الشبهة الثامنة: الرد على شبهة أن الولاء ينقسم إلى خمسة أحكام

إذا أطلق الشرع الذم لولاء الكافرين في كل موضع وجعله من النواقض المكفرة للتوحيد في كل موضع يذكر فيه، ولم يستثن من حكم الكفر إلا ما قيده منه بقيد يخرجه عن الإطلاق إلى صورة الولاء المقيد ولم يحدث هذا إلا في موضع واحد في القرآن في قصة حاطب في ”سورة الممتحنة“ على أحد الاحتمالين في التفسير، وهذا الموضع المقيد وإن أخرج من حكم الكفر إلا أنه لم يخرجه عن الذم، علمًا بأن الصور التي تمثل فيها الولاء للكافرين بحقيقته الشرعية لم تقترن بقرينة تفيد التقييد فهي كلها على إطلاقها على ما ذكرناه، فلا يمكن والحال هذه أن تؤول هذه الأحكام بالذم والتكفير والإخراج عن الملة بالردّة إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرَّم، وقد نصَّ الشرع لفظًا على كونها كفرًا مخرجًا من الملة، وللإمام الشاطبي قاعدة جليلة في هذا الشأن بخصوص البدع حيث ورد الشرع بذمَّها على الإطلاق، ومن ثم كانت غير مشروعة فلا تنقسم والحال هذه كما قال البعض إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرَّم.
ويرد الإمام الشاطبي على مَنْ قال بتقسيم البدع إلى أحكام التكاليف الخمسة([1]):«والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها فالجمع بين تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمعًا بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دلَّ دليل على منع أمر أو كراهته لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم ألبتة إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعًا بناءً ـ والله أعلم ـ على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسميته لها بلفظ البدع وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة، واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد. ولما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة». أهـ.
أقـول: بالمفهوم اللغوي لها لا الشرعي كما قال شيخ الإسلام في ”اقتضاء الصراط المستقيم“: «أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس، لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع».
يقول في ذلك الإمام الشاطبي ([2]): «فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذمِّ من أوجه: أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء ألبتة ولم يأت فيها مما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد فدلَّ على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.
أقـول: نفس القاعدة تنطبق تمامًا على موالاة الكافرين .
والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )([3])، ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى )([4])، وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك فما نحن بصدده من هذا القبيل إذا جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلقة أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها فدلَّ ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق على موالاة الكافرين.
الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمِّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية. فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت فدلَّ على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق على موالاة الكافرين.
الرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لأنه من بابِ مضادة الشارع وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، وأيضًا فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمِّ لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك، وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها، إذ لو قال الشارع: المحدثة الفلانية حسنة لصارت مشروعة كما أشاروا إليه في الاستحسان، ولمَّا ثبت ذمها ثبت ذمّ صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذًا المذموم على الحقيقة، والذمّ خاصته التأثيم فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم». أهـ.
أقـول: نفس القاعدة أيضًا تنطبق لأن أي علاقة غير مذمومة بين المؤمن والكافر لا يسميها الشارع ولاء للكافرين، وإنما يسميها برًا وقسطًا، فعدل عن اسم ولاية الكافرين فيما فيه إباحة وقصره على ما هو محرم، وهذا دليل على أن هذا اللفظ: ”ولاء الكافرين“، قد تمحض للذمِّ فمناطه قد تمحض للتحريم وليس فيه ما يباح، وتعريف صوره أو مناطاته إنما يكون بالحقيقة الشرعية دون اللغوية أو العرفية.
ومن هنا ينكشف لنا خبث المحاولة بإدخال معان مشروعة من البر والقسط للكافرين تحت اسم ولاء الكافرين، ثم يقال: هذه قد عُلِمَ من الدين بالضرورة كونها مباحة بل ومشروعة وغير مكفرة وهي ولاء كافرين، ومن ثَمَّ فكل ولاء للكافرين غير مكفِّر إلا ما كان الباعث عليه تغير الاعتقاد وبذلك يتم تحريف الكلم عن مواضعه بصرف الأحكام عن مناطاتها الحقيقية إلى مناطات أخرى لا علاقة لها بها.
وعلى النقيض تمامًا يأتي موقف الإفراط والغلو بالقول بأن كل هذه المعاني المفهومة من اللغة والعرف للولاء: ولاء شرعي تتنزل عليه أحكام الكفر المخرج من الملة التي جاءت في القرآن لولاية الكافرين، فيتم أيضًا تنزيل أحكام الشرع على غير مناطاتها، فيُكَفِّرون بذلك من لا يستحق التكفير ظلمًا وجهلاً وغلوًا، لأنهم صرفوا الأحكام دون أن يؤولوها إلى أوسع من مناطاتها الشرعية، وعدلوا عن الحقائق الشرعية إلى الحقائق العرفية واللغوية مع وجود الشرعية. وأهل التفريط أدخلوا الحقائق اللغوية مع الشرعية، ثم أوَّلوا الأحكام للجميع وقيَّدوا الحكم بالباعث، فأخرجوا المناط عن أن يكون مناطًا بعدم تأثيره في الحكم وجودًا وعدمًا. والحق أن الأحكام التي جاءت في القرآن لولاء الكافرين غير مؤولة، ولكنها لا تتنزل إلا على مناطاتها الشرعية التي ذكرها القرآن، وبعضها قد ذكرته السنة ومن ثمَّ لا يتسع نطاق التكفير إلى مناطات لا يكفر مرتكبها فيُكَفَّر المسلمون بغير موجب، وتقييد الحكم بالباعث دون المناط يخرج المناط عن أن يكون مناطًا. فإذا قلنا أن من تولى الكافرين لا يكفر إلا بالاستحلال، أو الجحود، أو تغيير الاعتقاد إلى النصرانية أو اليهودية، أو إلى شك، أو تكذيب، فلا فرق في ذلك بين ولاية الكافرين وبين الغيبة والنميمة، فإن مرتكب الغيبة والنميمة لا يكفر إلا بالاستحلال، أو الجحود، أو تغير الاعتقاد على أي نحو كان عليه هذا التغير، فلماذا عدَّ الشارع ولاية الكافرين كفرًا مع أنها لا تكون كفرًا إلا بهذا القيد ولم يعد النميمة والغيبة كفرًا، وعدَّها معصية غير مخرجة من الملة. وإذا كان متولي الكافرين لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد، فإذا تولى الكافرين ولم يتغير اعتقاده لا يكفر، وإذا تغير اعتقاده ولم يتول الكافرين يكفر، إذن لا تأثير لولاية الكافرين في حكم الكفر المخرج من الملة وجودًا وعدمًا، وقد جعله الشرع مناطًا فيكون مؤثرًا، فكيف يجعله الشرع مناطًا مؤثرًا في الحكم وهو غير مؤثر؟!، هذا باطل، ولكون ما عدَّه الشرع مناطًا هو المؤثر وجودًا وعدمًا في الحكم دون غيره، وإذا كانت ولاية الكافرين غير مؤثرة في الحكم فذِكْرُها في النص وربطها بالحكم لا يتحكم منه فائدة زائدة وهذا عبث يتنزه عنه كلام المخلوق فضلاً عن الخالق.
وهذه القواعد الثلاثة في ضرورة ربط الحكم بمناطه دون أي شيء آخر قد ذكرها ابن تيمية عليه رحمة الله في مناط سبِّ الرسول صلي الله عليه وسلم في كتابه القيم ”الصارم المسلول“. يقول في ذلك([5]):
«الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السبَّ حلال، فإنّه لما اعتقد أن ما حرَّمه اللهُ تعالى حلال كَفَرَ، ولا ريب أن من اعتقد في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفر، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النبيِّ صلي الله عليه وسلم وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أن الله حرَّمها، فإنَّه من فعل شيئًا من ذلك مستحلاً كفر مع أنه لا يجوز أن يقال من قذف مسلمًا أو اغتابه كفر، ويعني بذلك إذا استحله. الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السبّ أو لم يقترن به، فإذًا لا أثر للسبِّ في التكفير وجودًا وعدمًا وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء». أهـ.
([1]) الاعتصام، جـ1، ص 191-193.
([2]) الإعتصام، جـ1، ص 141.
([3]) سورة فاطر،الآية: 18.
([4]) سورة النجم،الآية: 39.
([5]) الصارم المسلول، ص 455.





التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية