الشبهة الأولى: القول بعدم التلازم بين الظاهر والباطن في الإيمان

نقول وبالله التوفيق:
الإيمان: علم يدخل القلب. فإما:
أن ينقلع بالكلية. أو ينقلب شكًا. أو يبقى خواطر وحديث نفس.
أو يستقر في القلب يقينًا جازمًا وعقيدة راسخة.
وفي هذه الحالة الرابعة يقـال: أن القلب قد عَقِلَ العلم وضبطه، وإذا عَقِلَ القلبُ العلمَ وضبطه فإمـا أن:
· يلقى موانع من الكبر والإلف للعادة، أو الحسد، أو الخوف من ضياع الملك والجاه والمكانة والشرف، وما إلى ذلك فلا يعطي موجبه من الموالاة والموافقة والانقياد.
· أو لا يلقى هذه الموانع، فإذا لم يلق هذه الموانع فإنه يعطي موجبه من الموالاة والموافقة والانقياد.
وهذه الموالاة والموافقة والانقياد معانٍٍ مستقرة في القلب يلزم عنها بالضرورة إرادات في القلب، والإرادات مع القدرة يلزم عنها مرادات في الخارج.
الإرادات: حركة، والمعاني سكون، والمعاني لا تتجسَّد إلا من خلال الإرادات، والإرادات لا تُنْتَجُ إلا من هذه المعاني فهما متلازمان.
وهنا نقطة غاية في الأهمية في الفهـم وهي: الإيمان بمعناه المقيد، له حالتان في استعمالات الكتاب والسنة:
الحالة الأولى: أن يقف معنى الإيمان المقيد عند العقل والضبط مع إقرار اللسان ولا تدخل فيه المعاني.
ويكون الإسلام بمعناه المقيد: شاملاً للمعاني والإرادات والمرادات، ويكون دخول الملة بمجموعهما.
الحالة الثانية: أن يشمل معنى الإيمان المقيد: العقل والضبط مع المعاني من الموافقة والموالاة والانقياد.
ويكون الإسلام بمعناه المقيد: شاملاً للإرادات والمرادات ولا يدخل فيه المعاني، ويكون دخول الملة بمجموعهما.
والحال الأول: يكون الإيمان: قولاً ظاهرًا وباطنًا، ويكون الإسلام: عملاً ظاهرًا وباطنًا.
والحال الثاني: يكون الإيمان: باطنًا من قول وعمل، ويكون الإسلام: ظاهرًا من قولٍ وعمل.
والظاهر من القول والعمل لابد له من قصد في الباطن إذ أن المراد بالظاهر ليس هو الفعل أو القول المحسوس وإنما هو التكييف الشرعي وذلك كالفرق بين السفر والهجرة، فالسفر فعل محسوس والهجرة تكييف شرعي. وفي الحالة الأولى: يمكن الانفكاك بين الإيمان والإسلام، كما في قوله سبحانه وتعالى:} وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون{،وفي الحالة الثانية: لا يمكن الانفكاك، وهذا واضح جدًا من السياقات التالية عن الحالتين أو الضربين من ضروب التكامل بين الإسلام والإيمان من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام محمد بن نصر المروزي.
الحالة الأولى: التي يمكن فيها الانفكـاك:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية1: «وحقيقة الفرق: أن الإسلام دين، والدين: مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذلَّ، ودين الإسلام الذي ارتضاه وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو: الاستسلام لله وحده وهو الخضوع له والعبودية له. هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم. فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان: فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب والأصل فيه هو التصديق والعمل تابع له». أهـ.
ويقول2: «فإن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهما. وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول، والعلم والتصديق ليس جزء مسماه لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بيَّنه الله ورسوله كما قال تعالى: } إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{،وقوله تعالى: } إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{، وسائر النصوص التي تنفي الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره، فإن كثيرًا من المسلمين مسلم ظاهرًا وباطنًا ومعه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الإيمـان. والله تعالـى قـال: }وَمَن يَّبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ{، وقال تعالى: }وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا{، ولـم يقـل: ومن يبتغ غير الإسلام3 علمًا، ومعرفة، وتصديقًا، وإيمانًا. ولا قـال: رضيت لكم الإسلام تصديقًا وعلمًا. فإن الإسلام من جنس الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع، فمن ابتغى غير الإسلام4 دينًا فلن يقبل منه، والإيمان طمأنينة ويقين أصله علم وتصديق ومعرفة والدين تابع له، يقال: آمنت بالله وأسلمت لله». أهـ.
الحالة الثانية: التي لا يمكن فيها الانفكـاك:
يقول شيخ الإسلام نقلاً عن المروزي في ”كتاب الإيمان“5:«ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان وهما في الحكم والمعنى متصلان، ومثلهما أيضًا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة، لا يقـال: حبتان لتفاوت صفتهما، فكذلك أعمال الإسلام هو من ظاهر الإيمان وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب، وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب»، وفي لفظ: «الإيمان سر». فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان عقود الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد.
إلى أن يقول: ومثله قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أي: لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن: «إنما» تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من النيات فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى: }أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَينَ وَلِسَانًا وَشَفَتَينِ{، بمعنى ألم نجعله ناظرًا متكلمًا. فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له وذكر الشفتين لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما». أهـ.
فهذا واضح جدًّا أن الإسلام كظاهر لا ينفك عن الإيمان كباطن، وأن الإيمان كباطن لا ينفك عن الإسلام كظاهر، فالباطن لا ينفك عن الظاهر في الإيمان المطلق والحقيقة الشرعية التي يدخل بها الإنسان الملة، وليس التسمية اللغوية أو الشرعية المقيدة. وكذلك الظاهر لا ينفك عن الباطن، والإيمان لابد أن يكون باطنًا وظاهرًا لأن الباطن لا يتحقق إلا بالظاهر والظاهر لا يتحقق إلا بالباطن، ولا يوجد أحدهما قبل الآخر وإن كان الشرح العلمي لكيفية وجود الإيمان يوهم بوجود الباطن قبل الظاهر فهما متلازمان معنىً وحكمًا ووجودًا.
أما عندما يعبر عن الإسلام المقيد بالعمل الظاهر والباطن، وعن الإيمان المقيد بالقول الظاهر والباطن فهما منفكان معنىً ووجودًا، ومتلازمان حكمًا وبمجموعهما يدخل الإنسان الملة.
وقد بيَّنـا تفصيلاً قبل ذلك بطلان قول الجهمية: أن الإيمان باطن وأن الظاهر ثمرة له ولا يدخل فيه، وتأويل أحكام الظاهر ما لم تدل على انخرام الباطن. وكذلك بطلان قولهم: أن الإيمان المجمل الراجع إلى أصل الدين يتبعض، وأن التوحيد يتبعض، وأنه من الممكن أن يكون في الإنسان شركٌ أعظم يجتمع مع توحيد، وكفر ينقل عن الملة يجتمع مع إيمان يدخِل فيها.
ولوأنهم قالوا مثل أهل السنة: أن فروع الإيمان وهي الطاعات تجتمع مع فروع الكفر وهي المعاصي والبدع، لما عاب عليهم أحد، ولكن الطامة الكبرى أن يقولوا: باجتماع صلب التوحيد مع الشرك الأعظم في عبد مسلم واحد ويبقى مع ذلك مسلمًا واجتماع أصل الإيمان مع كفر ينقل عن الملة، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا. وكذلك بيَّنـا أن المعاني لا تنفك عن الإرادات ولو في حالة العجز المطلق عن المرادات لقيام النية مقام العمل، وأن العمل في حالة العجز يجزئ فيه تمرير حركاته وهيئاته وتلاوته على القلب دون حركة بالجوارح أو نطق باللسان كما في الصلاة في شدة المرض وحالات الاحتضار.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « مارس 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                1 2 3 4 5 6 7
                8 9 10 11 12 13 14
                15 16 17 18 19 20 21
                22 23 24 25 26 27 28
                29 30 31        
                التغذية الإخبارية