الرد على قولهم أن طاعة الأحبار والرهبان لا تكون إلا في الاعتقاد (3)

وقبل أن نفرغ من الموضوع لابد من تنبيهات لرفع التباسات تدخلها المرجئة على الناس لتلبس عليهم دينهم:
أولاً: لا ينبغي التلبيس بين الشريعة، أو الشرع المبدل، أو المنسوخ، وبين غيرها، فالقانون قاعدة عامة ومجردة، يصدرها ذو سلطان تسري على من تتوافر شروط سريانها فيه، ومن هنا تختلف عن السياسات، أو الخطط، أو الأوامر الإدارية، والتصرفات الشخصية، أو الجماعية في الحياة اليومية.
ثانيًـا: تنظيم المباح أموره لا تقع منفصلة ولا يصح فصل هذه الأمور عن نطاق النظام الذي تقع فيه، فالعبرة بقبول النظام العام الذي تقع هذه الأمور في نطاقه، وقبول نظام يقوم على الإقرار لغير الله بالتشريع وفصل الدين عن الدولة، وقبول نظام يقوم على أساس قبول الشرع المبدل أو المنسوخ بديلاً عن الشرع المحكم. فإذا كان هذا واقعًا أخذ حكمه وإن لم يكن واقعًا لم يأخذ حكمه، فهي لا تنفصل ولا تقع منفصلة عن نطاق النظام الذي تقع فيه.
ثالثًا: الخضوع مع الاستضعاف ليس قبولاً لشرع غير شرع الله إذا كان مع كره القلب بدلالة من الاعتزال وعدم المشايعة بالعمل. أكدنا ذلك مرارًا وتكرارًا، ومشايعةُ المُكرِه على التبديل مع ادعاء كره القلب دليل على عدم صدق هذا الادعاء، ولا يحدث هذا إلا ممن انشرح صدره لهذا الخضوع وركن واستنام واستكان لهذا الأمر.
رابعًـا: العمل أو الوظائف لا شأن لها بقبول شرع غير الله لأن ترك العمل لا يعني عدم الخضوع لهذه الشرائع فهو مخاطب بها وإن أغلق عليه بابه، والعبرة بكره القلب مع ترك المشايعة. والأرزاق وإن شابها الحرام فحالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعة تغيير الحال ترفع الحرج ـ هكذا قال الفقهاء، وهو أمر معلوم مشهور ـ وبقاؤنا في أعمالنا دليل على إصرارنا على امتلاك مقدرات حياتنا واسترداد حقنا الشرعي في عودة الحياة إلى الأصول والتمكين لدين الله في الأرض.
خامسًـا: العقود ليست قبولاً لشرع غير شرع الله. العقود: شروط، والشروط ليست بدلاً عن شرع الله حتى تكون من الدين المبدل أو المنسوخ، وقد أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بإبطال كل شرط ليس في كتاب الله، وإن كان مائة شرط وشرط، والمقصود أن العقد وإن كان ملزمًا لطرفيه أو أطرافه فإن ذلك مشروط بعدم مخالفته للقواعد الآمرة من النظام القانوني العام هذا في الشرائع الوضعية. ونفس الشيء في الشرع الإسلامي فالشرع يبطل أي شرط أو عقد يخالف الشرع، فأما إن لم يكن مخالفًا للشرع فهو ملزم لطرفيه أو أطرافه، وكيف يخفى هذا المعنى وهو مشروح بإسهاب في ”أعلام الموقعين“ وفي ”الموافقات“ وهو معنى مستقر في الفقه الإسلامي وواضح غاية الوضوح، والشروط الفاسدة في البيع وغيره، إمَّا أن تصح ويصحّ العقد وهذا فيما يدق ويعسر التحرز منه، أو تبطل ويصح العقد، أو يبطل الشرط والعقد معًا ولا نرى الاسترسال في بيان هذا المعنى لوضوحه.
سادسًا: قبول شرع غير الله مستلزم بالضرورة رد شرع الله، فاليهود لما استحلوا القتل رفضوا حكم الله بتحريم قتال بني إسرائيل، ولما أوجبوا الفداء قبلوا حكم الله بفك إسار بني إسرائيل وفدائهم، وقبولهم للجلد والتحميم رفض للرجم، فمَن قَبِلَ حكم الله في جزئية فقد رفض حكم غيره في هذه الجزئية، ومَن قَبِلِ حكم غير الله في جزئية فقد رفض حكم الله في هذه الجزئية، فمَن قَبِلَ حكم الله عزَّ وجلّ في بعض الجزئيات وقَبِلَ حكم غيره في جزئيات أخرى يكون قد اجتمع له قبول لبعض شرع الله ورفض للبعض الآخر، فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما وصف الله اليهود بذلك، ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج من ملة الإسلام بنص الآية.
سابعًـا: يقولون: قد يكون رد شرع الله راجعًا إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فلا حرج في ذلك. ونقـول: هذا هو موقف المنافقين من شرع الله ومن موالاة الكافرين حيث قـال الله سبحانه وتعالى عنهم في سورة النـور: (وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)([1]).
يقول البيضاوي في التفسير([2]): «نزلت في بشر المنافق، خاصم يهوديًا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: (?وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) وأطعنا لهما (ثُمَّ يَتَوَلَّى) بالامتناع عن قبـول حكمه (فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) بعد قولهم هذا (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) إشارة إلى القائلين بأسرهم ـ أو إلى الفريق المتولي منهم ـ وسلب الإيمان عنهم لتوليهم والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) أي: ليحكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهرًا أو المدعو إليه وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) وهو شرحٌ للتولي ومبالغة فيه (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ ) أي: الحكـم لا عليهـم (يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ) منقادين لعلمهم أنه يحكم لهم (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) على عادته تعالى في إتْباع ذكر المحق المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) إنكارًا للامتناع عن حكمه (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ)إن أمرتهم بالخروج من ديارهـم أو أموالهم ليخرجن (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) على الكذب (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة (وَإِنْ تُطِيعُوهُ) في حكمه تهتدوا (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وقد أدى فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم». أهـ.
هنا الإقرار بالشريعة متحقق بل متكرر والإعراض عنها للمصلحة، فكيف يقال أن الإعراض عن الشريعة إذا كان جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة فلا بأس؟؟!!
ونقـول: هل قبول شرع الله ورفض ما سواه، والدخول في ولاية الإسلام ولاية لله ورسوله والمؤمنين مسألة خاضعة لاعتبارات المصالح؟!، وهل كان هذا إلا موقف المنافقين واتهموا المؤمنين بالسفه لوقوفهم عند أمر الله وامتثالهم له معبرًا عن حسابات المصالح الدنيوية وحسابات وموازنات القوى؟!!
ويقولون: قد يكون ردَّه إلى المداراة واتقاء الفتنة. ونقول: أن الخضوع في حالة الاستضعاف لتعذر الانتقال وعدم استطاعته تغيير الحال مع كره القلب وترك المشايعة لا يسمي قبولاً لشرع غير شرع الله، بل هو درجة من درجات الرفض لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع»، وقال عبد الله بن مسعود عن حكايته في تبديل الملوك لدين المسيح: إذا حدث ذلك فيكم فليعلم اللهُ من قلبك أنَّك كارهٌ، ولكن الذي يعلن قبوله ومعايشته، أو معايشته دون قبوله لشرع غير الله في الأرض لقوة ظاهرة تساند ذلك الشرع المبدل وينشرح صدره لموقفه هذا لاطمئنانه إلى سلامته من بطش هذه القوة الظاهرة واطمئنانه على مصالحه في ركونه واستنامته واستكانته إليها فهذا موقف مداهنة وإن ادعى الإكراه ورحم الله من قال:
وثمودُ لو لم يُدْهِنوا في ربِّهم لم تَدْمَ ناقتهم بسيف قَدَارِ
ومن نسب الله عزَّ وجلَّ إليهم العَقْر ليس بسبب مشاركتهم ولكن بسبب مداهنتهم، والذي عقرها هو أشقاها. والآيات في سورة النور التي سبق ذكرها قال عنها بعض المفسرين: الإعراض من بعضهم والرضى من كلهم، فهلك الفاعل والراضي. واللهُ تعالى أعلم، وهو أعزُّ وأكرم.
ثامنًـا: وقالوا: هذا تكفير للناس بالعموم. ونقـول: القول بهذا افتراء للكذب على أهل، الحق لنصرة التلبيس، والإرجاء، والبدعة، والتفريط، وكتمان الحق، وتضليل الناس. وقد قلنا بملء الفم أنه لا تكفير بالعموم في مجتمعات المسلمين في ديارهم التي عليها أحكام الكفر، لأن التكفير بالعموم لا يأتي إلا بعد أن تتغير التبعية، وهذه المجتمعات لم تتغير تبعيتها بعلو أحكام الكفر على الديار للأسباب الآتية:
1- أمر المتبوع غير أمر التابع، أو بعبارة أدق وأصح: أمر التابع غير أمر المتبوع.
2- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم لم يتحيزوا أو يتميزوا عن غيرهم تميز الفسطاط أو تميز انتساب، والذين نجوا من ظاهرة الشرك منهم لم يتميزوا أو يتحيزوا عنهم أو باينوهم، فالناس أخلاطٌ شتى غير متمايزة أو متباينة.
3- الذين دخلوا في ظاهرة الشرك منهم غير قادرين على توريث أبنائهم ما هم عليه كنِحلة أو دين.
4- أمر الناس لا يتبين إلا بالوقوف على المقاصد والاطلاع على البواطن: «من كَرِهَ فقد برئ ومَنْ أنكَرَ فقد سَلِمَ ولكن مَنْ رَضِي وتابع» ومن ثَمَّ لا يثبت الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة بحيث يغني الاسم عن معرفة المسمى، كما نقول: بهائي أو درزي أو نصيري أو قدياني أو بهرة أو باطني أو نصراني أو يهودي. هل تحتاج حينئذ أن تسأل هل كره فبرئ أم رضي وتابع فهلك؟؟ ولكن عندما تقول مصري أو سوري أو عراقي تحتاج أن تسأل لتعرف حقيقة موقفه من علو أحكام الكفر على بلاده، وهذا هو الفرق.
وهذه الأربعة هي التي يتحدد بها بقاء تبعية الإسلام أو تغير التبعية، وبالعكس فالتبعية تتغير إلى كفر أصلي بأربعة أمور وهي:
1- تميز الانتساب أو تميز الفسطاط.
2- ثبوت وصف الكفر بالاسم الظاهر أو الشارة الظاهرة دون حاجة إلى اطلاع على البواطن والمقاصد.
3- أن يكونوا قادرين على توريث أبنائهم ماهم عليه.
4- أن يكون أمر التابع كأمر المتبوع.
وهذا لم يحدث في هذه المجتمعات ومن ثَمَّ فتبعية الإسلام باقية، ومن ثَمَّ فإننا نثبت حكم الإسلام للوليد بتبعية أبويه أو أفضلهما دينًا، وللقيط بتبعية الدار، كما يثبت حكم الإسلام للمجنون ومجهول الحال. وهذا لا ينفي إثبات ظواهر الشرك في الحكم والولاء والنسك وفساد الاعتقادات وتفشي هذه الظواهر، ولا ينفي كون الناس أخلاطًا شتى، ولا ينفي الاستبراء للدين والعرض في هذه الظروف، وثبوت هذه الظواهر لا يلزم منه التعيين، وعدم القدرة على التعيين لا تنفي ثبوت الظاهرة.
ومن هنا قال الفقهاء عن حكم هذا الواقع عندما نَشأ في عدن والهند منذ أكثر من قرنين من الزمان قالوا عن هذه الديار: لها صفة دار الكفر وحكم دار الإسلام. حكم دار الإسلام لبقاء التبعية الإسلامية، وصفة دار الكفر لعلو أحكام الكفر على الديار. وصفة دار الكفر للدار تستلزم إسقاط شرعية الأنظمة التي فصلت الدين عن الدولة، وقيام شرعية بديلة تتمثل في جماعات العلماء، واعطائها شرعية قتال، ووجوب الاسترداد للدار لوصف الردة الطارئ، ولو تحولت لحكم الكفر الأصلي لسقط حق الاسترداد للدار مع التقادم.
وبقـول هؤلاء العلماء نقـول في مثل الواقع الذي قـالوا فيه: هذه ضوابـط الحكـم التي نلتزم بهـا.
أما بيان حقائق الشرع وإبلاغها للناس فلأمرين آخرين وهما:
· ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة، للقيام بواجب البلاغ وإنجاء الناس من الشرك والهلاك وذلك لمصلحتهم من جهتين:
الأولى: النجاة في الآخرة.
الثانية: التمكين في الدنيا.
· الأمر الآخر: وهو تصحيح المفاهيم، ورفع الالتباس؛ للأمانة العلمية لبقاء علم ينتفع به إلى يوم القيامة.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.



([1]) سورة النور،الآيات: 47-52.
([2]) تفسير البيضاوي، جـ1، ص 197.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « مارس 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                1 2 3 4 5 6 7
                8 9 10 11 12 13 14
                15 16 17 18 19 20 21
                22 23 24 25 26 27 28
                29 30 31        
                التغذية الإخبارية