الرد على شبههم فى نفي النسك عن غير الله عزَّ وجلّ (4)

· خامسًا: الخطأ من أجل الإشراب:
من المنقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية([1]): «ومازال المشركون يسفهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة كما قال قومُ نوحٍ لنوحٍ وعادٌ لهودٍ عليهما السلام: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا)([2])، فأعظم ما سفَّهُوه لأجله وأنكروه هو: التوحيد، وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك لما عنده من الشرك. وكثيرٌ من هؤلاء يخربون المساجد ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي يبنى للصلوات الخمس معطلاً مخربًا ليس له كسوة إلا من الناس، وكأنه خان من الخانات. والمشهد الذي يبنى على الميت فعليه الستور وزينة الذهب والفضة والرخام والنذور تغدو إليه وتروح، فهل هذا إلا مِن استخفافهم بالله وآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك؟!، فإنهم يعتقدون أن دعاءهم للميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء اللهِ والاستغاثة به في البيت الذي بُني لله عزَّ وجلّ! ففضلوا البيت الذي بُني لدعاء المخلوق على البيت الذي بُني لدعاء الخالق! وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة لمشركي العرب، الذين ذكر الله حالهم في قوله عز وجل: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)([3])،كانوا يجعلون له زرعًا وماشية ولآلهتهم زرعًا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غنيٌّ وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا حال أهل الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما يبذل عندهم للمساجد ولعمَّار المساجد والجهاد في سبيل الله.
وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده وخضع ويدعو ويتضرع ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن.
إلى أن يقول: ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله.
إلى أن يقول: إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسنة لاغية وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم، وسكتت ألسنتهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشرب العطشان منهم ماء.
إلى أن يقول: فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله.
إلى أن يقول: ومن هؤلاء من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبيُّ بذكر أمه، فيتعسر أحدهم فيقول يا فلان وقد قال الله للموحدين: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)([4])، ومن هؤلاء مَنْ يحلف بالله ويكذب، ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله... إلى آخره.
ويقول في موضع آخر([5]): وهؤلاء الغلاة المشركون إذا حصل لأحدهم مطلبه ولو من كافر، لم يقبل على الرسول بل يطلب حاجته من حيث أنها تقضى، فتارة: يذهب إلى من يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه قبر كافر أو منافق، وتارة: يعلم أنه كافر أو منافق فيذهب إليه كما يذهب قومٌ إلى الكنيسة أو إلى مواضع يقال أنها تقبل النذور، فهذا يقع فيه عامتهم وأما الأول فيقع فيه خاصتهم». انتهـى.
وفي ”الدرر السنية“ للشيخ محمد بن عبد الوهاب([6]): «وأنت يا مَنْ مَنَّ اللهُ عليه بالإسلام وعرف أن ما من إله إلا الله لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وأنا تاركٌ ما سواه لكن لا أتعرض للمشركين ولا أقول فيهم شيئًا. لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لابد من بغضهم وبغض مَن يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم؛ كما قال أبوك إبراهيم والذين معه: (إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)([7])، ولو يقول رجلٌ: أنا أتبع النبيّ وهو على الحق لكن لا أتعرض لللات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل، وأمثاله، ما عليّ منهم؛ لم يصح إسلامه؛ وأما مجادلة بعض المشركين بأن هؤلاء الطواغيت ما أمروا الناس بهذا ولا رضوا به. هذا لا يقوله إلا مشرك مكابر، فإن هؤلاء ما أكلوا أموال الناس بالباطل ولا ترأسوا عليهم ولا قرَّبوا من قربوا إلا بهذا. وإذا رأوا رجلاً صالحًا استحقروه وإذا رأوا مشركًا كافرًا تابعًا للشيطان قرَّبوه وأحبوه وزوجوه بناتهم وعدُّوا ذلك شرفًا!!. وهذا القائل يعلم أن قوله ذلك كذب، فإنه لو يحضر عندهم ويسمع بعض المشركين يقول جاءتني شدة فنخيت الشيخ أو السيد فنذرت له فخلصني، لم يجسر أن يقول هذا القائل لا يضر ولا ينفع إلا الله، بل لو قال هذا وأشاعه في الناس لأبغضه الطواغيت بل لو قدروا على قتله لقتلوه. وبالجملة لا يقول هذا إلا مشرك مكابر وإلا فدعواهم هذه وتخويفهم الناس وذكرهم السوالف الكفرية التي بآبائهم شيء مشهور لا ينكره من عرف حالهم كما قال تعالى: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ)([8])». انتهى.
ونقلاً عن ابن القيم([9]) في ”الدرر السنية“ وكذلك في ”النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين“ يقول ابن القيم نقلاً عن ”الدرر“: «وأما الشرك فنوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ويغضبون لها ولا يغضبون إذا انتقص أحدٌ ربَّ العالمين، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش وهو لا يذكر إلا ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده وهكذا كان عبَّاد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذها من البشر.
إلى أن يقول: وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها لله قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ*وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه)([10]).
والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية لكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا، وهذا الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» وهذا لأن من لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية فتنقض بذلك عري الإسلام ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريده التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا واللهُ المستعان». أهـ.
ومن أصدق قولاً من الله؟! (لا أحد). يقول الله عز وجل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)([11])،ويقول عز وجل: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)([12]).
ومن الناس من يريد بالعلم الدنيا فيخطئها إلى الله عزَّ وجلّ، ومن الناس من يريد بالدعاء الله فيخطئه إلى الأنداد أو بحسب ما أُشرِب كلُّ في قلبه، كمن أشرب قلبه حب أحد أبنائه دون بقيتهم فإذا أراد ذكر واحد منهم ذكره هو وإن لم يكن يقصده. واللهُ المستعان.
· سادسًا: تغيير الأسماء لا يغير حقائق الأشياء، والمشرك مشرك، شاء أم أبى:
جاء من كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله([13]) نقله عنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: «ومن أصغى إلى كلامه([14]) وتفهمه: أغناه عن البدع والآراء، ومن بعد عنه فلابد أن يتعوض بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته والتوكل عليه أغناه عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، فالمعرض عن التوحيد: مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة: مبتدع، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله: عابد الصور، شاء أم أبى». انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
ومن كلام أبي بطين رحمه الله([15]): «ومن قال: لا إله إلا الله ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتي والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائـح فهذا مشرك شاء أم أبى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)([16])، ويقول تعالى: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)([17])، ومع هذا فهو شرك ومن فعله فهو كافر». أهـ.
ومن كلام أبي بطين رحمه الله ([18]): «فتبيَّن أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه هو معنى لا إله إلا الله، إذا تبيَّن ذلك فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمى الزنا والربا والخمر بغير أسمائها لم يخرجها تغيير الاسم عن كونها زنًا وربًا وخمرًا ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه وكونه متضمنًا مسبَّة الربّ وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلاً وتشفعًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا لهم ونحو ذلك. فالمشرك: مشرك، شاء أم أبى، كما أن الزاني: زانٍ، شاء أم أبى، والمرابي: مرابٍ، شاء أم أبى.
وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته: يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون الخمر باسم آخر غير اسمها وذمَّهم على ذلك، فلو كان الحكم: دائرًا مع الاسم لا مع الحقيقة لم يستحقوا الذَّم. وهذه: من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم، قديمًا وحديثًا، أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم وغير اسمه بتسميته إياه توسلاً وتشفعًا، ونحو ذلك؛ واللهُ الهادي إلى سواء السبيل». أهـ.
وجاء في ”تبرئة الشيخين“ لابن سحمان في هذا المعنى ملخصًا([19]): «فإذا تأملت كلام شيخ الإسلام وجدته مناقضًا لما قاله هذا المعترض خصوصًا قوله رحمه الله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، ومثل هذا كثير في كلام العلماء والمقصود التنبيه على ذلك، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب ”حكم المرتد“، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان ولو أتى بجميع الدين، وهو صريح في كفر عبَّاد القبور ووجوب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، فإذا كان من التزم شرائع الدين كلها إلا تحريم الميسر والربا والزنا يكون كافرًا يجب قتاله، فكيف بمن أشرك بالله ودُعِي إلى إخلاص الدين لله فأبى عن ذلك، واستكبر، وكان من الكافرين؟!...
وهل في بني آدم أجهل من رجلٍ يقول: أن من الكفر العملي الذي لا يخرج عن الملة كفر من يدعوا الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله!...
وأعجب من هذا الجهـل: دعواه أن المشركيـن عبَّاد الأوثان يثبتون التوحيد لله، وهم لم يوحدوا الله بالدعاء بل يهتفون بمعبوداتهم عند الشدائد!...
وقد زعم أن كفرهم هذا: كفر عمل، لا كفر اعتقاد، فليت شعري هل يقول هذا من يعقل ما يقول؟، وهل فوق هذا الجهل جهل ينتهي إليه؟!، أما عَلِمَ هذا المتمعلم الجاهل أن اليهود يقولون: لا إله إلا الله، وأن بني حنيفة يقولون: لا إله إلا الله، وأن المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار يقولون: لا إله إلا الله، وكذلك بنو عبيد القداح ملوك مصر يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون الجمعة والجماعة وينصبون القضاة ومع هذا كله لما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم، وأن بلادهم بلاد حرب.
إلى أن يقول: فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلاً، واستغاثةً، ورهبةً، ورغبةً، ودعاءً، وغير ذلك مما هو مختص بالله لا يشركه فيه أحد من خلقه، فمن أشرك مع الله أحدًا من خلقه بنوع من أنواع العبادة فهو مشرك، وإن تلفظ بالشهادتين وصلَّى وزكى وصام وحج ولو لم يسم من يقصده بهذا رَبًّا وإلهًا. فإن الحقائق لا تتغير بتغير الأسماء كما يقول عبَّاد القبور في هذه الأزمان: إنَّا لسنا نعبدهم بهذه الأفعال، بل نعتقد أن الله هو النافع الضار وأنه المحيي المميت المدبر لجميع الأمور، وأن الإعدام والإيجاد بيده وأن التأثير لله وحده، وإنما هو توسل وتشفع وتعظيم للأولياء والصالحين، فنطلب من الله بجاههم وشفاعتهم لأنهم أحباب الله المقربون. وهذا هو شرك الجاهلية الأول من عُبَّاد الملائكة والأنبياء والصالحين، كما ذكر ذلك العلماء في مصنفاتهم وما ردوا به على هؤلاء الملاحدة الذين شرعوا لهؤلاء الجهلة من الدين ما لم يأذن به الله، وأوهموهم أنهم إذا اعتقدوا أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنهم إذا لم يعتقدوا أن من يدعونه من دون الله ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد والملمات أربابًا وآلهة أن هذا ليس بشرك يخرجهم من الملة تعالى الله عمَّا يقولون علوًا كبيرًا.
إلى أن يقول: فإذا تأله القلب بغير الله فدعاه، واستغاث به في كشف كربة، أو شدة نزلت به، وهتف باسمه في طلبها فقد أشرك ذلك الغير مع الله. ـ ثم يتكلم عن الذبح والنذر وطلب الشفاعة ـ إلى أن يقول: وكذلك إذا نذر لله ونذر لغيره كان ذلك إشراكًا به، ولا ينفعه مع هذا الشرك اعتقاده أن هذا المدعو في جلب منفعة أو دفع مضرة، وأن هذا الولي إذا ذبح له وتقرب إليه بشيء من ماله إذا لم يسمه إلهًا أن ذلك لا يضره، وأن اعتقاده أن الله هو الإله ينجيه من الشرك فذلك ظنُّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النَّار. فإنَّ الحقائق لا تتغير بتغير أسمائها.
ثم ينقل عن ”فتح المجيد“ باب ”من تبرك بشخص أو حجر ونحوهما كبقعة أو قبر ونحو ذلك“([20]) ـ أي: فهو مشرك ـ يقول تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)([21]).
إلى أن يقول: ثم قال رحمه الله تعالى: ومطابقة الآيات للترجمة من جهة أن عبَّاد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتها وشفاعتها وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات والأشجار والأحجار كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبودهم أعظم مما وقع من أولئك فالله المستعان.
ثم يذكر قصة ذات أنواط. إلى أن يقول رحمه الله: قوله: وللمشركين سدرة يعكفون عندها ـ العكوف هو الإقامة على الشيء في المكان ـ ومنه قول الخليل u: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)([22])، وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها، وفي حديث عمرو كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله. قوله: «وينوطون بها أسلحتهم» أي يعلقونها عليها للبركة. فقلت: ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها.
إلى أن يقول: قوله: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ)([23])، فشبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل بجامع أن كُلاً طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة. ففيه الخوف من الشرك وأن الإنسان قد يستحسن شيئًا يظن أنه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده عن رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعبَّاد مع أرباب القبور من الغلو فيها وصرف جلّ العبادة لها ويحسبون أنهم على شيء وهو الذنب الذي لا يغفره الله.
وبعد أن ينقل قول أبي شامة في كتاب ”البدع والحوادث“ عن التبرك الشركي بالعيون والشجر والحوائط والحجر، مثل ما في دمشق من عوينة الحمى والعمود المخلق والشجرة الملعونة خارج باب النصر، يقـول:
وذكر ابن القيم رحمه الله نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون أن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر أي تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. وسيأتي ما يتعلق بهذا الباب عند قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد»، وفي هذه الجملة من الفوائد أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ولا يغتر بالعوام والطغام.
ثم يواصل نقله عن ”فتح المجيد“. إلى أن يقول: وفيها أمر قصة ذات أنواط ـ أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء ـ ولهذا جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم طُلبتَهم كطلبة بني إسرائيل ولم يلتفت إلى كونهم سمُّوها ذات أنواط. فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمَن يسمى دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك وإن سمَّاه ما سمَّاه وقِس على ذلك.
وبعد أن يذكر خلاصة قول ”فتح المجيد“ وخلاصة قول المعترض على الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنسوب إلى الصنعاني زورًا كما يقول. يقول:
فاعتبر هذا المعترض الجاهل الجهل المركب، الأسماء دون الحقائق يتعلق بتسمية أهل الجاهلية من عبَّاد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم آلهةً وأربابًا، ولم يعتبر معاني هذه الأسماء وحقائقها. فإذا تأله العبد غير الله بنوع من هذه الأنواع فدعاه مع الله واستغاث به أو استعان به أو خافه([24]) أو رجاه مع الله أو طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله أو ذبح له أو نذر له أو توكل عليه أو صرف له من هذه العبادة شيئًا فقد عبده من دون الله وتألهه، وإن لم يسمِّ ذلك المعبود إلهًا وربًّا وسواء اعتقد التأثير منه أو لم يعتقد. فإن الحقائق لا تتغير بتغير الأسماء، فالاعتبار بالحقائق والمعاني لا بالأسماء». انتهى ملخصًا.

([1]) الدرر السنية، جـ1، ص 409.
([2]) سورة الأعراف،الآية: 70.
([3]) سورة الأنعام،الآية: 136.
([4]) سورة البقرة،الآية: 200.
([5]) الدرر السنية، جـ1، ص 403.
([6]) المصدر السابق، جـ2، ص 109.
([7]) سورة الممتحنة،الآية: 4.
([8]) سورة التوبة،الآية: 17.
([9]) الدررالسنية، جـ2، ص 429،مجموعة الرسائلوالمسائلالنجدية، جـ5، ص 608.
([10]) سورة سبأ،الآيتان: 22-23.
([11]) سورة الزمر،الآيات: 43-45.
([12]) سورة غافر،الآية: 12.
([13]) الدرر السنية، جـ1، ص 423.
([14]) يقصد الشارع.
([15]) المصدر السابق، جـ2، ص 313.
([16]) سورة النساء،الآية: 48.
([17]) سورة المائدة،الآية: 72.
([18]) الدرر السنية، جـ2، ص 298.
([19]) تبرئة الشيخين، ص 203.
([20]) فتح المجيد، ص 144-156.
([21]) سورة النجم،الآيتان: 19-20.
([22]) سورة الأنبياء،الآية: 52.
([23]) سورة الأعراف،الآية: 138.
([24]) خوف السر الذي لا يكون إلا لله وكذلك الرجاء.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية