشعوب وتبعدها عن طريق الإصلاح ؟؟
كيف وهي تشوه صورة المصلحين ودعاة التغيير عن طريق إعلامها ؟؟
ألم نسمع جميعا عن وجبات ( الكنتاكي ) وعن ( الأجندات الخارجية ) والتي صدقها في البداية جانب عظيم من الشعب المصري مثلا ؟؟؟

من سيسمح لأحد أن يستمر في الدعوة للإصلاح والتغيير دون أن يوقفوه ودون أن يمنعوه ؟؟

إذن كان لابد من الثورة على هذه السلطة الفاسدة وهذا النظام العفن
وهذه الثورة هي بداية التغيير وليست هي التغيير ذاته


ولو فرضنا جدلا أن تغيير ثقافة الشعب كان ممكنا دون إزالة هذه السلطة

فما هو المقصود بتغيير ثقافة الشعب ؟؟
هل يقصدون أن تتغير ثقافة الشعب بأكمله !!!؟؟
أي بنسبة 100 % ؟؟
طبعا هذا مستحيل وهذا لا يحتاج إلى إثبات

فهل يقصدون أن يتغير غالبية الشعب ؟؟
بنسبة 90 % أو 80 % أو 70 % مثلا
فعلى أي أساس سيختارون النسبة ؟؟
ما المعيار العلمي في ذلك ؟؟
ما هي الكتلة الحرجة التي ستغير المجتمع ؟؟

ثم من سيسمح لهم بذلك إلا في وجود سلطة تؤمن هذا التغيير وتحافظ على تلك الدعوة



والله أعلم


د. أبو سلمان

الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - والمشاركة السياسية في النظام الجاهلي

هذه مقتطفات من كتاب "في ظلال القرآن".. ولستُ أزعم أنها رأي الأستاذ الشهيد في ما يحصل اليوم في مصر مثلا.. والتساؤل الذي يدور حوله الجدال: هل نشارك أم لا؟.. إنما أوردتها للأهمية.. لبيان منهج الأستاذ سيد "الجذري" أو - بتعبير أدقّ - "الإحيائي" في التغيير.. ورفضه للمنهج "الإصلاحي" الذي تتشكّل في الحركات الداعية به في النظام السياسي للمجتمعات الجاهلية بغية الإصلاح عن طريق "التدرج"..





(في ظلال سورة إبراهيم)



(وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا)!




هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية . . إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها . ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها . وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها . فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل , وهذا ما لا تطيقه الجاهلية . لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم ; ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم , وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي , وأن يذوبوا في مجتمعهم فلا يبقى لهم كيان مستقل . وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله , وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه , فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى . .



وعندما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة , ولا يبقى مجال لحجة ; ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية . .

إن التجمع الجاهلي - بطبيعة تركيبه العضوي - لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله , إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي , ولتوطيد جاهليته ! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي , والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع . هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره.. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها..



...



والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد ; ومن تأليه غير الله . أو من ربوبية غير الله - وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية - فسواء كان الاعتقاد قائما على تعدد الآلهة ; أو كان قائما على توحيد الإله مع تعدد الأرباب - أي المتسلطين - فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى !

ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة , وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية , أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية ; وتصبح بذاتها خطرا على وجود الجاهلية . وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص , يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي ; وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد , ومن ناحية القيادة , ومن ناحية الولاء . . الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان . .

وعندما يشعر التجمع الجاهلي - بوصفه كيانا عضويا واحدا متساندا - بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية ; كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له . . فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام !

إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام ! المعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تماما للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر . فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة , أو تعدد الأرباب , ومن ثم يدين فيه العباد للعباد . والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية ; ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد . .

ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي , في أول الأمر وهو في دور التكوين , ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسلم القيادة منه , وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . . لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح , فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام . . ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام ! . . إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح ; ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد !

وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها , فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت , لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام ! . . إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة , وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة . .

(وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا). .

فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم , أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص . إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم , ويندمجوا في تجمعهم , ويذوبوا في هذا التجمع . أو أن يطردوهم بعيدا وينفوهم من أرضهم . .

ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي , ولا أن يذوبوا فيه , ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص . . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي . . ولم يقولوا - كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام . . ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات -:حسنا ! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم !!!



إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي , لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه . . وليس في ذلك اختيار . . إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات . . هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده ; وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان . كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار !

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال . وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين ; والفصل بينهم وبين قومهم بالحق , لا يقع ولا يكون , إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم ; وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم . . فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي , ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته . . وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين . . وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله , وهم واعون مقدرون . .

هل سقط الدستور أم سقطت نبادئ السلفية؟؟

 

(هل سقط الدستور أم سقطت مبادئ السلفية؟!)

 alt

للتحميل
http://www.tawhed.ws/dl?i=14071102

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين 

 

وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فقد وقعت في موقع "مركز المقريزي" على مقال للدكتور طارق عبد الحليم ناقش فيه ما ورد في رسالة "نصرهم الله فانتكسوا" التي عقبت فيها على كلام الشيخ ياسر برهامي .

والحقيقة أن الردود والنقاشات تكون إيجابية وحميدة الثمرة إذا كانت مضبوطة بالقواعد العلمية والتأصيل الشرعي وتكون عبثية وربما ضارة إذا كانت بخلاف ذلك .

وأظن أن أول خطوة كان ينبغي أن يقوم بها الدكتور طارق من أجل نقاش علمي جاد يستفيد منه المناقِش والمناقَش والقاريء هي تحديد القضية أو القضايا التي دار حولها تعقيبي على كلام الشيخ ياسر برهامي ثم إسقاط الأحكام الشرعية عليها بعد توصيفها توصيفا شرعيا دقيقا ..

لكن الدكتور طارق لم يدخل إلى الموضوع ولم يناقش المسألة التي دار حولها الحديث بل كان كلامه كله في مجمله إثارة لقضية أخرى جديدة..!

الفكرة التي طرحها الشيخ ياسر ليست هي الفكرة التي طرحها الدكتور طارق ..

لقد تحدث الشيخ ياسر بطريقة واضحة عن إمكانية تطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية وكان كلامه الذي علقت عليه محصورا في مجمله في هذه المسألة؛ وكان تعليقي عليه أيضا منصبا في بيان أن تطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية قد يحدث من الناحية الشكلية لكنه يظل معدوما من الناحية الشرعية لفقده بعض الشروط الأساسية .

لكن الدكتور طارق قلب علينا جميعا الطاولة وجعلنا نتحدث في فراغ عندما طرح فكرة أخرى مغايرة؛ فزعم بأن النظام الديمقراطي في مصر قد انهار ..
وأنه في مصر الآن لا توجد لا ديمقراطية ولا دستور ولا حكم طاغوتي ولا يحزنون !!
إذن هناك فرق كبير بين ما يطرحه الشيخ ياسر وبين ما يطرحه الدكتور طارق !!
لكنهما طبعا يتفقان على مشروعية المشاركة في الانتخابات اليوم .

وهذه المسألة لاحظتها في كل المدافعين عن المشاركة في الانتخابات فهم دائما يتفقون في مسألة التبرير ويختلفون في المبرِّر ..
ولو كان في المسألة دليل واضح محدد لاتفقوا عليه والتفوا حوله ..
ولكنهم اختلفوا ..
فبعضهم يقول : الديمقراطية هي الشورى !
وآخر يقول : دخلناها للضرورة !
وثالث يقول : للمصلحة وتقليل الشر !
ورابع يقول : نفعل كما فعل يوسف !
فلكل منهم مبرره وحجته !!
وأصبحت صناعة المبررات هذه هي الحمار الذي يركبونه فيوصلهم إلى ساحة الديمقراطية مهما بدا في هذا الحمار من عرج وهزال وإعياء !!
مَعاذيرٌ بها ادَّرَعَتْ نُفوسٌ ***ضعافٌ تَرهبُ الكُرَبَ الشِّدادا
تُريدُ المجدَ مُرتميا عليها *** جَنىً غَضّاً تَلَقَّفُهُ ازدِرادا!
***
وأريد في هذه الرسالة الإجابة على الاعتراضات التي ذكرها الدكتور طارق في رده .
وقد يتردد المرء في الرد على التعقيبات عليه خشية من تسلل غريزة الانتصار للنفس إلى أعماقه فتفسد النية ويحبط بذلك العمل .
ولكن لا بد من تقرير ما نراه صوابا في هذه المسألة وقد نبه أهل العلم على أن خشية فساد النية لا تبيح ترك العمل .
فنسأله تعالى قبول صالح العمل والتجاوز عما فيه من خلل والتوفيق للإصابة والعصمة من الزلل .

قواعد هامة
حتى لا يأتي أحد بافتراضات من عنده ويدعي بأنها هي الأسس التي بنينا عليها موقفنا وحتى يكون النقاش منطلقا من أسس شرعية واضحة فلا بد قبل الشروع في الرد من تقرير بعض القواعد الشرعية الهامة التي نحتاج إليها في هذه المسألة :
القاعدة الأولى :
التحاكم إلى غير شرع الله شرك
ومن أدلة هذه القاعدة :
1- قوله تعالى :** َلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص:70] .
والجملة اسمية، والأصل فيها تقديم المسنَدِ إليه، وقدم فيها المسند لإِفادة التخصيص؛ أي أن الحكم ليس إلا لله .
وتعريف الشرك هو : تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
ويعرف أيضا بأنه : إشراك غير الله مع الله في أي نوع من أنواع العبادة.
2- قال تعالى :{وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]،
وقراءة ابن عامر من السبعة أشد صراحة حيث قرأ بصيغة النهي : "وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً" كما نص على ذلك الشاطبي في منظومته بقوله :
وَحَذْفُكَ لِلتَّنْوِينِ مِنْ مِائَةٍ شَفَا ... وَتُشْرِكْ خِطَابٌ وَهْوَ بِالْجَزْمِ كُــمِّلاَ
فنهت الآية الكريمة عن التحاكم إلى غير شرع الله و سمته شركا .
القاعدة الثانية :
التحاكم لغير شرع الله لا يستباح إلا تحت ضغط الإكراه الملجئ
كما في قوله تعالى : ** إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل : 106]
فلا يجوز التحاكم لغير شرع الله في حالة القدرة والاختيار والمقصود بالقدرة هنا القدرة على الترك .
القاعدة الثالثة :
دلت القاعدة السابقة على أنه لا يجوز التحاكم لغير شرع الله لمجرد دفع الضرر والأذى؛ وقد أو ردت في ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية :
(إن المحرمات منها ما يقطع بأن الشرع لم يبح منها شيئا لا لضرورة ولا لغير ضرورة كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالي: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}
فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في سورة مكية ) [ الفتاوى (14ص477)].
القاعدة الرابعة :
لا يجوز التحاكم لغير شرع الله لمجرد تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة
إذ لا مصلحة أعظم من التوحيد؛ فالتوحيد واجتناب الشرك هو أعظم المصالح الدينية ورأسها ..
فما أرسلت الرسل وما أنزلت الكتب إلا من أجل تحقيق التوحيد قال تعالى :
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]
وكل مصلحة تعارض التوحيد فهي مصلحة ملغاة مهدرة إذ لا مفسدة أعظم من الشرك لقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 116].
وأخبر تعالى أنه محبط للأعمال، فقال تعالى : ** وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (الزمر : 65) .
وروى الإمام أحمد والشيخان من حديث منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم، .. الحديث
القاعدة الخامسة :
لا يجوز بحال قصر النظر على ما نرجوه من مصالح دون النظر فيما يترتب على ذلك من المفاسد والسيئات
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة " [مجموع الفتاوي-ج20- 58]
ومن المعلوم أنه إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة،
فتنخرم المناسبة بالمعارضة التي تدل على وجود مفسدة، أو فوات مصلحة تساوي المصلحة، أو ترجح عليها كما قال في المراقي:
اخرم مناسباً بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوّتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة" [ج20 ص –53]
وقال العز بن عبد السلام:
(إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}.
حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما، أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور) [ قواعد الأحكام في مصالح الأنام -1 / 83].
القاعدة السادسة :
إذا تساوت المصلحة والمفسدة فقد تقرر في الأصول أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أعظم من اعتنائه بالمأمورات، ومن الأدلة على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) ففي النهي قال: اجتنبوه واتركوه كلية، وفي الأمر علَّقَه بالاستطاعة .


هل سقط الدستور ؟
يعتمد الدكتور طارق في طرحه على فكرة أن الدستور قد سقط بالفعل ولم يعد له وجود ..وهو يتناسى أنه لا بد من وجود ما يحل محله و ينظم آلية العمل في الدولة إلى أن يستبدل بغيره ..
وهذا هو ما حدث بالفعل من خلال الإعلان الدستوري الذي أعلنه المجلس العسكري والذي يعتبر دستورا بديلا ريثما يتم إقرار الدستور الجديد .
فقد أصدر المجلس العسكري إعلانا دستوريا لادارة شئون البلاد يتضمن 63 مادة.
وتقرر المبادئ الدستورية أن الإعلان الدستوري هو إجراء ضروري تقتضيه حالة غياب الدستور بحيث يحل هذا الإعلان محل الدستور الجديد حتي تاريخ إصداره‏.
يقول المستشار طه الشريف نائب رئيس محكمة النقض الأسبق‏:‏
(الإعلان الدستوري ـ في حقيقته ـ دستور مختصر تصدره السلطة القائمة علي شئون الحكم في البلاد لو كانت قد وصلت الى الحكم عن طريق ثورة شعبية أو انقلاب عسكري‏، أو فئوي طالما استطاعت أن تقبض علي مقاليد الحكم في البلاد‏، وهو لا يحتاج الى استفتاء شعبي لأن الشعب ليس مصدره‏، بل إن المصدر الحقيقي له هو السيطرة الفعلية علي الحكم‏، وبإصدار الإعلان فإن الصورة المشابهة له تسقط تلقائيا كالدستور السابق أو الإعلانات السابقة الأخرى‏، غير أن القوانين والقرارات التي صدرت استنادا الى الدستور السابق لا تسقط‏، ويجوز للجهة التي تصدر الإعلان الدستوري أن تضمنه نصوصا وردت في الدستور السابق‏، أو أن تعدلها‏) ( ) اهـ
وهذه بعض المواد التي تضمنها الإعلان الدستوري :
(مــــــادة: 1
جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة .
والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة .
مـــــــادة: 2
الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع .
مــــــادة :3
السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية .
مــــــادة:4
للمواطنين حق تكوين الجمعيات وإنشاء النقابات والاتحادات والأحزاب وذلك على الوجه المبين في القانون.
ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام المجتمع أو سريا أو ذا طابع عسكرى.
ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل ).
فهذ المواد المنصوص عليها في الإعلان الدستوري تقرر بوضوح تطبيق النظام الديمقراطي والخضوع لحكم الشعب .
وباعتراف اللواء ممدوح شاهين فإن الإعلان الدستوري يعتمد على 80% من دستور 1971..
فلا يوجد إذن أي فراغ دستوري والنظام الديمقراطي ما يزال ساري المفعول في مصر اليوم ..
و لا أحد يتحدث عن إزاحته أو القضاء عليه على الأقل فيما هو معلن .
ومن يريد إقناع الناس بانهياره فهو كمن يحاول حجب الشمس عن الكرة الأرضية بيده!
وحتى على فرض أن الدستور سقط بالفعل فسلوك هذا الطريق ممنوع لما فيه من الاشتباه بالاحتكام إلى الديمقراطية إذ كيف يعلم الناس أن هذا المنتخِب أو ذاك ذهب إلى صندوق الاقتراع طاعة لله لا خضوعا للشعب في حين أن الأصل في الانتخابات كونها من أجل الخضوع لإرادة الشعب !
لقد أمرنا الله تعالى باجتناب ما يمكن أن يفسر أو يحمل على باطل واستبداله بما لا يمكن حمله إلا على معنى صحيح مشروع فقال تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة : 104]
قال الألوسي :
(وسبب نزول الآية كما أخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود كانوا يقولون ذلك سراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سب قبيح بلسانهم، فلما سمعوا أصحابه عليه الصلاة والسلام يقولون : أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه سمعها منهم، فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا : أوَلستم تقولونها؟ فنزلت الآية ونهي المؤمنون سداً للباب، وقطعاً للألسنة وإبعاداً عن المشابهة ) [تفسير الألوسي - (1 / 451)].
وقال ابن كثير :
(والغرض: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال: ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }) [تفسير ابن كثير - (1 / 373)].
وقد ثبت بالتواتر في الشرع النهي عن كل ما فيه مشابهة للشيطان والكفار والأمر بمخالفتهم ومن أمثلة ذلك :
1- عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في خفافهم، ولا نعالهم». أخرجه أبو داود.
2- عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (صوموا يوم عاشوراء و خالفوا اليهود صوموا قبله يوما أو بعده يوما) رواه ابن خزيمة .
3- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) . رواه البخاري ومسلم
4- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون». أخرجه أبو داود.
5- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) متفق عليه .
6- عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال : (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) رواه البخارى، ومسلم .
7- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال : (لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) . رواه مسلم .
8- عن جرير بن عبد الله قال :
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لأهل الكتاب) رواه أحمد .
9- عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال :
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود وقال : هكذا نفعل فقال اجلسوا فخالفوهم ) أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي .
وفي هذا دلالة على وجوب مخالفة أهل الديمقراطية وعدم التشبه بهم في أي صفة من صفاتهم حتى يكون من اليسير التفريق بين أهل التوحيد وعباد هذا الصنم الجديد .
وحتى يحتاط المسلمون لأنفسهم ويبتعدوا عن كل ما فيه قرب من الشرك أو مجانسة لأفعال المشركين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام : (ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ).
إن السلامة من سلمى وجارتها ...ألا تمر بواد قرب واديها .
نحن نتمنى أن يكون الدستور سقط بالفعل وسقطت معه كل أركان النظام الديمقراطي الشركي لكن ما نشاهده بخلاف ذلك تماما.
والأحكام الشرعية لا تبنى على الأحلام والأمنيات وإنما على الوقائع والمشاهدات فالنظام الديمقراطي لا يزال هو النظام المعمول به في مصر.
إذا كانت الديمقراطية سقطت يا دكتور فلماذا لجأ السلفيون إلى تكوين أحزاب سياسية؟
وإذا كانت الديمقراطية سقطت فلماذا كل هذا الاحتفاء بالمادة الثانية والتعويل عليها ؟
وإذا كانت الديمقراطية سقطت فمن الذي أسقطها ؟
هل أسقطتموها بقوة السلاح ؟
أم أن المتظاهرين الذين أسقطوا النظام كانوا يطالبون بإسقاطها ؟
هذا ليس هو الحل يا دكتور ..!
ليس الحل أن نخادع أنفسنا وندفن رؤوسنا في الرمال كالنعامة ونقول : انهارت الديمقراطية وانتهى الأمر ..!
وليس الحل أن نشرب الخمر ونقول : باسم الله ..!
الحل يا دكتور أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الناس ومع الله تعالى؛ وأن يكون تفسيرنا للحالة تفسيرا واقعيا دقيقا غير متأثر برغبات النفس وطموحات الأمل ..
يحكون عن رجل أنه كان يرى في أحلامه الكثير فيستيقظ وفي ذهنه أن كل ما رآه في منامه وقع بالفعل !
فيتعامل مع الناس في نهاره بناء على أحلام ليله !!
سنخرج من عالم الواقع لو انطلقنا من فرضية أن ما نتمناه حقيقة واقعة !
الواقع يا دكتور يقول أنكم محكومون بنظام علماني لا ديني يفرض الديمقراطية فرضا بقوة من طرف أخطبوط العلمانيين والأقباط والعسكر العميل و الغرب الكافر ..
وهذا الأخطبوط قد يمنحكم فرصة للمشاركة ويعطيكم هامشا للتحرك ما دمتم خاضعين ومذعنين للمباديء الكفرية ..
أما إذا كنتم جادين في الخروج على هذه المباديء وتحطيمها فلا حق لكم في الديمقراطية ولا حق لكم في الحرية وسوف يتدخل بكل قوته وإمكاناته لصدكم والقضاء عليكم ..
أوردت صحيفة المصرى اليوم هذا الخبر :
(جدد أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، التزامهم بتأسيس دولة ديمقراطية عصرية، وأكدوا في لقاء برؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف القومية، أن مصر «لن يحكمها خوميني آخر» مؤكدين على ضرورة تأسيس دولة مدنية حديثة تواكب العصر.
وأعرب المجلس عن أمله فى «ألا تضطر القوات المسلحة للنزول إلى الشارع بعد تسليم السلطة وقيام الدولة الديمقراطية السليمة والانتخابات البرلمانية واختيار الرئيس الجديد».
وحضر اللقاء الموسع الذى استمر لأكثر من ثلاث ساعات اللواءان محمد العصار ومحمد مختار الملا مساعدا وزير الدفاع، واللواء إسماعيل عتمان مدير الشؤون المعنوية،
وجدد المجلس الأعلى العسكرى موقفه الداعم للمطالب المشروعة للشعب المصرى، وصولا إلى بناء دولة عصرية تقوم على أسس من الحرية والديمقراطية بهدف الوصول لبر الأمان من خلال طرق وآليات معروفة يلتقي عندها الجميع.
وفى هذا المجال أكد اللواء محمد مختار الملا، مساعد وزير الدفاع، أن القوات المسلحة «لن تسلم البلاد وتذهب الى شرم الشيخ، بل ستضع الضوابط التى تحفظ الدولة، فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يسمح لتيارات متطرفة بالسيطرة على مصر، ولا بد أن نعلم إلى أين نتجه»، ).
الواقع يقول : إن الطريق الذي تسيرون فيه والآليات التي تستخدمونها لا تسمح لكم بالقضاء على هذا النظام الديمقراطي .
وعندما تحدث أي محاولة جدية للقضاء على هذا النظام فإن الأخطبوط الكفري لن يسمح بالقضاء عليه وعندها يحدث الصدام والطِّحان ..وما أنت فاعله غدا فافعله الآن ..!

تعقيبات على بعض العبارات
ورد في كلام الدكتور طارق بعض العبارات والجمل التي تحتاج إلى تعقيبات سريعة وهذا بيانها مع التعقيب :
1- قوله : (والكاتب، كعادة الكتّاب في تناول مثل هذه الأمور التي ليس عليها أدلة قطعية، لجأ إلى الأسلوب الحَمَاسيّ).
التعليق :
أولا : قوله بأن الموضوع الذي نتناقش حوله ليس فيه أدلة قطعية من أعجب العجب !!
فنحن نتحدث عن مسألة إفراد الله بالحكم .. فهل النصوص الواردة في هذه المسألة غير قطعية ؟
ألم ترد هذه المسألة في القرآن الكريم بشكل صريح لا يحتمل التأويل ؟
لقد تكرر في القرآن الكريم التحذير من الإشراك في الحكم في أكثر من آية ومن ذلك :
قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف:40]،
وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [يوسف:67],
وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}[الأنعام:57],
وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، وقوله تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]،
وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88]،
وقوله تعالى {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
و أنا في اعتراضي لا أتحدث إلا انطلاقا من هذه المسألة القطعية .
ثانيا : زعمه بأني لجأت إلى الأسلوب الحماسي فهذا الكلام لا يمت بصلة إلى النقاش العلمي !!
لقد قررت ما ظهر لي أنه الحق واستدللت بما ظهر لي أنها أدلة عليه ..
وكان النقاش العلمي يقتضي من الدكتور أن يبين بطلان ما ذكرت من أدلة ويقرر بالأدلة الشرعية ما يراه صوابا؛ لا أن ينساق إلى التوصيف المزاجي الذي لا يثبت باطلا ولا يبطل ثابتا ..
والحديث بأسلوب حماسي لا علاقة له بصحة الكلام أو بطلانه ..
فقد يكون الكلام حماسيا وهو حق ..وقد يكون حماسيا وهو باطل .
فما هي الفائدة من الحكم على كلامي بأنه كان حماسيا ؟
ولماذا الاشمئزاز من الحديث بلهجة حماسية ؟
أليست الحماسة والغيرة على الدين أمرا محمودا ؟
وما الذي يمنع الدكتور من التحدث بلهجة حماسية ؟
2- قوله : (واستخدم آيات عامّة دون أن يبيّن وَجهها في هذا المناط خاصة، وكذلك فعل مع أقوال الإئمة كالشافعى وبن تيمية وغيرهم، التي تحرّم الشرك، وتمنع أفعال الكفر، وهو ما لا يختلف عليه مسلمان إبتداءاً. وهذا ما يقع فيه الكثير من طلبة العلم، أن يستشهد بأدلة عَامة مُطلقة مُجملة، دون بيان ما يُخصّصها أو يقيّدها أو يُبيّنها، ثم يُنزِلها على واقعٍ مُحدّد، فيكون بهذا متّبِع للمتشَابهات. هذا النظر ليس بإستدلال شَرعيّ البتة، إذ يجوز لكلِ أحدٍ أن يتلاعب بالشريعة بإستخدام عموماتها ومطلقاتها لتحريم حلال أو تحليل حرام، وهو، يقيناً، ما فعلته كلّ أصحاب الفرق لترويج بِدعهم. وقل مثل ذلك في الإستشهاد بأقوال الأئمة مثل بن تيمية والشافعيّ، وهى اقوال عامة غير منزلة على مناطٍ، ولا تصح كدليلٍ، إلا بنصٍ أو إجتهاد).
التعليق :
الآيات التي استدللت بها بينتُ بالتصريح وجه الاستدلال بها ويتضح ذلك بالرجوع إلى الفقرة التي وردت فيها الآيات وهذا نصها :
(وقد كتب الله علينا هذه المشقة ابتلاء لنا واختبارا لإيماننا :
قال تعالى : {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت : 1 - 3].
وقال تعالى : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة : 214]
وقال تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران : 142].
وهذا الابتلاء هو الطريق الشرعي والقدري الموصل إلى التمكين ..
فقد سأل رجل الشافعي فقال : يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يبتلى ؟
فقال الشافعي : لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكَّنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة .) اهـ .
فالآيات التي استشهدتُ بها في هذه الفقرة تبين أن الله تعالى قدّر على عباده الابتلاء وهي آيات عامة باقية على عمومها لا مخصص لها لأن الابتلاء هو علة خلق العباد كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [67/2].
وقال تعالى :{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [11/7].
وقال تعالى :{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف:7]
واللام في قوله تعالى : {لِيَبْلُوَكُمْ} و {لِنَبْلُوَهُمْ} إما أن تكون للتعليل وإما أن تكون للعاقبة وفي كلا الاحتمالين تكون دالة على حتمية وقوع الابتلاء.
والصحيح أنها للتعليل كما في قوله تعالى :
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذريات:56-57].
وقد بينت الغرض من الاستشهاد بالآيات فقلت : بأن الله تعالى كتب علينا الابتلاء وقدره علينا وأن (هذا الابتلاء هو الطريق الشرعي والقدري الموصل إلى التمكين ..)
ثم سقت كلام الشافعي المؤيد لما قلت ..فأين الخطأ في هذا الكلام ؟
إن كان لديك يا دكتور ما يدل على فساد هذا القول فبينه لنا حتى نستفيد..
أما النفي وحده فلا يكفي فليس من المجدي التعلل بأن هذا الكلام عام ..
إذا كان عاما فأين ما يثبت نقيضه ؟
وإذا كان خطأً فأين الصواب؟
لقد استدللت وبينت وجه الدلالة وكان ينبغي لمن يريد التعقيب على كلامي أن يتناول كل دليل على حدة وأن يبين بالدليل عدم صحة إسقاطه على المسألة المطروحة للنقاش ..
يا دكتور طارق هناك فرق بين من يناظر بالأدلة ويدمغ الحجة بالحجة فيبين للمخالف ما خفي عليه من أسباب الهدى وطرق المحجة؛ ويحذره من المسالك المعوجة؛ ومن يحاكم الناس إلى عقله فيحكم عليهم بمزاجه وآرائه .
أما تخطئة كلام المخالف بشكل إجمالي واتهامه باتباع مناهج المبتدعة فهو التعميم الخاطيء بعينه وهو الهروب من مقارعة الحجة بالحجة !!
أنت الآن يا دكتور كطيار مقاتل يرمي من مسافات عالية ويخشى من التحليق في مسافات منخفضة خشية المضادات الأرضية!!
وإلا فلماذا تحلق في سماء العمومات ولا تنزل إلى أرض الأدلة ؟
3- قوله : (والردّ العامٌ على ما دوّن الأخ هو أنه إنما بَنى بِناءه كله على فرضيةٍ واقعيةٍ، وفرضيةٍ شرعيةٍ لغوية، إن صحتا قام البناء، وإن بطلتا إنهار البناء. أما الفرضية الواقعية فهي أنّ الواقع الحاليّ ومناطه بمصر هو تماماً كما سَبق أحداث يناير حَذو القذّة بالقّذة. أما الشرعية اللغوية، فهي أن الألفاظ تراد لظواهرها ومبانيها، لا لحقائقها ومعانيها).
التعليق :
للأسف هذا الاستنتاج غير صحيح ..فأنا لم أبن كلامي على هاتين الفرضيتين..!
ولكي يتضح الأمر فسأنطلق من فساد الفرضيتين :
وأبدأ بالفرضية الأولى فأقول :
نحن نسلم بأن الواقع تغير، لكن تغير هذا الواقع لا أثر له على حكم المشاركة في النظام الديمقراطي؛ فقد كانت المشاركة في هذا النظام قبل تغير الواقع تحاكما إلى غير شرع الله؛ وما زالت بعد تغيره تحاكما إلى غير شرع الله ..ولا نجد مبررا شرعيا يبيح هذا التحاكم فكما أنه كان ممنوعا بالأمس فهو ممنوع اليوم وسيظل ممنوعا غدا لأنه شرك وإثم مبين .
4- (أنه حتى في ظل الدستور السابق، وظلّ المادة الثانية، التي قررت المحكمة الدستورية أنها تعنى عدم جواز الرجوع إلى اي تشريعٍ آخر معها، إذ لا يصح معارضة المصدر الرئيس للتشريع، فقد قام بعض الفقهاء والمستشارين والقضاة من أهل الدين والضمير، بالحكم بما تقتضى الشريعة، مُتَحدّين بذلك السُلطة التنفيذية الباغية الكافرة).
التعليق :
هذا الكلام يدل على أن الدكتور طارق لا يرى بأسا بتطبيق الشريعة من خلال الآليات الديمقراطية وهذا هو السبب الرئيس في دفاعه عن المشاركة في الانتخابات ودفاعه عن موقف الشيخ ياسر برهامي.
ومن يؤمن بهذه الفكرة فليس في حاجة إلى أن يتعلل بسقوط الدستور لأنه يرى مشروعية المشاركة حتى في ظل وجود الدستور !
والذي يظهر لي أن الدكتور قرأ ما كتبته على عجالة أو أنه لم يمعن فيه النظر والتأمل؛ لأنه تجاهل الكثير من المسائل التي نبهت عليها فلا هو أقر بها واعترف بصحتها ولا هو رفضها وبين بطلانها ..
فبنى رده على أساس أني لم أقل وأنه لم يسمع !
فما فائدة الرد إذن ؟
ومن الأمثلة على ذلك أني أشرت إلى أهمية الجانب التعبدي في مسألة تطبيق الشريعة وأن هذا التطبيق لا يكفي أن يقع على أي هيئة كان؛ بل لا بد أن يقع على وجه التعبد لله والخضوع له وهذا غير متوفر في حالة تطبيق الشريعة عن طريق الآليات الديمقراطية ..
هذا الشرط الذي ذكرته لم يعترض عليه الدكتور في رده ولم يقل ببطلانه ومع ذلك يطرح ما هو مخالف له فيقول هنا بأن : (بعض الفقهاء والمستشارين والقضاة قاموا بالحكم بما تقتضى الشريعة...)
وكأنه يتناسى ما ذكرناه من اشتراط تطبيق الشريعة على وجه التعبد والخضوع لله لا عن طريق الآليات الديمقراطية التي يعني الخضوع لها الخضوع لإرادة الشعب ..
5- قوله: (أن الإعلان الدستورىّ، مهما كان به من موادٍ، لا شرعية له إلا الشرعية المؤقتة، مثله مثل حكومة تصريف الأعمال، وستكون صياغة الدستور منوطٌة باللجنة المُوّكلة بكِتَابته، والتي سيكون غالبها من المُسلمين الذين يمثلون إرادة الشَعب للإسلام، وبهذا يُفرَض الإسْلام على المجتمع فَرضَاً. وهي حقيقة يتحدث عنها العالم كله خوفاً ورهباً، ).
التعليق :
كل شيء في هذه الدنيا مؤقت والمهم ألا يخضع المسلم لحكم الطاغوت ولو لحظة واحدة .
وفرض الإسلام عن طريق الخضوع لإرادة الشعب ليس هو تطبيق الشرع الذي كلفنا الله به .
وكل هذه التحركات والمحاولات سوف تكون محكومة بآليات النظام الديمقراطي فلا تخرج عن إطار التحاكم لغير شرع الله .
وليس من المهم الحديث عن خوف العلمانيين أو عن طمأنينتهم إذ لا علاقة لذلك بما نتحدث حوله ..
فنحن نتحدث عن الوسيلة الشرعية للوصول إلى الحكم ..
وهم خائفون من وصول المسلمين إلى الحكم سواء بالوسائل الشرعية أوبالوسائل الشركية .
6- قوله : (إلا أولئك الذين يقولون "لا ناقة لنا في هذا البرنامج ولا جمل، نحن سنترك كتابة الدستور للادينيين، ومن ثم ندع لهم تولى الحكم، ومن ثم إصدار كلّ قانونٍ يناقض الشرع ويقتل الفضيلة، ويبيح المُحرمات، لأنّ هناك نصّ في الإعلان الدستورى "المؤقت" يقول إن الشعب مَصدر السلطات، رغم أن ما قبله يؤكد أن لا مَصدر للتشريع إلا الإسلام، حسبَ تفسير الدُستورية له!).
التعليق :
إذا كان الدستور ينطلق من مبدأ "الحكم للشعب" فلا شرعية له مهما تضمن من مواد إسلامية ..
فينبغي اعتزاله وتركه للادينيين والعلمانيين والسعي في كتابة دستور إسلامي خالص ينص على أن الحكم لله وحده لا للشعب .
وإنما يجوز لكم إن تشاركوا في كتابة الدستور من خلال آلية شرعية لا تجعل المرجعية لغير الله ..
ونحن الذين نقول هذا الكلام نريد منكم نزع صبغة الشرعية عن كل نظام وكل دستور وكل قانون يخالف شرع الله وأن تحثوا المسلمين على مقاطعته وعدم الخضوع له ..
وماذا ستفعل الدولة حين تعلم بأن الغالبية من الشعب ترفض الديمقراطية وترفض الدستور والقانون المخالف لشرع الله وترفض التعاطي معه ؟
أليس هذا نوعا من الاحتجاج ؟
إنّ رفضنا وعدم اعترافنا بهذه الأنظمة والقوانين الشركية وعدم التعامل معها هو أول خطوة نحو تغيير شرعي جاد .
إن هذه المطاوعة الظاهرة للدساتير والقوانين هي تعظيم لها وانقياد حتى وإن كنا ندعي بغضها وكراهيتها :
لقد أطاعكَ منْ يرضيك ظاهرةً ** وقد أجلَّكَ من يعصيكَ مستترا
7- قوله : (أنه حين يتعارضُ نصّان، يُحمل الظَاهر على النَصّ، والنصّ في الدستور أنّ الشريعة لا يجوز مخالفتها، و"الشعب مصدر السلطات" ظاهرٌ يمكن فهمه بتأويلات أخرى كما سيأتي).
التعليق :
أما تقديم الظاهر على النص فهو المقرر عند الأصوليين لأن ما لا يحتمل إلا وجها واحدا مقدم على ما يحتمل وجهين .
لكن القواعد الأصولية إنما وضعت لضبط التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وفهمهما ومعرفة كيفية استنباط الأحكام منهما وليست هي الفيصل في حل الإشكالات الدستورية في النظام الديمقراطي فالفيصل فيها هو ما يسمى بالفقه الدستوري .
وانطلاقا من الفقه الدستوري فإن عبارة : "الشعب مصدر السلطات" تعتبر "نصا" واضحا لا لبس فيه ولا غموض وليست من الظاهر لأنها لا تحتمل أكثر من وجه ..
فالحكم للشعب وهو مصدر السلطة؛ والقانون ما هو إلا تعبير عن إرادة الشعب ..
هذه هي الديمقراطية وهذه هي حقيقتها وليس من الأمانة أن نخادع أنفسنا ونقول غير ذلك ..
وإذا كانت عبارة "الشعب مصدر السلطات" سببا في وجود إشكال على هذا المستوى من الخطورة فلماذا لا يتم شطبها والتخلي عنها ؟
وما هو السر في وجودها في كل الدساتير الماضية والحالية والقادمة ؟
ولماذا لا يشن الإسلاميون معركة لحذف هذه المادة كما شنوا معركة لإثبات المادة الثانية؟
الجواب معروف: فهذه المادة هي الأساس الذي ينبني عليه النظام الديمقراطي وبانعدامها لا يمكن تطبيق آلياته ..
تلك الآليات التي يظن بعض الدعاة الآن أنها يمكن أن تكون وسيلة لتطبيق الشريعة !!
8- قوله :( أنّ النصّ على مَرجعية الأحكام الشرعية، وتفسير قولة "الشعب مصدر السلطات" بما لا يتعارض معها، ورفض المنهج الديموقراطيّ، ظاهراً وحقيقة، سيكون من مُهمة المجلس القادم، أن يقننه ويوضح مواده، وكيف يريد هؤلاء المعترضين أن يتم التغيير عملياً دون خطواتٍ يأخذ بعضها برقاب بعضٍ؟ إنّما يُفكر هؤلاء في مِصر كأنها "جَماعة إسْلامية" لا دولة ذات مؤسّساتٍ وسُلطات هيكلية غاية في التعقيد، يجب أن يبدأ إعادة منهجتها إسلامياً بمثل هذه الخطوات، أو قريب منها).
التعليق :
نحن نريد من المسلمين أن يرفضوا هذا الحكم الطاغوتي ولا يخضعوا له ولا يجعلوا الدخول فيه وسيلة إلى إلغائه فتلك حيلة إبليسية يراد من خلالها جرهم إلى هذا المستنقع الشركي الآسن؛ وقد جربها أقوام طيلة العقود الماضية فانسلخوا من دينهم رويدا ..رويدا !
واكتشف البعض منهم ما وقع فيه من خلل وصرّح بالندم ..
لكن بعض شيوخ السلفية اليوم لم يستفد من الدرس بل شرع في تكرار المأساة فأصبح حاله كما يقول المثل : "رايح للحج والناس راجعين"..!
رفض المنهج الديمقراطي لن يكون من داخله؛ بل إن مجرد الدخول في هذا النظام يعتبر ترويجا له وإضفاء للشرعية عليه .
وتطبيق الشرع بآليات ديمقراطية لا يجوز شرعا لما فيه من فتح الباب أمام الدخول في هذا النظام الشركي؛ فدخوله ولو مرة واحدة وتحت أي ذريعة سوف يفتح الباب لدخوله إلى الأبد !
وليس من المقبول عقلا ولا شرعا أن نقول بأن الشرك ممنوع بالإطلاق وفي كل حال ولا يترخص في شيء منه ثم نسارع فيه كلما عنت حاجة أو لاحت مصلحة !!
الطريقة الوحيدة لرفض هذا النظام هي اعتزاله ودعوة الناس إلى عدم التعاطي معه وتحذيرهم منه ثم المطالبة بإزاحته والشروع في تطبيق الشريعة .
وكلام الدكتور مجرد أمنيات لم تجد بعد طريقها إلى الواقع؛ لأن أي حزب أو جماعة رضيت بالمشاركة في النظام الديمقراطي لن يكون من حقها القضاء على هذا النظام أو إزالته فآليات اللعبة تسمح للكل بالحكم من خلالها لا بالقضاء عليها ..
أما التفريق بين الجماعة والدولة في هذا الأمر فلا معنى له ..فالخضوع لشرع الله واجب على كل منهما وليست الشريعة الإسلامية على درجة من التعقيد بحيث لا يمكن تطبيقها إلا من خلال الديمقراطية .
9- قوله :(أما بالنسبة للفرضية الشرعية اللغوية، فإننا قد بيّنا أن الألفاظ أو المُصْطلحات يجب تحرّى معانيها عند إجراء الأحكام، كما يجب إزالة الإشتباه والإشتراك فيها ليصح البناء عليها، فإن الألفاظَ قوالبٌ للمعاني، لا العكس، وهي تراد لمعانيها لا لمبانيها.......... الإستعمال اللفظى قد يُمثلُ إشتراكاً في المَعنى، يجب تحريه قبل البناء عليه. وهذا ما حدث في إستعمال كلمة مثل "الديموقراطية" التي يعرف الخاصةُ أنها تعنى كفراً وإرجاعاً لحق التشريع إلى البشر، بينما يعتقد الغالب الأعمّ من الناس إنها لا تعنى أكثر من الشورى، ومن طريقة الراشدين في الحكم، بل ومن الخَواص المثقفين، ممن أعرف شَخصياً، من لا يزال يردّدها في ضوء هذا التصور.
كذلك يقال عن تعبير "الشَعبُ مَصدر السُلطات"، فهو معنى يختلطُ في أذهان المسلمين برفض الديكتاتورية والوصاية على القرارات التنفيذية عامة، دون حق التشريع).
التعليق :
هذه هي الفرضية الثانية التي زعم الدكتور أني انطلقت منها؛
ولبيان عدم انطلاقي من هذه الفرضية أقول :
لقد حكمنا على الديمقراطية بأنها شرك ..
فهل أسقطنا عليها هذا الحكم لأن اسمها : "الديمقراطية" ؟
أم أسقطنا عليها هذا الحكم انطلاقا من واقعها العملي ؟
الاحتمال الأخير هو الصحيح ..فالواقع العملي للديمقراطية يشهد بأن السيادة والمرجعية العليا للشعب .
فما حكمت به الأغلبية أصبح واجبا لازما وما أبطلته صار ممنوعا محرما .
هذا هو المعلن في التنظير والشعارات؛ وهو المطبق في كل الديمقراطيات .
وأما من يخضع لحكم الشعب عمليا بنية أنه يمارس الشورى فلا أثر لنيته لأن حسن النية لا يحل الحرام؛ وتغيير الأسماء لا يؤثر في الأحكام ..
فلا أثر لتسمية الديمقراطية بالشورى كما لا أثر لتسمية الخمر باللبن .
10- قوله : (وما لجأ اللادينيون إلى إستعمالها بالمعنى الغربيّ الكفريّ إلا تدليساً على العامة، من ناحية، وكطريقة للإلتفاف حول المادة الثانية التي باتت شوكة في حلقهم، لعلمهم بدستوريتها وشرعيتها ومرجعيتها العامة فوق كلّ تشريعٍ، إن تولّى التنفيذ رجالٌ يؤمنون بها. فالمشكلة، في رأينا، مُشكلة تنفيذ، أكثر منها مُشكلة تشريع).
التعليق :
مشكلة التشريع موجودة ومن أوضح الأدلة على ذلك وجود هذه المادة التي تنص على أن "الشَعبُ مَصدر السُلطات" كما أن القوانين المعمول بها ليس فيها ما يوافق الشريعة إلا النزر اليسير .
وأما اعترافه بوجود مشكلة في التنفيذ فهي مسألة معلومة وهو ما يجعلنا نجزم بأن المشاركة في هذا النظام لن تكون له ثمار ملموسة .
11- قوله : (ثم إن الله منفذٌ أمره وقضاءه، إن نجح الجهد فبِفضْله وحَوْلِه، وإن تَعثـر وغلب المُبطلون، فطريق الدعوةِ والجِهاد مفتوحٌ لم يُغلق، كما قررنا في مقالنا عن منهجية التغيير).
التعليق :
هذا الكلام مقبول لو أن سلوك طريق الديمقراطية مشروع أصلا ..
أما أن نترك الطرق المشروعة ونخوض التجارب بالطرق غير المشروعة فهذا ما لا يقبله الشرع .
12- قوله : (إن المشاركة للتغيير في هذا المناط الذي سقط فيه الدستور وانهارت الشرعية البرلمانية، والبرلمان ذاته، تكون لمنع الحكم بغير ما انزل الله، قبل أن تكون لإقرار الحكم بما أنزل الله، ولا عبرة بالتسمية، وإلا فما اسهل على هؤلاء من أن يسَمّوا ما يريدوا للمسلمين أن يجتنبوه بأسماء مشبهة، فيمنعوا المسلمين منها، والوضع الآن أنه لا نظام اصلاً ولا دستور، كما بيّنا).
التعليق :
ذكرنا بأنه لا وجود لهذا الفراغ الذي يدعيه و كلامه عن النية لا جديد فيه فكل الذين شاركوا في النظام الديمقراطي من الإسلاميين والدعاة دخلوا فيه بنية حسنة إما بنية إصلاح ما أمكن وإما بنية التصدي لأهل الباطل وعدم إخلاء الساحة لهم وإما بنية تطبيق ما أمكن من الشريعة وإما بنية ذلك كله ..
وقد ذكرنا أن حسن النية لا يبرر سوء العمل .
13- قوله : (فإن غلب المسلمون، لم يعد للديموقراطية بشكلها الغربي وجود، إذ يرفضها الحكم الإسلاميّ، ولايكون معنى لسيطرة الشعب إلا إنه يفرض قراره بتطبيق الشريعة).
التعليق :
قبل أن يصل المسلمون إلى مرحلة الغلبة فهم يعملون من داخل النظام الديمقراطي ويخضعون لحكم الشعب بالمفهوم الغربي ..
فما هو المنطلق الشرعي الذي من خلاله نبيح لهم الدخول في هذا النظام الشركي ابتداء ؟
وبعد أن يغلب المسلمون ماذا سيحدث ؟
هل سيقضون على مادة "الشَعبُ مَصدر السُلطات" ؟
وهل سيفرضون دستورا خاليا من أي مادة مخالفة للشريعة ؟
وهل سيمنعون تعدد الأحزاب ؟
وهل سيمنعون التناوب على السلطة ؟
وهل سيمنعون المساواة بين المسلم والكافر ؟
وهل سيتحررون في تطبيقهم للشريعة من آليات الديمقراطية أم سيظلون أسرى لها يدورون في فلكها ؟
وهل سيتبنون طريقة النظام الإسلامي أم سيبقون على نظام الفصل بين السلطات ؟
أنتم يا دكتور بدخولكم في هذه الانتخابات لا تعتمدون على القوة وإنما على الشرعية الدستورية والآليات الديمقراطية ..
فما هي الشرعية والآلية التي ستمكنكم من القضاء على النظام الديمقراطي ؟
14- قوله : (وأن يقال انّ الشعب لا يصح أن يكون له قرارٌ في تطبيق الشريعة، فهذا خبلٌ عقليّ، وإلا فإن أهل المدينة قرروا أي وافقوا على تطبيق الشريعة بالطبع، ولو لم يقرروا ذلك ما طُبقت، وكيف يتصور أن يكون تطبيقاً لقوانين من غير أن يقرر المكلفون إتباعها؟!).
التعليق :
المسألة لا تتعلق برأي الشعب في الشريعة المسألة تتعلق بهذه الآليات الديمقراطية التي تكرّس مبدأ تحكيم الشعب ..
فكل ما تقومون به من تحركات بواسطة الآليات الديمقراطية فهو يمر عبر هذا المبدأ ويخضع له .
15- قوله : (ثم لماذا حصر الأخ طرق التغيير في ثلاثةٍ، إثنتان شرعيتان، وثالثة باطله؟ ولم لا يكون هناك طرق أخرى تلحق بالشرعية، يفرضها الواقع ويقرها الإجتهاد الشرعيّ).
التعليق :
أما الدعوة والجهاد فهي طرق للتغيير مباحة منصوصة في الشرع وأما الديمقراطية فليست طريقا مشروعا للتغيير لما ذكرنا من مخالفاتها للشرع .
وأما بقية الطرق إن وجدت فينظر إلى موافقتها للشرع ..
فكل طريق موافقة للشرع فهي مشروعة؛ وكل طريق مخالفة للشرع فهي ممنوعة .
16- قوله : (وليس أدل على ذلك مما فعل الأخ ابو منذرٍ نفسه، حين لمعت في عقله أضواء الفهم الذي يتعدى الجمود على النصوص المحمولة على غير مناطاتها، حين أقر بحق التظاهر، وشجع الثوار، ).
التعليق :
في بعض الحالات عندما يتعلق الأمر بأسس الدين وقطعياته يكون الجمود على النصوص فريضة محتمة.
وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في قتاله لمن منعوا الزكاة : (لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه) ..
فتأمل كيف يقوم الصديق رضي الله عنه بشن الحروب وإراقة الدماء من أجل عقال !!
17- قوله: (كيف يُشرع لنا أن نخرج في مظاهراتٍ نتعرض فيها للموت لخلع الحاكم وإسقاط شرعية نظامه، ثم إذا فعلنا، كَمّمنا أفواهنا، وإمتنعنا عن قولة إننا نريد الشريعة، ونريد من يطبق الشريعة، وعن إزاحة اللادينيين من الحكم أو التشريع؟).
التعليق :
ومن قال لكم لا تفعلوا ؟
بل تكلموا وطالبوا بتطبيق الشريعة وإزاحة اللادينيين من الحكم
لكن بشرط ألا يكون ذلك عن طريق الديمقراطية الشركية .
ثم لماذا تنطلق من فرضية أنه "إما السلبية وإما الديمقراطية" ؟
هل أوصدت كل الأبواب وسدت كل المنافذ الموصلة لشرع الله ولم يعد من سبيل يوصل إليه إلا الديمقراطية الشركية ؟
18- قوله : (وقوله، رعاه الله، "أفلا يشرع الخروج عليها بأي وسيلة أخرى كالمظاهرات شرعا؟، هو عين ما نقول له اليوم، ألا يجوز أن يكون هناك وسيلة ثالثة للتغيير المشروع، إلى جانب الدعوة والجهاد، كالتصويت على الحكم بالإسلام، مع تحقق وجود الفراغ الدستورى والتنفيذي بلا جدال؟ فإن كان الجواب بنعم، ثبُت المطلوب، وإن كان بلا، عدنا عليه بنفس حجته بحِلّ المُظاهرات).
التعليق :
هذا قياس مع وجود الفارق وهو من باب قياس الخمر على اللبن !
فأنا حين دعوت إلى المشاركة في المظاهرات فعلت ذلك لأنها مسألة مباحة لا يوجد لها مانع شرعي ..
وحين حذرت من ال

نبذة عن العلمانية وماذا تعنى ...

التعريف :
العلمانية وترجمتها الصحيحة : اللادينية أو الدنيوية ، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين وتعني في جانبها السياسي بالذات اللا دينية في الحكم ، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمه العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدا عن الدين وتعني في جانبها بالذات اللادينية في الحكم ، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمه العلم وقد ظهرت في أوربا منذ القرن السابع عشر وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر . أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين ،وقد اختيرت كلمه علمانية لأنها اقل إثارة من كلمه لادينية .

ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فان سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.
تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة وهذا واضح فيما ينسب للسيد المسيح من قوله :( إعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) . أما الاسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) سورة الأنعام : آية 162
التأسيس وابرز الشخصيات :
· انتشرت هذه الدعوة في أوربا وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي . وقد أدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة 1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها وقد تطورت الأحداث وفق الترتيب التالي :
- تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الاكليريوس والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران .
- وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر وتشكيله ا لمحاكم التفتيش واتهام العلماء بالهرطقة ، مثل:
1- كوبرنيكوس : نشر عام 1543م كتاب حركات الأجرام السماوية وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب .
2- جرادانو: صنع التلسكوب فعذب عذاباً شديداً وعمره سبعون سنة وتوفي سنة 1642م.
3- سبينوزا : صاحب مدرسة النقد التاريخي وقد كان مصيره الموت مسلولاً .
4- جون لوك : طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض .
ظهور مبدا العقل والطبيعة : فقد اخذ العلمانيون يدعون الى تحرر العقل وإضفاء صفات الإله على الطبيعة .
- الثورة الفرنسية : نتيجة لهذا الصراع بين الكنيسة وبين الحركة الجديدة من جهة اخرى ، كانت ولادة الحكومة الفرنسية سنة 1789م وهي أول حكومة لا دينية تحكم باسم الشعب . وهناك من يرى أن الماسون استغلوا أخطاء الكنيسة والحكومة الفرنسية وركبوا موجة الثورة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أهدافهم .
- جان جاك روسو سنة 1778له كتاب العقد الاجتماعي الذي يعد إنجيل أ الثورة ، مونتسكيو له روح القوانين , سبينوزا ( يهودي) يعتبر رائد العلمانية باعتبارها منهجا للحياة والسلوك وله رسالة في اللاهوت والسياسة ، فولتير صاحب القانون الطبيعي كانت له الدين في حدود العقل وحده سنة 1804م ،وليم جودين 1793م له العدالة السياسية ودعوته فيه دعوة علمانية صريحة .
- ميرابو : الذي يعد خطيب وزعيم وفيلسوف الثورة الفرنسية .
- سارت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل وشعارها الخبز ثم تحول شعارها الى ( الحرية والمساواة والإخاء ) وهو شعار ماسوني و( لتسقط الرجعية ) وهي كلمة ملتوية تعني الدين وقد تغلغل اليهود بهذا الشعار لكسر الحواجز بينهم وبين أجهزة الدولة وإذابة الفوارق الدينية وتحولت الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين الى ثورة على الدين نفسه .
- نظربة التطور : ظهر كتاب أصل الأنواع سنة 1859م لتشارز دارون الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب وقد جعلت الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين ، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها . وهذا النظرية التي أدت الى انهيار العقيدة الدينية ونشر الإلحاد وقد استغل اليهود هذه النظرية بدهاء وخبث .
- ظهور نيتشه :وفلسفته التي تزعم بأن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (السوبر مان ) ينبغي أن يحل محله .
- دور كايم ( اليهودي ) : جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي .
- فرويد ( اليهودي ) :اعتمد الدافع الجنسي مفسرا لكل الظواهر .والإنسان في نظره حيوان جنسي
- كارل ماركس ( اليهودي ) : صاحب التفسير المادي للتاريخ الذي يؤمن بالتطور الحتمي وهو داعية الشيوعية ومؤسسها والذي اعتبر الدين أفيون الشعوب .
- جان بول سارتر : في الوجودية وكولن ولسون في اللامنتمي : يدعوان إلى الوجودية والإلحاد .

- الاتجهات العلمانية في العالم الإسلامي نذكر نماذج منها :
1- في مصر : دخلت العلمانية مصر مع حملة نابليون بونابرت . وقد اشار اليها الجبرتي الجزء المخصص للحملة الفرنسية على مصر واحداثها – بعبارات تدور حول معنى العلمانية وان لم تذكر الفظة صراحة .أما أول من استخدم هذا المصطلح العلمانية فهو نصراني يدعى اليأس بقطر في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827 م .وادخل الخديوي اسماعيل القانون الفرنسي سنة 1883م،وكان هذا الخديوي مفتونا بالغرب ،وكان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا .
2- الهند: حتى سنة 1791م كانت الاحكام وفق الشريعة الاسلامية ثم بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة الإسلامية بتدبير الإنجليز وانتهت تماما في أواسط القرن التاسع عشر .
3- الجزائر : إلغاء الشريعة الإسلامية عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830 م .
4- تونس : أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1906 م.
5– المغرب: ادخل القانون الفرنسي فيها سنة 1913م.
6- تركيا لبست ثوب العلمانية عقب إلغاء الخلافة واستقرار الأمور تحت سيطرة مصطفى كمال أتاتورك ، وان كانت قد وجدت هناك إرهاصات ومقدمات سابقة .
7- العراق والشام : الغيت الشريعة أيام إلغاء الخلافة العثمانية وتم تثبيت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها .
8- معظم أفريقيا : فيها حكومات نصرانية امتلكت السلطة بعد رحيل الإستعمار
9- أندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرق اسيا دول علمانية .
10-إنتشار الأحزاب العلمانية والنزاعات القومية : حزب البعث ،الحزب القومي السوري ،النزعة الفرعونية ،النزعة الطورانية ،القومية العربية .

11- من اشهر دعاة العلمانية في العالم العربي الإسلامي : احمد لطفي السيد ، إسماعيل مظهر ، قاسم امين ، طه حسين ، عبد العزيز فهمي ، ميشيل عفلق ،أنطوان سعادة ، سوكارنو ، سوهارتو ، نهرو، مصطفى كمال اتاتورك ،جمال عبد الناصر ، أنور السادات ( صاحب شعار لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ) ، د. فؤاد زكريا ، د. فرج فودة وقد اغتيل بالقاهرة مؤخرا ، وغيرهم .
الأفكار والمعتقدات :
* بعض العلمانين ينكر وجود الله أصلاً .
* وبعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون بعدم وجود آية علاقة بين الله وبين حياة الانسان .
* الحياة تقوم على أساس العلم المطلق وتحت سلطان العقل والتجريب .
* إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة والقيم الوحية لديهم قيم سلبية .
* فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي .
* تطبيق مبدأ النفعية على كل شئ في الحياة .
* اعتماد مبدأ الميكافيلية في فلسفة الحكم والسياسية والاخلاق .
* نشر الإباحة والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية .
أما معتقدات العلمانية في العالم الاسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير فهي :
* الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة
* الزعم بان الإسلام استنفذ أغراضه وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية
* الزعم بان الفقه الاسلامي مأخوذ عن القانون الروماني .
* الوهم بأن الإسلام لا يتلائم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف .
* الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي .
* تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الاسلامي والزعم بأنها حركات إصلاح .
* إحياء الحضارات القديمة .
* اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن المغرب ومحاكاته فيها .
* تربية الأجيال تربية لادينية .

· إذا كان هناك عذر لوجود العلمانية في الغرب فليس هناك أي عذر لوجودها في بلاد المسلمين لأن النصراني إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيراً ولا قليلا لأنه لا يعطل قانون فرضه علية دينه وليس في دينه ما يعتبر منهجا للحياة ، أما مع المسلم فالأمر مختلف حيث يوجب عليه إيمانه الاحتكام لشرع الله . ومن ناحية أخرى كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي – فإنه إذا انفصلت الدولة عن الدين بقي الدين النصراني قائما في ظل سلطته القوية الفتية المتمكنة وبقيت جيوش من الراهبين والراهبات والمبشرين والمبشرات تعمل في مجالاتها المختلفة دون أن يكون للدولة عليهم سلطان بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية فأن النتيجة أن يبقى الدين بغير سلطان يؤيده ولا قوة تسنده حيث لا بابوية ولا كهنوت ولا اكلريوس وصدق الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال ( إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن ) .
الجذور الفكرية والعقائدية :
* العداء المطلق للكنيسة أولا وللدين ثانيا أياً كان ، سواء وقف إلى جانب العلم أم عاداه .
* لليهود دور بارز في ترسيخ العلمانية من أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلا بينهم وبين أمم الأرض .
* يقول الفرد هوايت هيو : ( ما من مسالة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين ) وهذا القول إن صح بين العلم واللاهوت في اوروبا فهو قول مردود ولا يصح بحال فيما يخص الاسلام حيث لا تعارض إطلاقاً بين الاسلام وبين حقائق العلم ، ولم يقم بينها أي صراع كما حدث في النصرانية . وقد نقل عن أحد الصحابة قوله عن الاسلام : ( ما أمر بشئ ، فقال العقل : ليته نهى عنه ، ولا نهى عن شئ فقال العقل ليته أمر به ) وهذا القول تصدقه الحقائق العلمية والموضوعية وقد أذعن لذلك صفوة من علماء الغرب وفصحوا عن إعجابهم وتصديقهم لتلك الحقيقة في مئات النصوص الصادرة عنهم .
* تعميم نظرية (العداء بين العلم من جهة والدين من جهة ) لتشمل الدين الاسلامي على الرغم أن الدين الاسلامي لم يقف موقف الكنيسة ضد الحياة والعلم حتى كان الاسلام سباقاً إلى تطبيق المنهج التجريبي ونشر العلوم .
* إنكار الآخرة وعدم العمل لها واليقين بان الحياة الدنيا هي المجال الوحيد لماذا يرفض الاسلام العلمانية
* لانها تغفل طبيعة الانسان البشرية باعتبارها مكونة من نفس وروح فتهتم بمطالب جسمة ولاتلقي اعتبارا لاشواق روحة .
* لانها نبتت في البيئة الغربية وفقا لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية وتعتبر فكرا غريبا في بيئتنا الشرقية
* لانها تفصل الدين عن الدولة فتفتح المجال للفردية والطبقية والعنصرية والمذهبية والقومية والحزبية والطائفية .
* لانها تفسح المجال لانتشار الالحاد وعدم الانتماء والاغتراب والتفسخ والفساد والانحلال.
لانها تجعلنا نفكر بعقلية الغرب ، فلا ندين العلاقات الحرة بين الجنسين وندوس على اخلاقيات المجتمع ونفتح الابواب على مصراعيها للممارسات الدنيئة ,وتبيح الربا وتعلي من قدر الفن للفن ,ويسعى كل انسان لاسعاد نفسة ولو على حساب غيرة .
* لانها تنقل الينا امراض المجتمع الغربي من انكار الحساب في اليوم الاخر ومن
ثم تسعى لان يعيش الانسان حياة متقلبة منطلقة من قيد الوازع الديني ، مهيجة الغرائز الدنيوية كالطمع والمنفع وتنازع البقاء ويصبح صوت الضمير عدما .
* مع ظهور العلمنية يتم تكريس التعليم لدراسة ظواهر الحياة الخاضعة للتجريب والمشاهدة وتهمل امور الغيب من ايمان با لله والبعث والثواب والعقاب , وينشا بذلك مجتمع ٍغايته متاع الحياة وكل لهو رخيص .
الانتشار ومواقع النفوذ :
بدات العلمانية في اوروبا وصار لها وجود سياسي مع ميلاد الثورة الفرنسية سنة 1789م . وقد عمت اوروبا في القرن التاسع عشر وانتقلت لتشمل معظم دول العالم في السياسة والحكم في القرن العشرين بتأثير الاستعمار والتبشير .
يتضح مما سبق :
ان العلمانية دعوة إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدا عن الدين الذي يتم فصلة عن الدولة وحياة المجتمع وحبسة في ضمير الفرد ولا يصرح بالتعبير عنة الا في أضيق الحدود . وعلى ذلك فأن الذي يؤمن بالعلمانية بديلا عن الدين ولا يقبل تحكيم
* الشرعية الإسلامية .في كل جوانب الحياة ولا يحرم ما حرم الله يعتبر مرتدا ولا ينتمي الى الإسلام . والواجب اقامة الحجة علية حتى واستتابتة حتى يدخل في حضيرة الإسلام والا جرت علية أحكام المرتدين المارقين في الحياة وبعد الوفاة .

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية