الشبهة السابعة قالت الجهمية: أن ولاء الكافرين لا يكون مكفرًا إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد

أن ولاء الكافرين لا يكون مكفرًا إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد وأن المسلم إذا تولى الكافرين لدنيا يصيبها منهم من مال أوشرف أو نكاح لا يكفر بذلك مادام لا يحبهم في الباطن، ويعتقد صلاح دينهم وفضله على دين الإسلام، وأن الذي يكفر هو الذي يتولى النصارى لا لشيء إلا لنصرانيتهم حبًا لها وإعجابًا بها، أو تولى اليهود لا لشيء من أغراض الدنيا إلا ليهوديتهم حبًا لها وإعجابًا بها واعتقادًا منه بأنها الدين الحق وأنها أفضل من دين الإسلام، وأن الأحكام المتعلقة بالظاهر من ولاء الكافرين كلها مؤولة مادام في الباطن ليس متوليًا لهم ولا يثبت كفره مهما كانت درجة ولائه في الظاهر لهم ومظاهرتهم على المسلمين لاستئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم إلا إذا قامت الأدلة على ولائه للكافرين في الباطن، وحتى هذا الولاء في الباطن لا يكفر به إلا إذا كان الباعث عليه تغير الاعتقاد، فكفره في الحقيقة يرجع إلى تغير الاعتقاد وليس إلى الولاء لا في الظاهر ولا في الباطن، وقد انضمت هذه البدعة إلى بدعة شنيعة جدًا لم يسبقهم أحد إليها من الجهمية القدامى ولا غيرهم من المبتدعة في كل العصور وهي القول بأن ولاء الكافرين ليس له حكم شرعي محدد بل هو يتبع الأحكام الخمسة فيكون ولاء الكافرين واجبًا أحيانًا كولاء المسلم لزوجته الكتابية!! هكذا قالوا. ويكون ولاء الكافرين مندوبًا أحيانًا، ويكون ولاء الكافرين مباحًا، ويكون ولاء الكافرين محرمًا، ويكون ولاء الكافرين مكروهًا، ويكون كفرًا أحيانًا إذا قامت الأدلة على وجوده في الباطن وكان الباعث على هذا الولاء الباطن هو تغير الاعتقاد، لا يكون كفرًا إلا بهذين الشرطين. والذي أدخل عليهم كل هذه البدع الشنيعة هو سوء فهمهم لقصة حاطب بن أبي بلتعة، مع مرض في قلوبهم يميل بهم إلى الكافرين والمشركين ويحرفهم عن المؤمنين والمجاهدين والموحدين.
والذي قالـه المفسرون في قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ) ([1]).
فتفسير (?تُلْقُونَ) أنها: مستأنف، أو حال من ضمير: ( لَا تَتَّخِذُوا )، أو صفة لأولياء.
والفهم العلمي الدقيق لهذا الإعراب ولقواعد اللغة والتفسير يقول:
1- إذا كان الولاء مطلقًا في قوله تعالى: ( لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء )، وهو الولاء المنهي عنه، فالاستئناف لا يجعل قصة حاطب مناطًا للحكم وإن كانت سببًا للنزول، ويكون فعل حاطب ليس هو المنهي عنه في الآية المذكورة ولكن المنهي عنه هو ما يمكن أن يؤدي إليه فعل حاطب من الولاء المطلق، ويكون فعل حاطب ذريعة إليه، فيكون النهي مطابقة عن الولاء المطلق وتضمنًا عن الذرائع المفضية إليه، ومنها فعل حاطب الذي نقطع بأنه لم يكن كفرًا.
2- إذا كان الولاء مقيدًا، فالحال والصفة للتقييد وذلك مثل: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وكقوله تعالى: ( مِن مَّاء دَافِقٍ )([2])، وليستا للمناط وذلك لتقييد الولاء فيكون هذا ولاء مقيدًا وهو بذلك يكون مناطًا لقوله تعالى: ( وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ )، ويخرج بذلك عن الولاء المطلق المذكور في باقي سور القرآن.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في هذا المعنى([3]):
«ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )([4])».أهـ.
وقولـه تعالـى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ )([5])، في الـولاء المطلـق، ويتمثل في صور ذكرها القـرآن:
1- مظاهرة المشركين: وذلك في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً{97} إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً{98} فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً{99})([6]).
2- ترجيح ولاء القبيلة على ولاء العقيدة أو عدله به: وذلك في قولـه تعالى:( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً{88} وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً{89} إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً{90} سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً{91} )([7])، قال المفسرون: الذين يصلون إلى محاربين والذين يصلون إلى مواثقين وحصرة الصدور والمتلاعبين بالدين كلهم كفَّار إلا أن يتوبوا بالهجرة، استثنى من القتال الذين يصلون إلى مواثقين وحَصَرَة الصدور، وأمر بقتال مَنْ يصل إلى محاربين والمتلاعبين بالدين إن لم يعتزلوا ويلقوا السلم ويكفُّوا أيديهم عن المؤمنين.
3- وفي قولـه تعالى:( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{138} الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً{139} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً{140} الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً{141} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً{142} مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً{143} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً{144} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً{145} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً{146} مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً{147})([8]).
أقـول: في قولـه تعالى في هذا السياق القرآني ثلاثـة مناطـات:
أ- تكثير سواد الطاعنين في دينِ اللهِ ترويجًا لباطلهم ابتغاءً للعزةِ عندهم.
ب- الدخول تحت ولاية الكافرين. أي: من أدخل نفسه بطوعه تحت ولاية الكفَّار.
ج- انعدام الولاء للمؤمنين والكفَّار بحيث يتذبذب ولاؤه مع تذبذب مصلحته، إلهه هواه. تعس عبدُ الدِّرْهَم والقطيفة والخميصة يبيع المؤمنين للكفار بأدنى ثمن ويبيع الكفار للمؤمنين بأدنى ثمن.
4- التآمر مع الكفَّار على المؤمنين لإلحاق الضرر بهم والتفريق بينهم: حيث يقـول تعالـى: (? وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ)([9])، وهذه الصورة متكررة في كثير من سور القرآن الكريم.
5- التفرق المطلـق والقتـال على دعـاوي الجاهليـة والتولـي بغير ولايـة الإسلام: وذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ{100} وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{101} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{102} وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{104} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{105} يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ{106} وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{107} )([10])، وفي قوله عز وجل: (ö قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ)([11])، وقوله عز وجل: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)([12]).
6 ـ التشبُّه المطلـق بالكفـار: حيث يقول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم: «مَنْ تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم».
وفي قوله تعالى: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً )([13])، تجرد المناط عن خصوصية محل، أو مزاحمة أوصاف، وارتبط بحكمه بحرف الفاء والحكم: ﴿ لَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ﴾، هو نفي للصلة من كل وجه، وهذا يفيد الكفر الذي ينقل عن الملة، لأن هذا لا يكون إلا للكافر. أما المؤمن ولو كان فاسقًا فإنه تنقطع صلته بالله من وجه وتبقى من وجه، فلم يبق إلا تحقيق المناط. وتحقيق المناط يكون بتقديم الحقيقة الشرعية، فإن لم تكن حقيقة شرعية أُخِذَ بالحقيقة العرفية الاستعمالية، فإن لم يكن أخذ باللغوية.
والحقيقة الشرعية هنا هي الصور التي ذكرها القرآن، والصورة التي ذكرتها السنة التي تمثل فيها ولاء الكافرين وانحصر فيها، وبيان وجه المناط فيها إما نصًا أو من سبب النزول تبينه السنة الصحيحة شارحة للقرآن، فلا يعدل عن هذه الحقيقة الشرعية وهي الصور التي عدَّها القرآن ولاءً للكافرين دون غيرها من الصور الممكنة من اللغة، أو العرف، وذَكَرَ ما سواها مما قد يُعَد في العرف، أو اللغة ولاءً، ولم يسمه ولاءً ولا كفَّر به بل سمَّاه اتخاذ بطانة، أو وليجة، أو بر، أو قسط، وبذلك يكون القرآن قد أسقط اعتبار الاستعمال العرفي أو اللغوي في الولاء، وذلك بذكر بعض صوره وتعمَّد تسميتها بغير اسم الولاء ليبين أن الولاء هو ما حصره في الصور التي جاء بها بيانًا لإجمال الآية المذكورة في سورة آل عمران: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً )، فالاستعمال اللغوي والعرفي اعتبار ملغي في الولاء، والاستعمال المعتبر هو الحقيقة الشرعية فقط. وفي قول الله عز وجل: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )([14])، لم يقل: لا ينهاكم الله أن تولوهم، ولا قال: أوجب عليكم ولايتهم وهم كافرون، لأن ولايتهم معناها الدخول في رايتهم والدخول في رابطتهم سلمًا وحربًا، وهذا لا يكون لكافر أبدًا، لا لقوم كفَّار، ولا لراية، أو رابطة، أو جامعة، أو ولاية كافرة، وإنما قال: ( أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ )، وهي صلة أفراد لأفراد مع براءتهم من رايتهم ورابطتهم وهذه الصلة لم يسمها الله ولاءً، وإن كان يصحّ تسميتها ولاءً بالمعنى اللغوي أو العرفي لأن المعتبر هو المعنى الشرعي وهي ليست ولاءً بالمعنى الشرعي، ولم يقل ما قاله هؤلاء الجهمية من أن صلة الزوجة الكتابية ولاءً واجبًا للكفار وصلة الأم وهي سبب نزول هذه الآية أقوى من صلة الزوجة ولم يسمها الله ولاءً واجبًا للكفار، ولا قال أنه: ولاء مباح، أو مستحب، ولو كان شيء مما يقال عنه أنه ولاء لغوي يصحّ أن يسمى ولاء بالاصطلاح الشرعي لسمي صلة أسماء لأمها ولاءً، لأنه لا حب زوجة ولا ولد أقوى من حب الأم، ولذلك يقول المفسرون: «لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء».
يقول الطبري في التفسير([15]): «وقال آخرون: بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم. قال: ونسخ اللهُ ذلك بعد الأمر بقتالهم. يقـول: حدثنا ابن عبد الأعلى قـال: حدثني ابن ثور عن معمر عن قتادة في قولـه: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ )، قـال: نسختهـا: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ )([16])، ثم يرجِّح الطبري أن الله عز وجل عمَّ بقولـه: ( الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ)، جميع من كان ذلك صفته ولا معنى للقول بالنسخ لأن برَّ المؤمن مِنْ أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرم ولا منهيٌّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح». أهـ.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{118} هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{119} )([17])،كلّ هذه الآيات ليس فيها حكم ولا وصف بالكفر، وليس فيها تسمية اتخاذ البطانة ولاءً، وكذلك فعل الأنصار مع سعد بن معاذ عندما قالوا: أرفق في مواليك، وقال سعد: لقد آن لسعد ألا تأخذه في اللهِ لومة لائم، فلم يقل عن فعل الأنصار أنه: ولاء واجب، أو محرم، أو مكروه، أو مباح، لم يدخل القول أصلاً تحت وصف الولاء.
فولاء الكافرين دائمًا كفر، وكل ما جعل اللهُ تكييفه الشرعي من الأقوال والأفعال أنه ولاء كافرين فهو كفر، إلا أن يقيده بوصف كما في قصة حاطب فيكون شعبة من شعب الولاء، وليس الولاء المطلق فيخرج عن كونه كفرًا إلى كونه ذنبًا أو خلافًا للأَوْلى مثل شعب النفاق وفروع الكفر من المعاصي، ولم يرد في القرآن ذلك إلا في موضع واحد هو المذكور في سورة الممتحنة على تفسير: ( تُلْقُونَ )، بأنها حال من الفاعل أو صفة من المفعول وليست للاستئناف. أما ما عدا ذلك من المعاني التي تصح أن تدخل في مسمى الولاء اللغوي أو المقيد فيسميها القرآن: «ركون»، أو «طاعة»، أو «خلة»، أو «بطانة»، أو «ظهير» ويحتف بها من القرائن ما يخرجها عن الولاء المطلق لفظًا ومعنى، وعندما كان مباحًا زواج المشركة فقد كان منهيًا عن ولائها كما هو منهي عن ولاء الآباء والأبناء والأخوة والعشيرة والزوج من العشيرة وإن كان مأذونًا بالصلـة ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً )([18])، فإباحة الزواج لا تعني إيجاب الولاء لأن ولاءها معناه تولي قومها ورايتها لأجل حبِّه لها أو دخوله تحت طاعتها والزوجة هي ولية زوجها وليس العكس فحبه لها كحبِّه لأمه أو أبيه المشرك وبره لهما وإن كانا حربيين لا يسمى ولاءً.
يقول عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24} )([19])، ويقول عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{14} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قوله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )([20]).
وإذا كان قتال فقد كان أبو بكر حريصًا على قتل ابنه في الحرب لو إلتقى به، وكان طلحة حريصًا على قتل أبيه في الحرب لو إلتقى به.
وقد جاء في كتاب ”اختلاف الدارين وأثره في أحكام المناكحات والمعاملات“([21]): «وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لمسلم أن يتزوج المشركات من غير أهل الكتاب، كما لا يجوز لمسلم أن يزوج بناته المسلمات الكفَّار سواءً كانوا من أهل الكتاب أمْ من غيرهم وذلك لقوله تعالى: ( وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )([22])، ولقوله تعالى: ( لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ )([23]).
ويقول في حكم زواج المسلم بكتابية من أهل دار الإسلام: أما حكم الإسلام في مسألة زواج المسلم بكتابية من الذميات فللفقهاء في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية من أهل الذمة وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والنخعي وابن القاسم المالكي، وأحد قولي الشافعية والحنابلة والظاهري والصحيح من مذهب الزيدية فقال الجصاص رحمه الله: إباحة نكاح الحرائر منهن إذا كنَّ ذميات وصرَّح الحنابلة بقولهم أن الذميات يبحن بلا نزاع في الجملة. وقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: لا تكره الذمية لأن الاستفراش إهانة، والكافرة جديرة بذلك.
واستدلوا بقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )([24])، وجه الاستدلال فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى:( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ )([25])،قائلا: العفائف مِنْ أهلِ الكتاب حِلٌّ لكم إذا أتيتموهنَّ أجورهن. وأخرجه بنحوه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وروى عن ابن عباس أيضًا: أن هذه الآية خاصة لأهل العهد من الذميات دون أهل الحرب في دار الحرب.
الرأي الثاني: يحرم على المسلم نكاح الكتابيات مطلقًا سواء كانت ذمية أو حربية وسواء كانت في دار الإسلام أو في دار الحرب وهو رأي ابن عمر رضي الله عنهما... إلى آخر ما قال.
الرأي الثالث: يكره للمسلم أن يتزوج ذمية وأصحاب هذا الرأي اختلفوا على قولين: القول الأول: يكره للمسلم أن يتزوج ذمية مطلقًا وهو قول الإمام مالك رحمه الله حكى ذلك ابن القاسم رحمه الله قائلاً: قال مالك([26]): أكره نكاحَ نساءِ أهلِ الذِّمَة، اليهودية والنصرانية وذلك لأسباب منها أولا: أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر فيضاجعها ويقبلها. ثانيًا: أنها تلد منه أولادًا فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر وتذهب به إلى الكنيسة... إلخ.
القول الثاني: وهو أحد قولي الشافعية وبعض الحنابلة فيقول الشافعية ([27]): يكره للمسلم أن يتزوج ذمية مع وجود امرأة مسلمة ولم يرج إسلامها وذلك كي لا تفتنه بفرط ميله إليها أو ولده وإن لم يجد مسلمة فلا كراهة في ذلك».
ويشبه ذلك ما نقل عن القاضي وغيره من الحنابلة من أنه يكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود المسلمات وحجتهم ما روى عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا بن عبد الله يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال: تزوجناهن من زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا فلما رجعنا طلقناهن. وقال: فقال لا يرثن مسلمًا ولا يرثونهن ونساؤهم لنا حل ونساؤنا حرامٌ عليهم.
الترجيح: مما تقدم تبين أن السلف قد ذهبوا في زواج الكتابيات من أهل الذمة إلى عدة آراء: منهم من رأي بالمنع مطلقًا، ومنهم الجواز مطلقًا، ومنهم الكراهة مطلقًا، ومنهم من قيد ذلك بالظروف والأحوال، كما ذهب إلى ذلك بعض الصحابة في أنهم إنما نكحوا الكتابيات في حالة الحرب مثلاً وهو الرأي الراجح في نظرنا. فيكره للمسلم أن يتزوج ذمية إن لم يغلب على ظنه أنها ستسلم مع تيسر زواج المسلمات خوفًا لحدوث الفتنة في الدين كتنصير الأولاد أو تهويدهم، ويؤيد ذلك ما يروى عن عمر رضى الله عنه قال للذين تزوجوا نساء أهل الكتاب: طلقوهن، فطلقوهنَّ إلا حذيفة فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة. قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال. فأبى أن يطلقها. فلما كان بعد طلقها. فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يظنَّ الناس أني ركبت أمرًا لا ينبغي. فظاهر هذا الأثر أن زوجات هؤلاء الصحابة لم يسلمن ولم يرج إسلامهن لذلك أمرهم عمر بطلاقهن لخطرهن عليهم وهم اعترفوا بذلك فطلقوهنَّ. وكذلك فإن اختلاف السلف فيما بينهم يدل على أن الإباحة خصت بحال دون حال([28]).
ويقول عن زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب. يقول: «وأما الفقهاء الذين يبيحون زواج المسلم بكتابية ذمية فقد اختلفوا في حكم زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب على رأييـن:
الرأي الأول: يحرم على المسلم أن يتزوج بكتابية من أهل دار الحرب وهو رأي ابن عباس رضي الله عنهما.
الرأي الثاني: يكره للمسلم أن يتزوج حربية في دار الحرب، أما الحربية المستأمنة في دار الإسلام فحكم الزواج بها كحكم الزواج بالذمية وهو رأي على والحسن وقتادة وقد ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة. ثم يقول: وقد اتفق أصحاب هذا الرأي على جواز نكاح المسلم بحربية في دار الحرب إذا كان يخشى العنت على نفسه للضرورة ولأن التحرز عن الزنا فرض([29]).
بعد استعراض أقوال أصحاب هذا الرأي نجد أن علل الكراهة تكون في احتمالين اثنين أولهما: حدوث المودة المنهي عنها. والثاني: حدوث الفتنة لاحتمال بقاء المسلم وزوجته الحربية مع أولادهما في دار الحرب. وعلى هذا ولو استطاع أحد أن يتغلب على هذا المحذور بأن يشترط في عقد الزواج الخروج بها إلى دار الإسلام ويغلب على ظنه بأن زوجته الحربية ستسلم بعد ذلك ولن يبقى هو وزوجته الحربية في دار الحرب زالت علل الكراهة وحينئذ يجوز له أن يتزوج في دار الحرب كما قال أهل المدينة: إذا كان المسلمون يُتركون إذا نكحوهنَّ أن يخرجوا بهنَّ وبأولادهم إلى أرض الإسلام ولا يُحبسون فلا بأس بذلك([30]). بل يسن له ذلك إذا رجى إسلامها عند الشافعية([31]).
الترجيح: الراجح هو رأي الجمهور فيكره لمسلم أن يتزوج حربية في دار الحرب إلا في إحدى الحالتين:
أولهما: إذا خشى العنت على نفسه ولم يتيسر له زواج المسلمات.
الثانية: إذا غلب على ظنه أن زوجته الحربية ستسلم بعد الزواج بها وأنها تخرج معه إلى دار الإسلام». أهـ.
أقـول: واضح هنا أن زواج الكتابية سواء كانت ذمية أو حربية هو للاستفراش وليس للمودة كما قال ابن حجر الهيثمي، وأنه لحالة الضرورة وخوف العنت للتحرز عن الزنا. وهناك رأي قوي بتحريم زواج الحربيات لابن عباس رضي الله عنهما. وأما الذمية فهي في ذمة زوجها المسلم وولايته وولاية دار الإسلام التي تقيم بها، وزوجها ليس في ذمتها ولا في ولايتها ولا في ولاية قومها، وعلى فرض وجود المودة والحبّ فهما شيء آخر غير الولاء الشرعي إذ الولاء الشرعي أن يلزم من زواجه بها وحبه لها ومودته لها أن يتولى قومها ويظاهرهم على المسلمين، أو أن يدخل في ولائهم وتحت رايتهم سلمًا وحربًا من أجلها. هذا هو معنى الولاء بحقيقته الشرعية، فهل قال أحد أن زواج المسلم بالكتابية ذمية كانت أم حربية يستلزم ذلك وأباح للمسلم زواج الكتابية على هذا الاعتبار وفرض عليه إذا تزوجها أن ينسلخ عن ولاء المسلمين إلى ولاء قومها من الكفار ويظاهرهم على المسلمين ويدخل تحت رايتهم سلمًا وحربًا، وأن هذا واجب عليه بحكم الشرع الإسلامي فيكون ولاء الكافرين في هذه الحالة داخلاً في أحد أنواع التكليف الخمسة وهو الوجوب؟! هل قال بذلك عالم من قبل أو حتى أحد عوام المسلمين بالغًا ما بلغ جهله، وهل نسب هذا القول من قبل إلى أهل السنة، أو أحد من الفرق الثنتين والسبعين على مدار التاريخ الإسلامي كله؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.
ويقول الدكتور فطاني([32]):
”نفقة الأقارب“: أما نفقة الأقارب فهي نوعان:
الأول: قرابة الولادة وهي الأصول والفروع. الثاني: قرابة غير الولادة وهي إما قرابة محرمة للنكاح كالأخوة والعمومة، وإما قرابة غير محرمة للنكاح كقرابة بني الأعمام والأخوال والخالات. واختلف أهل العلم في القرابة الموجبة للنفقة فعند الحنفية أن القرابة الموجبة للنفقة هي قرابة الولادة وقرابة غير الولادة المحرمة للنكاح فتجب النفقة للفروع على أصولهم، وللأصول على فروعهم، والمراد بالأصول عندهم هم الأبوان والأجداد والجدات ويدخل فيهم الجد لأب والجد لأم وإن علوا وجداته لأبيه وجداته لأمه وإن علون، أما الفروع فهم الأولاد وإن نزلوا، وأما قرابة غير الولادة فتجب لها النفقة إذا كانت محرمة للنكاح ويجرى فيها الإرث. وعند المالكية لا تجب النفقة إلا على الولد لوالديه وعلى الأب لولده فلا تجب على الولد نفقة جده أو جدته، ولا تجب نفقة ولد ابن على جده. وعند الشافعية لا تجب النفقة إلا في قرابة الولادة فتجب للأصول على الفروع وبالعكس. وعند الحنابلة والزيدية تجب النفقة للأصول وإن علوا وللفروع وإن نزلوا كما تجب على كل قريب موسر يرث قريبه المحتاج بفرض أو تعصيب. وعند الشيعة الإمامية تجب النفقة في قرابة الولادة وتستحب في غيرها... إلى آخر ما يقول.
ثم يقول: أثر اختلاف الدارين في نفقة الأقارب بين المسلم والحربي أو المستأمن. يقول: إذا تصفحنا كتب الفقهاء نجد أن جمهور الفقهاء لم يشترطوا اتفاق الدين في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة للأصول على الفروع وبالعكس، ولو مع اختلاف الدين إذا اتحدت الدار بينهما، وقد اختلفوا في الحربي والمستأمن حول وجوب نفقته على أصوله أو فروعه المسلمين وكذلك العكس على أربعة آراء:
الرأي الأول: لا تجب النفقة على المسلم لأصوله وفروعه الحربيين وإن كانوا مستأمنين، وكذلك لا تجب على المستأمن أو الحربي لأصوله وفروعه المسلمين وهو رأي الحنفية. فقال ابن الهمام رحمه الله: إلا أنهم إذا كانوا حربيين فلا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمنين.
الرأي الثاني: لا تجب نفقة الأقارب على المسلم لأقاربه الكافرين سواء كانوا ذميين أو مستأمنين أو حربيين وبالعكس، وسواء كانت قرابة الولادة أو غيرها، وذلك لاختلاف الدين بينهما وهو رأي الحنابلة وقد صرَّحوا بذلك فقالوا: ولا نفقة مع اختلاف دين بقرابة ولو من عمودي النسب.
الرأي الثالث: التفريق بين قرابة الولادة، وقرابة الرحم المحرم حيث لا أثر لاختلاف الدارين في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة للأصول على الفروع وبالعكس، ولو مع اختلاف الدارين بينهما.
إلى أن يقول: أما في غير قرابة الولادة من الرحم المحرم فلا تجرى النفقة بين المسلم أو الذمي الذي في دار الإسلام وبين الحربي ولو كان مستأمنًا لاختلاف الدارين بينهما، وكذلك لا نفقة بين المسلم المقيم في دار الإسلام وبين الحربي الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا لاختلاف الدارين وهو رأي الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله وعلَّل ذلك بأن الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن وجوب نفقة غير قرابة الولادة من الرحم المحرم بطريق الصلة ولا تجب هذه الصلة عند اختلاف الدارين وتجب في قرابة الولادة.
الثاني: أن وجوب نفقة غير قرابة الولادة من الرحم المحرم بحق الوراثة ولا وراثة عند اختلاف الدارين بخلاف وجوب النفقة في قرابة الولادة فإنه بحق الولادة الموجب للجزئية وهذا المعنى لا يختلف باختلاف الدار كما لا يختلف باختلاف الدين.
ويرد على هذا التعليل بأن وجود الموجب في شيء لا يلزم منه الحكم بالإيجاب إذا كان فيه مانع، فالمانع هو ثبوت معنى القتال والإخراج في الحربي المقاتل وهذا المعنى يؤدي إلى القتل فكيف يصح الاجتماع بين القتل ووجوب النفقة فيه؟.
الرأي الرابع: التفريق بين الحربي وبين المستأمن في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة على المسلم لأصوله وفروعه المستأمنين وبالعكس ولا تجب للحربيين من الأصول والفروع وكذلك العكس، وهو رأي الشافعية والإمامية وظاهر الزيدية فقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: يلزمه نفقة الوالد والولد إن علا وإن سفل وإن اختلف دينهما بشرط عصمة المنفق عليه كما مرَّ لا نحو مرتد وحربي([33]). واستدلُّوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ )([34]).
الثاني: لوجود الموجب للنفقة في قرابة الولادة وهو البعضية فلا فرق بين المسلم والكافر إلا الحربي فلا تجب نفقته إذ لا حرمة له لأنه مأمور بقتله، وبذلك يتبين أن أصحاب هذا الرأي لم يعدوا اختلاف الدارين في وجوب النفقة وإنما عدُّوا وجود العصمة وعدم وجودها في ذلك سواء اختلفت الدار أم اتحدت.
ويرجح الكاتب هذا الرأي الرابع إلا أنه يرى جواز نفقة الولد لوالديه الحربيين غير مستأمنين بشرط ألا يكونا من المقاتلين وخاصة إذا كانا كبيرين في السن لعدم وجود النص الصريح للنهي عن ذلك.
ثم يقول في المبحث الأول مشروعية الوصية وحكم وصية المسلم للذمي: وقد قرر الفقهاء على عدم اشتراط الإسلام في الموصي والموصَى له فتصح وصية الذميّ بالمال للمسلم والذميِّ وكذلك المسلم للذميّ بالاتفاق وذلك لقوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) فالآية الكريمة لم تنه عن برِّ الذميين والوصية لهم برٌّ فكانت غير منهي عنها.
المبحث الثاني: حكم الوصية بين الطرفين المختلفين في الدار([35]):
اختلفت آراء الفقهاء في ذلك على الوجه التالي:
الرأي الأول: تصح وصية المسلم أو الذميِّ للمستأمن لا الحربي وبالعكس. يقول: وهو رأي معظم الحنفية والمعتمد في المذهب المالكي وقول للشافعية والحنابلة والثوري والظاهرية والزيدية والإمامية.
الرأي الثاني: لا تصحّ وصية المسلم أو الذميّ للحربي ولو كان مستأمنًا لأن المستأمن من أهل دار الحرب وذلك لثبوت اختلاف الدارين بين الطرفين وهو رأي الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومن وافقهما.
الرأي الثالث: تصحّ وصية الكافر للمسلم ووصية المسلم للكافر المعين مطلقًا سواء كان الكافر ذميّاً، أو معاهدًا، أو مستأمنًا، أو حربيًا، كما تصحّ وصية الذميّ للحربي وبالعكس، وسواء أكان الحربيّ في دار الإسلام أم دار الحرب، ولا أثر لاختلاف الدارين بين طرفي الوصية في حكم الوصية من شيء وهو رأي بعض المالكية والمعتمد من مذهب الشافعي والحنابلة. وقال الشافعية: وتصح الوصية لذميّ بما يصح تملكه له وفي معنى الذميّ المعاهد والمستأمن وكذا حربيّ معين سواء أكان بدارنا أم لا بما له تملكه وكذا مرتد معين في الأصح([36]).
وقال الباجوري([37]): وتصح للكافر ولو حربيًا ومرتدًا لكن صورته أن يوصي لزيد ونحوه وهو في الواقع حربيّ أو مرتد بخلاف ما لو قال: أوصيت لفلان الحربيّ أو المرتد لأن تعليقه الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق فكأنه قال: لحرابته أو ردته فيكون القصد منه المعصية.
يقول: وأكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن ضوبان رحمهما اللهُ بقولهما: تصح، أي: الوصية لمسلم وذمي وحربي لا نعلم فيه خلافًا.
وقال الحارثي الحنبلي رحمه الله: والصحيح من القول أنه إذا لم يتصف بالقتال والمظاهرة صحَّت وإلا لم تصح.
الرأي الراجح: يرجَّح الكاتب الرأي الأخير وذلك لأسباب أهمها: قوله تعالى: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{9} )([38])، فاحتجاج المانعين بدلالة الآية على مدعاهم لا حجة لهم فيها بل هي حجة لمن قال بصحة الوصية للكافر المعين لأن آخر الآية يدل بمنطوقها على أن المقصود هو عدم اتخاذهم أولياء لا عدم البر والإقساط، وكانت الولاية غير البر والإقساط والوصية من أنواع البر التي لا ننهى عنها والمنطوق مقدَّم على المفهوم.
إلى أن يقول: فالآية تدل على جواز البرِّ بين المشركين والمسلمين وإن كانت الموالاة بينهما منقطعة([39]).
إلى أن يقول: ومع ذلك فإني أرى أنه يجب أن يراعي الموصي بالشروط اللازمة لصحة وصيته للموصَى له الحربي أهمها ما يلي:
الأول: أن لا يكون الكفر أو الحرابة جهة في وصيته.
الثاني: أن لا يتصف الحربي الموصَى له بالقتال والمظاهرة وقت عقد الوصية له حتى ساعة وفاة الموصي فلا تصح لمن اتصف بذلك([40]).
الثالث: أن يعين الموصَى له.
الرابع: أن تكون الوصية غير الوقف، ثم بيَّن أن الصحة والبطلان للوصية غير الجواز وعدمه». انتهى.
بعد كل هذا البيان ننتقل إلى شرح الآية نفسها:
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{9} )([41]).
بيَّن سبب نزول الآية: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ)، أنها كانت في المعاهدين لا الحربيين وقد فهم أن إباحة البرِّ والقسط هو للمعاهدين دون الحربيين، ولذلك قالوا: بالنسخ لإنهاء العهود مع المشركين بعد نزول سورة براءة وفهم من الآية أيضًا أن الحربيين منفيٌّ عنهم البرِّ والقسط فكأن فهم الآية على هذا الأساس:
· الولاية منتفية عن الجميع معاهدين، وحربيين، وذميين.
· البر والقسط ثابت للمعاهدين والذميين، دون الحربيين.
· وبعد نفي العهود ينتفي البر والقسط، والولاء منتف عن الجميع بداية.
والفهم الآخر للآية وهو الأصح وهو فهم شيخ المفسرين الطبري أنه لا نسخ للآية، وأن الآية تُثْبِِت:
1 - انتفاء الولاية عن الجميع ذميين، ومعاهدين، وحربيين.
2 - ثبوت البر والقسط للجميع ذميين، ومعاهدين، وحربيين.
لا يستثنى من الحربيين إلا من تحققت فيه صفة القتال والمظاهرة بعينه لأن البر والقسط في هذه الحالة يكون نوعًا من الولاء لتعديه على أهل الإسلام.
3 - الولاء غير البر والقسط، والبر والقسط غير الولاء.
البر والقسط صلة وإحسان. والولاء دلالة على عورات المسلمين وتقوية لأهل الحرب على أهل الإسلام بالكراع والسلاح.
المفهوم من آخر الآية هو انتفاء البر والقسط عن الحربيين بثبوته للمعاهدين، والمنطوق هو نفي الولاء دون نفي البر والقسط، والولاء غير البر والقسط، والمنطوق مقدم على المفهوم، لذا لم ينتف البر والقسط عن الحربيين وإن انتفى عنهم الولاء، ولا ينطبق المفهوم إلا على من تحققت فيه صفة القتال والمظاهرة من الحربيين دون غيره. كذلك مفهوم نفي الولاء عن الحربيين يعطي ثبوت الولاء للمعاهدين والثابت للمعاهدين هو البر والقسط دون الولاء وذلك لسببين:
1- عموم النهي عن ولاء الكافرين بمنطوق متكرر في جميع سور القرآن والمفهوم لا يعارض المنطوق ولا يخصصه والمنطوق دائمًا مقدم على المفهوم.
2- الثاني أن الله سبحانه وتعالى لو أراد إثبات الولاء للكفار المعاهدين ونفيه عن الكفار الحربيين لقال أذنتُ لكم في ولاء هؤلاء ونهيتكم عن ولاء هؤلاء فكونه عدل عن ولاء المعاهدين إلى إباحة البر والقسط لهم يدل على أن البرَّ والقسط ليس ولاء وأن الولاية منقطعة بين المسلم والكافر بجميع أفراده.
ومن كل ذلك يتضح أنّ:
1- عموم النهي عن ولاء الكافرين وأنه لا يباح في أي حال ولا في حال دون حال بل هو محرم في كل حال.
2- لا يُفَسَّر مناط الولاء بالحقيقة اللغوية ولا بالحقيقة العرفية، ولكن يُفسَّر بالاصطلاح الشرعي، وذلك بالصور التي عدَّها اللهُ ولاء وكَفَّرَ مرتكبها وقد مرَّ ذكرها.
ومِنْ ثمَّ لا يؤتى بمعنى لغوي لم ينصّ اللهُ سبحانه وتعالى أنه ولاء، وذكر الولاء وعدّه مغايرًا له كما في الآية التي سبقت الإشارة إليها ومن ثمَّ فليس منه، ثم يقال: هذا ولاء وليس كفرًا، فكل ولاء لا يكون كفرًا وإنما الكفر بالباعث عليه، لأن هذا المسلك تحريف للكلم عن مواضعه.




([1]) سورة الممتحنة،الآية: 1.
([2]) سورة الطارق،الآية: 6.
([3]) الدرر السنية، جـ1، ص 470.
([4]) سورة إبراهيم،الآية: 4.
([5]) سورة آل عمران،الآية: 28.
([6]) سورة النساء،الآيات: 97-99.
([7]) سورة النساء،الآيات: 88-91
([8]) سورة النساء،الآيات: 138-147.
([9]) سورة التوبة،الآية: 107.
([10]) سورة آل عمران،الآيات: 100-107.
([11]) سورة الأنعام،الآية: 14.
([12]) سورة الأنعام،الآية: 153.
([13]) سورة آل عمران،الآية: 28.
([14]) سورة الممتحنة،الآية: 8.
([15]) تفسير الطبري، جـ12، ص 62.
([16]) سورة التوبة،الآية: 5.
([17]) سورة آل عمران،الآيتان: 118-119.
([18]) سورة لقمان،الآية: 15.
([19]) سورة التوبة،الآيتان: 23-24.
([20]) سورة المجادلة،الآيات: 14-22.
([21]) دكتور إسماعيل لطفي فطانى، مطبعة دار السلام، ص 161-178 بتصرف.
([22]) سورة البقرة،الآية: 221.
([23]) سورة الممتحنة،الآية: 10.
([24]) سورة المائدة،الآية: 5.
([25]) سورة المائدة،الآية: 5.
([26]) المدونة الكبرى، جـ2، ص 301، جـ1، ص 231.
([27]) الأم، جـ5، ص 7، المدونة الكبرى، جـ2، ص 308.
([28]) فتح الباري، جـ9، ص 417.
([29]) شرح السير الكبير، جـ5، ص1838، تحفة المحتاج، جـ7، ص322، نهاية المحتاج، جـ6، ص 390.
([30]) كتاب الحجة على أهل المدينة، جـ2، ص 357، لسان الحكام في معرفة الأحكام، ص 179-180، شرح السير الكبير، جـ5، ص 1833.
([31]) الشرقاوي على النحرير، جـ1، ص 238.
([32]) اختلاف الدارين، ص 246.
([33]) المنهاج وشروحه من تحفة المحتاج، جـ8، ص345، نهاية المحتاج، جـ7،ص 8. مغني المحتاج، جـ3، ص 447، المهذب وشرحه المجموع، جـ17،ص 177.
سنى المطالب، جـ3، ص2، حاشية البجيري، جـ4، ص 119.
([34]) سورة الممتحنة،الآية: 8.
([35]) المصدر السابق، ص 271.
([36]) مغني المحتاج، جـ3، ص43، الوجيز، جـ1، ص262-270، المهذب وشرحه تكملة المجموع، جـ14، ص323.
([37]) المقنع وحاشيته، جـ2، ص366، الإنصاف، جـ7، ص231،المغني، جـ1،ص104.
([38]) سورة الممتحنة،الآيتان: 8-9.
([39]) تفسير القاسمي، جـ16، ص577، التفسير الكبير للفخر الرازي،جـ29، ص 304.
([40]) مجموع فتاوى ابن تيمية، جـ31، ص31، أحكام أهل الذمة، جـ1، ص 300-301.
([41]) سورة الممتحنة،الآيتان: 8-9.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية