الشبهة الرابعة: الردّ على شبهة أن الولاء إنما يكون في الباطن وليس في الظاهر

يرد ذلك قوله تعالى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ).
والدليل على أن المراد هو الظاهر من وجهين:
الأول: لفظ الاتخاذ ظاهر لا باطن وإرادة لا اعتقـاد يقـول تعالـى: ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا )، أي: يضعوه موضع الولد ويجعلوه ولدًا لهم وهو ليس ولدهم في الحقيقة، وليس المعنى أن يعتقدوا أنه ولدهم أو يعلموا أنه ولدهم بعد جهلهم بهذا، فالموضع موضع وضع وجعل وليس موضع علم ومعرفة واعتقاد، وهذا الوضع والجعل في الخارج وليس أمرًا مستكنًا في خفايا الضمير.
وكذلك في قصة سيدنا موسى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ).
وفي سورة العنكبوت: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )، والعنكبوت لم تتخذ بيتها عقيدة مستكنة في خفايا الضمير، وإنما اتخذته على الحوائط والأسقف.
الوجه الثاني: لو كان الولاء في الباطن دون الظاهر لما كان هناك معنى لاستثناء المكره إذ أن المكره وغير المكره يستويان في عدم تحقق الولاء للكافرين، إذ لم يكن الباعث على ذلك تغير الاعتقاد وشرح الصدر بهذا التغير، فاستثناء المكره في هذه الحالة لا يتحكم من ذكره فائدة زائدة وهذا عبثٌ يتنزه عنه كلام المخلوق فضلاً عن الخالق. وثمة أمرٌ آخر وهو أنه لا إكراه على الباطن والاعتقاد وشرح الصدر، وإنما الإكراه على الظاهر، فاستثنى المكره لذلك فدلَّ ذلك على أن الولاء للكافرين إنما هو بالظاهر ولا يتقيد بالباطن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
يقول: «ومعلومٌ أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال، واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط. فعُلِمَ أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ مِنَ اللهِ وله عذابٌ عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافرٌ أيضًا فصار من تكلم بالكفر كافرٌ إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وقال تعالى في حق المستهزئين:( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ )، فبَيَّن أنهم كفَّار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته. وهذا بابٌ واسعٌ والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم. فإذا عُدِم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلة، وإذا وجد الضد كان مستلزمًا لعدم الضد الآخر. فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرًا. واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق فالقلب يصدق بالحقِّ، والقول يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول، والتكذيب بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب ورافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح فأيُّما قام به كفرٌ تعدي حكمه إلى الآخر». أهـ.
وثمة وجه ثالـث للاستدلال وهو: أن المناطات التي ذكرها القرآن لولاء الكافرين كلها مناطات ظاهرة سواء ما حدث بمكة أو بالمدينة فقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين).
يقـول الطبري في التفسير:( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ ):
«من يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار الإسلام: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم هم الذين خالفوا أمر الله فوضعوا الولاية في غير موضعها وعصَوْا الله في أمره. وقيل: إن ذلك نزل نهيًا من اللهِ للمؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام. حدثني محمد بن عمرو. قال: حدثنا أبو عاصم. قال: حدثنا عيسى عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، قال أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أحد بني عبد الدار وأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فأنزلت:( لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) إلى قوله:( يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِه ِ) بالفتح في أمره إياهم بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة». أهـ.
فالذين رفضوا الهجرة استحبوا الكفر على الإيمان:( وَمَن يَتَوَلَّهُم )، يترك الهجرة لتركهم إيثارًا للمقـام معهم عاطفـة لهم أو خشيـة عليهم:( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).
أقـول: هذه كلها أعمال ظاهرة وقوله تعالى:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، لم يصفهم اللهُ بالنفاق المخرج من الملة لاعتقاد مستكن في الضمائر في هذا الشأن ولم يكشف عن نوايا مجرد نوايا وحقد وحسد وكراهية وضغينة داخل القلب ليس لها وقوع في الخارج وإنما كشف عن تآمر مع عدو اللهِ أبي عامر الفاسق، وكذا الذين قالوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُم)، أعمال ظاهرة ليست عقيدة مستكنة في الضمائر... إلخ، ما في القرآن من مناطات لولاية الكافرين كلها أعمال ظاهرة لا تتقيد لاستحقاق الوصف بقيد من الباطن عند استكمال تكييفها الشرعي بالضوابط الشرعيـة كمناط لولاية الكافرين. واللهُ تعالى أعزُّ وأحكم، وأعلى و أعلم.

الشبهة الثالثة: القـول بالبـاعث بدلاً من المنـاط

وهذا من أفحش بدعهم وسبب غلطهم أنهم لم يفرقوا في القصدين بين القصد الأول الذي يجعل الفعل إراديًا، والقصد الثاني الذي يعطي هذا الفعل تكييفه الشرعي. فالمشركون قدموا المدينة محاربين في أحد، وقدموا وفودًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم في أوقات أخرى ولا يسمون مهاجرين، وقد يقدمها من يريد التجارة ولا يسمى مهاجرًا، وإنما المهاجر من يقدم إليها ليدخل في ولاء الله ورسوله والمؤمنين، وكلهم مشتركون في فعل السفر، وقد أوقعوا هذا الفعل بقصد ولكن هذا القصد مع الانتقال لا يعطي صفة الهجرة، وإنما الانتقال كفعل إرادي قصدي: سفر، والسفر بقصد الدخول في جماعة المؤمنين في المدينة: هجرة، فهذا مناط الهجرة. أما الباعث عليها فأمر آخر، وهكذا في فعل القتل مثلاً فالفعل قد يقع خطأ محض فلا يكون إراديًا، وقد يقع بقصد القتل فيكون إراديًا ولكنه مع وقوعه إراديًا قد يكون إيقاعه إراديًا بقصد قتال الكفار، أو المرتدين أو المارقين، أو البغاة أو الممتنعين عن الشرائع، أو أهل الحرابة أو دفعًا للصائل فيكون مشروعًا، وقد يقع بقصد السرقة والنهب فيكون حرابًا وقطعًا للطريق أو غيلة أو عمدًا، وقد يقع قصاصًا أو إقامة لحد أو دفعًا لصائل وقد يقع مع كفار لمؤمنين مظاهرة للكفار عليهم فيكون ولاية للكافرين، فالقتل فعل واحد ولكن له تكييفات شرعية متنوعة من الجهاد، إلى إقامة الحدودوالقصاص ودفع الصائل إلى العمد والغيلة والحرابة وولاية الكافرين. والحكم الشرعي لا يتنزل على الفعل المحسوس مجردًا عن القصد مطلقًا فإن ذلك كأفعال العجماوات والجمادات، ولا يدخل على الفعل إراديًا قصديًا فقط دون ارتباط بأي قصد آخر فإن ذلك أيضًا لا يمكن تنزيل الحكم الشرعي عليه حتى تعرف جهته هل هو عمد، غيلة، قصاص، حد، حرابة، ولاية كافرين، جهاد، قتال مشروع، قتال غير مشروع، دفع للصائل؟. كل هذه المناطات قد يكون الفعل القصدي فيها واحدًا وهو القتل ولكن المناط مختلف تمامًا من مناط إلى مناط ولكل مناط حكمه الشرعي.
هذه مقدمـة، ولندخل في الموضوع بعد هذا الشرح:
مناط الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقع من عبد الله بن أبيّ بن سلول في حادثة الإفك، أذىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه الكفر الناقل من الملة. ووقع كلام من حسَّان وحمنة ومسطح لم يقع أذىً لأن زوجاته في الدنيا لم يكن لهنَّ بعد حكم زوجاته في الآخرة، وأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، وأنه ليس له أن يبدلهن فكان من الممكن له وقت ذلك طلاقهن، ولذلك قال مَن قال: طلقها فإن النساء كثير. فالوقوع في عائشة رضي الله عنها وقتها ليس وقوعًا في عرضه لإمكان الانفكاك، أما بعد أن أصبحن زوجاته في الدنيا والآخرة وأنه ليس له أن يستبدل بهن من أزواج ولو أعجبه حسنهن، فالوقوع فيها وقوع في عرضه وقت ذاك لعدم إمكان الانفكاك ولذلك كفَّرت الأمة من يقع في عرض عائشة رضي الله عنها أو غيرها من أمهات المؤمنين بعد هذه الآية لأنه طعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر. فلو وقع مناط الأذى من حسان أو حمنة أو مسطح وتحقق وقوعه منهم لكفروا به في أي وقت يقع، ولكن لم يقع منهم أذىً للرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم الذي تناقلوه لإمكان الانفكاك وقت ذلك ولو قالوا ما قالوه بعد عدم إمكان الانفكاك لوقع ما قالوه أذى، ولكفروا به بغض النظر عن الباعث لوقوع الأذى، فلو تحقق الأذى بأي نحو في أي وقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكفر بذلك مهما كان باعثه، فلا فرق في أذى الرسول بين من يريد أذاه لدنيا يصيبها من غيره في مقابل هذا الأذى، أو لأنه يبغضه، أو يحسده، أو رعونة وحمقًا، أو استخفافًا بالحرمة لغرض، أو ليسب به إنسانًا سبه، أو لينال من سبه من عرض إنسان نال من عرضه أو غير ذلك، كل ذلك مُلغْى تمامًا كمن يسرق رغبة في التملك، أو إتلافًا لمال غيره، أو لينفق على المخدرات، أو الخمر، أو النساء، أو لمجرد شهوة السرقة مادام مناط السرقة قد تحقق، ولكن ليس كل آخذٍ لمال الغير بغير وجه حق يقال عنه أنه سرقة، فالسرقة لها مناط لا تتحقق إلا بتحققه، فإذا تحقق لا يختلف الحكم المنزل عليها باختلاف الباعث، وقد يتولى مسلم الكافرين عشقًا لامرأة، أو بسبب مال، أو شرف، أو ملك، أو أي مصلحة تتحقق له بذلك، أو حسدًا على أمير، أو بغضًا لقومه وعشيرته من المسلمين، أو لتغير اعتقاده. فالفرق بين عبد الله بن أبيّ أنه قصد بقوله الأذى وقوله إرادي، وقصده به الأذى إرادة أخرى للأذى، فهناك إرادة القول وإرادة الأذى به، وهذا هو الذي يعطي التكييف الشرعي للأذى. وحمنة ومسطح وحسان أرادوا القول ولم يريدوا الأذى به، وهذا هو الذي لم يعط لقولهم مناط الأذى، وبالتالي لم يأخذ قولهم حكم الأذى. ويُعرف هذا من ذاك بالقرائن الحالية والمقالية، ولو وقع منهم هذا القول بعد حكم الله فيها وفي غيرها من أمهات المؤمنين بأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة وأنه ليس له أن يستبدل بهن من أزواج ولو أعجبه حسنهن لوقع القول منهم أذى له لعدم إمكان الانفكاك، ولم تقبل دعواهم بغير ذلك ولكفروا بذلك لإرادتهم القول، وقيام القرائن الحالية والمقالية لإرادتهم بالقول الأذى، فيقع بذلك مناط الأذى ويأخذ حكم الكفر. ولا فرق عندئذ بين أن يكون الباعث هو كره الرسول، أو تكذيبه، أو حسده، أو استخفافًا بحرمته لغرض كمَالٍٍ، أو شرف، أو نكاح، أو لذة، كل ذلك لا يغير من الحكم الخاص بالمناط.
وأصحاب بدعة الباعث بدلاً من المناط ربطوا الأحكام بالبواعث وصرفوها عن المناطات التي أنزلها الله وهذا هو تحريف الكلم عن مواضعه وقانا اللهُ الفتنة وعصمنا من الزلل.
هل هناك فرق بين من أراد القول وأراد بالقول الأذى والباعث له على ذلك غرض يناله من امرأة، أو مال يناله من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ملك يناله بسبب ذلك، أو ما دون الملك من الشرف والمكانة والجاه عند أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو كان الباعث حسده للرسول صلى الله عليه وسلم ، أو بغضه له، أو تكذيبه، أو شكه، أو لتغير اعتقاده، وهل من أراد القول ولم يرد به الأذى، يعتبر قد وقع في مناط الأذى؟! وهل يستوي هذا مع من أراد الأذى لمال ويختلف عمن أراد الأذى بغضًا للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أم أن إرادة القول وإرادة الأذى تتفق في حكمها مع اختلاف البواعث وتختلف في حكمها عمن أراد القول ولم يرد به الأذى؟.
كذلك من أراد بقوله أو فعله مظاهرة المشركين على المسلمين، أو التآمر مع الكافرين لاستئصال شأفة المؤمنين، أو تكثير سواد الطاعنين في دين الله ترويجًا لباطلهم ابتغاءً للعزة عندهم، أو ترجيح ولاء القبيلة على ولاء العقيدة... إلخ. هل يوجد فرق بين أن يكون باعثه على ذلك المال، أو الشرف، أو النكاح، أو التكذيب، أو الشك، أو تغير الاعتقاد، أو الحسد، أو الكبر، أو البغض للرسول والمؤمنين؟، وكذلك من رغب عن شرع الله إلى غيره، أو عدل به غيره بسبب مال، أو شرف، أو ملك، أو جاه، أو دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، هل يؤثر اختلاف الباعث في الحكم، وهل يختلف الحكم مع اختلاف الباعث إذا كان المناط واحدًا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.‍
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن حراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ)، نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة واللعنة في المنافقين عامة. فقد بيَّن ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه، فإن قذف المرأة أذًى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه.
إلى أن يقول: ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن، حدّ لقذفها لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين، والرواية الأخرى عنه وهو قول الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لا قذف لهما، والحد التام إنما يجب بالقذف، وفي جانب النبيّ صلى الله عليه وسلم أذاه كقذفه. ومن يقصد عيب النبيّ صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق، وهذا معنى قول ابن عباس: «اللعنة في المنافقين عامة»، وقد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال: سألت سعيد بن جبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ قال: لا بل الزنا. قال: قلت: إن الله تعالى يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )، فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة. وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، قال: هذه لأمهات المؤمنين خاصة. وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: هنَّ نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم.
إلى أن يقول: وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة. وبعد أن يذكر كفر ابن أُبيّ ونفاقه بهذا الفعل واستحقاقه للعن بهذا الفعل يقول: بقى أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح وحسان وحمنة ولم يرموا بنفاق، ولم يقتل النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا بذلك السبب، بل قد اختلف في جلدهم. وجوابه: أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يظهر منهم دليل على أذاه بخلاف ابن أُبيّ الذي إنما كان قصده أذاه. لم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواج له في الآخرة وكان وقوع ذلك من أزواجه ممكنًا في العقل ولذلك توقف النبيُّ صلى الله عليه وسلم في القصة حتى استشار عليًّا وزيدًا وحتى سأل بريرة. فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبيّ صلى الله عليه وسلم لإمكانه أن يطلق المرأة المقذوفة. فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال، ولا يجوز ـ مع ذلك ـ أن تقع منهن فاحشة». انتهى بتصرف.

الشبهة الثانية: القول بأن توحيد العبادة باطن فقط وأن الظاهر فيه مؤول.

وهذا القول أيضًا من البدع المحدثة، وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام ابن القيم وابن عبد الوهاب وغيرهم عن الشرك الأعظم فعدّوا وسردوا أعمالاً ظاهرة كالعكوف على الأصنام وتقريب القرابين والذبح لغير الله والإهلال بغير اسم الله وما إلى ذلك، ولم يذكروا شيئًا من أعمال القلوب. وسبب هذه البدعة أنهم وجدوا ألفاظ الكفر والشرك تستعمل فيما ينقل وفيما لا ينقل عن الملة، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بضوابط لفظية بين ما ينقل وما لا ينقل، فقالوا كل ما هو ظاهر لا ينقل وكل ما هو عمل لا ينقل وكل ما هو باطن واعتقاد ينقل أو ما يدل على فساد الباطن والاعتقاد من القول والعمل الظاهر فكفَّروا بما لا ينحصر من الدلالات على انخرام معاني الباطن الثلاثة بزعمهم وهي: أن الله أحبّ الأشياء وأولاها بالتعظيم وأحقها بالطاعة، ولم يكفروا بما كفرت به النصوص بدلالتها الصحيحة حسب ضوابطها اللغوية السليمة بل أولوها حيث لا تؤول والحق في هذا هو:
1-التفريق بين ما ينقل وما لا ينقل من ألفاظ: الكفر، الشرك، نفي الإيمان، نفي الصلة، الظلم، الفسق، الضلال، العذاب الأخروي، اللعن، النفاق، السيئة، الكره، والمكروه، المنكر، الفحشاء، الإثم، الذنب، الخِطء، الخطيئة، المقت، الغضب. وذلك بضوابط لفظية لغوية سبقت الإشارة إليها تفصيلاً.
2- تنقيح المناط، تحقيقه، تنزيل الحكم على مناطه.
3- أن تكون هذه المناطات المكفرة محرمة تحريمًا أبديًا خالدًا لا تباح بأي حال، ولا في حال دون حال.
4- أن تكون هذه المكفرات نواقض لأركان التوحيد.
وفي المقابل، أركان التوحيد هي: ما تحقق فيه إفراد الله I بما لا يكون إلا لله، وأن تكون نواقضها مكفرة، وأن تكون هذه النواقض محرمة تحريمًا أبديًا خالدًا.

الشبهة الأولى: القول بعدم التلازم بين الظاهر والباطن في الإيمان

نقول وبالله التوفيق:
الإيمان: علم يدخل القلب. فإما:
أن ينقلع بالكلية. أو ينقلب شكًا. أو يبقى خواطر وحديث نفس.
أو يستقر في القلب يقينًا جازمًا وعقيدة راسخة.
وفي هذه الحالة الرابعة يقـال: أن القلب قد عَقِلَ العلم وضبطه، وإذا عَقِلَ القلبُ العلمَ وضبطه فإمـا أن:
· يلقى موانع من الكبر والإلف للعادة، أو الحسد، أو الخوف من ضياع الملك والجاه والمكانة والشرف، وما إلى ذلك فلا يعطي موجبه من الموالاة والموافقة والانقياد.
· أو لا يلقى هذه الموانع، فإذا لم يلق هذه الموانع فإنه يعطي موجبه من الموالاة والموافقة والانقياد.
وهذه الموالاة والموافقة والانقياد معانٍٍ مستقرة في القلب يلزم عنها بالضرورة إرادات في القلب، والإرادات مع القدرة يلزم عنها مرادات في الخارج.
الإرادات: حركة، والمعاني سكون، والمعاني لا تتجسَّد إلا من خلال الإرادات، والإرادات لا تُنْتَجُ إلا من هذه المعاني فهما متلازمان.
وهنا نقطة غاية في الأهمية في الفهـم وهي: الإيمان بمعناه المقيد، له حالتان في استعمالات الكتاب والسنة:
الحالة الأولى: أن يقف معنى الإيمان المقيد عند العقل والضبط مع إقرار اللسان ولا تدخل فيه المعاني.
ويكون الإسلام بمعناه المقيد: شاملاً للمعاني والإرادات والمرادات، ويكون دخول الملة بمجموعهما.
الحالة الثانية: أن يشمل معنى الإيمان المقيد: العقل والضبط مع المعاني من الموافقة والموالاة والانقياد.
ويكون الإسلام بمعناه المقيد: شاملاً للإرادات والمرادات ولا يدخل فيه المعاني، ويكون دخول الملة بمجموعهما.
والحال الأول: يكون الإيمان: قولاً ظاهرًا وباطنًا، ويكون الإسلام: عملاً ظاهرًا وباطنًا.
والحال الثاني: يكون الإيمان: باطنًا من قول وعمل، ويكون الإسلام: ظاهرًا من قولٍ وعمل.
والظاهر من القول والعمل لابد له من قصد في الباطن إذ أن المراد بالظاهر ليس هو الفعل أو القول المحسوس وإنما هو التكييف الشرعي وذلك كالفرق بين السفر والهجرة، فالسفر فعل محسوس والهجرة تكييف شرعي. وفي الحالة الأولى: يمكن الانفكاك بين الإيمان والإسلام، كما في قوله سبحانه وتعالى:} وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون{،وفي الحالة الثانية: لا يمكن الانفكاك، وهذا واضح جدًا من السياقات التالية عن الحالتين أو الضربين من ضروب التكامل بين الإسلام والإيمان من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام محمد بن نصر المروزي.
الحالة الأولى: التي يمكن فيها الانفكـاك:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية1: «وحقيقة الفرق: أن الإسلام دين، والدين: مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذلَّ، ودين الإسلام الذي ارتضاه وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو: الاستسلام لله وحده وهو الخضوع له والعبودية له. هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم. فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان: فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب والأصل فيه هو التصديق والعمل تابع له». أهـ.
ويقول2: «فإن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهما. وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول، والعلم والتصديق ليس جزء مسماه لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بيَّنه الله ورسوله كما قال تعالى: } إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{،وقوله تعالى: } إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{، وسائر النصوص التي تنفي الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره، فإن كثيرًا من المسلمين مسلم ظاهرًا وباطنًا ومعه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الإيمـان. والله تعالـى قـال: }وَمَن يَّبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ{، وقال تعالى: }وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا{، ولـم يقـل: ومن يبتغ غير الإسلام3 علمًا، ومعرفة، وتصديقًا، وإيمانًا. ولا قـال: رضيت لكم الإسلام تصديقًا وعلمًا. فإن الإسلام من جنس الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع، فمن ابتغى غير الإسلام4 دينًا فلن يقبل منه، والإيمان طمأنينة ويقين أصله علم وتصديق ومعرفة والدين تابع له، يقال: آمنت بالله وأسلمت لله». أهـ.
الحالة الثانية: التي لا يمكن فيها الانفكـاك:
يقول شيخ الإسلام نقلاً عن المروزي في ”كتاب الإيمان“5:«ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان وهما في الحكم والمعنى متصلان، ومثلهما أيضًا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة، لا يقـال: حبتان لتفاوت صفتهما، فكذلك أعمال الإسلام هو من ظاهر الإيمان وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب، وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب»، وفي لفظ: «الإيمان سر». فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان عقود الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد.
إلى أن يقول: ومثله قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أي: لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن: «إنما» تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من النيات فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى: }أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَينَ وَلِسَانًا وَشَفَتَينِ{، بمعنى ألم نجعله ناظرًا متكلمًا. فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له وذكر الشفتين لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما». أهـ.
فهذا واضح جدًّا أن الإسلام كظاهر لا ينفك عن الإيمان كباطن، وأن الإيمان كباطن لا ينفك عن الإسلام كظاهر، فالباطن لا ينفك عن الظاهر في الإيمان المطلق والحقيقة الشرعية التي يدخل بها الإنسان الملة، وليس التسمية اللغوية أو الشرعية المقيدة. وكذلك الظاهر لا ينفك عن الباطن، والإيمان لابد أن يكون باطنًا وظاهرًا لأن الباطن لا يتحقق إلا بالظاهر والظاهر لا يتحقق إلا بالباطن، ولا يوجد أحدهما قبل الآخر وإن كان الشرح العلمي لكيفية وجود الإيمان يوهم بوجود الباطن قبل الظاهر فهما متلازمان معنىً وحكمًا ووجودًا.
أما عندما يعبر عن الإسلام المقيد بالعمل الظاهر والباطن، وعن الإيمان المقيد بالقول الظاهر والباطن فهما منفكان معنىً ووجودًا، ومتلازمان حكمًا وبمجموعهما يدخل الإنسان الملة.
وقد بيَّنـا تفصيلاً قبل ذلك بطلان قول الجهمية: أن الإيمان باطن وأن الظاهر ثمرة له ولا يدخل فيه، وتأويل أحكام الظاهر ما لم تدل على انخرام الباطن. وكذلك بطلان قولهم: أن الإيمان المجمل الراجع إلى أصل الدين يتبعض، وأن التوحيد يتبعض، وأنه من الممكن أن يكون في الإنسان شركٌ أعظم يجتمع مع توحيد، وكفر ينقل عن الملة يجتمع مع إيمان يدخِل فيها.
ولوأنهم قالوا مثل أهل السنة: أن فروع الإيمان وهي الطاعات تجتمع مع فروع الكفر وهي المعاصي والبدع، لما عاب عليهم أحد، ولكن الطامة الكبرى أن يقولوا: باجتماع صلب التوحيد مع الشرك الأعظم في عبد مسلم واحد ويبقى مع ذلك مسلمًا واجتماع أصل الإيمان مع كفر ينقل عن الملة، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا. وكذلك بيَّنـا أن المعاني لا تنفك عن الإرادات ولو في حالة العجز المطلق عن المرادات لقيام النية مقام العمل، وأن العمل في حالة العجز يجزئ فيه تمرير حركاته وهيئاته وتلاوته على القلب دون حركة بالجوارح أو نطق باللسان كما في الصلاة في شدة المرض وحالات الاحتضار.

قصة عجوز بنى إسرائيل (موعظة للشيخ أبى محمد المقدسى)

خطب ابن الجوزي رحمه الله الناس أيام الغزو الصليبي لديار المسلمين في الجامع الأموي بدمشق فقال:

أيها الناس مالكم نسيتم دينكم وتركتم عزتكم وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم ، حسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ،

يا ويحكم أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يخطر على أرضكم التي سقاها بالدماء أباؤكم ، يذلكم ويستعبدكم وأنتم كنتم سادت الدنيا ، أما يهز قلوبكم وينمّي حماستكم مرأى إخواناً لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف ،

أفتأكلون وتشربون وتتنعمون بلذائذ الحياة وإخوانكم هناك يتسربلون اللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر ؟

يا أيها الناس

إنها قد دارت رحى الحرب ونادى منادي الجهاد وتفتحت أبواب السماء ، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فافسحوا الطريق للنساء يدرن رحاها ، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل يا نساءً بعمائم ولحى.

أو لا ؟ .

فإلى الخيول وهاكم لجمها وقيودها .

يا ناس أتدرون مما صنعت هذه اللجم والقيود ؟ .

لقد صنعها النساء من شعورهن لأنهن لا يملكن شيئاً غيرها ، هذه والله ضفائرهن لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفظاً ، قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى ، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة ، الحرب في سبيل الله ثم في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض .

فإذا لم تقدروا على الخيل تقيدونها فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وظفائر إنها من شعور النساء ، ألم يبق في نفوسكم شعور ؟ .

وألقى اللجم من فوق المنبر على رؤوس الناس وصرخ :

ميدي يا عمد المسجد وانقضي يا رجوم وتحرقي يا قلوب ألماً وكمداً ، لقد أضاع الرجال رجولتهم .

نادر بكار يقول كلاما كفريا إرضا للنصارى

يا أهل حزب النور (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)

 

إذا علمنا أن قانون لجنة تكوين الأحزاب في مصر الذي منحكم رخصة لإنشاء وممارسة السياسة من خلال حزبكم (النور؟!!)ينص صراحةعلى أنه لا يجوز إنشاء أي حزب على أساس ديني (في الغايات أو البرامج أو الأهداف أو القيادات أو الأعضاء)
فهل استغفلتم لجنة شئون الأحزاب وحصلتم على رخصة لانشاء حزب (يفترض أنه إسلامي)؟!
أم أن ذلك الشرط المنصوص عليه ينطبق على حزبكم ( والحزب ليس إسلاميا)؟!!
أم أنكم تمارسون نوعا من المداهنة أو التقية السياسية أسوة بمن سبقكم ممن كنتم تحذرون منهم ومن انحرافاتهم منذ عهد قريب؟!!

لقد كنتم تحذروننا منذ عهد قريب من الشرك ... ومن كل أنواعه... وكنتم تدعون إلى كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة.... وكنتم تحذرون من شرك القبور دوما .... وكنتم تحذروننا من شرك التشريع وتقولون أن كل مشرع من دون الله أو مع الله فهو منازع له سبحانه في حقه
فما بالكم اليوم وقد أصبحتم نجوما وضيوفا مستديمين على الفضائيات إذا سئلتم عن شرك القبور وحكم الأضرحة الملحقة بالمساجد وحكم الموالد تتلعثمون وتتهربون من الإجابة التي كنتم تقطعون بها في المساجد منذ عهد قريب؟! هل تغير حكم الله في ذلك ؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
أم أنكم تخشون من ضياع أصوات الصوفية ومريدي الأضرحة وعبادها؟!!!!!!!!!!!!
أما عن شرك التشريع .... فأنا أسألكم وأنتم من علمتمونا ألا نقبل قولا إلا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة..........بأي ضمير إسلامي؟ وبأي فهم سلفي؟! تدعون الناس إلى المشاركة في برلمان شركي كفري؟! وكيف تقرون بوجود سلطة تشريعية تجعل للبشر ( الذين هم عبيد لله) حق التشريع من دون الله أو مع الله؟! وكيف تقرون أن يبقى شرع الله في المصحف بلا أثر في الحياة ما لم يقره أعضاء البرلمان الذين لهم دون غيرهم حق التشريع (سبحانك هذا بهتان عظيم)

لقد دلستم على الأمة في برنامج حزبكم بألفاظ مطاطة تحتمل معاني كثيرة توهمون المسلمين أن برنامجكم الحزبي يدعو إلى إقامة دولة إسلامية............. فقلتم نسعى إلى بناء دولة حضارية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.... وفسرتم ذلك في صفحة 13 من هذا البرنامج فقلتم .... إنه يجب احترام الارادة العامة للأمة واحترام حقها في اختيار من يمثلها في السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية
أجعلتم إرادة الأمة فوق إرادة الله؟! وتنادون بوجود سلطة تشريعية تشرع من دون الله
إن هذا دين جان جاك روسو وغيره من فلاسفة الالحاد أصحاب نظرية العقد الاجتماعي وليس دين محمد صلى الله عليه وسلم... فاتقوا الله وعودوا إلى دينكم

وبأي حس إسلامي ينادي الدكتور برهامي باحترام سيادة القانون؟!
أسيادة فوق سيادة الله يا دكتور؟! إن كنت تقصد بالقانون الشريعة فهذه تقية وتدليس ولا تجوز في هذا الوقت الذي يجب فيه الوضوح..... وإن كنت تقصد القانون الوضعي فلا أدري ماذا أقول؟!

وأين الولاء والبراء يا مشايخ السلفية؟! اتقوا الله فقد اتسع الخرق على الراقع ولا ندري في أي ثغر نزود عن دين محمد صلى الله عليه وسلم؟!
قد كنا نحذر من غلاة الصوفية ومن الشيعة الرافضة وخطرهم على الاسلام ومن الطواغيت الحاكمين بغير ما أنزل الله فزدتم علينا الخرق اتساعا ففتنتم الناس بفتنة الديمقراطية والحزبية فشتتم طاقات الدعاة

ووالله لقد فرح بفعلتكم دعاة العلمانية وأئمة الكفر ... فرحوا بتنازلاتكم وطرحكم للاسلام كأحد البدائل وعرضها على الناس قبلوها أو ردوها فانزلقتم إلى طريق الانبطاح والتنازلات فجررتم على أنفسكم وعلى الأمة وبالا عظيما..... وإن تظاهر العلمانيون بغير ذلك (ودوا لو تدهن فيدهنون)

يا مشايخ السلفية ويا طلاب العلم الشرعي .... اتقوا الله وعودوا إلى الدعوة السلفية الحقة وتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم... تعالوا لنكفر بالديمقراطية والحزبية والقبة البرلمانية الشركية ونرجع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة

وأعيذكم ونفسي بالله العظيم أن نكون من أهل قوله ( ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلايسيرا)......... فوالله لقد تلبثتم بفتنة دهيماء العصر (الديمقراطية) ودخلتم في دينها وحشدتم أنصاركم وكل طاقاتكم إلى برلمانها الشركي وكأنه الفتح الاسلامي المنتظر!!!!!!!!

اللهم إني أشهدك أنني برأت وكفرت بجميع الأحزاب وبكل الدساتير والقوانين الوضعية وبرلمانها التشريعي الشركي وءامنت بدينك وواليت أهل الحق من المجاهدين في سبيلك ومن أهل العلم الراسخين الثابتين على الحق ومن المستضعفين والمظلومين من المسلمين أينما كانوا وأحببتهم فيك يا رب

اللهم رب السماوات والأرض ورب جبريك وميكائيل ورب كل شئ ومليكه اهد جميع المسلمين لما اختلف فيه من الحق بإذنك وطهرهم من نجس ودنس ورجس الحزبية البغيضة والديمقراطية الوضعية الوضيعة واجمعهم على كتابك وسنة نبيك عليه الصلاة والسلام بفهم سلف أمة المسلمين..........ااااااااااااااااااااااامين

 

بقلم الأخ : فارس الكنانة

النصر على نصارى مصر

النصر على نصارى مصر (وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) النصر على نصارى مصر جمع وترتيب: أبو حفص السياف المصري حشره الله مع المجاهدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز.. والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له.. الذي جعل رزقه تحت ظل رمحه .. الذي جاء الكافرين بالذبح .. نبي الملحمة الضحوك القتال.. وعلى أصحابه أبطال الجهاد وفاتحي البلاد وعلى من تابعهم وسار على هديهم إلى يوم الدين وبعد: قال عز وجل: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز)..وقد فهم السلف رحمهم الله طبيعة هذا الدين وأنه لا يقوم إلا بكتاب يهدي وسيف ينصر كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله .. وفي غربة الإسلام الثانية .. أهمل المسلمون كثيراً من الكتاب الهادي كما أهملوا السيف الناصر إلا من رحم الله فكانت الهزيمة ولابد وكان مما أهمل في هذا العصر من الكتاب أحكام أهل الذمة وكان من جراء ذلك أن تجرأ النصارى في بلاد المسلمين على المسلمين بل وعلى الإسلام .. وإن الناظر إلى أوضاع النصارى اليوم ليرى خطراً محدقاً إن لم يستيقظ له المسلمون عصف بالدين والأعراض والدماء .. لقد تجرءوا على خطف أخواتنا المسلمات بقوة الشرطة وامتدت أيديهم وألسنتهم إلى المسلمين والإسلام بكل سوء، واستشرى بناء الكنائس في دار الاسلام تبنى كالقلاع لا كمجرد دور للعبادة إلى غيرها من التطورات الخطيرة .. ويوازي هذا التطور على جانب المسلمين تطور آخر .. مزيد من الضعف والخذلان والتغافل عن الأعراض والحرمات .. فكان حتماً أن ننادي في المسلمين واصبحاه .. وأن نرشدهم إلى طريق القرآن في كف بأس الأعداء : (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً) .. وأن نرشدهم إلى العودة إلى أسباب النصر وقوام الدين ..إلى الكتاب الهادي والسيف الناصر .. وإنني لا أخاطب برسالتي هذه أولئك المنافقين الذين يوالون النصارى ويوادونهم ويسارعون فيهم .. ولا أولئك الزنادقة الذين يقدمون مصلحة الوطن –زعموا- على مصلحة الشرع ويجعلون رابطة الوطن فوق رابطة الدين ..فلهؤلاء وأولئك خطاب يليق بأمثالهم.. وإنما أخاطب الباحثين عن الحق الذين يستقون الشرع من معينه: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .. الذين يتجردون لله في طلب الحق من كل هوى وعصبية وتقليد.. فإذا أبصروا نور الأدلة الساطع سارعوا إليه يبتغون مرضاة الله وإن غضب أهل الأرض قاطبة.. إلى هؤلاء فقط من أئمة المسلمين وعامتهم أوجه خالص نصحي في هذه الرسالة محفوفاً بحبي لهم في الله .. وقد ضمنتها أولاً: في وجوب قتال الكفار حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ثانياً: بين الشروط العمرية والواقع المخزي..وهو تلخيص لشرح هذه الشروط من كتاب أحكام هل الذمة مع التعليق عليها. وينتهي هذا الباب بفصل (كل من طعن في ديننا فهو من أئمة الكفر). ثالثاً: مشروعية اغتيال أئمة الكفر. رابعاً: من لهم فقد آذو الله ورسوله. أسأل الله عز وجل أن يتقبلها وأن يجعلها خالصة لوجهه والله الموفق أبو حفص السياف المصري أرض الكنانة في 12 ربيع أول 1426هـ الفصل الأول في وجوب قتال الكفار من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية والصغار يقول عز وجل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) سورة: التَّوْبَة آية: 29 قال القرطبي رحمه الله: (أمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، وخصوصاً ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته. فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة، فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية، وهي إعطاء الجزية بدلاً عن القتل. وهو الصحيح. قال ابن عربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. ثم قال: "حتى يعطوا الجزية عن يد" فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة،وعين البدل الذي ترتفع به). وقال رحمه الله: (اختلف العلماء فيما وجب الجزية عنه، فقال علماء المالكية: وجبت بدلاً عن القتل بسبب الكفر وقول مالك أصح، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على مسلم جزية". قال سفيان:معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه. أخرجه الترمذي وأبو داود. قال علماؤنا: وعليه يدل قوله تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" لأن بالإسلام يزول هذا المعنى. ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون). وأما قوله: " وهم صاغرون "، فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون. يقال للذليل الحقير: ((صاغر)). )[1] أهـ قال ابن كثير رحمه الله: وقوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ }[التوبة:92] أي إن لم يسلموا {عَن يَدٍ }[التوبة:92] أي عن قهر لهم وغلبة {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ }[التوبة:92] أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم) أهـ تفسير بن كثير 4/115 وسيأتي بيانها تفصيلاً إن شاء الله وقال ابن القيم رحمه الله: فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً. واختلف في اشتقاقها، فقال القاضي في "الأحكام السلطانية": اسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغاراً، أو جزاءً على أماننا لهم، لأخذها منهم رفقاً. قال شيخنا: والأول أصح, وأما قوله: (عن يد) فهو في موضع النصب على الحال: أي يعطوها أذلاء مقهورين: هذا هو الصحيح في الآية. وقوله تعالى: (وَهُمْ صَاغرونَ) حال أخرى، فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية منهم، أن يأخذوها بقهر وعن يَد، والثاني حال الدافع لها أن يدفعها وهو صاغر ذليل. قال القاضي: ولم يرد تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم، وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالهم. قلت: لما كانت يد المعطى العليا، ويد الآخذ السفلى، احترز الأئمة أن يكون الأمر كذلك في الجزية، وأخذوها على وجه تكون يد المعطى السفلى، ويد الآخذ العليا. قال القاضي أبو يعلى: وفى هذا دلالة على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان، ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين، وأخذ الضرائب، لا ذمة لهم، وأن دماءهم مباحة، لأن الله تعالى وصفهم بإعطاء الجزية على وجه الصغار والذل. وهذا الذي استنبطه القاضي من أصح الاستنباط، فإن اللّه سبحانه وتعالى مد القتال إلى غاية: وهى إعطاء الجزية مع الصغار، فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية منافية للذل والصغار فلا عصمة لدمه ولا ماله، وليست له ذمة، ومن ههنا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه تلك الشروط التي فيها صغارهم وإذلالهم، وأنهم متى خرجوا عن شيء منها فلا عهد لهم ولا ذمة، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل الشقاق والمعاندة. وسنذكر إن شاء اللّه في آخر الجواب الشروط العمرية وشرحها.) أحكام أهل الذمة (1/114) [1] الفصل الثاني بين الشروط العمرية والواقع المخزي ذكر الأحكام العمرية وأحكامها وموجباتها قال عبد اللّه ابن الإِمام أحمد بعد أن ساق سنده: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: "إنا حين قدمتِ بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحْدِث في مدينتا كنيسة، ولا فيما حولها ديراً ولا قلاية ولا صومعة راهب؛ ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين. وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً، وألا نكتم غشاً للمسلميِن، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا. ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاه ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليباً ولا كتاباً في سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثاً- قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور، ولا نظهر شِرْكَاً، ولا نرغب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً. ولا نتخذ شيئاً من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين. وألا نمنع أحداً من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام. وأن نلزم زينا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم الطريق ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن. ولا يشارك أحد منا مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلمِ أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد. ضمِنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإنْ نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق ". فكتب بذلك عبد الرحمن بن غُنْم إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فكتب إليه عمر: "أن أمض لهم ما سألوا، وألحق فيهم حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: ألا يشتروا من سبايانا شيئاً، ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده ". فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط. وذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يُؤْوا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه. وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس. ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنوْا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً، ولا يتقلدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفياً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق". وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها: فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجُّوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها. فذكر أبو القاسم الطبري، عن صالح المرادي عن عبد خير قال: رأيت علياً صلى العصر فَصُف له أهل نجران صفين، فناوله رجل منهم كتاباً فلما رآه دمعت عينيه ثم رفع رأسه إليهم قال: "يا أهل نجران هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقالوا: يا أِمير المؤمنين، أعطنا ما فيه. قال: ودنوت منه فقلت: إنْ كان راداً على عمر يوماً فاليوم يرد عليه! فقال: لست براد على عمر شيئاً صنعه، وإن عمر كان رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيراً مما أعطاكم، ولم يجر عمر ما أخذ منكم إلى نفسه إنما جره لجماعة المسلمين". وذكر ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن علياً رضي اللّه عنه قال لأهل نجران: إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أغير شيئاً صنعه عمر! وقال الشعبي: قال عليّ حين قدم الكوفة: ما جئت لأحل عقدة شدّها عمر! وقد تضمن كتاب عمر رضي الله عنه هذا جملاً من العلم تدور على ستة فصول: الفصل الأول: في أحكام البيع والكنائس والصوامع وما يتعلق بذلك. الفصل الثاني: في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بها. الفصل الثالث: فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام. الفصل الرابع: فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس وغيره. الفصل الخامس: فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنه. الفصل السادس: في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها.) أجكام أهل الذمة 1137/2 الفصل الأول في أحكام البيع والكنائس قال تعالى: (وأن المساجِدَ لله فلا تدعوا معَ الله أحداً "، وقال: (في بيوتِ أذنَ اللّه أنْ تُرفعَ وِيُذكَرَ فيها اسمهُ يسّبحُ لهُ فيها بالغدو والآصال) وقال تعالى: (ولولا دَفْعُ الله الناس بعضهَم ببعض لهدّمت صوامعُ وَبيعَ وصلوات ومساجدُ يُذكرُ فيها اسم الله كثيراً ). قال الحسن: "يدفع عن مصليات أهل الذمة بالمؤمنين ". وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التقدير الذي قدره أصحاب القول الأول؛ وهذا ظاهر اللفظ، ولا إشكال فيه بوجه: فإن الآية دلت على الواقع، لم تدل على كون الأمكنة- غير المساجد- محبوبة مرضيةَ له. لكنه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإِسلام وأقر منها ما أقر بعده وإن كانت مسخوطة له، كما أقرّ أهل الذمة وإن كان يبغضهم ويمقتهم، ويدفع عنهم بالمسَلمين مع بغضه لهم وهكذا يدفع عن مواضع متعبداتهم بالمسلمين، وإن كان يبغضها, وهو سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أقروا عليها[1] شرعاً وقدراً: فهو يحب الدفع عنها وإن كان يبغضها كما يحب الدفع عن أربابها وإن كان يبغضهم. وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى، وهو مذهب ابن عباس في الآية. وقد تضمن الشرط ذكر الدير والقلاية والكنيسة والصومعة. فأما الدير فللنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد، يجتمعون فيه للرهبانية والتفرد عن الناس. وأما القلاية فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة. والفرق بينها وبين الدير أن الدير يجتمعون فيه والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه، ولا يكون لها باب بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه. وأما الصومعة فهي كالقلاية تكون للراهب وحده. وأما البيع فجمع بيعة، وأهل اللغة والتفسير على أنها متعبد النصارى إلا ما حكيناه عن ابن عباس أنه قال: "البيع مساجد اليهود". وأما الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين. ولليهود خاصة الفُهُر-بضم الفاء والهاء- واحدها فُهْر، وهو بيت المدراس الذي يتدارسون فيه العلم. وفي الحديث "أن رسول اللّه في دخل على اليهود بيت مدراسهم ". وفيه أيضاً قول أنس: "كأنهم اليهود حين خرجوا من فهرهم ". وحكم هذه الأمكنة كلها حكم الكنيسة وينبغي التنبيه عليها. ذكر حكم الأمصار التي وجدت فيها هذه الأماكن وما يجوز إبقاؤه وما يجب إزالته البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام: أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإِسلام. والثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها. الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحاً. فأما القسم الأول: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام. فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة[2]. فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة، أو يظهروا فيها خمراً أو خنزيراً أو ناقوساً لم يجز، وِإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسداً، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع. وعن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه "لا كنيسة في الإِسلام ولا خصاء". وقال الإمام أحمد حدثنا معتمر بن سليمان التيْمي عن أبيه عن حنش عن عكرمة قال: سَئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئاً؟ فقال: أيما مصرٍ مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وأيما مصر مصرته العجم ففتحه اللّه عز وجل على العرب فنزلوا فيه فِإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم. وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم، وكل شيء فتح عنوة فلا يحدثوا فيه شيئاً من هذا. وما كان من صلح أُقروا على صلحهم ". وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني عمي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة- يعني ابن محمد- أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء. قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: "إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار، القديمة والحديثة" ذكره أحمد عن عبد الرزاق. وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده: فإن إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر، وهذه شعار الفسق. ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث موضع الكفر والشرك؟! فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصَرها المسلمون. قيل: هي على نوعين: أحدهما: أن تحْدَث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تُزال اتفاقاً. والثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض، ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تُزال، واللّه أعلم. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكعامّة أرض الشام، وبعض مدنها، وكسواد العراق- إلا مواضع قليلة فتحت صلحاً- وكأرض مصر، فِإن هذه الأقاليم فُتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحاً. وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح- على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب- فإنها فتحت أولاً صلحاً، ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة. ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهما أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئاً للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم. ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك. فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكوا ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان. والمتاع والنقد. وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين: فإن ما يقال فيها من الأقوال، ويفعل فيها من العبادات، إما أن يكون مبدلاً أو محدثاً لم يشرعه اللّه قط، أو يكون اللّه قد نهى عنه بعد ما شرعه. وقد أوجب اللّه على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله للّه، وتكون كلمة اللّه هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث اللّه به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولهذا لما استولى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم، كبني قينقاع والنضير وقريظة، كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: (وأورْثَكُمْ أرَضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأمْوالَهُمْ ). وفي قوله تعالى: (وما أفاءَ الله على رَسُولِه منْهُمْ (، (ما أفَاءَ الله على رَسُوله من أهْلِ القُرَى). [1] وليس عن كل متعبداتهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله. [2]سئل شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله عن الكنائس التي بالقاهرة وكان فيما قاله النصارى على عهده أن هذه الكنائس أقرهم عليها عمر بن الخطاب فكان من جوابه رحمه الله: (وأما قولهم: إن هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها. فهذا أيضاً من الكذب؛ فإن من العلم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بأكثر من ثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة؛ والكوفة، وواسط). مجموع الفتاوى 28/630 وقال أيضا رحمه الله: (وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة؛ مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة؛ بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في مدائن المسلمين؟! بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة؛ لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بغير عهد). فصل ما يترتب على نقض العهد ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلاً عن كنائس العنوة كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لقُريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ناقض العهد أسوأ حالاً من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ حَالاً من الكافر الأصلي. ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق من دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئاً. فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعقد المبتدأ، وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد. وله ألا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداءً. فإنه لو أراد الإمام عند فتحة هدم ذلك جاز لإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه وإنما اختلفوا في جواز بقائه. وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديماً قبل فتح المسلمين، أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في الشروط المشهورة عنه " ألا يجددوا في مدائن الإسلام، ولا فيما حولها، كنيسة ولا صومعة ولا ديراً ولا قلاية، امتثالاً لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تكون قبلتان ببلد واحد" رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا كنيسة في الإسلام ". وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه اللّه من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى. فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: "من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار، القديمة والحديثة". وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب "بشروط عمر" استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين. وملخص الجواب: أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر.مصره المسلمون بأرض العنوة، سواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة، لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تجتمع قبلتان بأرض فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة، والمحدث يهدم باتفاق الأئمة. وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثاً وجب هدمه، وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما جميعاً لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وما كان منها قديماً فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم. فينظر الإمام في المصلحة: فان كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذا أيضاً، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضاً. وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه فالذي ينبغي تركها. كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه، ثم أخذ منهم. وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم كما فعل المسلمون بجامع دمشق لما بنوه. فإذا عرف أن الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة مصر والمحدثات كلها ومنها ما يفعل المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام. فما كان قديماً على ما بيناه، فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمره الله به، وكما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين اللّه، وقمع أعدائه، وإتمام ما فعله الصحابة؛ وإلزامهم بالشروط عليهم، ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام. ولا يلتفت في ذلك إلى مرجف أو مخذلِ يقول: إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم، فإن الله تعالى يقول: (وَلَينصُرَن الله منْ يَنْصُره إن الله لَقوي عَزيز). وإذا كان نوروز في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحن نرجو أن يحقق الله وعد رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينِها" ويكون من أجرى الله ذلك على يديه وأعان عليه، من أهل القرآن والحديث، داخلين في هذا الحديث النبوي، فإن الله بهمِ يقيم دينه كما قال: (لَقَدْ أرْسلناُ رُسلَنا بالبيناَت وَأنْزَلْنَا معَهُم الكتاَبَ وَالميزانَ لِيقوم الناسُ بالقسط وَأنْزَلنا الحَديدَ فيه بَأس شدَيد وَمناَفِع لِلناس، وَلِيعلَم الله من ينصرُه ورَسلُه بالغيبِ إَن الله قوِي عَزِيز). فصل الضرب الثاني من البلاد ما فتح عنوة الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها، ثم فتحها المسلمون عنوة وقهراً بالسيف فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس. وأمَا ما كان فيها من ذلك قبل الفتح فهل يجهز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره: أحدهما يجب إزالته وتحرم تبقيتُه، لأن البلاد قد صارت ملكاً للمسلمين، فلم يجز أن يقرْ فيها أمكنة شعار الكفرة كالبلاد التي مصرها المسلمون، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصلح قبلتان ببلد". وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكاً للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره. وهذا القول هو الصحيح. وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد، وهي أرض العنوة. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: (وهذه الشروط ما زال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين، كما جدد عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في خلافته، وبالغ في اتباع سنة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حيث كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله تعالى بها على غيره من الأئمة، وجددها هارون الرشيد، وجعفر المتوكل، وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التي ينبغي هدمها، كالكنائس التي بالديار المصرية كلها، ففي وجوب هدمها قولان ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت. ولو أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن، كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر، ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد بتلك البقاع بحيث بنيت فيها المساجد: فلا يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام، كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع قبلتان بأرض» ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون ـ رضي الله عنه ـ أن لا يظهروا شعائر دينهم)[1]. فصل الضرب الثالث ما فتح صلحاً وهذا نوعان: أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة. فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها، لأن الدار لهم كما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران ولم يشترط عليهم ألا يحدثوا كنيسة ولا ديراً. النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين؛ ويؤدون الجزية إلينا. فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة، لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم. والواجب عند القدرة أن يصالحوا على ما صالحهم عليه رضي اللّه عنه، ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: "ألا يحدثوا بيعة، ولا صومعة راهب، ولا قلاية". فلو وقع الصلح مطلقاً من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه لأنها صارت كالشرع، فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها. فصل فصل زوال الأمان عن الأنفس زوال عن الكنائس وقد روى أبو داود في "سننه " عن أسباط عن السدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: "صالح رسول اللّه في أهل نجران على ألفي حلة" الحديث، وفيه: (ولا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً، أو يأكلوا الربا". فأبقى كنائسهم عليهم لما كانت البلد لهم، وجعل الأمان فيها تبعاً لأمانهم على أنفسهم. فإذا زال شرط الأمان على أنفسهم- بإحداث الحدث وأكل الربا- زال عن رقاب كنائسهم كما زال عن رقابهم. الفصل الثاني فيما يتعلق بإظهار المنكر من أقوالهم وأفعالهم مما نهوا عنه فصل: قولهم ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً الجاسوس عين المشركين وأعداء المسلمين، وقد شرط على أهل الذمة ألا يؤوه في كنائسهم ومنازلهم، فإن فعلوا انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم. ولا يشترط أن يجدد عليهم الإمام ذلك بل يكفي شرط عمر رضي اللّه عنه، وهو مستمر عليهم أبداً، قرناً بعد قرن. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الاسلام، ولو كان في اشتراط الإمام شرطاً في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ولا أخذ الجزية منهم. وفي اتفاق الأمة دلالة على ذلك قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر، واكتفاءً بشرط عمر رضي الله عنه. 3/1233. [1]مجموع الفتاوى 28/632 فصل قولهم ولا نكتم غشاً للمسلمين هذا أعم من إيواء الجاسوس: فمتى علموا أمراً فيه غش للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدهم. وبذلك أفتينا ولي الأمر بانتقاض عهد النصارى لما سعوا في إحراق الجامع والمنارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم، وعلم بعضهم وكتم ذلك ولم يطلع ولي الأمر. وبهذا مضت سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ناقضي العهد، فإن بني قينقاع وبني النضير وقريظة لما حاربوه ونقضوا عهده عم المجميع بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولم يطلعوه عليه. وكذلك فعل بأهل مكة لما نقض بعضهم عهده وكتم الباقون وسكتوا ولم يطلعوه على ذلك أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عقر دارهم. وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وبالله التوفيق. فصل قولهم ولا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا لما كان الضرب بالناقوس هو شعار الكفر وعلمه الظاهر اشترط عليهم تركه، وقد تقدم قول ابن عباس رضي اللّه عنهما: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً" ذكره أحمد. وأما قولهم في "كتاب الشروط ": ولا نضرب بالناقوس إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا" فهذا وجوده كعدمه، إذ الناقوس يعلق في أعلى الكنيسة كالمنارة ويضرب به فيسمع صوته من بعد، فإذا اشترط عليهم أن يكون الضرب به خفياً في جوف الكنيسة لم يسمع له صوت، فلا يعتد به، فلذلك عطلوه بالكلية إذ لم يحصل به مقصودهم. وكان هذا الاشتراط داعياً لهم إلى تركه.)أهـ 1234 فصل قولهم ولا نظهر عليها صليباً لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره قال أحمد في رواية حنبل: "ولا يرفعوا صليباً، ولا يظهروا خنزيراً، ولا يرفعوا ناراً، ولا يظهروا خمراً؛ وعلى الإمام منعهم من ذلك ". وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوساً، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم. فإن قدر على من فعل من ذلك شيئاً بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده ". وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام: فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود أربابها، ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب. ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها؛ ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها. فصل قولهم ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا مما يحضره المسلمون لما كان ذلك من شعار الكفر منعوا من إظهاره. قال أبو الشيخ: حدثنا عبد الله بن عبد الملك الطويل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن "امنعوا النصارى من رفع أصواتهم في كنائسهم، فإنها أبغض الأصوات الى الله عز وجل وأولاها أن تخفض". وقَال أحمد في رواية أبي طالب: "ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم". وقال الشافعي: "واشترط عليهم ألا يسمعوا المسلمين شركهم، ولا يسمعونهم ضرب ناقوس، فإن فعلوا ذلك عُزروا" انتهى. فرفع الأصوات التي منعوا منها ما كان راجعاً إلى دينهم وإظهار شعاره كأصواتهم في بحوثهم ومذاكرتهم ونحو ذلك.1240 فصل قولهم ولا نخرج صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين فيه زيادة على عدم إظهار ذلك على كنائسهم وفي صلواتهم، فهم ممنوعون من إظهاره في أسواق المسلمين وإن لم يرفعوا أصواتهم به. ولا يمنعون من إخراجه في كنائسهم وفي منازلهم، بل الممنوع منه فيها رفع أصواتهم ووضع الصليب على أبواب الكنائس. فصل قولهم وألا نخرج باعوثاً ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين فأما الباعوث فقد فسره الإِمام أحمد في رواية ابنه صالح فقال: يخرجون كما نخرج في الفطر والأضحى. ومن هنا قال أحمد في رواية ابن هانئ: "ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحد ولا يظهروا لهم خمراً ولا ناقوساً"، فإن اجتماعهم المذكور هو غاية الباعوث ونهايته فِإنهم ينبعثون إليه من كل ناحية. وليس مراد أبي عبد الله منع اجتماعهم في الكنيسة إذا تسللوا إليها لواذاً. وإنما مراده إظهار اجتماعهم كما يظهر المسلمون ذلك يوم عيدهم فإذا اختفوا في كنائسهم باجتماعهم لم يعرض لهم فيها ما لم يرفعوا أصواتهم بقراءتهم وصلاتهم. وأما الشعانين فهي أعياد لهم أيضاً. والفرق بينها وبين الباعوث أنه اليوم والوقت الذي ينبعثون فيه على الاجتماع والاحتشاد. وقولهم: "ولا نرفع أصواتنا مع موتانا" لما فيه من إظهار شعار الكفر، فهذا يعم أصواتهم بقراءتهم وبالنوح وغيره، وكذلك إظهار النيران معهم إما بالشمع أو السرج المشاعل ونحوها. فأما إذا أوقدوا النار في منازلهم وكنائسهم ولم يظهروها لم يتعرض لهم فيها.1242 فصل حكم حضور أعياد أهل الكتاب[1] وكما أنهم لا يجز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله. وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم. فقال أبو القاسم هبة اللَه بن الحسن بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإِنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط اللَه على جماعتهم، فيعم الجميع، نعوذ باللَه من سخطه. ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة: (والذين لا يشهدون الزور) قال: لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم، ونحوه عن الضحاك. ثم ذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا على هؤلاء الملعونين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم " والحديث في الصحَيح. وذكر البيهقي بِإسناد صحيح عن عطاء بن دينار قال: قال عمر رضي اللّه عنه: "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فِإن السخطة تنزل عليهم ". وقال البخاري في غير "الصحيح ": قال لي ابن أبي مريم: حدثنا نافع بن يزيد سمع سلمان بن أبي زينب، وعمرو بن الحارث سمع سعيد بن سلمة، سمع أباه، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " اجتنبوا أعداء اللَه في عيدهم ". ذكره البيهقي. وذكر بِإسناد صحيح: عن عبد الله بن عمرو قال: "من مر ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة". وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنأ. واحتج بقوله تعالى: (وَالذِينَ لا يَشْهَدُون الزور) قال: الشعانين وأعيادهم. وقال الخلال في "الجامع ": (باب في كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين) وقال عبد الملك بن حبيب: "سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذين اجتمعوا عليه ألا ترى انه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم؟ لا لحماً ولا أدماً ولا ثواباً، ولا يعارون دابة، ولا يعانون على شيء من عيدهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه. هذا لفظه في (الواضحة). وفي كتب أصحاب أبي حنيفة: من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد فقد كفر. فصل قولهم ولا نجاورهم بالخنارير ولا ببيع الخمور يجوز أن يكون بالراء المهلة من المجاورة أي بيع الخمرة بحضرتهم، ولا تكون الخنازير مجاورة لهم. ويجوز أن يكون بالزاي المعجمة: أي لا نتعدى بها عليهم جهرة، بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفية بحيث لا يطلعون على ذلك. والمعنيان صحيحان. وذلك يتضمن إخفاء الخمر والخنزير فيما بينهم، وألا يظهروا بهما بين المسلمين كما لا يظهرون بسائر المنكرات.1245 فصل وكذلك قولهم ولا نجاوز المسلمين بموتانا يجوز أن يكون بالزاي والراء: من المجاوزة والمجاورة. فإن كان بالمهملة فالمعنى اشتراط دفنهم في ناحية من الأرض، لا تجاور قبورهم بيوت المَسلمين ولا قبورهم، بل تنفرد عنهم لأنها محل العذاب والغضب، فلا تكون هي ومحل الرحمة في موضع واحد لما يلحق المسلمين بذلك من الضرر. وإن كان بالمعجمة فهو من المجاوزة، وعادة النصارى في أمواتهم أنهم يوقدون الشموع، ويزفون بها الميت، ويرفعون أصواتهم بقراءة كتبهم. فصل قولهم ولا نبيع الخمور أي لا نبيعه ظاهراً بحيث يراه المسلمون إذ إن بيعه ظاهراً من المنكر العظيم. وكذلك نقله من موضع إلى موضع في دار الإسلام في البلد وخارج البلد. قال أبو القاسم الطبري: وقد روي عن عمر وعلي رضي اللّه عنهما في هذا تغليظ في خرق متاعها وكسر أوانيها. ثم ذكر من طريق أبي عبيد ثنا هُشيم ومروان بن معاوية، حدثني عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شُبيل عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغ عمر أن رجلاً من أهل السواد قد أثرى في تجارة الخمر، فكتب أن "اكسروا كل شيء قدرتم عليه، وشردوا كل ماشية له ". قال أبو عبيد: وثنا مروان بن معاوية، ثنا عمر المكَتب حدثنا حذلم عن ربيعة ابن زكار قال: نظر علي إلى زرارة فقَال: ما هذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى زرارة يُلَحمُ فيها ويباع الخمر. فقال أين الطريق إليها؟ قالوا: باب الجسر. قال قائل: يا أمير المؤمنين، خذ لك سفينة تجوز فيها، قال: تلك سخرة ولا حاجة لنا في السخرة، وانطلقوا بنا إلى باب الجسر، فقام يمشي حتى أتاها، فقال: عليّ بالنيران أضرموا فيها: فإن الخبيث يأكل بعضه بعضاً، فأضرمت في عرشها. قال: وقد قضى ابن عباس: "أيما مصر مصره المسلمون فلا يباع فيه خمر". قال أبو عبيد: "وإنما معنى هذه الأحاديث أن يكون في أهل الذمة، لأنهم كانوا أهل السواد حينئذ". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن "لا تحمل الخمر من رستاق إلى رستاق ". فصل قولهم ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحداً[2] هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به: فإنه حراب الله ورسوله باللسان، وقد يكون أعظم من الحراب باليد. كما أن الدعوة إلى اللّه ورسوله جهاد بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد. ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمة- ولا بد- للطعن في الحق كان دعاؤِهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعناً في دين الإسلام[3]، وقد قال تعالى: (وَإنْ نكثوا أيَمانهُمْ مِنْ بعَد عهْدهمْ وَطَعنُوا في دينكُمْ فَقاتلوا أئمةَ الكُفْر) ولا ريب أن الطعن في الدين أعظم منَ الطعَنَ بالرمح والسيفَ. فأولى ما انتقض به العهد الطعن في الدين ولو لم يكن مشروطاً عليهم، فالشرط ما زاده إلا تأكيداً وقوة.1252 فصل قولهم ولا نتخذ من الرقيق الذي جرت عليه أحكام المسلمين يتضمن أنهم لا يتملكون رقيقاً من سبي المسلمين [1] وهذا فضلاً عن أن تعطل مصالح الدولة المسلمة في أعيادهم حيث أصبح 7 يناير من الإجازات الرسمية في مصر [2]وأما ترغيبهم في دينهم فلم يتركوا وسيلة إليه إلا سلكوها في وقاحة بالغة.. ولا نستطيع حصر ما فعلوه ولو في مجلدات وآحاد ذلك تكفي في نقض عهدهم وعلى سبيل المثال ما حدث مؤخراً من فيلم آلام المسيح الذي عرضته السنيما المصرية لعنها الله وما قاموا به من توزيع الفيلم على اسطوانات وشرائط فيديو ومعه الكتاب المحرف في شوارع المسلمين وراجع في ذلك رسالة (قالوا آلام المسيح لأبي الفرج المصري) فقد جمع فيها جملة من هذه الأخبار.. ومؤتمر التجارة .. الطريق السريع إلى مصرالذي نظمته الغرفة التجارية الدولية المسيحية بالتعاون مع جمعية رجال الأعمال المصريين في الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر فبراير ،قالت المنظمة : إن اهتمام العالم في هذه الآونة بمصر وجيرانها ينبئ بأن هذه الدولة ذات الثقل التاريخي على وشك الدخول في تحول إلهي مقدس.. وتم استكمال أعمال المؤتمر في جلسات سرية في في كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية وسط القاهرة ..(مفكرة الإسلام الأربعاء 14 محرم 1426هـ) أضف إلى ذلك دار الكتاب المقدس المنتشرة في أنحاء البلاد والتي تنشر الكتب التنصيرية وشرائط الفيديوا وتبيعها بأسعار لا تصل حتى إلى ثمن التكلفة وربما لا تصل إلى نصفه بل وتقوم بعرض أفلامهم على شاشة كبيرة في الشارع أمام الدار وتجد أمامها جمهور من المشاهين بل قام جهاز مترو الأنفاق بتقديم عرض تلفزيوني عن قصص مرئية للأطفال تنتجها [دار الكتاب المقدس]. وفي نهاية الإعلان يطلب المتحدث من الأطفال الاتصال على رقمي هاتف لـ [دار الكتاب المقدس] لحجز نسخهم من الأشرطة. وتشتهر الدار المذكورة بنشاطها في توزيع الأشرطة التنصيرية حيث وزعت آلاف النسخ من فيلم سينمائي يحكي قصة 'يسوع' عن طريق معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما أن للدار أشرطة [تعليمية] لتلاميذ مرحلة الروضة والابتدائية والإعدادية. وقد شاركت [دار الكتاب المقدس] التي يديرها 'رامز عطا الله' في أعمال مؤتمر 'التجارة .. الطريق السريع إلى مصر' الذي عقد الشهر الماضي في القاهرة بتوزيع النشرات التنصيرية على الزوار والمشاركين وكان من ب

الرد على الاسلاميين فى مشاركتهم العمل السياسى الشركى

الرد على الاسلاميين فى مشاركتهم العمل السياسى الشركى

للأخ فارس الكنانة
قال تعالى: ((إن الحكم إلا لله))

وقال تعالى: ((أفحكم الجاهلية يبغون))

وقال تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون))

وقال تعالى: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)) فكل من تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت، وقد جعل الله شطر كلمة التوحيد الكفر بالطاغوت ((فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى))

((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)) فهذا شرك واضح.

وأجمع أهل العلم على أن هذه القوانين كفرية طاغوتية وأنه لا يجوز لأحد أن يشارك فيها بوجه من الوجوه، وأن المشاركة فيها كفر.

فإن قيل: نشارك لأجل المصلحة والضرورة

قلنا: إن الذي قد يجوز لأجل الضرورة هو المعاصي العادية الغير كفرية وأما الكفر فقد أجمع أهل العلم أنه لا يجوز إلا في حالة الإكراه

قال ابن القيم في الإعلام:

((ولا خلاف بين الامة أنه لا يجوز الاذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالايمان ))

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

(...وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ وَاقِعَةٌ لِكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ وَجَوَابُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مَقَامَاتٍ : " أَحَدُهَا " أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قِسْمَانِ : " أَحَدُهُمَا " مَا يَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْ مِنْهُ شَيْئًا لَا لِضَرُورَةِ وَلَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ : كَالشَّرَكِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَالظُّلْمِ الْمَحْضِ وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ** قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .

فإن قيل: ما الطريق الآن، وماا نفعل إذاً؟

قلنا: نفعل ما فعله نبينا صلى الله عليه وسلم عندما بعث في أرض لا يعبد فيها الله وليس لا يحكم فقط، بل لا يعبد فهم مشركون أبناء مشركين.

فقد دعا إلى التوحيد الحق وتضمنه لقضية الحاكمية، بدلا من أن نظل نقول الناس لا تعرف الشريعة ولن تستقبل الشريعة، فهذا عيب فينا فالمشايخ لهم ثلاثون سنة في الدعوة ونادرا ما كانوا يتحدثون عن قضية التوحيد والحاكمية، فلذلك لم يعرف الناس، ففتحت الآن مسئلة الدعوة فليقولوا وليعلموا الناس التوحيد حقا، وهذا ما فعله صلى الله عليه وسلم وأمر به (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)

فهل طريقته صلى الله عليه وسلم كافية أم لا؟؟؟؟؟!!!!!!

فمن قال: ليست كافية فلا كلام معه، ومن قال كافية قلنا: فهذه إجابة سؤال من قال: فماذا نفعل إذا.



إذا قالوا لك؛ إن المشاركة في الانتخابات البرلمانية واجبٌ دينيّ.

فقل لهم: إنكم تعنون بذلك إنها عبادة يؤجر فاعلها ويأثم تاركها؟!

فإن قالوا لك؛ نعم!

فقل لهم؛ إن الأصل في العبادات الحُرمة إلا مع قيام الدليل الشرعية عليها من الكتاب والسنة، واسألهم حينها؛ ما هو دليلكم على هذه العبادة؟!

فإن ذكروا لك ما جاء في الكتاب والسنة من الترغيب في الشورى، فقل لهم: إن الشورى غير الديمقراطية.

فإن قالوا لك: وما الفرق بينهما؟

فأجبهم قائلاً: الديمقراطية تقضي على المفهوم الصحيح للشورى، وذلك لأن الشورى تفارق الديمقراطية في عدة محاور، منها...

أولاً؛ أن الحاكم في الشورى هو الله، كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [الأنعام من الآية 57]، والدمقراطية بخلاف ذلك، فالحكم فيها لغير الله – أغلبية الشعب –

ثانياً؛ أن الشورى إنما هي في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها ولا إجماع، والديمقراطية بخلاف ذلك، فهي تخوض في كل شيء، كتحريم الخمر – مثلاً - فلو أجمع أغلب الشعب على جوازه فهو جائز، ولا اعتبار لشريعة الله.

ثالثاً؛ أن الشورى في الإسلام محصورة في أهل الحل والعقد والخبرة والاختصاص، وليست الديمقراطية كذلك.

فإن زعموا أن هنالك بعض الآيات والأحاديث تجيز للمسلم طلب الولاية في الحكومات الكافرة.

فقل لهم؛ إعلموا أن النصوص الشرعية؛ قسمان، متشابه ومُحكم، وإن منهج أهل السنة والجماعة قائم على التعلق بالمحكم لا بالمُتشابه، وإن الله تعالى ذكر في القرآن؛ أن أهل البدع يتركون المُحكم ويتعلقون بالمُتشابه لزيغ قلوبهم؛ {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران: 7].

ثم أذكر لهم أن المُحكم من كتاب الله تعالى قد هَدَمَ ما تدعو إليه الديمقراطية.

فإن قالوا لك: فأين تجد ذلك من كتاب الله؟!

فقل لهم: إن دين الديمقراطية حوى مفاسد كيرة، حاربها القرآن الكريم، ومن ذلك...

1) إن من يسلك أو يتبنى النظام الديمقراطي؛ لا بُد له من الاعتراف بالمؤسسات والمبادئ الكفرية والتحاكم إليها، كـ "مواثيق الأمم المتحدة"، و "قوانين مجلس الأمن الدولي"، و "قانون الأحزاب"... وغير ذلك من القيود المخالفة لشرع الله، والله تعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} [النساء، من الآية: 60]، وإن لم يفعل كل ذلك مُنع من مزاولة نشاطه الحزبي، بحجة أنه متطرف، إرهابي، وغير مؤمن بالسلام العالمي والتعايش السلمي.

2) النظام الديمقراطي؛ يُعطل الأحكام الشرعية، من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر وأحكام الردّة والمرتدين والجزية والرق... وغير ذلك من الأحاكم، وهل القرآن الكريم إلا مجموعة من هذه الأحكام؟

3) الديمقراطية والانتخابات؛ تعتمد على الغوغائية والكثرة، بدون ضوابط شرعية، والله تعالى يقول: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام، من الآية: 116]، ويقول الله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف، من الآية: 187]، ويقول أيضاً: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ، من الآية: 13].

4) الديمقراطية؛ لا تُفرق بين العالم والجاهل، والمؤمن والكافر، فالجميع أصواتهم على حد سواء، بدون أي أعتبار للمميزات الشرعية، والله تعالى يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر، من الآية: 9]، ويقول الله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18]، ويقول الله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35].

5) المجالس النيابية؛ طاغوتية غير مؤمنة بالحاكمية المطلقة لله، فلا يجوز الجلوس معهم فيها، لقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء: 140]، ولقول الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، وإن كل ما يمكن أن يُقال من تحقيق بعض المصالح من خلال الديمقراطية والانتخابات تظل مصالح جزئية أو وهمية، إذا ما قورنت ببعض هذه المفاسد العظيمة، فكيف بها كلها؟! وإن من ينظر بعين متجردة إلى بهض ما ذُطر؛ يتضح له بجلاء عَوج هذا السبيل الطاغوتي وبُعدها كل البُعد عن دين الله.

ثم اسألهم: ماذا جنيتم من ركضكم خلف الصليبين وأعوانهم؟! وماذا حصدتم من تسولكم على ابوابهم؟! وهل أغنى كل ذلك عن رئيس "الحزب اللا إسلامي العراقي" حينما داس الصليبي رأسه بحذائه؟!

وهل كان الصليبيون وأعوانهم من المرتدين يفرقون بين الديمقراطيين وعامة أهل السنة في الاعتقالات أو التعذيب داخل السجون؟!

ثم أخبرونا؛ ماذا فعلت تنازلاتكم التي قدمتموها لأعراض أخواتنا الحرائر اللاتي اُنتهكت في "أبي غريب"؟! وماذا فعلت لكلام ربنا الذي أُهين على مرأى العالم ومسمعه في مساجد"الغربية" وغيرها؟!

إن أمريكا وأوليائها من خلفها؛ لن يغفروا لكم أن تنتسبون للإسلام، وأنكم في يوم ما كنتم مسلمين، حتى وإن تبرأتم ألف مرة من دينكم وأنكرتم صلتكم بأهل "لا إله إلا الله".

ثم أخبرهم؛ أنه قد ثَبت بالاستقراء والتتبع، فشل هذا الطريق، وعدم جدواه، حيث خاض البعض هذه المسرحية الكُفرية في كثير من البلاد - كمصر والجزائر وتونس واليمن... إلخ - وكانت النتيجة معروفة؛ أحلامٌ وسرابٌ، فإلى متى نرضى بالخداع؟!

ثم ذكرهم أن هذا السبيل يهدف إلى احتواء الصحوة الإسلامية، وتغيير مسارها وإلهائها عن مهمتها الأساسية، والتغيير الجذري والشامل إلى الفتات والتعلق بالأوهام والخيالات.

فإن رجعوا عن باطلهم؛ فذلك فضل الله، وإلا فـ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56].

الغاية المشروعة لا بد لها من وسيلة مشروعة


ولعلكم تقولون : آه , تريدنا أن نترك الحكم والسيادة للعلمانيين , فأنت من شيوخ العلمانية المعادي للمجاهدين .
فقلت : أن تتركوا الحكم للعلمانيين مؤقتا , إلى أن تصلوا للحكم بطريق ليس فيها كفر وشرك , خير من أن تستعجلوا الثمرة وتشاركوهم في كفرهم الناتج عن تحكيمهم للقوانين الوضعية الخبيثة . فقالوا : والله يا أخانا إن دخولنا للبرلمانات التشريعية (الوثنية) ما هو إلا وسيلة لإرجاع الخلافة . فقلت : نحن لسنا ميكافليين , إن رسولنا صلى الله عليه وسلم علمنا أن (الغاية لا تبرر الوسيلة) ,

وأن الغاية النبيلة لا بد من الوصول إليها بوسيلة نبيلة , والوسيلة النبيلة هي التمسك بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم , وعدم الانحراف عنه , والدعوة الجادة إليه , وحمايته , والجهاد دونه , عندها سيمكن الله لنا وبأدنى الإمكانيات , إذ إن النصر من عند الله العزيز الحكيم وهو صاحب الأرض يرثها من يشاء من عباده , وعباده الذين يشاء أن يرثوا الأرض هم من وحده قولا وعملا , ثم أعدوا ما يستطاع من الأسباب المادية , قال الله تعالى :"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" أما استعجال الثمرة قبل أوانها فقد قيل في ذلك : من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .


«السابق   1 2 3 ... 22 23 24
البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية