ما هو واجب المسلمين عند الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

حفظكم الله

لعلكم سمعتم ما حدث في فرنسا هذه الأيام. فقد قامت صحيفة بالإستهزاء برسولنا صلى الله عليه و سلم باسم حرية التعبير

فحُرق مكتب هذه الصحيفة في نفس الليلة

فالسؤال التالي: ما حد هؤلاء الكفرة المستهزئين برسولنا صلى الله عليه و سلم؟

المعلوم عندنا هو القتل و قال البعض إن المسلمين في حالة الضعف فعليهم أن يصبروا على الأذى كما صبر المسلمون في مكة...

فما الصحيح في نظركم حفظكم الله؟

بارك الله فيكم و أحسن الله إليكم

السائل: إحسان

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :

فكل من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يعلن بذالك الحرب على الإسلام والمسلمين .

وينبغي للمسلمين أن يردعوه بما استطاعوا من ردع .

والمسلمون ليسوا ضعافا بل هم أقوياء إذا تحلوا بالإرادة الصادقة ..وأي شيء يحافظ عليه المسلمون بعد التطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

وقد قال تعالى : { مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ}.

قال العلامة السعدي في تفسيره :

({ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ } في بقائها وراحتها، وسكونه { عَنْ نَفْسِهِ } الكريمة الزكية، بل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم، بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والإيمان التام به،) تفسير السعدي - (1 / 355).

روى البخاري في صحيحه عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.

فينبغي أن تكون أنفسنا وأرواحنا فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودفاعا عن عرضه كما قال حسان ابن ثابت :

هجوت محمدا فأجبت عنه... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(لأن السب للرسول عليه الصلاة والسلام قد تعلق به حق الله وحق كل مؤمن فإن أذاه ليس مقصورا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط كمن سب واحدا من عرض الناس بل هو أذى لكل مؤمن كان ويكون بل هو عندهم من أبلغ أنواع الأذى ويود كل منهم أن يفتدي هذا العرض بنفسه وأهله وماله وعرضه كما تقدم ذكره عن الصحابة من أنهم كانوا يبذلون دماءهم في صون عرضه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدح من فعل ذلك سواء قتل أو غلب ويسميه ناصر الله ورسوله ولو لم يكن السب أعظم من قتل بعض المسلمين لما جاز بذل الدم في صون عرض واحد من الناس) الصارم المسلول على شاتم الرسول - (5 / 138).

وقد روى أبو داود في سننه عن ابن عباس :
(أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقع فيه ، فينهاها ، فلا تنتهي ، ويزجرها فلا تنزجر ، قال : فلما كانت ذات ليلة ، جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم ، وتشتمه ، فأخذ المغول فوضعه في بطنها ، واتكأ عليها فقتلها ، فوقع بين رجليها طفل ، فلطخت ما هناك بالدم ، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجمع الناس فقال : أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام ، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أنا صاحبها ، كانت تشتمك ، وتقع فيك ، فأنهاها فلا تنتهي ، وأزجرها ، فلا تنزجر ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، وكانت بي رفيقة ، فلما كان البارحة جعلت تشتمك ، وتقع فيك ، فأخذت المغول فوضعته في بطنها ، واتكأت عليها حتى قتلتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا اشهدوا أن دمها هدر).

وأما إحراق مقرات الصحف التي تسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أبسط ما ينبغي أن يرد به المسلمون .

أما السكوت بحجة الضعف فهو خذلان للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يزيد الكفار إلا جرأة على مقدسات المسلمين .

متى تحمل القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم .

والله أعلم
والحمد لله رب العالمين .
أجابه، عضو اللجنة الشرعية

ما تعليقكم على كلام الشيخ أبي بصير حول ترشح الشيخ حازم أبو إسماعيل لرئاسة الجمهورية في مصر؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى اله وصحبه أجمعين
وبعد :

نرجو بالله عليكم سرعة التعليق على مقال الشيخ ابي بصير الطرطوسي ( الموقف من ترشح الأستاذ \" حازم صلاح أبو اسماعيل \" لرئاسة مصر ) درءا للفتنة باذن الله

السائل: أبوعبدالله المصري

 

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :

فالنص الذي وقعت عليه من كلام الشيخ ابي بصير هو قوله :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسّلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد وردتني أسئلة عدة من إخواننا في مصر .. عن الموقف الأمثل من ترشح الأستاذ " حازم صلاح أبو اسماعيل "، لرئاسة مصر؟

وعليه فإني أقول: عملاً بما يجب بين المسلمين من التناصح، والتواصي بالحق .. وحرصاً منا على خير مصر، وأهل مصر .. ومن قبيل وقوف الأخ مع أخيه في موطنٍ يحتاج فيه للنصرة .. فإنني أدعو جميع أهلنا وإخواننا في مصر الحبيبة .. كل من يعرفنا ويثق بنا .. بأن يقفوا بجوار الأخ الشيخ الأستاذ " حازم صلاح أبو اسماعيل "، في ترشحه لرئاسة مصر.

إذا أردتم أن تحافظوا على انجازات ثورتكم المباركة .. وأن تقطفوا بعض ثمارها .. قفوا مع " الأستاذ " حازم صلاح أبو اسماعيل "، ولا تخذلوه.

الرجل فيه خير كثير ـ ولا نزكيه على الله ـ لكن بمفرده ـ من دونكم ـ لا يستطيع أن ينجز شيئاً لمصر .. وبوقوفكم معه وبجواره .. تُحيطونه بنصحكم، ونصرتكم .. قد تنجزون وإياه الشيء الكثير لمصر، وأهل مصر، والعرب والمسلمين من بعد مصر .. بإذن الله .. وفقكم الله، وسدد ـ على طريق الحق والخير ـ خطاكم.

عبد المنعم مصطفى حليمة
" أبو بصير الطرطوسي "
29/12/1432 هـ. 25/11/2011 م.

التعليق :

الشيخ أبو بصير حفظه الله ليس أول من يفتي بمشروعية المشاركة في هذه الانتخابات فقد سبقه لذالك الكثير من الشيوخ الذين كانوا يفتون بعدم مشروعية المشاركة في الانتخابات بشكل عام و أصبحوا اليوم يدعون إلى ما كانوا يحذرون منه بالأمس !

ونحن نرى أن هؤلاء الشيوخ وقعوا في الخطأ من حيث أنهم تجاهلوا – هذه المرة- علة تحريم الانتخابات , فقد كانوا بالأمس يصرحون بأن علة تحريمها هي الشرك لكون المشاركة فيها تعني المشاركة في نظام شركي .

فهل هناك سبب يجعلنا نتقحم في الشرك عن بصيرة ؟

وما دام هؤلاء الشيوخ يرون أن قضية المشاركة في الانتخابات مسألة اجتهادية يمكن النظر فيها , فلماذا حملوا على الإخوان طيلة الفترة الماضية ؟

ألأن الإخوان لا حق لهم في الاجتهاد ؟

أم لأن المسألة كانت محسومة بالأمس وأصبحت اليوم اجتهادية؟

الشيخ لم يفصل في المسألة ولم يذكر السبب في مخالفته لمذهبه القديم سوى الحرص على مكتسبات الثورة , ولا يخفى أن الحرص على تحقيق التوحيد أولى من الحرص على مكتسبات الثورة .

نحن لا نستغرب أن يخطئ الشيخ أو غيره من أهل العلم فما أحد من أهل العلم إلا وهو معرض للخطأ وما منا إلا راد ومردود عليه .

ولكن الخطأ أن يجعل مجرد كلام الشيخ دليلا في حد ذاته ولا يطلب منه إقامة الدليل على ما يقول !

فالفيصل في المسائل الشرعية هو الدليل ..

ولا والله ..لا يظهر لنا دليل في المسألة إلا اتبعناه .

لكنا لا نترك الدليل طاعة للأشخاص .

قال الإمام ابن القيم في النونية :

العلم قال الله قال رسوله ** قال الصحابة هم أولو العرفان
ما لم نصبك للخلاف سفاهك ** بين النصوص وبين رأي فلان

لقد تميز أصحاب المنهج السلفي بالحرص على اتباع الدليل والبعد من التقليد الأعمى , وهم معتصمون بالحق بقدر ما تمسكوا بهذا الأصل العظيم .

فأنصح الإخوة الحريصين على اتباع الحق أن يبحثوا عن الأدلة الشرعية عند كل مسألة مختلف فيها .

وليس كلُّ خلافٍ جاء معتبرًا ** إلا خلاف له حظٌّ من النَّظرِ

أخيرا أقول : الشيخ حازم لن يستطيع تطبيق شرع الله من خلال هذه الانتخابات التي هي تكريس للديمقراطية , وأظن أن الكثير من الشيوخ الذين أفتوا بالتصويت له لا يختلفون معنا في أن الديمقراطية والإسلام لا يجتمعان .

وقد تحدثت في هذا الموضوع كثيرا من قبل في عدة مواضع .

والله أعلم
والحمد لله رب العالمين .
أجابه، عضو اللجنة الشرعية : 

بالأرقام والوثائق.. ذبح الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان؛؛

الجيش الأمريكي منهك وغير قادر علي غزو أي دولة أخري، وأي تهديدات بغزو دولة إسلامية كاليمن أو باكستان أو السودان أو إيران مجرد كلام أجوف وغير واقعي. فالجيش الأمريكي بعد تكسير عظامه في العراق وفي أفغانستان عاجز عن خوض حروب جديدة، وغير قادر علي اجتياح دولة ثالثة برياً، لا الآن ولا مستقبلاً. وضاع الحلم الإمبراطوري مع تمزيق هذا الجيش العدواني في أرض الرافدين وقري الأفغان. تؤكد الأرقام والوثائق التي تحت أيدينا أن الحرب في العراق وفي أفغانستان كانت أكبر محرقة لمعدات وجنود الجيش الأمريكي منذ نشأة الولايات المتحدة وحتي الآن. لقد خسرت أمريكا ما يزيد عن 600 ألف قطعة من العتاد، ما بين دبابة وعربة قتال ومدرعة وهمفي ومروحية، وسقط ما يزيد عن مليون عسكري بين قتيل وجريح ومعاق ومصاب بالأمراض النفسية وأمراض الدماغ. ربما تكون هذه الأرقام مذهلة للبعض، وقد كانت بالفعل مفاجئة بالنسبة لي شخصيا، ولكن بعد عملية بحث دقيقة، وضعت يدي علي الكثير من المعلومات من مصادرها الأمريكية، كالبنتاجون والكونجرس وغيرها. وهالني الكم الكبير من المعلومات المتاحة والتي تستحق أن نضعها أمام أعيننا لنفهم مايدور حولنا ولا نكون كجن سليمان نعمل في العذاب بينما أمريكا الإمبراطورية شاخت، وشلت، وسقطت. وقد تلقيت رداً من القيادة المركزية الأمريكية للمرة الثانية علي مقالي السابق الذي ذكرت فيه 22 دليلاً اقتصادياً علي الإنهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية، وكنت أتوقع أن يكون رداً علميا يستحق النقاش حوله ولكن وجدته كالرد الأول مجموعة من الإدعاءات، والكلام المكرر الذي لا يقف علي ساقين. وقد رددت في المقال السابق علي معظم ماورد في الرد الأخير، وحتي لا نبتعد عن صلب موضوعنا، فإنني سوف أتعرض لما يستحق التفنيد في مقال قادم إن شاء الله.كنت في المقال السابق قد ركزت علي الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه أمريكا ودوره في إنهاء الهيمنة الأمريكية وإسقاط المشروع الإمبراطوري الأمريكي وسردت الأدلة علي أننا ننتظر لحظة الانهيار الوشيك كما حدث مع الإتحاد السوفيتي.وفي هذا المقال - كما وعدت القراء- فإنني سأركز علي الانكسار العسكري للجيش الأمريكي في العراق وفي أفغانستان، وأكشف عن معلومات تفضح حقيقة الثور المذبوح بأيدي حفنة من أبناء الأمة بإمكانات عسكرية بسيطة جدا، في أفقر دولتين مسلمتين عانتا من حصارٍ زاد عن عقدٍ من الزمن.ولكي نقف علي حجم التدمير الذي تعرض له الجيش الأمريكي، فإنني ركزت علي حجم الخسائر في المعدات وأنظمة التسليح، والخسائر البشرية بالقتل والإصابة أثناء العمليات العسكرية، وإصابات ما بعد الحرب، والقتلي والمصابين من المتعاقدين من غير العسكريين. ولم أتعرض للتكلفة الاقتصادية إلا في حدود ضيقة لأنني أشرت إليها في المقال السابق. أولاً: الخسائر في المعدات وأنظمة التسليح 1- المعدات المدمرة والمعطوبة - قدرت دراسة لمكتب الميزانية بالكونجرس الأمريكي في سبتمبر 2007 عدد القطع التي فقدها الجيش وتحتاج إلي تعويض علي وجه السرعة بنحو 300 ألف معدة من كل الأنظمة الأساسية، خاصة المروحيات ودبابات أبرامز وبرادلي والمدرعات والهمفي والمدافع.[1]وقالت الدراسة المتعلقة بعملية الإصلاح والإحلال والتجديد للمعدات المدمرة والمعطوبة التي تم استقدامها من ساحات الحرب بعنوان" Replacing and Repairing Equipment Used in Iraq and Afghanistan " أن عمليات إصلاح وتعويض هذه الأسلحة ستأخذ وقتا طويلا.- قالالجنرال روبرت رادين رئيس قيادة العتاد في الجيش الأميركي ونائب رئيس الأركان للعمليات اللوجستية والعمليات أن عدد المعدات التي دمرتها الحرب وخضعت للإصلاح مثل عربات القتالبرادلي ودبابات ابرامز وقطع المدفعية والعربات ذات العجلات في عام 2005 بلغت 20000 قطعة. وفي 2006 بلغت 33000 قطعة، و في 2007 بلغت حوالي 47000 قطعة من المعدات خضعت للإصلاح.[2]- وفقا لمكتب الميزانية بالكونجرس عام 2006 فإن النقص في المعدات نتيجة التدمير كان كالتالي:13 ألف من المركبات سريعة الحركة ومتعددة الأغراض (همفي)32 ألف مركبة تكتيكية متوسطة7,600 آلاف مركبة تكتيكية ثقيلة- قال بيتر شوميكر رئيس أركان الجيش الأمريكي في سبتمبر 2006 أمام مجموعة متخصصة في الكونجرس أن 1500 من عربات هامفي و الدبابات ام 2 والمركبات القتالية برادلي وغيرها تنتظر الإصلاح في مركز الصيانة في "رد ريفر آرمي"، وتنتظر 500 دبابة ام 1 في مركز انيستون في الاباما. وقال إن مراكز الصيانة الخمس الكبري التابعة للجيش لاتعمل بنصف طاقتها بسبب نقص الاعتمادات.[3] - في نهاية 2006 بدأت عملية نقل الآلاف من الدبابات والمركبات المعطوبة إلي مستودعات وورش الجيش في الولايات المتحدة للإصلاح. ففي مستودع " Red River "في ولاية تكساس ، حسبما ذكرت " Fort Worth Star-Telegram" ما لا يقل عن 6200 عربة همفي ودبابة ومدرعة وشاحنة وسيارات الإسعاف تنتظر الإصلاح .- وهناك مقبرة أخري للدبابات وعربات القتال في مستودع الجيش في انيستون في ولاية ألاباما. وقالت المتحدثة باسم المستودع جوان غوستافسون أن المستودع سيقوم بإصلاح 1885 من الدبابات والعربات المدرعة الأخري خلال السنة المالية التي بدأت في 1 أكتوبر 2006. وقالت ان المستودع قام باصلاح 1169 دبابة وآلية في 2004 واصلاح 1035 في 2005.[4] - كثير من المعدات الأمريكية تعطلت بسبب الإجهاد والإهلاك، والحركة، كرا وفرا في أرض المحرقة، واستنفاد الطاقة المحددة لها. ففي جلسات استماع بالكونجرس في يناير 2007 قال الجنرال تشارلز اندرسون مدير تطوير الجيش أمام أعضاء اللجان الفرعية لجهوزية القوات الجوية والبرية: إن الحرب أجهدت الشاحنات والدبابات وطائرات الهليكوبتر وأهلكتها، فالدبابات تتحرك في أرض المعركة بمعدل يتجاوز خمس مرات المعدل المقرر لها، والشاحنات بما يفوق المعدل بـ 5-6 مرات، ونفس الأمر مع المدرعات الثقيلة كما أن المروحيات استهلكت حيث تطير بمعدل يزيد 5-6 مرات عن المقرر لها.[5]- نسبة أخري من المعدات تعطلت بسبب ظروف التشغيل القاسية حيث تتحرك الدبابات والمدرعات لمسافات طويلة علي الطرق الأسفلتية المعبدة التي تزيد من معدلات الاهتزازات بالنسبة للأنظمة الإلكترونية و الميكانيكية مما يتسبب عنه إهلاك هذه الأنظمة.[6]- الظروف البيئية فيالعراق حاربت الجيش الأمريكي، فالمعدات التي لم تصبها العبوات الناسفة علي الطرق وقذائف المورتر في القواعد العسكرية، تعطلت بسبب عواصف الرمال والغبار التي أفسدت محركات الطائرات والأنظمة الإلكترونية والفلاتر، وأتلفت محركات الدبابات. ويصعب إصلاح ما أتلفته الرمال والغبار في الميدان ويحتاج إلي ورش تم التوسع في بنائها في الولايات المتحدة خصيصا لإنقاذ معدات الجيش.[7]- أعلن الجيش أن كل الدبابات أبرامز وبرادلي العائدة من العراق تم إرسالها إلي المستودعات لإصلاحها بسبب الرمال التي سدت المحركات والفلاتر. ويكلف اصلاح الدبابة الواحدة وتخليصها من الرمال 800 ألف دولار، ويكلف ذلك للبرادلي 500 ألف دولار.[8]- مع استنزاف كل الترسانة الأمريكية وإرسالها إلي العراق وأفغانستان والمناطق المحيطة بهما في أول خمس سنوات للحرب أكد الخبراء في وزارة الدفاع الأمريكية عدم توفر معدات للقوات المتوجهة إلي المعركة، علاوة علي عدم توفر معدات للتدريب. [9] 2- تأثير العبوات الناسفة لعبت العبوات الناسفة، هذا الاختراع البسيط جدا، دورا متميزا في تعجيز الجيش الأمريكي وتدمير معداته وقتل جنوده، ووقف الجيش الغازي المسلح بأحدث التقنيات حائرا لا يدري ماذا يفعل أمام هذا السلاح البدائي. لقد رصدوا الميزانيات ووضعوا الخطط ولكنها باءت كلها بالفشل. - في دراسة لخدمة أبحاث الكونجرس صدرت في 25 سبتمبر 2006 حول العبوات الناسفة في العراق فإن ما تم إنفاقه منذ 2004 إلي 2006 لتمويل جهود يائسة لمكافحة العبوات الناسفة بلغ 6.1 مليار دولار، حيث تم تمويل عدة هيئات متخصصة في البحث عن التقانة التي تساهم في الكشف عنها بما فيها الطائرات، وعندما عجزوا قرروا تخصيص طرق مؤمنة خاصة لتحرك المعدات.[10]- وللتدليل علي خطورة العبوات حجما وتأثيرا، ففي حادثة وقعت عام 2004 فوجيء الأمريكيون بالمركبة القتالية برادلي التي تزن 22 طنا طارت في الهواء جراء مرورها علي عبوة ناسفة واستقرت قاعدة المركبة المدرعة علي مسافة 60 ياردة (54 متراً) من مكان الانفجار.[11]- ومع تصاعد عمليات تفجير المعدات علي الطرق تم تأسيس صندوق للانفاق علي برامج تساعد في مواجهة العبوات الناسفة بداية من 2006 . وما خصص له كان كالتالي حسب الأعوام:2006 تم تخصيص مبلغ 3.3 مليار دولار2007 تم تخصيص 4.4 مليار دولار2008 تم تخصيص 4.3 مليار دولار2009 تم تخصيص 3.1 مليار دولار2010 تم تخصيص 1.8 مليار دولار2011 مع تزايد الخسائر في أفغانستان تم تخصيص 3.3 مليار دولار.[12]ولكن حتي الآن لازالت العبوات تحصد المعدات الأمريكية في العراق وانتقلت هذه التقانة البدائية إلي ايدي المجاهدين في أفغانستان.وهنا أتذكر، وعلي سبيل المثال، قصة اثنين من الأفغان في ولاية هلمند، أحدهما الشيخ ( صالح جان) البالغ من العمر 69 عاماً، والآخر ابنه (عطا جان) البالغ من العمر 18 عاماً استطاعا لوحدهما خلال 21 شهراً أن يفجرا 32 دبابة و 6 ناقلات للجنود من نوع (رينجر) للناتو بواسطة زرع الألغام لها في طرق مرورها.وهذه القصة وردت في رسالة محمد يوسف الأحمدي المتحدث باسم طالبان إلي أعضاء الكونجرس الأمريكي. وكلّ ما صرف من المال في هذا العمل لا يتجاوز 2500 دولار، والأعجب من ذلك أن جميع الأدوات والوسائل التي استخدمت في هذا العمل قد تمّ شراؤها من (سوق لشكركا) المحلية. وقد تمّ كلُ هذا العمل في الوقت الذي يمارس فيه العمّ (صالح جان) وابنه عمليهما في الفلاحة، ولم يضطرا للسفر إلي قرية أخري.ولم يتعلم هذه الخبرة في صيد البابات في أية أكــاديمية عسـكرية، ولم يطلبا الأجر الماديّ علي ما فعلاه من طالبان.وقد تمّ تفتيش بيت الرجل أربع مّرات من قبل جنود الناتو خلال هذه المدة، ولم يعثروا في بيته علي ما يمكن أن يستعمل في التفجيرات.و يحكي العمّ صالح جان: إنني ذات مرّة قمت بتفجير العبوة الناسفة عن بُعدٍ علي الجنود الذين كانوا في طريق الخروج من القرية بعد تفتيش بيتي، فقتل منهم واحد، وجرح ثلاثة آخرون، فأحضرت الماء واتجهت نحوهم، فسقيت الجرحي الماء البارد لأموّه عليهم أنني لست الذي قام بهذا التفجير، ولاعتقادي أن الجرحي إن شربوا الماء البارد في هذه اللحظة فستنفتق جروحهم أكثر وأكثر.[13] 3- حجم وتكلفة المعدات المدمرة والمعطوبة وفي السطور التالية سأثبت بالأرقام من واقع الميزانيات السنوية بالكونجرس أن الجيش الأمريكي خسر معظم ترسانته العسكرية في الحرب، وأنه أنفق المليارات من الدولارات لتعويضها وإصلاح ما يمكن إصلاحه.أعدت وزارة الدفاع الأمريكية تقريرا للكونجرس في 2006 قالت فيه إن 20% من أسلحة ومعدات الجيش تم إرسالها في بداية الحرب إلي العراق.[14]وقدر مكتب المحاسبة بالكونجرس قيمة المعدات في العراق وافغانستان والمنطقة المحيطة بساحة المعارك بـ 30 مليار دولار.[15]ويتم الحفاظ علي هذه النسبة لأسباب عسكرية، إذ توجد معادلة توازن بين تعداد القوات والألوية وبين عدد المعدات، وما يتم إعطابه أو تدميره يتم اصلاحه أو استبداله لاستعادة القدرات القتالية. وحسب الوزارة فإن عدد المعدات التي تم إرسالها إلي العراق 570 ألف قطعة وهي كالتالي:من 15% :20 % من أسطول المروحيات موجود في العراق وأفغانستان في اي وقت.550 دبابة ابرامز في العراق تمثل 9% من مجموع الترسانة للجيش الامريكي.تم نشر اكثر من 20% من ترسانة العربة المقاتلة سترايكر.57.400 ألف شاحنة من مجموع 300 ألف أي20%.تم نشر 23.800 من الهمفي في البداية، ثم ارسال كل ترسانة الجيش الأمريكي فيما بعد. ومنذ العام الأول للحرب في العراق يتم شحن ثلثي المعدات الي الولايات المتحدة بسبب ما أصابها من تدمير وإعطاب مع عملية تبديل القوات وتذهب القوات الجديدة بأسلحة جديدة، أي إن معظم أسلحة الجيش الأمريكي تم شحنها الي مناطق الحرب لتذوق التدمير أو الإعطاب فتبقي هناك المدمرة وتعود المعطوبة للإصلاح. وجدير بالذكر أن تبديل و تدوير القوات يتم كل 12 او 15 شهراً.[16] وبسبب الخسائر في المعدات واتساع دائرة المواجهة مع المقاومة في البلدين تضاعف الإنفاق العسكري الأمريكي خلال العقد الماضي ففي عام 2000 أي قبل شن الحرب كان الإنفاق العسكري يمثل 2.9% من إجمالي الناتج المحلي. ارتفع الي 4.5% في 2009، ثم إلي 4.7% في ميزانية 2010 وثبت علي 4.7% في ميزانية 2011.قالت دراسة لـ Congressional Research Service عن تكلفة الحربين صدرت في 2 سبتمبر 2010 أن الكونجرس وافق مع حلول عام 2010 علي تخصيص 1.291 تريليون دولار منذ هجوم 11 سبتمبر لتمويل الحربين. منها 802 مليار للعمليات في العراق و 455.4مليار للعمليات في افغانستان، و28.6 مليار لتعزيز الأمن، و8.6 مليار للرعاية الصحية للمحاربين القدماء المصابين في الحربين.والإنفاق العسكري وما ترتب عليه كان العامل الأساسي وراء الأزمة الإقتصادية التي ضربت أمريكا. لقد كتب جوزيف ستيجلتس الحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000 وليندا بالمز الأستاذة بجامعة هارفارد مقالا في واشنطن بوست يوم 5 سبتمبر 2010 قالا فيه أن تقديراتهم السابقة للحرب والتي وصلت إلي 3 تريليون دولار تقل عن الحقيقة بعد اضافة بنود أخري كانت غائبة وقد تزيد عن 6 تريليونات.[17]ما يهمنا هو معرفة حجم العتاد المدمر من خلال أرقام المخصصات السنوية التي أقرها الكونجرس والخاصة ببند استبدال وتجديد المعدات المدمرة والمعطوبة.- باستعراض الميزانيات السنوية للوقوف علي القيمة المالية لاستبدال وتجديد المعدات التي خسرها الجيش الأمريكي في الحربين تبين الآتي:2004 تم تخصيص 7.2 مليار دولار لعملية تعويض واصلاح المعدات2005 تخصيص 18 مليار2006 تخصيص 22.9 مليار2007 تخصيص 45.4 مليار2008 تخصيص 61.5 مليار2009 تخصيص 32 مليار2010 تخصيص 28 مليار2011 تخصيص 21.4 مليارولوحظ زيادة كبيرة في الإنفاق خلال الأعوام 2006و2007 و2008 بسبب زيادة وصول عمليات المقاومة في العراق إلي ذروتها في تدمير المعدات العسكرية. - وبجمع هذه المبالغ يصل إجمالي ما تم انفاقه علي عمليات الاستبدال والإصلاح يبلغ 236.4 مليار دولار. فإذا كانت تكلفة 20% من المعدات تساوي 30 مليار فإن هذا يعني ان الجيش الامريكي جدد معداته التي خسرها في العراق وفي أفغانستان ست مرات تقريبا،0 أي استنفد ترسانته العسكرية بنسبة 120% تقريبا. - يضاف إلي ما سبق أن إجمالي التمويل الإضافي الذي طلبته وزارة الدفاع لنقل المعدات المعطوبة من الميدان إلي الولايات المتحدة بلغ 151 مليار دولار.[18]- ولتوضيح الصورة أكثر، ففي تقرير لمكتب الميزانية بالكونجرس ولمواجهة تدمير وإعطاب المعدات تم شراء المعدات الآتية خلال الفترة من 2005 إلي 20071300 مدرعة سترايكر بينما مجموع ما يملكه الجيش الأمريكي 140027300 همفي ومجموع ما يملكه الجيش 10770021300 عربة تكتيكية متوسطة ومجموع الترسانة 255003100 شاحنة تكتيكية ثقيلة والمجموع 144001000 نظام Palletized Loading والمجموع 40001500 Line-Haul Truks والمجموع 8900- وفي عام 2009 قال الجيش أنه يعاني من عجز قدره 10 آلاف وحدة من الآليات من جميع الأنواع رغم أنه اشتري 21 ألف وحدة وأرسلها إلي منطقة القتال.- في فبراير 2006 طلب الجيش 9 مليار دولار لاستبدال وإصلاح منظومات الأسلحة من الدبابات والمروحيات والمدرعات التي دمرتها الحرب. وبعدها بخمسة شهور فقط قال الجنرال بيتر شوميكر قائد أركان القوات الأميركية أن الجيش يحتاج الي 17.1 مليار في ميزانية عام 2007 لتعويض المعدات المدمرة.[19]- وفي أبلغ تعبير عن حجم الخسائر في المعدات، ما حدث في يوليو 2006 عندما أرسل النواب الديمقراطيون خطابا إلي الرئيس بوش قالوا فيه إن ثلثي الألوية المقاتلة في الجيش غير مستعدة للقتال بسبب النقص في المعدات.[20] ثانياً: الخسائر البشرية في القوات المقاتلة 1- الجنود القتلي - وفقا للإحصاءات الرسمية للبنتاجون فان عدد القتلي العسكريين الأمريكيين حتي 8 نوفمبر 2010 بلغ 5798 قتيلا منهم 4409 قتيلا في العراق و1389 قتيلا في أفغانستان. - ذكرت وزارة شئون المحاربين القدماء أن عدد القتلي من الجنود الأمريكيين منذ حرب الخليج وحتي 2007 بلغ 73 ألف قتيل. وقالت إن عدد المصابين في العمليات الحربية 1.6مليون مصاب. وقد قامت الوزارة بحذف هذه الإحصاءات فيما بعد لإخفاء حجم الخسارة البشرية. ولكن الإعلام الأمريكي المعارض للحرب اهتم بهذه الأرقام بالتعليق والتحليل.[21] وإذا علمنا أن عدد الجنود القتلي في حرب الخليج رسميا (1990 – 1991) كان 383 وعدد المصابين 467 حسب إحصاءات وزارة الدفاع.[22] وإذا أضفنا لهم المصابين بما سمي مرض حرب الخليج بسبب التطعيم ضد الجمرة الخبيثة والمصابين بأمراض ما بعد الحرب، ثم بإجراء عملية طرح بين الأرقام فإن عدد العسكريين الامريكيين القتلي في العراق وفي أفغانستان يبلغ 72.617 ألف قتيل، وعدد المصابين يزيد عن مليون مصاب أي نصف قوات الجيش الأمريكي التي تم نشرها في البلدين. 2 – الجنود المصابون 2- أ – المصابون جراء العمليات القتالية - وفقا للإحصاءات الرسمية للبنتاجون في 8 نوفمبر 2010 فإن عدد المصابين في الحربين 41,030 ألف مصاب، منهم 31,935 ألف في العراق، و9,095 آلاف في أفغانستان.ووفقا لتقديرات موقع antiwar.com يبلغ عدد المصابين في العمليات العسكرية 100 ألف جندي وضابط أمريكي.- عدد المصابين من المحاربين القدماء في العراق وأفغانستان، الذين تلقوا علاجا علي نفقة وزارة المحاربين القدماء بلغ 600 ألف شخص.[23] وهذا الرقم يختلف عن المصابين في الخدمة الذين تلقوا العلاج في المستشفيات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع.- عدد الجنود الذين خرجوا من الخدمة وأصيبوا بالعجز والاعاقة وتقاضوا إعانة بسبب العجز من وزارة المحاربين القدماء بلغ 500 ألف جندي وضابط مصاب.[24]- أكد تقرير لوزارة شؤون المحاربين القدامي أن أكثر من 58 ألفا من الجنود الذين خدموا في العراق وأفغانستان فقدوا السمع تماما، وأن ما يقرب من سبعين ألفا من الجنود مصابون بطنين في الأذن يترتب عليه متاعب عصبية وفقدان السمع تدريجيا.[25] 2- ب - إصابات الدماغ - عدد الجنود الذين أنهوا خدمتهم في العراق وفي أفغانستان وأصيبوا بالاكتئاب وضغوط ما بعد الصدمة وإصابات المخ الإرتجاجية بلغ 630 ألف جندي حتي 2007 . ذلك بناء علي دراسة لمؤسسة راند بعنوان "الجراح غير المنظورة للحرب" أو " Invisible Wounds of War" حول الإصابات غير المنظورة للجنود والتي لاتكتشفها أجهزة الأشعة رغم خطورتها، والناتجة عن تفجير المركبات علي الطرق بالعبوات الناسفة والقذائف. أكدت الدراسة أن من بين 1.64 مليون عسكري تم نشرهم في العراق وأفغانستان منذ بداية الحرب وحتي اكتوبر 2007 أصيب 300 ألف عسكري بما يسمي ضغوط ما بعد الصدمة والاكتئاب الشديد، وإصيب 320 ألف عسكري بإصابات المخ الإرتجاجية.[26]ويترتب علي هذه الإصابات فقدان الذاكرة والإنتحار وسلوكيات عدوانية وممارسات غير طبيعية تجاه أسرهم وأطفالهم ومجتمعاتهم.وإذا اخذنا هذه النسبة وعممناها علي عدد القوات التي تم نشرها حتي 2010 والتي بلغت 2.4 مليون عسكري أمريكي فان نسبة المصابين بأمراض الدماغ ستصل إلي 830 ألفاً تقريبا.أجريت دراسات عديدة حول إصابات الدماغ. منها واحدة بجهد مشترك بين منظمتي ProPublica and NPR وقد توصلت إلي أن إصابات الدماغ أكبر خطر يواجه المجتمع الأمريكي. حيث أنها تصيب الجنود بفقدان الذاكرة، وعدم القدرة علي قيادة السيارة والعجز عن قراءة فقرة في كتاب أو جريدة ويفقدون القدرة علي التركيز. وقالت الدراسة التي صدرت بعنوان" Brain Injuries Remain Undiagnosed in Thousands of Soldiers " أن الطابع الغالب علي هؤلاء الجنود أنهم يشكلون خطرا علي المجتمع، حيث أن كثيرين منهم يسيرون في الشوارع الأمريكية يكلمون أنفسهم، ولذلك أطلق عليهم معدو الدراسة مصطلحاً غريباً حيث أسموهم " walkie talkies" .[27] 2- ج - الإنتحار من الظواهر التي لفتت الإنتباه انتشار الانتحار وسط الجنود الأمريكيين أثناء الخدمة وبعد الخروج منها.- أكدت فصلية الكونجرس Congressional Quarterly أن افراد الجيش الأمريكي الذين انتحروا في عام 2009 زاد علي عدد الجنود الذين قتلوا نتيجة العمليات الحربية في كل من أفغانستان والعراق.[28]- في جلسة خصصت لمناقشة الموضوع اعترف الجنرال بيتر شياريلي، نائب رئيس هيئة الأركان أمام قادة الجيش في البنتاجون بزيادة حالات الإنتحار وقال: "نحن نشهد زيادة مزعجة حقا في زيادة الإنتحار ولكن لانفهم سببها ونبذل أقصي جهد لدراستها والسيطرة عليها.[29]- قالت السناتور باتي موراي إن عدد محاولات الانتحار للمحاربين المتقاعدين من حربي العراق وأفغانستان نحو 12 ألف حالة سنويا. وانتقدت موراي وزارة شئون المحاربين القدماء واتهمتها بإخفاء الأرقام الحقيقية. وقالت إن هؤلاء المرضي قنابل موقوتة تمشي في الشوارع لعقود قادمة. واعترف غوردون مانسفيلد نائب وزير شؤون المحاربين القدامي خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ وقال إن الوزارة عينت 17 ألف موظف في قطاع الصحة العقلية لمواجهة تضخم عدد المحاربين المرضي.[30]- لم يقتصر الانتحار علي من ذهبوا ألي العراق وأفغانستان، بل امتد إلي القواعد العسكرية في الولايات المتحدة. لقد شهدت قاعدة فورت هود في وسط تكساس وهي أكبر قاعدة أمريكية في العالم ومنها يتم إرسال الجنود إلي العراق وأفغانستان انتحار 11 عسكريا خلال عام 2009 .وهي ذات القاعدة التي شهدت قيام الضابط الأمريكي من أصل عربي نضال مالك حسن بفتح النار علي الجنود الأمريكيين وقتل 13وإصابة 31 عسكريا أمريكيا آخرين.[31]- كشفت دراسات ميدانية ارتفاع نسب وفاة الجنود الذين حاربوا في العراق وأفغانستان نتيجة ارتكاب حوادث السيارات والدراجات النارية جراء الأمراض النفسية والاكتئاب. كمثال: قالت وزارة الصحة العامة أن أكثر من 1000 محارب من كاليفورنيا تحت سن 35 عاما قتلوا في الحوادث بسبب سلوكياتهم العدوانية وميولهم الانتحارية، خلال الفترة من 2005 الي 2008. [32]وعلق السيناتور الديمقراطي بوب فيلنر رئيس لجنة شؤون المحاربين القدامي في مجلس النواب بقوله إن هذه الأرقام مفزعة حقا وتهدد البلاد كلها.وتعددت الدراسات الميدانية عن الخطر الذي يشكله الجنود المرضي نفسيا في المجتمع الأمريكي، والتركيز علي السلوكيات العدوانية للمحاربين القدماء تجاه أنفسهم وأسرهم وفي الشارع. منها دراسة لمنظمتين غير حزبيتين هما باي سيتزن و نيو أمريكا ميديا كشفت عن قنابل بشرية تسير في الشوارع الأمريكية.[33]هذه الظاهرة تجعلنا نتساءل: لماذا ينهار البنيان النفسي لهؤلاء الجنود ويتقوض بالهزيمة؟ذلكلأن ممارساتهم في المدنيين، مفزعة مخالفة للفطرة الإنسانية. ونشوة النصر تقوي تماسك المرء قليلا، أما مع طول المدة ومع الهزيمة والعار فتقصم القشة ظهر البعيروينتهي التحمل وكبت التأنيب. ولأنهم -وبشهادة حارس جوانتاناموا الذي أسلم وعقدت معه لقاءات في شتي الوسائل الإعلامية - لا يبيتون ليلهم إلا مع الأفلام الجنسية في وحداتهم، وهذا له دلالات عليهذه الأنفس الهشة العابدة للذة التي ليست صاحبة قضية، ومن ثم لا مقاومة لديها ولا صمود معنوي تفيء إليه وينهي جزعها وقلقها ويبرد ألمها ويضيء غايتها. كما أن هؤلاء يوقعون عقودا ليست للفداء، بل من مضمونها وبمقتضاها أنهم يعملون في الجيش لكي يعيشوا ويرتزقوا، ويؤدون واجبهم لينالوا ثمرته نقدا، وهذا يدخل المرءفي حيرة ومقارنة وتقييم لأدائه وممارساته بشكل يحطم راحة البال، لأن الغايات الكبري والتفاصيل فجة ودموية وغير منصفة، والإنسان مهما كان يبقي لديه حوار بين "النجدين" الخير والشر. 2- د – إدمان تعاطي الخمور والمخدرات - أكدت دراسة أجرتها مجلة "الطب العسكري" في 2007 سقوط ثلث القوات العائدة من العراق وأفغانستان في مستنقع إدمان الخمور.[34]- قالت دراسة للإدارة الصحية للمحاربين القدماء أجريت في 2009 أن 27 ألفا من المحاربين العائدين من العراق وأفغانستان يعالجون من الإفراط في تعاطي المخدرات، و 16,200ألفا يعالجون من إدمان الخمر حيث يترددون علي مستشفيات المحاربين القدماء. [35]- أشار تقرير لجنة منع الإنتحار التي شكلها الجيش ولجنة تعزيز الصحة والحد من المخاطر لعام 2010 الي أن 16,997ألف جريمة ارتكبت داخل الجيش بسبب المخدرات والكحول خلال عام 2009. وأكد التقرير أن التحقيقات في 64,022 ألف جريمة قتل داخل الجيش خلال الفترة من 2001 إلي 2009 أكدت أنها مرتبطة بالمخدرات.[36] 3 - الهروب من الخدمة هرب آلاف الجنود من الجيش إلي كندا بسبب الرعب الذي شاهدوه أو سمعوا عنه في العراق وفي أفغانستان. في احصاءات البنتاجون بلغ عدد الهاربين 40 ألف هارب من كل أفرع الجيش. وجاء حصرالرقم من خلال القضايا التي أقيمت علي الجنود الهاربين.[37] وطلب هؤلاء الفارون في كندا اللجوء السياسي، وانضموا إلي المجموعات الرافضة للحرب. لكن الحكومة الكندية الحالية تعارض منحهم اللجوء بسبب تحالفها مع أمريكا في الحرب.[38] ثالثاً - الخسائر البشرية في المتعاقدين - وفقا للأرقام المعلنة بلغ عدد القتلي المدنيين الأمريكيين من مقاولين ومهندسين خلال الفترة من 2001 الي 2010 في العراق وأفغانستان نحو 2008 قتيلا، منهم 1487 في العراق، و521 في أفغانستان ، يضاف إليهم 44 قتلوا في الكويت. ومصدر الأرقام وزارة العمل الأمريكية التي استقتها من واقع سجلات وزارة الدفاع بشأن عدد الأسر التي طلبت التأمين. وهناك تشكيك وانتقادات من قبل المنظمات الأمريكية تجاه الأرقام المعلنة وتأكيدات بأن العدد أكبر من ذلك بكثير. - وفقا لدراسة متخصصة فإن عدد المصابين من الأمريكيين المتعاقدين في العراق بلغ 44152 شخصا منهم 16 ألفا إصاباتهم خطيرة، بواقع 36023 في العراق، و8129 في أفغانستان. [39]- ومن المعروف أن وزارة الدفاع وحدها توظف 250 ألفا من هؤلاء المرتزقة في منطقة العمليات وفقا لتقرير صدر في يوليو 2010 من خدمة أبحاث الكونجرس. وبسبب هذا العدد الضخم للمتعاقدين والمرتزقة الذي يفوق عدد القوات المقاتلة بمقدار الضعف أشارت الإحصاءات إلي ان عدد القتلي منهم تفوق علي عدد القتلي العسكريين منذ بداية العام الجاري 2010.وموضوع المرتزقة وما ارتكبوه من جرائم يحتاج إلي بحث مستفيض مستقل.- لم يصدر الجيش الأمريكي إحصاءات كاملة عن الإصابات في أفراد شركات الأمن الخاصة ولا عدد الهجمات التي تتعرض لها القوافل التي يحرسونها. تقول فيكتوريا واين التي كانت مساعدة رئيس إدارة إعادة البناء بقوات سلاح المهندسين الأمريكي "أن الجيش كان يحذف الأرقام التي كانت تكتبها. وأضافت فيكتوريا واين التي عملت في العراق عامين ونصف أنها عندما احتجت علي إخفاء أرقام القتلي والمصابين بأعداد كبيرة قيل لها إنها أخبار سيئة يفضل عدم نشرها. ووفقا لبيانات " إدارة إعادة البناء" أن شركة "آرمور جروب" البريطانية نظمت 1184 قافلة في 2006 ، وبلغ مجموع ما ضرب منها450 قافلة معظمها بعبوات ناسفة علي الطرق بالإضافة إلي المورتر والأسلحة الخفيفة، وتعرضت قوافل الشركة إلي 293 هجوما في الشهور الأربعة الأولي من عام 2007.[40]ومع تفاقم الخسائر وعجز الجيش الأمريكي عن فتح جبهة قتال ثالثة رفض العسكريون الاستجابة للقيادة السياسية بالنزول علي الأرض في باكستان وقرروا التخلي عن العمليات القتالية لإدارة المخابرات المركزية الأمريكية لتحارب وحدها. رابعا: الطائرات بدون طيار وتخلي الجيش عن القتال في بداية أكتوبر 2010 حدث تحول استراتيجي كبير حظي بتعليقات واسعة من وسائل الإعلام الأمريكية ولم يعره الإعلام العربي اهتماما؛ إذ تخلي الجيش عن أسطول الطائرات بدون طيار في أفغانستان وسلمه إلي المخابرات المركزية الأمريكية، وترك لها العمليات العسكرية ضد القاعدة ومجموعات قبلية تراها أمريكا معادية. الأمر الذي اعتبرته الصحف الأمريكية تحولا خطيرا وتخليا من الجيش عن دوره القتالي لجهاز مدني وتوريط أمريكا في توسيع دائرة القتل الألكتروني، وتحول الـ CIA من مكافحة الإرهاب إلي مكافحة "المتمردين". حظي هذا التحول العسكري بموافقة قادة الجيش في مقدمتهم وزير الدفاع روبرت غيتس الذي كان المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية كما أيده رئيس هيئة الأركانالمشتركة، الأدميرال مايك مولين، والقائد الجديد لقوات التحالف فيأفغانستان ، الجنرال ديفيد بتريوس.[41] وقال مدير وكالة الإستخبارات المركزية ليون بانيتا في كلمة له فيمؤسسة أبحاث في لوس أنجليس أن برنامج الطائرات بدون طيار الأسلوب الوحيد المتاح أمامنا.يقول بيتر سينغر مدير دراسات الدفاع في معهد بروكينغز ومؤلف كتابWired for War:"اننا وصلنا إلي نقطة تحول في تاريخ الحرب ، وربما في تاريخ الإنسانية..لم يكن هناك سوي حفنة من الطائرات بدون طيار عندما غزت الولايات المتحدة العراق في 2003 ، واليوم هناك أكثر من 7000 طائرة من هذا النوع وفي القريب سيقومون بانتاج عشرات الآلاف منها.[42]وهذه الطائرات المبرمجة لا يستطيع الأمريكيون استخدامها إلا بموافقة بعض الحكومات الضعيفة؛ لذا يضغطون ويرهبون بعض الحكام لإجبارهم علي قبول قواعد لإدارة هذه الطائرات التي تقتل الأبرياء وتنشر الارهاب وتتسبب في القلاقل الداخلية. الخلاصة إن الحقائق والأرقام الموثقة تؤكد أن الجيش الأمريكي الآن ينزف، وأمنية قادة البنتاجون والجنود هي العودة إلي الساحل الأمريكي والانكفاء علي الذات. ولتقريب الصورة، يمكن أن نشبه ما حدث للجيش الأمريكي في الحربين بأسلحته المتطورة كثور قوي بقرون طويلة يستطيع أن يقضي علي من يقف أمامه، وفي المقابل تقف المقاومة في العراق وفي أفغانستان كمصارع الثيران الرشيق، الذي يتلاعب بالثور الهائج، ويدور حوله ولا يقف أمامه، ويصوب السهم تلو الآخر بمهارة تجاه نقاط ضعفه، حتي أسقطه أرضا في النهاية وقرونه القوية التي نطح بها الجدران والبيوت لازالت فوق رأسه. إن قرون الثور القوية الفتاكة لازالت موجودة ولكنها فوق رأس جسد كسيح راقد علي الأرض ينزف الدم ينتظر الموت. قد يحاول إثبات أنه لازال حيا، ولكن بعد فوات الأوان، فالسكين قد قطعت الوتين.العالم من حولنا يتغير ويشهد انهيار الإمبراطورية الأمريكية وكل دولة تبحث لها عن مكان في ظل نظام عالمي يتشكل، وأصبحت حالة التمرد علي الهيمنة الأمريكية والغربية ظاهرة جلية لكل ذي عينين. أنظروا كيف تتلاعب كوريا الشمالية بأمريكا؟ أنظروا كيف تتحرك دول أمريكا اللاتينية وروسيا والصين والهند علي الساحة الدولية. أنظروا كيف أن الخصمين اللدودين: بريطانيا وفرنسا ولأول مرة في التاريخ يشكلان حلفا عسكريا جديدا رغم وجود الناتو. إن الأوربيين هم أول من يعرف أن الناتو قد انتهي في أفغانستان، وأن أمريكا غابت عنها الشمس بغير رجعة.ولكن ثمة ملاحظة تتعلق بإصرار أمريكا والغرب علي الإستمرار في أفغانستان 4 سنوات أخري رغم كل هذه الخسائر.من خلال تصريحات قادة الغرب أنفسهم فإنها محاولة يائسة من السياسيين لايجاد مخرج بأي شكل وصيغة تحفظ ماء الوجه وتخفف من وقع الخسارة، فهم يتخوفون من لحظة الخروج الذليل من أفغانستان وما تمثله، فهذه اللحظة هي الإعلان النهائي لهزيمة الغرب كله الذي يقاتل هناك وعودة طالبان للحكم، وهذا يعني بزوغ فجر عالمي جديد، وعالم إسلامي مختلف. الحلقة القادمة (الثالثة) الأفول السياسي والحضاري لأمريكا. والحلقة التي تليها (الرابعة) تنامي حركة المقاومة واتساعها والصعود الإسلامي، والاستراتيجية المطلوبة للفكاك من التبعية. فليست البشري لقومنا بقلة الوطأة علي أقفيتهم ورؤوسهم، بشيرا بأنهم سينصبون ظهورهم المحنية عاجلاً، بل لو لم ينهضوا نهضة علي أسس حقيقية ستتغير.

 

عامر عبد المنعم

الــرد عـلـى من يـفــرقــون بين فــلــســفــة الـديــمــقــراطــيــة وآلــيـاتـهـا !! د. مسلم ثـائر

بسم الله والحمد لله وحده ؛
والصلاة على من لا نبي بعده ؛
وسلم تسليما كثيرا
ثم أما بعد ؛

فمن الشبهات التي أثارها بعض المشايخ حول موضع المشاركة في البرلمانات وخلافه هي شبهة التفريق بين قبول فلسفة الديمقراطية وآلياتها


حيث يقولون أن الديمقراطية تنقسم إلى أمرين ؛

ـــ المبادئ والفلسفة (التي بنيت عليها وظهرت من أجلها)ـ
ـــ الآليات والوسائل (التي يتم عن طريقها تحقيق الديمقراطية في أرض الواقع)ـ



ــ 1 ــ أما (المبادئ والفلسفة) ؛
مثل مبدأ (سيادة الشعب) ، ومبدأ (حكم الأغلبية المطلق)ـ

فقد اتفقوا على حكمها ألا وهو أنها مبادئ مخالفة للإسلام في أغلبها مخالفات صريحة وفي أصول الدين
ـ(ومن أراد الزيادة فليراجع مصنفات علماء الإسلام في ذلك)ـ


ــ 2 ــ أما (الآليات والوسائل) ؛
مثل ؛ الانتخابات والاستفتاءات والدساتير

فهي بين احتمالين ؛

الأول ؛ إن كانت هذه الوسائل مخالفة للشريعة في ذاتها أصلا
فلا تقبل بحال، لا في نظام إسلامي ولا في غيره



الثاني ؛ إن كانت ليست مخالفة للإسلام في ذاتها

ففي هذه الحالة يتوقف حكمها على طريقة استخدامها وللنظام التي ستسخدم في إقراره
وعلى الضوابط التي ستحكمها

وذلك لأنه هذه الوسائل عبارة عن ابتكارات بشرية شأنها مثل سائر الاختراعات الحديثة

فإن تم استخدامها لتطبيق أي نظام غير إسلامي مثل استخدامها لتطبيق فلسفة (الديمقراطية)، فهي محرمة
بل وربما تأخذ نفس حكم النظام التي وضعت لأجل تطبيقه
ودرجة التحريم تتناسب مع طبيعة التعامل مع الوسيلة نفسها،
وطبقا لما يحيط بها من ضوابط مخالفة للشريعة


أما إن استخدمت تلك الوسائل لتطبيق (نظام الشورى الإسلامي) والتزمت بضوابطه التي نصت عليها الشريعة،
فما الذي يمنع من ذلك ؟؟

وذلك بشرط عرضها على الشريعة
لنأخذ منها ما يوافق الشريعة
ونترك منها ما يخالفها

وهي هنا مثل الدواوين التي اقتبسها سيدنا عمر (رضي الله عنه) من الفرس
ومثل ؛ قوانين المرور التي أخذناها من الغرب
ومثل ؛ الاختراعات الحديثة كالسيارات والطائرات والتلفاز

فكل هذه الأشياء نستفيد منها ، إذا استخدمت لتحقيق مصالح الناس بما يتوافق مع الشريعة
ونتركها إذا تسببت في إحداث مفاسد للناس ، أو كان فيها ما يخالف الشريعة


وهنا وقفة مهمة ؛

وهي أنه لا ينبغي لنا أن نقبل بآليات الديمقراطية ولا أن نشارك فيها في ظل نظام ديمقراطي أو في ظل وجود دستور ينص على الديمقراطية ومبادئها كما هو الحاصل حاليا

وإنما قد نقبل بتلك الوسائل في إطار تطبيق نظام الشورى الإسلامي لا الديمقراطي
أي أن ذلك يكون بعد قيام الدولة الإسلامية القائمة على الشورى لا قبل ذلك

فحينئذ يمكن أن نستفيد من آليات الديمقراطية لتحقيق الشورى
وليس في واقعنا الحالي مطلقا !!

لأن الآليات المستخدمة في واقعنا الحالي هي مبنية على مبادئ الديمقراطية الفاسدة وبالتالي فلها نفس الحكم
إذ للوسائل أحكام المقاصد

بل إن هذه الآليات ما وضعت إلا لجعل مبادئ الديمقراطية واقعا في دنيا الناس وهذا هو ما تنص عليه صراحة

لذلك نعجب أشد العجب ممن يفرقون بين مبادئ الديمقراطية ووسائلها في النظام الديمقراطي !!

وهل النظام الديمقراطي إلا عبارة وسائل ؟!
فالدستور والانتخابات والاستفتاءات ما هي إلا وسائل لتحقيق الديمقراطية
وبالتالي فهي عين الديمقراطية وحامية مبادئها

لذا فالتفريق بين فلسفة الديمقراطية ووسائلها (في ظل النظام الديمقراطي) أمر غريب حقا !!
إذ هما شيء واحد ولا حدود تفصل بينهما

وإلا فما هي هذه الفلسفة على أرض الواقع ؟؟؟
ما شكلها وما لونها ؟؟؟

إنها ليست إلا هذه الوسائل

والذي يفرق بينهما كالذي يفرق بين الروح والجسد !!
أو كالذي يفرق بين الوسائل والمقاصد !!

وإنما الفرق الوحيد هو أن فلسفة الديمقراطية لا تقبل مطلقا لا في نظام ديمقراطي ولا في نظام إسلامي
أما الوسائل فيمكن الاستفادة منها في النظام الإسلامي بضوابط معينة يحددها أهل العلم



هل يمكن تطبيق الشريعة على أسس مبدأ العقد الاجتماعي ؟!!

مبدأ العقد الاجتماعي الذي هو من صلب فلسفة الديمقراطية هو مبدأ طاغوتي غير إسلامي
وهذه الآليات ما قامت إلا لحماية هذا المبدأ وتفعيله وجعله واقعا
وبالتالي أخذت حكمه


ولذلك لابد من تحرير الآليات من قيد مبدأ العقد الاجتماعي
فإن تحررت منه ، فسيذهب ما بها من خبث


أما مسألة أنه يمكن أن تكون الشريعة أصلا للتشريع بناء على قاعدة العقد الاجتماعي

فهذا هو عين التلبيس والخلط بين الأمور !!
بل هو يعد من أكبر الخدع الشيطانية التي خُدع بها عوام المسلمين بل وكثير من علمائهم للأسف الشديد

لماذا ؟

لأن تحكيم الشريعة بناء على مبدأ العقد الاجتماعي
يختلف تماما عن تحكيم الشريعة بناء على مبدأ التسليم لله

فالأول شرك وكفر ، والثاني إيمان وتوحيد

وذلك لأن تحكيم الشريعة عن طريق نظرية العقد الاجتماعي يتضمن أمورا تخالف أصل التوحيد

مثل؛ أن تكون هذه التشريعات أو القوانين باسم الشعب وتحت سيطرة نوابه
وأن يكون للبرلمانات الشعبية السيادة على هذه التشريعات
بمعنى أنه يستطيع تعديلها أو إلغاءها في أي وقت شاء ، طالما توفرت الأغلبية المناسبة بحسب دستور كل دولة

وتصور هذا النوع من الأنظمة هو تصور (ديمقراطي) محض
بل وعلى على الطريقة الأوروبية
وليس تصورا إسلاميا حقيقيا

لأن السلطة التشريعية في مثل تلك دولة تكون فيها (للشعب) بالكامل

وحتى لو وجدت مواد في الدستور تتكلم عن الإسلام أو حتى عن تحكيم الشريعة فإنها تكون بإذن الشعب
وتحت حكم الشعب
وباختيار الشعب
ويكون للشعب الحق في إزالتها متى شاء
أي يكون الشعب مهيمنا عليها

وبالمناسبة، يوجد بعض من هذا في أعتى الديمقراطيات الغربية التي فيها مواد في دساتيرها تتكلم عن الديانة النصرانية بل وتمنع تولي منصب الرئيس لغير النصارى

لأن هذا لا يتنافى مع الديمقراطية وليس قيدا عليها أصلا ، طالما أن هذه المواد صدرت باسم الشعب وتحت حكمه وتصرفه وطالما أن له الحق في تعديلها متى شاء !!

كما أن الدولة في هذا النوع هي دولة أحزاب تتعاقب عليها الأحزاب الغير إسلامية مع الإسلامية
والفيصل هو للشعب


مثال ؛
الدستور المصري لسنة 71 وتعديلاته
حيث توجد فيه المادة الثانية والتي فيها : (مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)ـ

ولكن نفس الدستور يعطي لنواب مجلس الشعب الحق في تعديل هذه المادة أو إلغاءها إذا توفرت أغلبية مناسبة في مجلس الشعب وبعد موافقة الشعب في الاستفتاء على ذلك !!


أي أن الدستور ينص على أن سيادة الشعب فوق سيادة المادة الثانية !!

ويعنى ذلك أن سيادة الشعب فوق سيادة شرع الله
ولا حول ولا قوة إلا بالله

وهذا النوع من الممارسة الديمقراطية المبنية على نظرية العقد الاجتماعي مخالف لأصول الإسلام وقواعده الواضحة المبينة في القرآن والسنة

إذ كيف يكون للشعب حق في التشريع بما لم يأذن الله به !!!؟؟؟

وقد قال تعالى : **أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}ـ
ـ[ الشورى :21]ـ

وكيف يكون للشعب حق التصويت بل والاعتراض على أحكام الله !!!؟؟؟؟

والله تعالى يقول :**وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} ـ[الأحزاب 36]ـ

إلا أن وجود هذه التشريعات التي توحي في ظاهرها وكأنها تعظم الدين ، سبب لبسا عند كثير من المسلمين

ونظرا لضعف ثقافة كثير من المسلمين بحقيقة هذه النظم الديمقراطية فقد انخدعوا بهذه التشريعات

وبذلك يتضح أن هذا الأنموذج من الديمقراطية المبني على نظرية العقد الاجتماعي لا يتفق مع الإسلام في شيء


**********
**********
والله أعلى وأعلم

الشبهة الرابعة: الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (1)

تلبيس المرجئة بخصوص طاعة الأحبار والرهبان وتفسيرها بالطاعة في الاعتقاد، وقد وقعوا في عدة سقطات في هذه القضية:
· السقطة الأولى:
أن الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك ينعكسان، بمعنى: أن ما لا يتحقق الإيمان بالله ـ وهو الحق ـ إلا به لا يتحقق الإيمان بالباطل ومن ثَمَّ الكفر إلا به، وأن ما لا تتحقق عبادة الله إلا به لا تتحقق عبادة الشياطين والطواغيت والأصنام والملائكة والبشر والأحبار والرهبان والجنّ وظواهر الطبيعة إلا به. وهذه سقطة كبيرة حيث يعكس المعترض على تقرير عقيدة التوحيد في كتاب ”حد الاسلام“.
أقـول: يعكس أي قضيـة فيها خروج عن دين الله بالكفـر والشرك ـ والعياذ بالله ـ إلى ما يتحقق به الإيمان، وهذا أمر لا يصح أن يخطئ فيه صبيان الكتاتيب، لأن الإيمان لا يتحقق إلا: بالإقرار، والتصديق بخبر الله، والإلتزام بشرع الله. فلا يصح أن نقول أن الكفر لا يتحقق إلا إذا انضاف الإلتزام بالشرائع الكفرية إلى الإقرار بصحتها والتصديق بخبرها، لأن الكفر يتحقق بمجرد الشك، أو التكذيب، أو الجحد منفردًا، أو الامتناع عن القبول والرد منفردًا، وقد قال العلماء: أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يؤمن، ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك، فالأمر لا ينعكس أبدًا. فقد قرر الكاتب في اعتراضه قضية الانعكاس هذه مرارًا وهي خطأ فاحش، فوقع في نفس الخطأ عندما قاس عبادة غير الله على عبادة الله عزَّ وجلّ، وأن ما لا يتحقق الإيمان أو العبادة إلا به إذا كان لله عزَّ وجلّ لا يتحقق الكفر إلا به إذا كان لغير الله عزَّ وجلّ وهو خطأ فاحش، فالمشركون أقروا بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تهدي، وإنما يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، وسميت عبادتهم لها عبادة، فهل إذا فعل المسلم ذلك مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا تسمى عبادته له عبادة؟!.
وكما قلنا أن الأمر لا ينعكس بين الإيمان والكفر، فهو كذلك لا ينعكس بين الإسلام والشرك، فكما قال العلماء: أن من تكلم بالإيمان ولم يمض فيه عزيمة لا يكون مسلمًا، ومن تكلم بالكفر ولم يمض فيه عزيمة كفر بذلك. والمفروض على حسب قاعدة الانعكاس ألا يكفر إلا بإمضاء العزيمة فيه. وهو خطأ فَعُلِمَ بطلان هذه القاعدة. فعبادة الله عزَّ وجلّ لابد فيها من الحب والخوف والرجاء والتعظيم والطاعة، وعبادة غير الله تقع بواحد من ذلك فقط، فيكون الشرك في الحب، أو في الطاعة، أو في التعظيم، أو في صرف حق الله الخالص إلى غيره، أو في مطلق القصد.
· السقطة الثانية:
قولهم عن آية التوبة في طاعة الأحبار والرهبان: أنها تحكي عن انحراف قوم، وليست قاعدة مقررة لأصل من أصول الدين.
ونقـول: الآية في معرض التقرير لأصل الدين لأنها دخلت في جميع التفاسير في تفسير آية آل عمران: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)([1])، وهي الآية التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه بها إلى الإسلام، فهي داخلة في صلب عقيدة التوحيد، وآية آل عمران في توحيد العبادة الذي هو مستلزم لتوحيد الاعتقاد وقوله: (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا ) عطف للخاص على العام في النهي عن شرك العبادة، فآية التوبة والحديث المفسِّر لها في بيان شرك العبادة، وليس شرك الاعتقاد في طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم، وهكذا ذكرها العلماء دومًا في الاستدلال على شرك الطاعة، أو على شرك الانقياد، أو شرك العبادة المنافي لحقيقة الإسلام، وليس في بيان شرك الاعتقاد، أو فساد الاعتقاد المنافي لحقيقة الإيمان. ودائمًا حقيقة الإيمان بمعناه الخاص هي: تصديق الخبر والمُخْبِر، وحقيقة الإسلام بمعناه الخاص: قبول الحكم، والإسلام مستلزم للإيمان والإيمان مستلزم للإسلام، ومن حيث استلزام الإيمان للإسلام واستلزام الإسلام للإيمان دخل الإسلام في معنى الإيمان عند الإطلاق، فشمل معنى الإيمان تصديق الخبر وقبول الحكم، فقبول الحكم من غير الله شرك ينافي حقيقة الإسلام أي: ينافي إفراد الله عزَّ وجلّ بالطاعة والعبادة، وليس تكذيبًا ينافي حقيقة الإيمان بمعناه الخاص وهو لا ينافي حقيقة الإيمان إلا من حيث دخول حقيقة الإسلام في حقيقة الإيمان لاستلزامها إياها، وعندئذٍ يكون المعنى الشرعي للإيمان هو: إذعان لحكم المخبر وقبوله.
يقول القسطلاني عن الإيمان الذي هو ملاك الأمر كله، وبه تقبل وتصح الأعمال، وهو أول ما يجب على المكلف يقول عنه: «هو لغةً: التصديق، وهو كما قاله التفتازاني: إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله، فليس حقيقة التصديق أن تقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المُخْبِر من غير إذعان أو قبول لذلك، بل لابد فيه من الإذعان والقبول بحيث يقع عليه اسم التسليم، على ما صرَّح به الإمام الغزالي. والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان وذلك حقيقة التصديق كما سبق. قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([2])، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام فهما متحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان: تصديق القلب، ومفهوم الإسلام: أعمال الجوارح». أهـ.
فقبول حكم غير الله: ترك لحكم الله، وردّ له، وبديل عنه ورغبة عن شرع الله إلى غيره، أو عَدْله به، فإذا خوطب أحد بذلك وأُلزم به هل يرضى بذلك ويتابع عليه ولا حرج عليه في ذلك إذا كان اعتقاده صحيحًا؟! أم لابد أن يرفض ولا يقبل، وإذا عجز عن ردِّ ذلك عن نفسه للاستضعاف فهل ينشرح صدره بذلك ويركن ويستكين؟! أم هل يكره بقلبه ويعتزل من أكرهه على ذلك ولا يشايعه بالعمل؟!. فالقضية قضية القبول الذي هو معنى العبادة، والإسلام لله وحده أو لغيره معه، أو من دونه، وليست قضية الاعتقاد، وهذا هو معنى شرك العبادة، وشرك الطاعة في آية التوبة وحديث عديّ بن حاتم المفسِّر لها، فالإسلام والعبادة معناهما: قبول الأحكام والإذعان، أو كما قال القسطلاني: معناهما: الانقياد والخضوع الذي لا يتحقق إلا بقبول الأحكام. والإذعان والإسلام والعبادة لابد وأن يكون لله وحده، كما قال ابن تيمية: «من استسلم لله ولغيره فهو مشرك ومن ردَّ الاستسلام فهو مستكبر وكلاهما كافر. والإسلام لله وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده».
وإذا كان الإسلام والطاعة لابد أن يكونا لله وحده، فالقبول للأحكام والإذعان لابد وأن يكون لله وحده، فمن قبل الأحكام من غيره فهو مشرك في العبادة والإسلام، ولذلك وجب على من خوطب بأحكام بديلة عن شرع الله أن يرفض ولا يتابع على التبديل، فإذا لم يسعه رد ذلك عن نفسه للاستضعاف فليكره بقلبه ويعتزل المكرِه ولا يشايعه بالعمل، وبهذا يتحقق الرفض في أدنى درجاته وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. ومن هذا يتضح أن قول العلماء عمن أطاع في معصية، واعتقاده ثابت في التحريم والتحليل الذي جاء به الشرع أنه لا يكفر، تمييزًا له عمن أطاع في التبديل بقبول الأحكام البديلة عن شرع الله، والمعصية لا يكفر مرتكبها إلا إذا استحل بتغير الاعتقاد، أو بالامتناع عن قبول حكم الله بالتحريم، وقبول حكم غيره البديل عن حكمه امتناع عن حكمه أو عدل به وكلاهما كفرٌ والعياذ بالله بأي منها وبه يتحقق الاستحلال.
والتشريع أمر منفصل عن المعصية قد تقترن به وقد تنفصل عنه، ويكون نفس التشريع هو الممنوع حتى لو لم تقترن به معصية، فإذا كان شوب تشريع فإن اتباعه بدعة، وإذا كان تشريعًا مطلقًا فإن الإتيان به أو قبوله من الغير والرضى به والمتابعة على ذلك كفرٌ يخرج عن الملة بالشرك في العبادة والإسلام.
يقول الإمام الشاطبي ([3]): «ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى ولابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاءًا أو تخييرًا، فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقرر برهانه في كتاب ”الموافقات“ وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صحّ دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا.
وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبيّن ذلك بالأمثلة فمما أتى به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتًا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة والدِّيات المضروبة والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعدين بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلاشك لأنه شرع مستدرك وسنٌّ في التكليف مهيع، فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم. ونظر من جهة كونها اختراعًا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت، كما يؤخذون بسائر التكاليف. فاجتمع فيها نهيان: نهيٌّ عن المعصية، ونهيٌّ عن البدعة. وليس ذلك موجودًا في البدع في القسم الأول ـ العبادات ـ وإنما يوجد به النهيّ من جهة كونها تشريعًا موضوعًا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع». أهـ.
وواضح الآن أن طاعة الأحبار والرهبان أو غيرهم، قد يكون فيها وجهان وقد يكون فيها وجه واحد. وجهان من حيث هي معصية، وتشريع مطلق بديل عن شرع الله، ووجه واحد من حيث هي تشريع مطلق بديل عن شرع الله فقط، ولا يكون فيه جهة أخرى يكون بها معصية. فمن حيث هي معصية فقط فإن مرتكب المعصية لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد، أو بالامتناع عن قبول حكم الله: إما بالتحريم، أو الوجوب استحلالاً، أو إباءً من قبول الفرائض، فمن وقع في المعصية فقط ولم يقبل الشرع البديل فهذا شأنه.
وقد لا يكون فيها معصية بل يكون نفس التشريع هو نفس الممنوع، فمن هذا الوجه فإن قبول التشريع المطلق البديل عن شرع الله كفر يخرج عن الملة، وقد يقع في الوجهين فيكون للمعصية حكمها، ولقبول الشرع البديل حكمه.
·وبهذا تتبيَّن السقطة الثالثة للمرجئة في هذا الموضوع وهي: عدم قدرتهم على تمييز وصف المعصية من وصف المتابعة على التبديل إذا تداخلا في فعل واحد، وظنهم أن المتابعة على التبديل معصية لا يكفر صاحبها إلا بالاستحلال شأن سائر المعاصي، وعدم إدراكهم أنها من الشرك الذي يكفر مرتكبه. قال البخاري: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر مرتكبها إلا بالشرك.



([1]) سورة آل عمران،الآية: 64.
([2]) سورة الذاريات،الآيتان: 35-36.
([3]) الاعتصام، جـ2، ص 79-81.

([4]) سورة النور،الآيتان: 4-5.
([5]) تفسير ابن كثير، جـ3، ص 264.
([6]) الصارم المسلول، ص 459.

الشبهة الثانية: الرد على شبهة أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون مكفراً إلا بالجحود.

هذه القضية محسومة تمامًا بما ذكرته في مقدمة كتاب ”حد الإسلام“ أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون على ضربين:
أحدهما:أن يحكم بغير ما أنزل الله إلتزامًا لشرع غير شرع الله، وهو: كفر ينقل عن الملة.
الثاني:أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له مع بقاء إلتزامه بشرع الله، فهو: كفر دون كفر.
والضرب الأول محسوم تمامًا عند علماء أهل السنة المعتبرين الخارجين عن نطاق البدعة إفراطًا أو تفريطًا والملتزمين لما كان عليه رسول الله صلي الله عليه و سلم وأصحابه والقرون الثلاثة المفضلة والذين عاشوا وماتوا على توحيد الأئمة وسلف الأمة وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وهذا بيان ذلك:
يقول ابن كثير1 في بيان واضح يمثل إجماع علماء الأمة بل يمثل العلم الضروري الشائع لدي العامة من عقيدة أهل السنة، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)2، ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شرِّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جانكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيه كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه و سلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير». أهـ.
وأنقل عن كتاب ”الحد“3، نقلاً عن تحقيق الشيخ شاكر لتفسير ابن كثير: «وقد نقل الحافظ المؤلف في تاريخه أشياء من سخافات هذا الياسق ثم قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة ـ كفر ـ فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدَّمها عليه؟، من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين» .أهـ.
أما استغلال لفظ: «الجحد» للتلبيس فمردود عليه بثلاثة أمور:
أولاً: فسَّر معناه الشيخ شاكر في ”عمدة التفسير“، بأنه إهدار اعتبار الشرع جملة، كما نقلت ذلك عنه في ”حد الإسلام“، وكما شرحته هنا في بيان أوضاع الردة عن الشرائع.
ثانيًـا: هو عند ابن جرير في كل استعمالاته في تفسيره بمعنى الكفر، والكفر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ”الصارم المسلول“: يكون تكذيبًا، وجهلاً، ويكون استكبارًا، وظلمًا «بترك الانقياد» كما أوضح في كتابه. فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين.
ثالثًـا: الجحد الذي قيد به غير ابن جرير من العلماء الحكم في الآية مرادٌ به تقييد الضرب الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله، وهو النوع الذي قال عنه ابن عباس: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وهو أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له لهوى، أو جهل، أو جور مع بقاء إلتزامه بشرع الله، وليس خروجًا عن شرع الله وعدلاً عنه إلى غيره من الشرائع من الدين المبدَّل أو المنسوخ، فذلك كفر بإجماع المسلمين كما هو مذكور سلفًا.
أما تفسير قوله تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)4، فأنا نقلت فقط ما قاله المفسرون وهو موجود في كتب التفسير جميعها ما نقلته منها وما لم أنقله على نفس ما نقلت ومعناه من النص نفسه ومن تفسير المفسرين له من علماء التفسير أوضح من الشمس في رائعة النهار أنهم بإقرارهم بنبوة موسى وصدقه وصحة التوراة ووجود هذا الحكم فيها وأن هذا الحكم ـ الذي هو الرجم ـ هو حكم الله جاء به موسى من عند الله وأنه لازم لهم، ثم أعرضوا عن هذا الحكم لمصالح دنيوية اجتماعية ارتأوها ليسوا مؤمنين بموسى، وأنهم بطلب الحكم عند محمد مع تكذيبهم له ليسوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وعلى موسى وسلم، ليس لهذا النص أي تفسير خلاف ذلك، وذلك ما ذكرته نقلاً عن المفسرين.
ويقول ابن كثير في التفسير5: «ثم قال منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم قال تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)». أهـ.
ويقول النسفي في تفسير نفس الآية: «تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدَّعون الإيمان به». أهـ.
ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
«قال أبو جعفر: يعني ـ تعالى ذكره ـ: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد فيرضون بك حكمًا بينهم؟ (وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ ) التي أنزلها الله على موسى التي يقرون بها أنها الحق وأنها كتابي الذي أنزل على نبيِّي، وأن ما فيه من حكم فهو حكمي يعلمون ذلك ولا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم وهم مع علمهم بذلك يتولون. يقـول: يتركون الحكم بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي6 ـ وهذا وإن كان من الله ـ تعالى ذكره ـ خطابًا لنبيه صلي الله عليه و سلم فإنه تقريع لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية يقول لهم كيف تقرون7 أيها اليهود بحكم نبييِّ محمدٍ صلي الله عليه و سلم مع جحودكم بنبوته وتكذيبكم إياه وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ جاءكم به موسى من عند الله. يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرون بنبوته فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبييِّ محمد صلي الله عليه و سلم أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوته. ثم قال ـ تعالى ذكره ـ مخبرًا عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده وحال نظرائهم الجائرين عن حكمه الزائلين عن محجة الحق: (وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ليس من فعل هذا الفعل أي من تولى عن حكم الله الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه في خلقه بالذي صدق الله ورسوله فأقر بتوحيده ونبوة نبيه صلي الله عليه و سلم لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان». أهـ.
الأمر واضح أن هذا الحكم ـ الرجم ـ ليس مما حذفه اليهود من التوراة، وأن الجلد والتحميم ليس مما كتبه اليهود بأيديهم في التوراة ثم قالوا: هو من عند الله، وما هو من عند الله لدلالة هذه الآية أولاً، ولأنه لما رفع يده صلي الله عليه و سلم وضحت آية الرجم تلوح، وهذا الإخفاء حدث عارض ليس مناطًا يتعلق به حكم من لم يحكم بما أنزل الله أو غير ذلك من المناطات لأن الآيات أنزلت قبله لا بعده، ولأنها فيمن مضى منهم منذ أن حدث هذا التبديل.
ونوضح هنا حقيقة مهمة جدًا أن السياق القرآني المذكور في سورة المائدة أوضح ثلاث أحكـام:
الأول: حكم المسارعة في الكفر في أول السياق، وهذا منزَّل على المنافقين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وعلى اليهود للصفات المذكورة فيهم وهي: (?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)8. فاليهود المعنيون بهذا الحكم صفاتهم أنهم:
1- سمَّاعون للكذبِ عمومًا.
2- سمَّاعون لقومٍ آخرين يحرِّفونَ الكلمَ عن مواضعه خصوصًا. ومعنى التحريف هنا هو تسويغ الإعراض عن حكم الله مراعاة للمصالح الاجتماعية الدنيوية من خشية القتل مع قلة العدد، والمساواة في الحكم بين من يقدرون على إقامة الحد عليه ومن لا يقدرون، فاستساغوا منهم هذا التسويغ، أصغت إليه أفئدتهم ورضوه واقترفوا ما هم مقترفون كما قال الله عن غيرهم فهم مثلهم في هذا.
3- وهم مشتركون معهم في أنهم أراد اللهُ فتنتهم.
4- ولم يرد أن يطهِّرَ قلوبهم بما كسبت أيديهم ولالتواء فطرهم وما أوقعهم في ذلك كله إلا إصغاؤهم للكذب ورضاهم به.
5- وأكلهم السحت وهي الصفة الخامسة في هذ السياق.
وهذا الحكم فيه مشاركة، أوصاف وخصوصية محل، ولم يتنزل ـ على الحكم بغير ما أنزل الله ـ إعراضًا عن شرع الله وعدولاً عنه إلى غيره.
والحكم الثاني:( وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )9، للإعراض عن حكم الله الذي يعتقدون صحته، وطلبهم الحكم عند من يكذبون نبوته ولا يعتقدون في وجوب أحكامه عليهم ولزومها لهم، والحكم للإعراض عن شرع الله والعدول عنه إلى غيره، ولكن فيه خصوصية محل.
الحكـم الثالث:( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )10،المناط هنا لا علاقة له:
بالتحريف، ولا بسماع الكذب، ولا بأكل السحت، والبعد عن التطهر، ولا بفتنة القلوب.
فقد تجرد عن هذه الأوصاف تمامًا، كما تجرد عن خصوصية المحل، والحكم: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا يتنزل هنا إلا على من يتصف بهذا الوصف: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ ).
إذن: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا علاقة لها بالتحريف، ولا بالإخفاء، ولا بالجحد، ولا الكتمان، ولا بوضع الإصبع، ولا بأي شيء من ذلك، واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل.




[1] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 67.
[2] سورة المائدة،الآية: 50.
[3] كتاب حد الإسلام وحقيقة الإيمان، ص 411.
[4] سورة المائدة،الآية: 43.
[5] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 60.
[6]واضح جدًا أن الخلل راجع إلى فساد القوة العملية، وليس القوة العلمية.
[7]ترضون بطلبه أيها اليهود.
[8] سورة المائدة،الآيتان: 41-42.
[9] سورة المائدة،الآية: 43.
[10] سورة المائدة،الآية: 44.

الشبهة الثالثة: الرد على ما أوردوه من الشبه فى مانعي الزكاة

أولاً: عقيدة أهل السنة في الإيمان أنه: تصديق الخبر جملة وعلى الغيب وقبول الحكم جملة وعلى الغيب. والكفر عندهم: بتكذيب الخبر، أو رد الأمر لا فرق في ذلك بين السلف والخلف إلا اختلافات لفظية، والمعنى واحد متفق لا اختلاف فيه.
فعند طائفة السلف: تصديق الرسل فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا، وهما التوحيدان الخبري العلمي المعرفي، والإرادي القصدي الطلبي.
وعند فقهاء المرجئة الإيمان: إقرار، وتصديق مع شرائط الإيمان، الإقرار: خبري إلتزامي فلو قال: أصدقه ولا أطيعه لا يكون مسلمًا، ولو قال أطيعه ولا أصدقه لا يكون مسلمًا حتى يطيعه ويصدقه جميعًا، والتصديق: لابد فيه من أعمال القلوب، ليس تصديقًا قوليًا خاليًا من الانقياد، أما شرائط الإيمان فمعناها: الخلو من النواقض المكفرة.
وعند أشاعرة السنة كما حكى القسطلاني في ”تفسير البخاري“، باب ”الإيمان“، عن الغزالي والإيجي والتفتازاني: هو إذعان لحكم المخبر وقبوله.
وعند كرامية السنة: هو الإقرار مع الخلو من النواقض المكفرة، أن تقول: أسلمتُ وتخليت.
فقضية قبول الحكم ضمن التوحيد الإرادي القصدى الطلبي عند السلف، وضمن الإقرار والخلو من النواقض المكفرة عند فقهاء المرجئة، وضمن التصديق عند الأشاعرة، وضمن الخلو من النواقض المكفرة عند كرامية السنة. وعليه فإن الإباء من قبول الفرائض إسقاطًا للوجوب وهو فعل مانعي الزكاة أيام أبي بكر الصديق رضى الله عنه، كفرٌ عند جميع طوائف أهل السنة، ومانعها بغيًا على الإمام أو بخلاً بها ليس كفرًا عند الجميع، وقد أوضحت هذا بجلاء في كتاب”حد الإسلام“، فإذا قال بعض علماء الخلف: أنهم دخلوا في وصف المرتدين بالتغليب وليسوا كفارًا على الحقيقة فهو يكون مخطئًا في تحقيق المناط، وليس في الحكم، لأن حقيقة فعلهم الذي قاتلهم عليه أبو بكر هو إسقاط الوجوب، ومظاهرة حركة الردة عامة، والتقوِّي بها على الخروج أو التربص بين الفريقين، أو الخروج على هؤلاء وهؤلاء نزعًا للولاء من المؤمنين في وقت هم أشد ما يكونون حاجة إليه. فقد كفروا بأمرين: بالمروق من الدين، ومفارقة جماعة المسلمين. وانطبق عليهم وصف التارك لدينه المفارق للجماعة، وهو أحد الثلاثة الذين تباح دماؤهم حسب نص الحديث.
ثانيًـا: هذا ما ذكره البخاري في شأنهم، والبخاري أحد الاثنى عشر الفحول الذين انتهى إليهم علم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وكانت الأئمة بعد النبيّ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأي أبو بكر قتال من منع الزكاة. فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: واللهِ لأقاتلن مَنْ فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تابعه عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتلوه». أهـ.
مع هذا الوضوح من المتقدمين، كيف بالله يقال مع هذا أنهم ليسوا كفارًا، وإنما دخلوا في وصف الردة بالتغليب؟؟!! هذا الذي لا يُقبل ممن قاله من الخلف كائنًا من كان، وكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.
ثالثًـا: هذا ما أورده الطبري([1]) في حقهم في تفسيره بالرواية نقلاً عن السلف الصالحين يقول: «حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) إلى قـوله (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)([2])، أنزل اللهُ هذه الآية وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض اللهُ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس ـ قالوا: نصلي([3]) ولا نزكي ـ واللهِ لا تغصب أموالنا فَكُلِّمَ أبو بكر في ذلك، فقيل له: أنهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها. فقال: لا والله لا أفرِّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالاً مما فرضَ اللهُ ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث اللهُ عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء، فأتته وفود العرب فخيَّرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية وكانت أهون عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال».أهـ.
رابعًـا: وافق عمر أبا بكر على قتال مانعي الزكاة على كونهم مرتدين، تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، وكذلك كل الصحابة وافقوا أبا بكر على هذا.
وفي صلح مانعي الزكاة بعد إسلامهم فهذه هي حقيقة الأمر فيه:
جاء في مختصر السيرة([4]): «وحدث يزيد بن أبي شريك الفزاري عن أبيه قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبي بكر وافدًا حين فرغ خالد منهم. فقال أبو بكر: اختاروا بين خصلتين حرب مجلية أو سلم مخزية. فقال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن تردُّوا علينا ما أخذتم منا ولا نردَّ عليكم ما أخذنا منكم، وأن تدوا قتلانا كل قتيل مائة بعير منها أربعون في بطونها أولادها، ولا ندي قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع وتلحقون بأذناب الإبل حتى يُري اللهُ خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم، أو يرى منكم إقبالاً لما خرجتم منه. فقال خارجة: نعم يا خليفة رسول الله. فقال أبو بكر: عليكم عهد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلمون أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله في أموالكم. قالوا: نعم. قال عمر: يا خليفة رسول الله كل ما قلت كما قلت، إلا أن يَدوا من قُتل منا فإنهم قومٌ قتلوا في سبيل الله، فتتابع الناس على قول عمر فقبض أبو بكر كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى رأى عمر أن الإسلام قد ضرب بجرانه فدفعه إلى أهله وإلى ورثة من مات منهم».أهـ.
فلما شرح اللهُ صدر عمر لرأي أبي بكر في قتالهم على الردة، ووافق عمر رأي أبي بكر في الحرب المجلية والسلم المخزية، ووافق أبو بكر رأي عمر في رفع الدية عنهم لقتلى المسلمين، ولما أسلموا وحسن إسلامهم واستقر الإسلام في الجزيرة ردّ إليهم عمر ما في يديه من أموالهم، ولو عاش أبو بكر لربما فعل ذلك لارتباط الحكم بمناطه ومراعاة لنفس المقاصد الشرعية. ولم يحدث خلافًا في حروب الردة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا في شأن أهل ديار أزد عمان، لما نزلوا لحذيفة على الصلح على السلم المخزية كان يحب ألا يقتلوا ولا يسبوا، لأن هذا هو الشأن في الحرب المجلية وهم قد اختاروا السلم المخزية، فوجب أن يعاملوا بمقتضاها، وكان رأي أبي بكر ألا يقبل توبتهم لإبائهم التوبة قبل ذلك لمّا دعاهم إليها حذيفة وجعلوا يرتجزون:
لقد أتانا خبر ردي أمست قريش كلها نبي ظلم لعمر الله عبقري.
وكان عمر رضى الله عنه يتحامل بعض الشيء على خالد، وأبو بكر يدافع عنه، وكان خالد أهلاً لذلك. وفي شأن مالك بن نويرة لم يعجب الأنصار وربما عمر أيضًا أن يقتل قومه وقد أظهروا الإسلام، وكان خالدًا يعرف سلفًا أن هذا موقف مدبَّر منهم فلم يمنعه ذلك من قتلهم، هذا واللهُ أعلم على سبيل التحديد في حروب الردة وهي أمور تفصيلية لا تتعلق بصلب القضية التي نتكلم عنها واللهُ أعلم وأعزُّ وأجلُّ وأحكم، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
خامسًا: جاء في كتاب ”تبرئة الشيخين“ لابن سحمان عن موضوع مانعي الزكاة: يقول الشيخ ابن سحمان رضى الله عنه بعد ذكر كلام شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير الصحابة لمانعي الزكاة دونما تفرقة بين المقر والجاحد على مجرد المنع، واعتراض المعترض عليه بقول ابن حجر والقاضي عياض. يقول الشيخ سحمان:
فالجواب: أن نقول ما نقله هذا المعترض عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ ثابت عنه لكنه أسقط من كلام الشيخ قوله في مانعي الزكاة: فَكُفْرُ هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وهذا يهدم أصله فلذلك حذفه. وما نقله الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ونوَّر ضريحه ـ معروف مشهور عنه لا يستريب فيه عارف وهو الحق الصواب الذي ندين الله به كما هو معروف في السير والتواريخ وغيرها، ولا عبرة بقول هذا المعترض وتشكيكه في هذا النقل فيما لا شك فيه فإن عدم معرفته بإجماع العلماء على قتل المختار بن أبي عبيد وكذلك دعواه أن الإجماع لم ينعقد على قتل الجعد بن درهم وقد ذكر ذلك ابن قيم الجوزية في ”الكافية الشافية“ عن كلام أهل السنة وأنهم شكروه([5]) على هذا الصنيع ثم لم يكتف بتلك الخرافات حتى عمد إلى ما هو معلوم مشهور في السير والتواريخ وغيرها من كتب أهل العلم من إجماع الصحابة رضى الله عنهم على تكفير أهل الردة وقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم وإحراق بعضهم بالنار والشهادة على قتلاهم بالنار، وأنهم لم يفرقوا بين الجاحد والمقر بل سموهم كلهم أهل الردة لأجل أن القاضي عياض ومن بعده ممن خالف الصحابة وحكم بمفهومه ورأيه مما يعلم أهل العلم من المحققين الذين لهم قدمَ صدقٍ في العالمين أن هذا تحكم بالرأي، فإن من أمعن النظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى علم وتبين صحة ما قاله، وموافقته لصريح كلام الصحابة وإجماعهم، فإن الشهادة على قتلاهم بالنار واستباحة أموالهم وسبي ذراريهم من أوضح الواضحات على ارتدادهم مع ما ثبت من تسميتهم أهل الردة جميعًا، ولم يسيروا مع مانعي الزكاة بخلاف سيرتهم مع بني حنيفة وطليحة الأسدي وغيره من أهل الردة، ولم يفرقوا بينهم، ومن نقل ذلك عنهم فقد كذب عليهم وافترى.
ودعوى أن أبا بكر رضى الله عنه لم يقل بكفر من منع الزكاة وأنهم بمنعهم إياها لم يرتدوا عن الإسلام دعوى مجردة، فأين الحكم بالشهادة على أن قتلاهم في النار هل ذلك إلا لأجل ارتدادهم عن الإسلام بمنع الزكاة؟!، ولو كان الصحابة رضى الله عنهم لا يرون أن ذلك ردة وكفرًا بعد الإسلام لما سَبَوْا ذراريهم وغنموا أموالهم، ولساروا فيهم بحكم البغاة الذين لا تسبى ذراريهم وأموالهم ولم يجهزوا على جريحهم، وقد كان الصحابة رضى الله عنهم أخشى لله وأتقى من أن يصنعوا هذا الصنيع بمسلم ممن لا يحل سبي ذراريهم وأخذ أموالهم، وهل هذا إلا غاية الطعن على الصحابة وتسفيه رأيهم وما أجمعوا عليه؟!، وتعليله بأنه لو كان يرى أنهم كفَّار لم يطالبهم بالزكاة بل يطالبهم بالإيمان والرجوع تعليل لا دليل عليه، فإنهم لم يكفروا ويرتدوا بترك الإيمان بالله ورسوله وسائر أركان الإسلام وشرائعه فيطالبهم بالرجوع إلى ذلك، وإنما كان ارتدادهم بمنع الزكاة وأدائها والقتال على ذلك، فيطالبهم بأداء ما منعوه وأركان الإسلام، فلما لم ينقادوا لذلك وقاتلوا كان هذا سبب ردتهم، وعمر أجل قدرًا ومعرفةً وعلمًا من أن يعارض أبا بكر أو يقره على خلاف الحق، فإنه لما ناظره أبو بكر وأخبره أن الزكاة حق المال قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وأما دعواه أن أبا بكر دعاهم إلى الرجوع فلما أصرُّوا قاتلهم ولم يكفِّرهم، فدعوى مجردة وتحكم بلا علم. فأين إدخالهم في أهل الردة وسبي نسائهم وذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار لولا كفرهم وارتدادهم، فإنهم لو كانوا مسلمين عندهم لما ساروا فيهم سيرة أهل الردة بل كان يمكنهم أن يسيروا فيهم سيرتهم في أهل البغي والخروج عن الطاعة. وأما اختلافهم بعد ذلك ودعواهم أن الصحابة اختلفوا فيهم بعد الغلبة عليهم هل تقسم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار، أو لا تقسم أموالهم ولا تسبى ذراريهم كالبغاة، فذهب أبو بكررضى الله عنه إلى الأول، وذهب عمر رضى الله عنه إلى الثاني. فلو كان هذا ثابتًا صحيحًا عن الصحابة رضى الله عنهم لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وأنهم سمُّوهم أهل الردة.
وشيخ الإسلام رحمه اللهُ من أعلم الناس بأحوال الصحابة وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره وإليه المنتهى في ذلك، وبعد أن يذكر ما قاله الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية في معجم شيوخه وما قاله عنه ابن الوردي في تاريخه وهو أقل ما يقال في حق الإمام ابن تيمية. يقول: وإذا كانت هذه حاله عند أهل العلم بالحديث والجرح والتعديل. وأنه كان إليه المنتهى في هذه الحقائق علمًا وعملاً ومعرفةً وإتقانًا وحفظًا، وقد جزم بإجماع الصحابة فيما نقله عنهم في أهل الردة، تبيّن لك أنه لم يكن بين الصحابة خلاف قبل موت أبي بكر رضى الله عنه، ولم يعرف له مخالف منهم بعد أن ناظرهم ورجعوا إلى قوله، ولو ثبت خلافهم قبل موت أبي بكر وبعد الغلبة على أهل الردة كما زعم ذلك من زعم لذكر ذلك شيخ الإسلام، ولم يجزم بإجماعهم على كفر مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وقد اختلفوا، هذا ما لا يكون أبدًا. وسيأتي كلامه في ”المنهاج“ قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما أرجع عمر إلى من كان سباهم أبو بكر أموالهم وذراريهم بعد أن أسلموا، ورجعوا إلى ما خرجوا عنه تطييبًا لقلوبهم، ورأيًا رآه، ولم يكن ذلك إبطالاً لما أجمع عليه الصحابة قبل ذلك، كما أرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن ذراريهم لما أسلموا تطييبًا لقلوبهم. والمقصود أن ما ذكره هذا المعترض من عدم الإجماع لا يصح وأن ذلك إن كان صدر من عمر رضي الله عنه فهو رأي رآه بعد أن دخلوا في الإسلام.
أما قول ابن حجر: أن تسمية هؤلاء أهل الردة تغليبًا مع الصنفين الأولين وإلا فليسوا بكفار فهذا تأويل منه، وليس بأبشع ولا أشنع مما تأولوه في الصفات، فكيف لا يتأولون ما صدر عن الصحابة مما يخالف آراءهم وتخيله عقولهم؟، وقد بيَّنا ما في ذلك من الوهن والغلط على الصحابة لمجرد ما فهموه ورأوا أنه الحق، وإذا ثبت الإجماع عن الصحابة بنقل الثقاة فلا عبرة بمن خالفهم وادعى الإجماع على ما فهمه وليس ما نقله عنهم بلفظ صريح، ولم يخالف الشيخ محمد رحمه الله ما في البخاري وإنما ذكر ذلك عياض من عند نفسه لمجرد مفهومه من الحديث، والمخالف له ينازعه في هذا الفهم، وما نقله الشيخ محمد عن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن مخالفًا لما في الصحيحين، بل كان موافقًا لهما، وقد ثبت إجماع الصحابة كما ذكر ذلك العلماء في السير والتواريخ.
ثم يقـول([6]): ونذكر هنـا أيضًا ما ذكره شيـخ الإسـلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ـ في ”منهاج السنة“، على قول الرافضي([7])، الخلاف السادس في قتال مانعي الزكاة: قاتلهم أبو بكر واجتهد عمر أيام خلافته فردَّ السبايا والأموال إليهم وأطلق المحبوسين. فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين، فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم بعد أن راجعه عمر في ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفةَ رسولِ الله كيف تقاتل الناس وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أمرتُ أن أقاتِلَ النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول اللهُ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، فقال أبو بكر: ألم يقل: إلا بحقها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقها، واللهِ لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فواللهِ ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وفي الصحيحين تصديق فهم أبي بكر عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسولُ اللهِ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة وكذلك سائر الصحابة.
إلى أن يقول: ولكن من الناس من يقول سبى أبو بكر نساءهم وذراريهم وعمر أعاد ذلك عليهم. وهذا إذا وقع ليس فيه بيان اختلافهما فإنه قد يكون عمر كان موافقًا على جواز سبيهم لكن رد إليهم سبيهم، كما ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هوازن سبيهم بعد أن قسمه بين المسلمين فمن طابت نفسه بالرد وإلا عوضه من عنده لما أتي أهلهم مسلمين فطلبوا رد ذلك إليهم. وأهل الردة قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لا يمكنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يتركون يتبعون أذناب البقر حتى يُرِي الله خليفة رسوله والمؤمنين حسن إسلامهم، فلما تبيَّن لعمر حسن إسلامهم رد ذلك إليهم لأنه جائز. أهـ.
فتبيَّن بما ذكره شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على قتالهم وأنهم سمُّوهم كلهم أهل الردة، وأنه لم يكن بين عمر وبين أبي بكر خلاف بعد رجوع عمر إلى موافقة أبي بكر مع سائر الصحابة، وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يخالف ما في الصحيحين كما زعم هذا المعترض الجاهل واللهُ أعلم. انتهى.

([1]) تفسير الطبري، جـ4، ص 622.
([2]) سورة المائدة،الآية: 45.
([3]) هذا وجه ردتهم حسب السياق.
([4]) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، جـ1، ص 205.
([5]) يعني خالد القسري.
([6]) الشيخ ابن سحمان، تبرئة الشيخين، ص 172.
([7]) منهاج السنة، جـ3، ص 231-232.
([1]) سورة النور،الآيتان: 4-5.
([2]) تفسير ابن كثير، جـ3، ص 264.
([3]) الصارم المسلول، ص 459.

الشبهة الأولى: الرد على شبهة أن القوانين الوضعية ليست رداً لأمر الله عليه (1)

· أولاً: يقول بعض الملبسين والمضللين: حقًا إن الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف، ولا تقبل ولا تصح الأعمال إلا به، لابد فيه من تصديق الخبر مع قبول الحكم، وأن الكفر يأتي من تكذيب الخبر، أو رد الأمر. إلى هنا والكلام حقّ ولكن الباطل الذي يتلبس به هو: أن هذه القوانين الوضعية ليست ردًّا لأمر الله عليه. فماذا تكون إذن؟! نزعوا عن الحكم مناطه، فعلى أي شيء يتنزل؟؟ ويستدلون ببيان العلماء؟؟ أيُ علماء؟! وأيُ بيان؟! ـ أفلا يتوبون إلى اللهِ ويستغفرونه ـ غرَّهم حلم اللهِ عليهم فمضوا في غيِّهم يعمهون، وهو استدراج لهم من الله لو يفقهون، ليشهدوا على أنفسهم بالضلال والتلبيس، وليستزلهم الشيطانُ بما كسبوا نعوذُ بالله من الفتنة.
ونقـول: الانحراف عن شرع اللهِ له خمس دركات متفاوتة في الفحش وهي:
1- إهدار اعتبار الشرع جملة بإبطال حكم الشرع وتقديم القانون عليه.
2- تبديل الشرائع باستبدال الدين المحكم بالدين المنسوخ، أو المبدل في بعض الشرائع دون بعضها الآخر، وهو كقول اليهود في استبدال الرجم بالجلد والتحميم، فقالوا: نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم مع بقاء التزامهم بغيره من الأحكام، وهو من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض كاستحلالهم القتل وتحريمهم السبي لبني إسرائيل مع وجوب الفداء.
3- الردة عن الشرائع وهي الإباء من قبول الفرائض، واستحلال المحرمات، وهذه الدركات الثلاث كفر صريح مخرج عن الملة، أفحشها الأول، ويليه في الفحش الثاني، ثم الثالث.
أما الرابع والخامس فهما:
4- الامتناع عن الشرائع من غير التزام بغيرها أو تبديل لها أو ردة عنها.
5- الحكم بغير ما أنزل اللهُ ولو في جزئية واحدة في بعض ما يَرِد عليه ميلاً مع الهوى بسبب الجهل والجور، مع بقاء التزامه بالشرع جملة وتفصيلاً لا يخرج عنه.
يقول تعالى: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)([1]).
وهاتان الدركتان داخل نطاق الإسلام، وإن كانت الأولى تكاد أن تخرج صاحبها عن الإسلام وهي مفضية إلى ذلك مؤدية إليه إذا تمادى فيها ولم يجد من يردعه عن غيِّه بالسيف ويقوِّم اعوجاجه. والثانية متفاوتة لا يخلو منها أحد إلا من شاء الله.
وبعد هذا البيان أقـول:
إن هذه القوانين الوضعية، والأنظمة العلمانية التي تقوم عليها هذه القوانين، وأنظمة الحكم والقائمين بها التي تساندها وتفرضها وتذبُّ عنها وتقاتل دونها راجعة بجملتها إلى أحط دركات الكفر وهي: إهدار اعتبار الشرع جملة، بإبطال حكم الشرع وتقديم القانون عليه وإليكم بيان ذلك:
جاء في كتاب ”نظرية القانون“:
القانون في ميلاده: المصادر المادية: يقصد بالمصادر المادية تلك التي تغترف منها مادة القانون وهذه المصادر متعددة متنوعة، فقد تأتي إلينا مادة القانون من حاجات الأمة كما هي الحال الغالب، ومثال ذلك: ما اقتضته ظروف بلدنا من وجوب تحديد الملكية الزراعية بمائتي فدان للشخص الواحد فمادة القاعدة القانونية التي نصت على هذا الحكم مستقاة من صميم حاجات وطننا. وقد تستمد مادة القانون من السوابق التاريخية التي مرت بها الأمة، أو مرت بها أمة أجنبية، ويسمى هذا النوع من المصادر بالمصادر التاريخية، وقد استمد قانوننا المصري أغلب أحكامه من القانون الفرنسي والقليل من الشريعة الإسلامية، وعلى ذلك يعتبر القانون الفرنسي والشريعة الإسلامية مصدرين تاريخيين لقانوننا بالنسبة للأحكام التي استقاها من كل منهما. وقد يستمد المشرع مادة القانون من استقرار المحاكم على أمر معين، وهنا يكون المصدر المادي هو القضاء، والأمثلة على ذلك كثيرة في قانوننا المدني الجديد حيث أُخذ بكثير من الآراء التي استقرت عليها محاكمنا في ظل القانون القديم. وقد يستمد القانون في النهاية مادته من آراء الفقهاء ”فقهاء القانون“، التي يوردونها في مؤلفاتهم وهنا يكون الفقه هو المصدر المادي.
وخلاصـة هذا: أن المصادر المادية وهي التي تغترف منها مادة القانون متعددة ومتنوعة ولا تفيد هذه المصادر في معرفة ما إذا كانت هناك قاعدة قانونية أم لا، لأن القاعدة لا تعتبر قانونية إلا إذا توافر لها عنصر الإلزام الذي يضفيه عليها المصدر الرسمي.
المصادر الرسمية: المقصود بالمصادر الرسمية تلك التي يستمد منها القانون إلزامه وبالتالي سطوته وسلطانه. والمصدر الرسمي وحده هو الذي ينتهي به خلق القانون إذ لو توافرت بالنسبة لقاعدة معينة مادتها دون أن يضفي عليها إلزامها لوُجِدنَا أمام مادة بلا روح، ولوُجِدنَا بالتالي أمام العدم فلمعرفة ما إذا كان هناك قاعدة قانونية أم لا. لا يحق لنا أن نستشير إلا المصادر الرسمية. أما المصادر المادية فلا نرجع إليها إلا أن يثبت لنا أن أحد المصادر الرسمية قد خلق لنا قاعدة من قواعد القانون وتكون الغاية من الرجوع إلى المصادر المادية في هذه الحالة هو مجرد تحديد معنى تلك القاعدة القانونية.
والمصادر الرسمية لقانوننا المصري هي: التشريع، العرف، مبادئ الشريعة الإسلامية، مبادئ القانون الطبيعي، وقواعد العدالة. وليست هذه المصادر على درجة واحدة من الأهمية، فالتشريع هو المصدر الأساسي السابق في أهميته في حين أن المصادر الأخرى لا تعدو أن تكون مصادر قانونية احتياطية لا يُلجأ إليها إلا إذا سكت التشريع عن حكم النزاع ولا يوجد ثمة ما يمنع من أن تتطور القاعدة القانونية بالنسبة إلى مصدرها الرسمي فقد توجد هناك قاعدة قانونية مصدرها العرف ثم تصير بعد ذلك قاعدة قانونية مصدرها التشريع، وهنالك يستحيل العرف إلى مصدر مادي للقاعدة القانونية بعد أن كان مصدرًا رسميًا لها، مثال ذلك ما جرى عليه العرف في ظل القانون المدني القديم من أن لقب الشخص يلحق أولاده فقد تضمن التشريع هذه القاعدة حيث نصت عليها ”المادة 38“، من قانوننا المدني الجديد، وتغيير المصدر الرسمي للقاعدة القانونية لا يؤثر في ذات إلزامها وإنما يؤثر في درجة هذا الإلزام. فالقاعدة العرفية التي تصبح تشريعًا هي في الحالتين ملزمة ولكن انتقالها إلى رحاب التشريع يجعلها ملزمة من الدرجة الأولى في حين أنها كانت وهي عرفية ملزمة بالدرجة الثانية، وهذه المصادر الرسمية وهي: التشريع، والعرف، ومبادئ الشريعة، ومبادئ القانون الطبيعي مصادر عامة على اعتبار أنها تخلق القاعدة القانونية دون أن تتقيد بدائرة محددة، ويوجد إلى جانب هذه المصادر العامة مصدر خاص بدائرة محدودة من العلاقات القانونية وهي متعلقة بالأحوال الشخصية بالنسبة للمصريين هذا المصدر الخاص هو الدين. فالدين مصدر من مصادر القانون في نطاق محدود وهو نطاق الأحوال الشخصية.
ثم يتكلم عن المصادر الرسمية فيقول:
التشريع:وهو المصدر الرسمي الغالب للقانون في عصرنا الحاضر، ويقصد بالتشريع باعتباره مصدرًا للقانون: سن القواعد القانونية بواسطة السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك. يشغل التشريع الآن بالنسبة إلى مصادر القانون مكان الصدارة، فالأغلبية الساحقة من القواعد القانونية ترجع في مصدرها إليه، إذ قد تقلص ظل المصادر الأخرى وعلى رأسها العرف إلى درجة أن أصبحت أهميتها بالغة التفاهة([2]) واقتصر دورها على أن تسد النقص في التشريع في الأحوال القليلة النادرة التي سكت فيها التشريع عن حكم النزاع المعروض أمام القاضي وليس هذا حال مصر وحدها بل أيضًا حال كل الدول الأخرى الراقية.
جاء في هذا الكتاب عن الشريعة أيضًا أنه إذا انفصلت قاعدة من قواعد الشريعة عن الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي لها ارتقت ـ كما يقولون ـ من الدرجة الثالثة ”الأدنى“ إلى الدرجة الأولى ”الأرقى“ من الإلزام وذلك لانتقالها إلى التشريع كمصدر رسمي لها واستحالة الشريعة إلى مجرد مصدر مادي تاريخي لها.
فيقول تحت عنوان ”أنواع التشريع“: يوجد في القمة التشريع الدستوري ويسمى أحيانًا بالتشريع الأساسي، ويلي التشريع الدستوري التشريع العادي أو ما يُسمى بالتشريع الرئيسي وهو الذي يصدر من السلطة التشريعية العادية أي تلك التي يكل إليها الدستور أمر سن القوانين، التشريع الفرعي وهو الذي تباشره السلطة التنفيذية ويشمل اللوائح، القرارات، المراسيم، ويترتب على تدرج هذه الأنواع الثلاثة في الأهمية أنه لا يصح للتشريع الأدنى مرتبة أن يخالف التشريع الذي يعلوه، فلا يصح أن يخالف التشريع العادي تشريعًا دستوريًا، ولا يسوغ للتشريع الفرعي أن يخالف التشريع العادي ولا التشريع الدستوري ويشمل التشريع الفرعي:
1- وضع اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعطيل لها أو تعديل.
2- اللوائح والقرارات التفويضية.
3- لوائح البوليس، لوائح تنظيم المرور، وتلك التي تنظم سير المحلات المقلقة للراحة والخطرة والمضرة بالصحة وقوانين الأغذية والباعة المتجولين... إلخ.
وضع المصادر الأخرى: ( العرف، مبادئ الشريعة الإسلامية، قوانين العدالة ) بالنسبة إلى التشريع يقول: وعلى القاضي إذا ما عرض عليه نزاع معين تحتم عليه في سبيل فضِّه أن يبحث في نصوص التشريع فإذا وجد من بينها نصًا يسري بلفظه أو بروحه على الحالة المعروضة عليه إلتزم تطبيقه، وما كان له أن يلجأ إلى مصادر القانون الأخرى. أما إذا وجد أن التشريع لا يتضمن حكمًا للنزاع المعروض عليه هنا ـ وهنا فقط ـ يجب عليه أن يبحث في مصادر القانون الأخرى وفق الترتيب الذي تحدده الفقرة الثانية من المادة الأولى، وإن وجد نص تشريعي لكنه غامض أو مبهم فلا يسوغ الانتقال منه مباشرة إلى المصادر الأخرى الاحتياطية بحجة غموض في النص التشريعي. وإنما يتحتم أولاً أن يفسر هذا النص ليعرف معناه، فإذا أدى بنا هذا التفسير إلى أن النص ينطبق على النزاع بألفاظه أو روحه تحتم تطبيقه، وامتنع الانتقال إلى المصادر الأخرى غير التشريعية. أما إذا أدى بنا تفسير النص إلى أنه لا يحكم الحالة المعروضة وجب القول بأن التشريع ساكت عن حكم النزاع ويتحتم الانتقال إلى غيره من المصادر.
العـرف: يلي التشريع في المرتبة، وهو مصدر احتياطي له بمعنى أنه يجب على القاضي ألا يطبق العرف إلا إذا افتقد النص التشريعي، فالقاضي إذا عرض عليه النزاع لزمه أولاً أن يبحث في التشريع، فإن وجد في التشريع نصًا ينطبق على هذا النزاع في لفظه أو في فحواه تحتم عليه أن يطبقه وامتنع عليه أن يتجاوز التشريع إلى العرف، أما إذا لم يجد القاضي لحكم النزاع المعروض عليه نصًا في التشريع وجب عليه أن يلجأ إلى العرف مباشرة وامتنع عليه أن يلجأ إلى المصدرين الآخرين وهما مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الطبيعي والعدالة إلا إذا سكت العرف بدوره عن حكم النزاع فالعرف مصدر احتياطي للتشريع وهو مصدر احتياطي له في المرتبة الأولى.
مبادئ الشريعة الإسلامية:لم يكن المشروع التمهيدي لقانوننا المدني يذكر مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا رسميًا ولكنه كان يعتبرها مجرد مصدر استئناسي، وفي لجنة مراجعة المشروع التمهيدي رؤى بناء على اقتراح أستاذنا السنهوري جعل مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا لقانوننا المصري يجئ بعد العرف وقبل القانون الطبيعي، وتضمنت ذلك الفقرة الثانية من المادة الأولى من المشروع التي تنص بأنه: «إذا افتقد القاضي نصًا في التشريع وحكمًا في العرف فصل في النزاع بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص القانون ـ القانون المدني ـ دون تقيد بمذهب معين فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة»، وحين عرض هذا النص على لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ حذفت منه عبارة: «الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون تقيد بمذهب معين»، لأن فكرة الملائمة مفهومة دون النص عليها إذ أن مبادئ الشريعة الإسلامية لن تطبق إلا إذا سكت التشريع تمامًا عن حكم النزاع بنصه أو بروحه ولأن عبارة: «دون تقيد بمذهب معين»، لا فائدة منها لأن الرجوع إلى المبادئ العامة للشريعة وهي واحدة لا تختلف باختلاف المذاهب فهي مصدر احتياطي في الدرجة الثانية. ويلاحظ أن ما يعتبر مصدرًا رسميًا لقانوننا هو المبادئ العامة للشريعة الإسلامية أي القواعد الأساسية التي تقوم عليها، أما الأحكام التفصيلية لتلك الشريعة فلا تعتبر مصدرًا رسميًا.
الديــن: بقي للدين أثره البالغ في قانوننا المصري إلى أن جاء محمد عليّ يحكم مصر إذ حتى هذا الوقت كانت الشريعة الإسلامية تطبق في تنظيم أمور المصريين ومن عهد محمد عليّ بدأ القانون الفرنسي يدخل مصر لاسيما فيما يتعلق منه بالتجارة والقانون الجنائي، وأخذ تأثير الشريعة الإسلامية ينكمش رويدًا رويدًا كلما أدخلت مصر قاعدة من قواعد القانون الفرنسي وانتهى الأمر في عهد إسماعيل بأن صدرت التقنينات المصرية الأولى آخذة الأغلبية من أحكامها عن القانون الفرنسي والقليل النادر منها عن الشريعة الإسلامية، وهكذا زال أثر الشريعة الإسلامية في قانوننا المصري بالنسبة إلى ما نظمته التقنينات الصادرة وقت ذاك، بيد أن هذه التقنينات لم تتناول تنظيم مسائل الأحوال الشخصية ومن ثَمَّ بقى للدين أثره فيها، ولم تتغير تقنيناتنا الحالية عن الوضع السابق شيئًا إذا استثنينا ما جاء ”بالمادة 15/2“، المجموعة المدنية من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا رسميًا احتياطيا للتشريع يأتي بعد العرف، وعلى ذلك بقى الدين مصدرًا رسميًا للقانون المصري في مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بالمصريين كلٌّ يخضع لقانون الدين والملة التي ينتمي إليها. ويلاحظ أن مسائل الأحوال الشخصية التي تخضع في تنظيمها للدين قد ضاقت دائرتها بعد أن تضمن التشريع تنظيم أمور كثيرة منها، فقد صدر قانون ينظم الميراث وآخر ينظم الوصية وثالث ينظم الهبة وفي كل هذه الأمور زال أثر الدين باعتباره مصدرًا رسميًا بالنسبة إليها وأصبح هذا المصدر هو التشريع. والتشريعات التي تنظم الأمور السابقة هي تشريعات تسري على المصريين كافة دون اعتبار بالدين الذي ينتمون إليه، وقد استُمِدَت أحكام هذه التشريعات من الشريعة الإسلامية ولذلك فتعتبر تلك الشريعة مصدرًا ماديًا في هذ المجال ويبقى من مسائل الأحوال الشخصية التي ينظمها الدين الزواج والطلاق والرضاعة والحضانة والنفقة... إلى غير ذلك من المسائل الخاصة بعلاقة الفرد بأفراد أسرته، والدين يعتبر بالنسبة إلى مسائل الأحوال الشخصية مصدرًا رسميًا أصليًا بمعنى أن القاضي يطبق مباشرة القاعدة التي يقضي بها الدين وذلك بخلاف الحال بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا رسميًا للقانون في الأحوال العادية إذ هي في هذا المجال مصدر احتياطي للتشريع يأتي في المرتبة الثانية بعد العرف.




([1]) سورة ص ،الآية: 26.
([2]) وأقـول: انظروا إلى وضع الشريعة عندهم، فهي تدخل مع العرف، وقواعد العدالة، والعرف سابق عليها في الأهمية. الثلاثة يدخلون تحت هذا الوصف كمصادر أهميتها بالغة التفاهة.

الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (3)

وقبل أن نفرغ من الموضوع لابد من تنبيهات لرفع التباسات تدخلها المرجئة على الناس لتلبس عليهم دينهم:
أولاً: لا ينبغي التلبيس بين الشريعة، أو الشرع المبدل، أو المنسوخ، وبين غيرها، فالقانون قاعدة عامة ومجردة، يصدرها ذو سلطان تسري على من تتوافر شروط سريانها فيه، ومن هنا تختلف عن السياسات، أو الخطط، أو الأوامر الإدارية، والتصرفات الشخصية، أو الجماعية في الحياة اليومية.
ثانيًـا: تنظيم المباح أموره لا تقع منفصلة ولا يصح فصل هذه الأمور عن نطاق النظام الذي تقع فيه، فالعبرة بقبول النظام العام الذي تقع هذه الأمور في نطاقه، وقبول نظام يقوم على الإقرار لغير الله بالتشريع وفصل الدين عن الدولة، وقبول نظام يقوم على أساس قبول الشرع المبدل أو المنسوخ بديلاً عن الشرع المحكم. فإذا كان هذا واقعًا أخذ حكمه وإن لم يكن واقعًا لم يأخذ حكمه، فهي لا تنفصل ولا تقع منفصلة عن نطاق النظام الذي تقع فيه.
ثالثًا: الخضوع مع الاستضعاف ليس قبولاً لشرع غير شرع الله إذا كان مع كره القلب بدلالة من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل. أكدنا ذلك مرارًا وتكرارًا، ومشايعةُ المُكرِه على التبديل مع ادعاء كره القلب دليل على عدم صدق هذا الادعاء، ولا يحدث هذا إلا ممن انشرح صدره لهذا الخضوع وركن واستنام واستكان لهذا الأمر.
رابعًـا: العمل أو الوظائف لا شأن لها بقبول شرع غير الله لأن ترك العمل لا يعني عدم الخضوع لهذه الشرائع فهو مخاطب بها وإن أغلق عليه بابه، والعبرة بكره القلب مع ترك المشايعة. والأرزاق وإن شابها الحرام فحالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ترفع الحرج ـ هكذا قال الفقهاء، وهو أمر معلوم مشهور ـ وبقاؤنا في أعمالنا دليل على إصرارنا على امتلاك مقدرات حياتنا واسترداد حقنا الشرعي في عودة الحياة إلى الأصول والتمكين لدين الله في الأرض.
خامسًـا: العقود ليست قبولاً لشرع غير شرع الله. العقود: شروط، والشروط ليست بدلاً عن شرع الله حتى تكون من الدين المبدل أو المنسوخ، وقد أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله، وإن كان مائة شرط وشرط، والمقصود أن العقد وإن كان ملزمًا لطرفيه أو أطرافه فإن ذلك مشروط بعدم مخالفته للقواعد الآمرة من النظام القانوني العام هذا في الشرائع الوضعية. ونفس الشيء في الشرع الإسلامي فالشرع يبطل أي شرط أو عقد يخالف الشرع، فأما إن لم يكن مخالفًا للشرع فهو ملزم لطرفيه أو أطرافه، وكيف يخفى هذا المعنى وهو مشروح بإسهاب في ”أعلام الموقعين“ وفي ”الموافقات“ وهو معنى مستقر في الفقه الإسلامي وواضح غاية الوضوح، والشروط الفاسدة في البيع وغيره، إمَّا أن تصح ويصحّ العقد وهذا فيما يدق ويعسر التحرز منه، أو تبطل ويصح العقد، أو يبطل الشرط والعقد معًا ولا نرى الاسترسال في بيان هذا المعنى لوضوحه.
سادسًا: قبول شرع غير الله مستلزم بالضرورة رد شرع الله، فاليهود لما استحلوا القتل رفضوا حكم الله بتحريم قتال بني إسرائيل، ولما أوجبوا الفداء قبلوا حكم الله بفك إسار بني إسرائيل وفدائهم، وقبولهم للجلد والتحميم رفض للرجم، فمَن قَبِلَ حكم الله في جزئية فقد رفض حكم غيره في هذه الجزئية، ومَن قَبِلِ حكم غير الله في جزئية فقد رفض حكم الله في هذه الجزئية، فمَن قَبِلَ حكم الله عزَّ وجلّ في بعض الجزئيات وقَبِلَ حكم غيره في جزئيات أخرى يكون قد اجتمع له قبول لبعض شرع الله ورفض للبعض الآخر، فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما وصف الله اليهود بذلك، ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج من ملة الإسلام بنص الآية.
سابعًـا: يقولون: قد يكون رد شرع الله راجعًا إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فلا حرج في ذلك. ونقـول: هذا هو موقف المنافقين من شرع الله ومن موالاة الكافرين حيث قـال الله سبحانه وتعالى عنهم في سورة النـور: (وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)([1]).
يقول البيضاوي في التفسير([2]): «نزلت في بشر المنافق، خاصم يهوديًا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: (?وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) وأطعنا لهما (ثُمَّ يَتَوَلَّى) بالامتناع عن قبـول حكمه (فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) بعد قولهم هذا (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) إشارة إلى القائلين بأسرهم ـ أو إلى الفريق المتولي منهم ـ وسلب الإيمان عنهم لتوليهم والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) أي: ليحكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهرًا أو المدعو إليه وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) وهو شرحٌ للتولي ومبالغة فيه (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ ) أي: الحكـم لا عليهـم (يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ) منقادين لعلمهم أنه يحكم لهم (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) على عادته تعالى في إتْباع ذكر المحق المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) إنكارًا للامتناع عن حكمه (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ)إن أمرتهم بالخروج من ديارهـم أو أموالهم ليخرجن (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) على الكذب (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة (وَإِنْ تُطِيعُوهُ) في حكمه تهتدوا (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وقد أدى فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم». أهـ.
هنا الإقرار بالشريعة متحقق بل متكرر والإعراض عنها للمصلحة، فكيف يقال أن الإعراض عن الشريعة إذا كان جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة فلا بأس؟؟!!
ونقـول: هل قبول شرع الله ورفض ما سواه، والدخول في ولاية الإسلام ولاية لله ورسوله والمؤمنين مسألة خاضعة لاعتبارات المصالح؟!، وهل كان هذا إلا موقف المنافقين واتهموا المؤمنين بالسفه لوقوفهم عند أمر الله وامتثالهم له معبرًا عن حسابات المصالح الدنيوية وحسابات وموازنات القوى؟!!
ويقولون: قد يكون ردَّه إلى المداراة واتقاء الفتنة. ونقول: أن الخضوع في حالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعته تغيير الحال مع كره القلب وترك المشايعة لا يسمي قبولاً لشرع غير شرع الله، بل هو درجة من درجات الرفض لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع»، وقال عبد الله بن مسعود عن حكايته في تبديل الملوك لدين المسيح: إذا حدث ذلك فيكم فليعلم اللهُ من قلبك أنَّك كارهٌ، ولكن الذي يعلن قبوله ومعايشته، أو معايشته دون قبوله لشرع غير الله في الأرض لقوة ظاهرة تساند ذلك الشرع المبدل وينشرح صدره لموقفه هذا لاطمئنانه إلى سلامته من بطش هذه القوة الظاهرة واطمئنانه على مصالحه في ركونه واستنامته واستكانته إليها فهذا موقف مداهنة وإن ادعى الإكراه ورحم الله من قال:
وثمودُ لو لم يُدْهِنوا في ربِّهم لم تَدْمَ ناقتهم بسيف قَدَارِ
ومن نسب الله عزَّ وجلَّ إليهم العَقْر ليس بسبب مشاركتهم ولكن بسبب مداهنتهم، والذي عقرها هو أشقاها. والآيات في سورة النور التي سبق ذكرها قال عنها بعض المفسرين: الإعراض من بعضهم والرضى من كلهم، فهلك الفاعل والراضي. واللهُ تعالى أعلم، وهو أعزُّ وأكرم.
ثامنًـا: وقالوا: هذا تكفير للناس بالعموم. ونقـول: القول بهذا افتراء للكذب على أهل، الحق لنصرة التلبيس، والإرجاء، والبدعة، والتفريط، وكتمان الحق، وتضليل الناس. وقد قلنا بملء الفم أنه لا تكفير بالعموم في مجتمعات المسلمين في ديارهم التي عليها أحكام الكفر، لأن التكفير بالعموم لا يأتي إلا بعد أن تتغير التبعية، وهذه المجتمعات لم تتغير تبعيتها بعلو أحكام الكفر على الديار للأسباب الآتية:
1- أمر المتبوع غير أمر التابع، أو بعبارة أدق وأصح: أمر التابع غير أمر المتبوع.
2- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم لم يتحيزوا أو يتميزوا عن غيرهم تميز الفسطاط أو تميز انتساب، والذين نجوا من ظاهرة الشرك منهم لم يتميزوا أو يتحيزوا عنهم أو باينوهم، فالناس أخلاطٌ شتى غير متمايزة أو متباينة.
3- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم غير قادرين على توريث أبنائهم ما هم عليه كنِحلة أو دين.
4- أمر الناس لا يتبين إلا بالوقوف على المقاصد والاطلاع على البواطن: «من كَرِهَ فقد برئ ومَنْ أنكَرَ فقد سَلِمَ ولكن مَنْ رَضِي وتابع» ومن ثَمَّ لا يثبت الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة بحيث يغني الاسم عن معرفة المسمى، كما نقول: بهائي أو درزي أو نصيري أو قدياني أو بهرة أو باطني أو نصراني أو يهودي. هل تحتاج حينئذ أن تسأل هل كره فبرئ أم رضي وتابع فهلك؟؟ ولكن عندما تقول مصري أو سوري أو عراقي تحتاج أن تسأل لتعرف حقيقة موقفه من علو أحكام الكفر على بلاده، وهذا هو الفرق.
وهذه الأربعة هي التي يتحدد بها بقاء تبعية الإسلام أو تغير التبعية، وبالعكس فالتبعية تتغير إلى كفر أصلي بأربعة أمور وهي:
1- تميز الانتساب أو تميز الفسطاط.
2- ثبوت وصف الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة دون حاجة إلى اطلاع على البواطن والمقاصد.
3- أن يكونوا قادرين على توريث أبنائهم ماهم عليه.
4- أن يكون أمر التابع كأمر المتبوع.
وهذا لم يحدث في هذه المجتمعات ومن ثَمَّ فتبعية الإسلام باقية، ومن ثَمَّ فإننا نثبت حكم الإسلام للوليد بتبعية أبويه أو أفضلهما دينًا، وللقيط بتبعية الدار، كما يثبت حكم الإسلام للمجنون ومجهول الحال. وهذا لا ينفي إثبات ظواهر الشرك في الحكم والولاء والنسك وفساد الاعتقادات وتفشي هذه الظواهر، ولا ينفي كون الناس أخلاطًا شتى، ولا ينفي الاستبراء للدين والعرض في هذه الظروف، وثبوت هذه الظواهر لا يلزم منه التعيين، وعدم القدرة على التعيين لا تنفي ثبوت الظاهرة.
ومن هنا قال الفقهاء عن حكم هذا الواقع عندما نَشأ في عدن والهند منذ أكثر من قرنين من الزمان قالوا عن هذه الديار: لها صفة دار الكفر وحكم دار الإسلام. حكم دار الإسلام لبقاء التبعية الإسلامية، وصفة دار الكفر لعلو أحكام الكفر على الديار. وصفة دار الكفر للدار تستلزم إسقاط شرعية الأنظمة التي فصلت الدين عن الدولة، وقيام شرعية بديلة تتمثل في جماعات العلماء، واعطائها شرعية قتال، ووجوب الاسترداد للدار لوصف الردة الطارئ، ولو تحولت لحكم الكفر الأصلي لسقط حق الاسترداد للدار مع التقادم.
وبقـول هؤلاء العلماء نقـول في مثل الواقع الذي قـالوا فيه: هذه ضوابـط الحكـم التي نلتزم بهـا.
أما بيان حقائق الشرع وإبلاغها للناس فلأمرين آخرين وهما:
· ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة، للقيام بواجب البلاغ وإنجاء الناس من الشرك والهلاك وذلك لمصلحتهم من جهتين:
الأولى: النجاة في الآخرة.
الثانية: التمكين في الدنيا.
· الأمر الآخر: وهو تصحيح المفاهيم، ورفع الالتباس؛ للأمانة العلمية لبقاء علم ينتفع به إلى يوم القيامة.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.



([1]) سورة النور،الآيات: 47-52.
([2]) تفسير البيضاوي، جـ1، ص 197.

الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (2)

· السقطة الرابعة:
عدم إدراكهم أو فهمهم لأصل الدين وعلاقة الآية به ولذلك عزلوها عنه، وأصل الدين كما سبق أن بيَّناه في كلام القسطلاني: «هو الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف، وبه تقبل وتصح الأعمال، ومعناه التصديق: الذي هو ليس نسبة الصدق إلى الخبر أو المُخْبِر فقط، بل لابد فيه من إذعان لحكم المُخْبِر وقبوله، بحيث يقع عليه اسم التسليم، كما صرَّح به الغزالي. والإسلام لغةً: الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام وذلك حقيقة التصديق قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([1])، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح». أهـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصل الدين في ”الصارم المسلول“([2]) وفي ”إقتضاء الصراط المستقيم“: «الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، أما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبرٌ وأمرٌ، فالخبر يستوجب التصديق للمخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام لله.
إلى أن يقول: فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المصدَّق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا.
فالكفر أعم من التكذيب يكون: تكذيبًا، وجهلاً، ويكون استكبارًا، وظلمًا. ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل. ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهدُ أنَّك نبيٌّ ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن مَن صدَّق الرسولَ صلى الله عليه وسلم بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان: وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله. فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد». أهـ.
ويقول([3]): «والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. إلى أن يقول: وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرَّمه، فلا حرام إلا ما حرَّم الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرَّعه اللهُ ورسولُهُ. ولهذا ذمَّ المشركين في سورة ”الأنعام“ و”الأعراف“ وغيرهما لكونهم حرَّموا ما لم يحرِّمه اللهُ، ولكونهم شرَّعوا دينًا لم يأذن به اللهُ كما في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)([4])، إلى آخر السورة. وما ذكر الله في صدر سورة ”الأعراف“ وكذلك قولـه تعالـى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه)([5]).
إلى أن يقول: كما قال عز وجل: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([6])، وكان من شركهم أنهم أحلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون)([7])، فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرَّمه اللهُ ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقِّ، والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر، وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلَّل وحرَّم فحرموا ما حرَّم اللهُ ورسوله ودانوا دين الحقِّ.
إلى أن يقول: ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص مأخوذ من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُل)([8])، فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: «لا إله إلا الله» فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك، واللهُ لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين)([9]).
إلى أن يقول: فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك قال الله تعالى في نعت اليهود: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم)([10])، وقال في النصارى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([11]).
إلى أن يقول: ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنَّا معاشر الأنبياء ديننا واحدٌ»، و«الأنبياء أخوة لعلات»، فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث اللهُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة ويحرم استقبال الصخرة، فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته. ولهذا شرع اللهُ لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع لنا الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة وحرم الاجتماع يوم السبت، فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا». انتهى بتصرف يسير.
فالأمر كما سبق أن قلنا أنه لا يسع أحدًا الخروج عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين المنسوخ أو المبدل أو إلى الشريعة المنسوخة أو المبدلة، فلا يسع أحدًا الخروج عن الكعبة إلى الصخرة، ولا عن الجمعة إلى السبت فيما يعبد به الله عزَّ وجلّ ، ولا يسع أحدًا الخروج عن قطع يد السارق إلى عقوبة أخرى، أو عن رجم الزاني المحصن إلى الجلد والتحميم، أو إلى اعتبار الزنا ليس جريمة إلا إذا كان إغـواءً لقاصر أو اغتصابًا أو إتجارًا ـ دعارة ـ أو خيانة زوجية ووراء ذلك يكون مباحًا لا جريمة فيه ولا عقوبة عليه فمن خرج عن هذا إلى هذا كفر. والخروج الأول فردي فيما يعبد به الله وهو عيني، والخروج الآخر جماعي فيما يقيم القسط بين الناس. وكلا الأمرين خروج كما فعل اليهود عندما قالوا: تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا فاجتمعوا على الجلد والتحميم، فمن خوطب بذلك ممن لهم الأمر والنهي عليه فقبل ذلك منهم وتابع عليه ورضي به فهو منهم وإن لم يحضر اتفاقهم، ومن دخل في اتفاقهم فهو منهم من باب أولى. ومن خوطب بذلك فكـرهه ولم يرضـه وإن خضـع له بحكم استضعافه ـ لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ـ فهو لم يقبل شرعًا غير شرع الله ولم يطع أحدًا في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّه اللهُ عزَّ وجلّ فهو على إيمانه. والأمر هنا ليس فيه معصية زنا أو أي نوع من أنواع المعصية الأخرى، وإنما نفس التشريع هو نفس الممنوع كبديل عن شرع الله، ونفس القبول للبديل هو الممنوع وإن لم يتضمن أمرًا لمعصية معينة حتى يقال: أن فعل المعصية ينقسم. والخروج عن الشريعة في الفعل العيني أو في الفرض العيني راجع إلى فعل الإنسان فيما يقدر عليه، والخروج عن الشريعة في الفرض الكفائي راجع إلى قبول الإنسان من الغير هذا الخروج، وإقامة النظام الذي يحققه. فشرع غير الله عزَّ وجل يضع للناس أحكامًا وتكاليف يخرجهم بها عن شرع الله وتكاليفه، فمن قبل فقد كفر ومن خضع مكرهًا فَقَدْ عجز عن إقامة الفرض الكفائي الذي أمره الله به مع غيره لقطع يد السارق ورجم الزاني لأنه مخاطب به من الله مع غيره من المؤمنين كفرض كفائي عليهم حيث وجَّه اللهُ سبحانه وتعالى الخطاب إلى المؤمنين كفرض كفائي عليهم ولم يوجهه إلى الإمام أو الأمير حسبما دلت عليه النصوص الآمرة بذلك. وإذا كان قد فُرِضَ عليه الخروج عن الشرع فهو كاره لذلك منكر له كإنكاره لمن يفرض عليه التوجه إلى الصخرة بعد نسخها أو الاجتماع في السبت بعد نسخه، ولكن الأخير في مقدوره الامتناع عنه لأنه عيني وإن كلفه ذلك حياته، والآخر ليس في مقدوره الامتناع عنه لأنه كفائي. أما أن يقال: أن الإنسان لا يكتفي بالخضوع المُكْرَه عليه ولكن قد يفعل ذلك غير كاره ولا منكر ويكون مسلمًا إذا اعتقد بطلان ما يفعله ولم يستحله فهذا هو التلبيس والضلال الذي ليس بعده ضلال.
وفي هذا الكفائي يأتي قـول الله عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون)([12])، وقوله تعالى:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)([13])، وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )([14])، وغير ذلك من الآيات.
فالمسلم لا يرد أمر الله عليه، ولا يأتي بتبديل الشرائع من نفسه أي لا يرجع عن الشرع المحكم إلى الشرع المبدل أو المنسوخ ولا يُخاطَب بذلك من غيره فيقبله ويعمل به عن رضى وطواعية دون كره لذلك وإنكار. وقبول الدين المبدل أو المنسوخ، أو الشرع المبدل أو المنسوخ من الغير هو تفسير الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ).
وإذا كانت الآية متصلة بأصل الدين كما وضحنا، فإن القول بأن العبادة هي الطاعة في الاعتقاد أمر واضح البطلان، لأنه لو كان كذلك لكان تفسير الآية بطاعة الأحبار والرهبان في قولهم بشأن عيسى وأمه أولى من طاعتهم في اعتقاد حل صيد أو ذبيحة أو طعام أو شراب وأين هذا من ذاك، وإذا فرضنا جدلاً تفسير الآية بالطاعة في الاعتقاد في شأن الحلال والحرام من الطعام والشراب وغيره لكان المفروض أن تصفهم آيات القرآن بعبادة الأحبار والرهبان في كل المناسبات التي فيها طاعة في الاعتقاد في كل ما ضلُّوا فيه بشأن عيسى u من قولهم: أنه الله، وأنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه وأمه إلهين من دون الله، وقد تكرر ذكر هذا الضلال في القرآن كثيرًا، ولم يقل أن الإتباع فيه عبادة بل وصفه دائمًا بوصف الضلال (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)([15])،ولم يذكر مرة واحدة أن إتباع القوم لأحبارهم في هذا الضلال عبادة، كما لم يذكر مرة واحدة أن إتباع المشركين لآبائهم في عبادة الأصنام وإنكار البعث عبادة للآباء مع ذكر هذا الإتباع في القرآن مرارًا.
والذي ذكر في الحديث هو الاستحلال، والاستحلال لا يقتصر على الاعتقاد، بل الاستحلال كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية يكون لخلل في الربوبية، ويكون لخلل في الألوهية مع صحة الاعتقاد، وقوله مشهور في كتابه ”الصارم المسلول“، يقول([16]): «وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر باتفاق. فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرَّمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرَّمها ويعلم أن الرسول إنَّما حرَّم ما حرَّمه الله ثم يمتنع عن إلتزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهو أشد كفرًا ممن قبله. وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر. هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه... إلخ». أهـ.
والاستحلال منه ما يتعلق بالخلل في الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالخلل في العبادة. وصورة الامتناع عن إلتزام التحريم هي الصورة المتعلقة بالخلل في العبادة، والوصف المذكور في الحديث المفسر للآية هو وصف العبادة: «فتلك عبادتكم إياهم». فواضح جدًا أن يكون المراد من معنى العبادة لهم هي صورة الاستحلال المتعلقة بلفظ العبادة وهي الامتناع عن إلتزام حكم الله بالتحريم أو بالتحليل بإلتزام حكم غيره على خلاف حكمه، وإذا كانت صور الاستحلال الأخرى داخلة في معنى العبادة فهي تدخل فيها بالتلازم وليس بالمطابقة، فلا يصح أن يخرج عن لفظ العبادة معناها بالمطابقة إذا دخل فيها معنى الاعتقاد باللزوم، وما يقال عن الاعتقاد أنه عبادة خطأ لتغاير المعنى، فالعبادة أمر إرادي قصدي طلبي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. وإنما يقال عن الاعتقاد: العبودية المتعلقة بالربوبية، ويقال عن العبادة: العبودية المتعلقة بالألوهية. وذكر الأرباب في الآية ليس مناقضًا لتفسير الرسول الكريم لفعلهم بالعبادة، بل المقصود أنه لا يُعبد إلا من كان ربًّا، فمن عبد ما ليس بربٍّ فكأنما أعطاه صفة الربوبية كما قال القرطبي: أنزلوهم منزلة الأرباب بقبول أوامرهم ونواهيهم.
وما يذكر عن أوصاف أخرى لفعل القوم مع الأحبار والرهبان يراد تعليق الحكم بها فهو خطأ لأنها أوصاف منفية أو ملغاة كالذي شقَّ ثوبه وجعل التراب على رأسه يصيح يقول واقعت امرأتي في نهار رمضان فقال له الرسول الكريم: «عليك الكفارة». فالمناط هو الطاعة في تبديل الشرائع كما قال ابن تيمية، وليس في الاعتقاد، ولا في المعاصي سواء كانت هذه الطاعة لمن لهم صفة السلطان الديني أو الدنيوي والمتابعة على هذا التبديل. فإباحة المشرع الوضعي للخمر مثلاً تتضمن الخروج من كل مقتضيات الحظر التي بقيت ـ موافقة للشريعة الإسلامية ـ للمخدرات إلى مقتضيات الإباحة والذي يبيـح الخمر يحـرم عليك:
1- تحريمها على الناس ويعتبر ذلك تغييرًا لدستور الدولة بالقوة.
2- ويحرم عليك إهدارها واعتبارها مالاً غير متقوم.
3- ويحرم عليك تحريق أماكن تعاطيها.
4- ويحرم عليك تغيير المنكر باليد فيها.
5- ويحرم عليك الإخلال بإلتزاماتك القانونية تجاه سلعة أباح القانون تداولها وتعاطيها.
6- ويحرم عليك التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية إزاءها.
وهذه كلها مقتضيات الإباحة فلا يمكن للإنسان أن يقول أنا أحرمها في مجال القاعدة الدينية ولا أطيع أحدًا في إباحتها دينًا سواء شربتها أم امتنعت عن ذلك تدينًا، ولا شأن لي بما سوى ذلك لأنَّا نقول: إن الذي يبيحها في مجال القاعدة القانونية قد يكون هو نفسه محرمًا لها في مجال القاعدة الدينية، وقد لا يشربها تدينًا بينما يحرم المخدرات في مجال القاعدة الدينية والقانونية معًا. فلا يحرم تحريمها، ولا يحرم إهدارها، واعتبارها مالاً غير متقوم، ولا يحرم تغيير المنكر باليد فيها، ولا يحرم تحريق أماكن تعاطيها ومطاردة أهلها، ولا يبيح زراعتها، ولا صنعها، ولا نقلها، ولا بيعها، ولا استيرادها ولا تصديرها، ولا شحنها، ولا التخليص عليها، ولا نقلها برًا أو بحرًا استيرادًا أو تصديرًا بإجراءات نقل جوي أو بحري أو بري، وإجراءات جمارك وتخليص وخلافه، ولا يلزم أحدًا بإلتزامات قانونية تجاه هذه الإباحة بل يحرم المعاونة على ذلك ويعاقب عليه ولا يحرم عليك التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية تجاهها، والذي يفعلونه كمقتضيات لحظر المخدرات هو نفسه وبعينه مقتضيات الحظر للخمر في الشريعة الإسلامية سواء بسواء التي أخرجنا عنها المشرع الوضعي إلى مقتضيات الإباحة. وبقيت المخدرات في مقتضيات الحظر التي كانت لها في الشريعة الإسلامية لتكون شاهدًا على التبديل بالمقارنة، فمن يقول أن طاعة المشرع الوضعي في إباحة الخمر، وأن قبول تحريم تحريمها، وتحريم إهدارها، وتحريم اعتبارها مالاً غير متقوم، وتحريم تحريق أماكن تعاطيها، وتحريم تغيير المنكر باليد فيها، وتحريم الإخلال بالإلتزامات القانونية تجاهها، وتحريم التسبب في إخلال الغير بإلتزاماته التعاقدية تجاهها لا يكون استحلالاً لها، ولا عبادة لغير الله في التحليل والتحريم فيها، ومن ثَمَّ لايكون شركًا مخرجًا من الملة، إنما هو يقصر تحريم الخمر في الحقيقة على مجال القاعدة الدينية فقط وهو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة وافتراء الكذب على الله عزَّ وجلَّ حيث عُلِمَ بالضرورة تحريمها في المجالين معًا إذا صحَّ التعبير، وعلم بالضرورة أن إخراجها من الحظر إلى الإباحة في مجال القاعدة القانونية إباحة لها، وقبول هذه الإباحة ممن أباحها بلوازم التحريم التي تلزم عن الإباحة قبول للإباحة، وهو قبول لتبديل الشرع ومتابعة عليه، وليس طاعة في معصية، وشرب الخمر معصية وقبول الإباحة بلوازمها قبول للإباحة كقبول الإباحة في مجال القاعدة الدينية سواءً بسواء وهو من هذه الجهة شركٌ وكفرٌ مخرجٌ من الملة، فمن خوطب بهذه الإباحة فعليه أن يكره وينكر وإن كان مستضعفًا لا يقدر إلا أن يخضع: «ولكن من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سَلِمَ ولكن من رضي وتابع».
وهل هناك بعد هذا البيان فرقٌ بين قبولِ الإباحةِ ممن أباحها بلوازمها من التحريم في مجال القاعدة الدينية عن مجال القاعدة القانونية، أو فرَّق بين سلطة دينية وأخرى دنيوية، أو اعتقاد قداسة أو عدم اعتقاد قداسة، أليس الكل تبديلاً ومتابعة على التبديل، وهل مازلنا نقول أن من قبلها في مجال القاعدة القانونية أو أباحها لغيره يبقى مسلمًا إن اعتقد تحريمها في مجال القاعدة الدينية؟؟!!.
وما قيل عن النسخ ليس طاعة في الاعتقاد لأن الاعتقاد ليس فيه طاعة ـ كما بينَّا وكما سنبين ـ وإنما هو اعتقاد في حقهم في الطاعة، والفرق كبير بين الأمرين. واليهود ليس عندهم نسخٌ في الدين أبدًا، وإن جاءت بعض عبارات العلماء بذلك عنهم فهو خطأ في النقل عنهم، وإنما الذي وقع منهم الاستعاضة عن حكم ديني بآخر دنيوي مراعاة لمصالح طرأت لهم ومثال ذلك: لما استعاضوا عن الرجم وهو حكم التوراة بالجلد والتحميم حيث كثر فيهم الزنا فخافوا من القتل، ولما وقع في أشرافهم ولم يستطيعوا إقامة الحد عليهم فأبى سوقتهم وضعفاؤهم من إقامته على أبنائهم حتى يقام على أبناء الشرفاء والملوك فخافوا الفتنة والتفرقة، فقالوا: تعالوا نجتمع على أمر نجعله في الشريف والوضيع فينا، فاجتمعوا على الجلد والتحميم، ولم يكن هذا نسخًا ولا تحريفًا للتوراة، وإنما تولٍٍ عن حكمها وإعراض عنه إلى غيره من الشرائع الوضعية وهي الشريعة المبدلة وليست المنسوخة ولا الناسخة بحق الأحبار في النسخ، وهذا واضح جدًا في القرآن وأسباب نزوله والآية تجمع اليهود والنصارى فليست مختصة بالنسخ ثم قالوا لن نسبق علماءنا لما وقع ذلك فيهم وعملوا به على المخالفة لحكم التوراة وليس على النسخ لها، وكانوا متحرجين من ذلك ولكن دواعي المصلحة وموافقة الكبراء حملتهم على الاستمرار على المخالفة، وهذا هو معنى النبذ وراء الظهور الذي تكلم عنه القرآن، وترك العمل الذي يتحقق به ذهاب العلم الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ونقضهم الميثاق وترك إقامة التوراة والإنجيل الذي ذكره القرآن وقال أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموهما ـ استعاضوا بهذا الدنيوي عن هذا الديني وليس نسخًا لديني بديني آخر ـ وشيخ الإسلام في تفسيره لطاعة الأحبار والرهبان لم يقرر أن المناط المكفر هو الطاعة في الاعتقاد، وإنما قال: المتابعة على التبديل، لماذا نغفل ذكر التبديل وقد ركز عليه في التفسير تركيزًا شديدًا؟!.
ومناط الحكم في الآية والحديث ليس هو اعتقاد أو الإقرار بحقهم في التشريع والطاعة، وإنما هو المتابعة على التبديل والاتباع للشريعة البديلة عن شرع الله، وهذا يتضمن اعتقادًا والإقرار لهم بحق التشريع كوصف تابع أو متضمن، ولكن المناط المحدد في النص للحكم والذي يتعلق به الحكم ـ وهو شرك العبادة ـ المناط المحدد في النص لهذا الشرك في العبادة هو الاتباع في التشريع. وإطلاق القول بأن العبادة هي الطاعة في الاعتقاد خطأ لأن العبادة أمر قصدي طلبي إرادي، والاعتقاد أمر خبري علمي معرفي. ونحن ننقل عن العلماء أن التوحيد نوعان: توحيد عبادة وتوحيد اعتقاد، والشرك نوعان: شركٌ في العبادة وشرك في الاعتقاد.
ونقـول: أنه لابد في الإيمان من مجموعهما: الاعتقاد والانقياد، فكيف نجعل الشيئين شيئًا واحدًا والعلماء دائمًا يقولون نصدقه فيما أخبر ـ لم يقل أحد نطيعه فيما أخبر؟! ـ ونطيعه فيما أمر ـ لم يقل أحد نصدقه فيما أمر؟! ـ أرأيت كيف يختص كل أمر بأمره، لكنهم إذا اعتقدوا تبديل الأحكام في دينهم بنسخ الأحبار والرهبان فعبادتهم بقبولهم هذا التبديل، وفسادُ اعتقادهم باعتقادهم بحقهم في النسخ وبكون ما بدلوه يكون ناسخًا لحكم الإنجيل أو التوراة، وفي تغير اعتقادهم بالنسبة للتحليل والتحريم فيرجع الخلل في الأولى إلى الألوهية، وفي الثانية إلى الربوبية كما ذكر شيخ الإسلام في ”الصارم المسلول“ عن الاستحلال عندما يكون الخلل في الألوهية والربوبية في وقت واحد، الأولى عبادة، والثانية ضلال. ولو أنهم قبلوا ما بدله الأحبار والرهبان كمبلغين عن الله عزَّ وجلّ فقط لم يوصفوا بوصف العبادة، ولكان الخلل في الربوبية فقط ووصفوا بوصف الضلال دون غيره ولكنهم قبلوا التبديل منهم كمشرعين، ومن هنا جاء وصف العبادة وكان الخلل في الاثنين معًا الربوبية والألوهية، ولو أنهم قبلوا منهم التبديل استعاضة بالدنيوي عن الديني لمصلحة طرأت مع بقاء الاعتقاد في الديني ثابتًا لوصفوا بوصف العبادة فقط دون وصف الضلال وفساد الاعتقاد. وإذا تتبعنا آيات القرآن فيما أضل به المضِللون غيرهم من المُضَللين من أهل الكتاب لا نجد أبدًا إشارة إلى العبادة إطلاقًا، وإنما ضلُّوا وأضلوا فقط لأن الضلال في موضع البدعة وفساد الاعتقاد، ولأن الاعتقاد تصديق خبر، والعبادة قبول حكم، هذه هي استعمالات القرآن والسنة ولو كانت الطاعة في الاعتقاد هي المرادة لكان أولى أن يوصفوا بذلك في شأن عقيدتهم في المسيح وأنه ثالث ثلاثة لا في التحريم والتحليل في صيد أو ذبيحة أو طعام وأين هذا من ذاك؟!!.
ونشأة اعتقاد مخالف لما عرف عن حكم أي مسألة في الدين إذا كان تحريمًا قطعيًا مثلاً كتحريم الخمر لا يكون إلا بالشك في التحريم أو اعتقاد الحل أي تكذيب التحريم فيتغير علمه فيصدِّق ما كان مكذِّبا ويكذِّب ما كان مصدِّقا، أو يشك فهي مسألة تغير اعتقاد، وليست طاعة في الاعتقاد لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا فيما يحب الإنسان وما يكره وما ينشط إليه وما يتثاقل عنه، وكذلك في الاعتقاد لا تكون طاعة إلا إذا كانت فيما يصدق وفيما يكذب امتثالاً لأمر الآمر ولو كان على غير ما يعلم وهذا أمر مستحيل، وإنما هو تصديق لخبر وتكذيب لآخر أي تغير العلم وهذا لا يطيع أحدٌ فيه أحدًا وإنما يثق في خبره (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين)([17])، فيتغير ثقته من خبر إلى خبر ومن مخبر إلى مخبر ومن علم إلى علم لا يطيع في اعتقاد جديد مخالف لما كان عليه وهو يعلم صحة الاعتقاد الأول بل لابد أن يعلم فساد الاعتقاد الأول، ولكن قد يتغير اعتقادهم في التحريم والتحليل الذي جاء في كتبهم لاعتقادهم بحق الأحبار والرهبان في نسخ هذه الأحكام علمًا بأن النسخ إنَّما يكون في الأحكام دون الأخبار ـ فيكون قد صدَّقوهم بكذبهم وأعانوهم على ظلمهم ـ بقبولهم الأحكام البديلة منهم، فهما وصفان منفصلان التصديق للخبر الكاذب وطاعة الأمر الفاسد، ومناط الحكم في الآية هو الطاعة للأمر، وإن كان التصديق واقعًا منهم، وإن كانت الطاعة متضمنة لاعتقاد حقهم في التشريع والإقرار لهم بحق الطاعة فهذا أيضًا لا يخرج المناط عن كونه طاعة الأمر بقبول الحكم.
وعندما قلنا أن التبديل فيما هو ديني وما هو دنيوي وليس فيما هو ديني فقط فمردنا في ذلك إلى قاعدة الدين الأساسية وهي:
جماع الدين أصلان:
الأول: أن يُعْبَد الله عزَّ وجلّ وحده.
والثاني: أن يُعْبَد بما شرع على ألسنة رسله في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت. ومن ثَمَّ كان لابد من الرجوع إلى الشرع فيما هو عبادي عيني أو كفائي، وما هو عادي عيني أو كفائي فهم أربعة. والعيني: ما يقدر عليه الإنسان من نفسه في العبادي كأداء الصلاة، والكفائي: ما لا يقدر عليه الإنسان من نفسه ولا يمكنه تحقيقه إلا بإقامة سلطة شرعية تحققه وذلك من خلال إقامته مع غيره للجماعة التي تقيم هذه السلطة وهو في العبادي كإقامة الصلاة: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ)([18])، والعيني في العادي: كـبرِّ الوالدين يقدر عليه الإنسان من نفسه، والكفائي: كقطع يد السارق ورجم الزانى وجهاد العدو وإقامة الحدود ... إلخ، والمؤمن يقوم بالتكليف المتعلق به من خلال إقامته للسلطة الشرعية التي تقيمه.
والخروج عن الشرع رد للرسالة وكفر بها، ومن جهة أخرى انقياد لغير الله فهو عبادة لغير الله، ومن ثَمَّ كان له أيضًا وصف الشرك، والخروج عن الشرع مثل الرجوع إلى الشرع تمامًا يكون فيما هو عادي عيني أو كفائي، ويكون فيما هو عبادي عيني أو كفائي، ومن ثَمَّ كانت الاستعاضة بالشرع البديل عن شرع الله أي التبديل كفرًا وشركًا سواء كانت في تبديل ديني بديني أو ديني بدنيوي فيما يقدر عليه الإنسان من نفسه، أو يصطلح عليه مع غيره، أو يخاطب به من غيره فيقبله ويرضى به ويتابع عليه، لأنه خروج عن الشرع المحكم ورجوع إلى ما سواه. ومن ثَمَّ قال ابن كثير عن الياسق: «أن مَنْ ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين».
والنكتة هنا هي تبديل ديني بدنيوي وليس ديني بديني ـ مع بقاء صحة الاعتقاد في الدين وفي لزومه ووجوبه دون الدنيوي ـ وما يقوله ابن كثير في التحاكم هو نفس ما تدل عليه آية التوبة: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه)، من الخروج عن شرع الله المحكم والعدول عنه إلى ما سواه من شريعة الأحبار.
فالآية تفسير للقاعدة، وآيات التحاكم والحكم أيضًا تفسير لنفس القاعدة في جوانب من جوانبها. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد
(([1]) سورة الذاريات،الآيتان: 35-36.
([2]) الصارم المسلول، ص 457.
([3]) اقتضاء الصراط المستقيم، ص 451.
([4]) سورة الأنعام، الآية: 136.
([5]) سورة الشورى، الآية: 21.
([6]) سورة التوبة، الآية: 31.
([7]) سورة التوبة، الآية: 29.
([8]) سورة الزمر، الآية: 29.
([9]) سورة غافر، الآية: 60.
([10]) سورة البقرة، الآية: 87.
([11]) سورة التوبة، الآية: 31.
([12]) سورة التوبة،الآية: 29.
([13]) سورة التوبة،الآية: 31.
([14]) سورة آل عمران،الآية: 64.
([15]) سورة المائدة،الآية: 77.
([16]) الصارم المسلول، ص 459.
([17]) سورة يوسف،الآية: 17.
([18]) سورة الحج،الآية: 41.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية