الشبهة الرابعة: الردّ على شبهة أن الولاء إنما يكون في الباطن وليس في الظاهر

يرد ذلك قوله تعالى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ).
والدليل على أن المراد هو الظاهر من وجهين:
الأول: لفظ الاتخاذ ظاهر لا باطن وإرادة لا اعتقـاد يقـول تعالـى: ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا )، أي: يضعوه موضع الولد ويجعلوه ولدًا لهم وهو ليس ولدهم في الحقيقة، وليس المعنى أن يعتقدوا أنه ولدهم أو يعلموا أنه ولدهم بعد جهلهم بهذا، فالموضع موضع وضع وجعل وليس موضع علم ومعرفة واعتقاد، وهذا الوضع والجعل في الخارج وليس أمرًا مستكنًا في خفايا الضمير.
وكذلك في قصة سيدنا موسى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ).
وفي سورة العنكبوت: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )، والعنكبوت لم تتخذ بيتها عقيدة مستكنة في خفايا الضمير، وإنما اتخذته على الحوائط والأسقف.
الوجه الثاني: لو كان الولاء في الباطن دون الظاهر لما كان هناك معنى لاستثناء المكره إذ أن المكره وغير المكره يستويان في عدم تحقق الولاء للكافرين، إذ لم يكن الباعث على ذلك تغير الاعتقاد وشرح الصدر بهذا التغير، فاستثناء المكره في هذه الحالة لا يتحكم من ذكره فائدة زائدة وهذا عبثٌ يتنزه عنه كلام المخلوق فضلاً عن الخالق. وثمة أمرٌ آخر وهو أنه لا إكراه على الباطن والاعتقاد وشرح الصدر، وإنما الإكراه على الظاهر، فاستثنى المكره لذلك فدلَّ ذلك على أن الولاء للكافرين إنما هو بالظاهر ولا يتقيد بالباطن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
يقول: «ومعلومٌ أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال، واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط. فعُلِمَ أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ مِنَ اللهِ وله عذابٌ عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافرٌ أيضًا فصار من تكلم بالكفر كافرٌ إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وقال تعالى في حق المستهزئين:( لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ )، فبَيَّن أنهم كفَّار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته. وهذا بابٌ واسعٌ والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته كاقتضاء إدراك الموافق للذة وإدراك المخالف للألم. فإذا عُدِم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلة، وإذا وجد الضد كان مستلزمًا لعدم الضد الآخر. فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرًا. واعلم أن الإيمان وإن قيل هو التصديق فالقلب يصدق بالحقِّ، والقول يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول، والتكذيب بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب ورافع للتصديق الذي كان في القلب إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح فأيُّما قام به كفرٌ تعدي حكمه إلى الآخر». أهـ.
وثمة وجه ثالـث للاستدلال وهو: أن المناطات التي ذكرها القرآن لولاء الكافرين كلها مناطات ظاهرة سواء ما حدث بمكة أو بالمدينة فقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين).
يقـول الطبري في التفسير:( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ ):
«من يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار الإسلام: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم هم الذين خالفوا أمر الله فوضعوا الولاية في غير موضعها وعصَوْا الله في أمره. وقيل: إن ذلك نزل نهيًا من اللهِ للمؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام. حدثني محمد بن عمرو. قال: حدثنا أبو عاصم. قال: حدثنا عيسى عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، قال أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أحد بني عبد الدار وأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر فأنزلت:( لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) إلى قوله:( يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِه ِ) بالفتح في أمره إياهم بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة». أهـ.
فالذين رفضوا الهجرة استحبوا الكفر على الإيمان:( وَمَن يَتَوَلَّهُم )، يترك الهجرة لتركهم إيثارًا للمقـام معهم عاطفـة لهم أو خشيـة عليهم:( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).
أقـول: هذه كلها أعمال ظاهرة وقوله تعالى:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، لم يصفهم اللهُ بالنفاق المخرج من الملة لاعتقاد مستكن في الضمائر في هذا الشأن ولم يكشف عن نوايا مجرد نوايا وحقد وحسد وكراهية وضغينة داخل القلب ليس لها وقوع في الخارج وإنما كشف عن تآمر مع عدو اللهِ أبي عامر الفاسق، وكذا الذين قالوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُم)، أعمال ظاهرة ليست عقيدة مستكنة في الضمائر... إلخ، ما في القرآن من مناطات لولاية الكافرين كلها أعمال ظاهرة لا تتقيد لاستحقاق الوصف بقيد من الباطن عند استكمال تكييفها الشرعي بالضوابط الشرعيـة كمناط لولاية الكافرين. واللهُ تعالى أعزُّ وأحكم، وأعلى و أعلم.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية