الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (2)


·ثانيًـا:وجه الشرك في هذه الممارسات ـ غالبًا ـ هو: في اتخاذ الوسائط، وليست المسألة مسألة صيغة، بل حقيقة، ومضمون، ومعنى، ولب الأفعال ـ كائنة ما كانت الصياغات ـ هي اتخاذ الوسائط، والشفعاء عند الله كخواص الملوك، فلو صحح لهم الصيغة متمعلم ما استطاع أن يغير المضمون.
جاء في رسالة الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين“ يقول رحمه الله: وأما كلام العلماء فنشير إلى قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك، قال في ”الإقناع وشرحه“: «من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعًا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام قائليـن: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)*.أهـ.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وقد سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنَّا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك.
فأجاب بقوله: «إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه قال الله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ), ومَنْ أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذه العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم يسألونه ذلك، ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لم يأذن اللهُ لـه فيهـا قـال تعالـى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) وقال عز وجل: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ )، وقال عز وجل: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) وقال عز وجل: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ *وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقـال عز وجل: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) إلى قولـه (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى والعُزَير والملائكة والأنبياء، فبيَّن اللهُ لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه وقال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فبيَّن سبحانه وتعالى أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفرٌ. فمن جعلَ الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وتيسير الفاقات فهو كافرٌ بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ *لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ *يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) إلى قولـه (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) وقال عز وجل: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) وقال عز وجل: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) وقـال عز وجل: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقال عز وجل: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) ، وقال عز وجل: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالحُجَّاب بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن اللهَ تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الخالق، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم، أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبِّهون، شبَّهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الردِّ على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى.
فإنَّ هذا دين المشركين عبَّاد الأوثان كانوا يقولون أنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله تعالى وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال عز وجل: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أي: فليستجيبوا إذا دعوتهم بالأمر والنهي، وليؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم لي بالمسألة والتضرع.
إلى أن يقول: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لابن عباس: «إذا سألتَ فاسألْ الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم فإنَّ صلاتكم تبلغني» وقال صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذِّر ما صنعوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا». انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقول الشيخ حمد بن ناصر عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال رحمه الله في موضع آخر: «والله سبحانه لم يجعل أحدًا من الأنبياء، والمؤمنين، واسطة في شيء من الربوبية والإلهية، مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو ويشفع واللهُ تعالى يقول:(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ، وقال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) وقال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) .
فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة، والنبيين أربابًا كفر. ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شركٌ كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم. فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفَّار لأن اللهَ تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين ولهذا قال عز وجل: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) وقال عز وجل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُجَمِيعًا) وقال عن صاحب يس: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) .
وأما الخوارج والمعتزلةفإنهم أنكروا شفاعة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته. وهؤلاء مبتدعة ضلاَّل مخالفون للسنَّة المستفيضة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولإجماع خير القرون.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، وهم سلف الأمة، وأئمتها، ومن اتبعهم بإحسان، أثبتوا ما أثبته اللهُ في كتابه وسنَّة رسوله، ونفوا ما نفاه، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون: أنهم إذا أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: أنهم عند اللهِ كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، واللهُ تعالى قد نزَّهَ نفسه عن ذلك». انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
·ثالثًـا: معنى الإله أو الآلهة التي تتخذ من دون الله في القرآن الكريم هو بمعنى: الواسطة أو الذي يشفع على الله إدلالاً على الله لما له عنده من مكانة، وهو معنى صاحب السر في استعمالات مشركي هذه الأمة، والدليل الحاسم على ذلك هو قول صاحب يس: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) فلم يذكر لهذه الآلهة التي تتخذ استقلالاً بالتأثير أو مشاركة فيه إنما هي شفاعة لا ترد إلى الله، هذا ما أبى أن يفعله مع المشركين.
والدليل الثاني: قول أصحاب موسى له: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) وقول من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط» شيئًا يتخذ للتبرك، فيقصد لذلك لتقضى به الحاجات، وتفرج به الكربات من الله تعالى.
والثالث: وهذا هو معنى قول أصحاب السامريّ عن عجلهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) ،أي: واسطتكم إلى الله، وواسطة موسى إلى الله عزَّ وجلّ لأنه مزج الذهب بقبضة تراب من أثر الرسول وهو جبريل u تبركًا، فاتخذوا العجل للتبرك لتقضى به من الله حاجاتهم وتفرج به من الله كرباتهم، فكان هذا الفعل هو معنى العبادة، ومعنى الإلهية أو الألوهية.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك: «فلمّا جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيُّها صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لتتبعنَّ سنن مَنْ كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه» وكان من قبلهم، كما ذكر اللهُ عنهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني وأحمد البدوي وعديّ بن مسافر وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف أعني على الداعي وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم. وبيَّن أهل العلم: أن هذا هو الشرك الأكبر.
إلى أن يقول: واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنهم يدعون الملائكة، والأولياء، والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله. فهم لا يدعونها إلا في الرخاء فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله قال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) واعلم أن التوحيد هو: إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده.
إلى أن يقول: فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) وقوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة.
إلى أن يقول: وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدينُ كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو: الذي أحلَّ دماءهم وأموالهم؛ عرفت حينئذ التوحيد، الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو: معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيٍّا؛ لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: السيد؛ فأتاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها، والكفَّار الجهال يعلمون أن مراد النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق ـ والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه ـ فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله؛ قالوا: (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
فإذا عرفت أن جهَّال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهَّال الكفَّار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظنّ أن معناها لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبِّر الأمرَ إلا الله. فلا خير في رجل: جهَّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
ويقول في موضع آخر: القاعدة الثانية: وهي أنهم يدعون الصالحين مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سمَّاه إلهًا، ولا يعني بذلك أنه يخلق أو يرزق، بل يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)الإله في لغتهم هو: الذي يسمَّى في لغتنا: فيه السر، والذي يسمونه الفقراء شيخهم يعنون به أن يُدعى، وينفع، ويضر، وإلا فهم مقرون لله بالتفرد بالخلق والرزق، وليس ذلك معنى الإله، بل الإله المقصود المدعو المرجو لكن المشركون في زماننا أضلُّ من الكفَّار الذين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين: أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء، وأمَّا في الشدائد فيخلصون لله الدين كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أُناسًا لا يوازنون عيسى والملائكة»***. انتهى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
* مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 603.
** مجموعة الرسائل والمسائل، جـ5، ص 606-608.
*** الدرر السنية، جـ1، ص 66.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية