الشبهة الثالثة: الرد على ما أوردوه من الشبه فى مانعي الزكاة

أولاً: عقيدة أهل السنة في الإيمان أنه: تصديق الخبر جملة وعلى الغيب وقبول الحكم جملة وعلى الغيب. والكفر عندهم: بتكذيب الخبر، أو رد الأمر لا فرق في ذلك بين السلف والخلف إلا اختلافات لفظية، والمعنى واحد متفق لا اختلاف فيه.
فعند طائفة السلف: تصديق الرسل فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا، وهما التوحيدان الخبري العلمي المعرفي، والإرادي القصدي الطلبي.
وعند فقهاء المرجئة الإيمان: إقرار، وتصديق مع شرائط الإيمان، الإقرار: خبري إلتزامي فلو قال: أصدقه ولا أطيعه لا يكون مسلمًا، ولو قال أطيعه ولا أصدقه لا يكون مسلمًا حتى يطيعه ويصدقه جميعًا، والتصديق: لابد فيه من أعمال القلوب، ليس تصديقًا قوليًا خاليًا من الانقياد، أما شرائط الإيمان فمعناها: الخلو من النواقض المكفرة.
وعند أشاعرة السنة كما حكى القسطلاني في ”تفسير البخاري“، باب ”الإيمان“، عن الغزالي والإيجي والتفتازاني: هو إذعان لحكم المخبر وقبوله.
وعند كرامية السنة: هو الإقرار مع الخلو من النواقض المكفرة، أن تقول: أسلمتُ وتخليت.
فقضية قبول الحكم ضمن التوحيد الإرادي القصدى الطلبي عند السلف، وضمن الإقرار والخلو من النواقض المكفرة عند فقهاء المرجئة، وضمن التصديق عند الأشاعرة، وضمن الخلو من النواقض المكفرة عند كرامية السنة. وعليه فإن الإباء من قبول الفرائض إسقاطًا للوجوب وهو فعل مانعي الزكاة أيام أبي بكر الصديق رضى الله عنه، كفرٌ عند جميع طوائف أهل السنة، ومانعها بغيًا على الإمام أو بخلاً بها ليس كفرًا عند الجميع، وقد أوضحت هذا بجلاء في كتاب”حد الإسلام“، فإذا قال بعض علماء الخلف: أنهم دخلوا في وصف المرتدين بالتغليب وليسوا كفارًا على الحقيقة فهو يكون مخطئًا في تحقيق المناط، وليس في الحكم، لأن حقيقة فعلهم الذي قاتلهم عليه أبو بكر هو إسقاط الوجوب، ومظاهرة حركة الردة عامة، والتقوِّي بها على الخروج أو التربص بين الفريقين، أو الخروج على هؤلاء وهؤلاء نزعًا للولاء من المؤمنين في وقت هم أشد ما يكونون حاجة إليه. فقد كفروا بأمرين: بالمروق من الدين، ومفارقة جماعة المسلمين. وانطبق عليهم وصف التارك لدينه المفارق للجماعة، وهو أحد الثلاثة الذين تباح دماؤهم حسب نص الحديث.
ثانيًـا: هذا ما ذكره البخاري في شأنهم، والبخاري أحد الاثنى عشر الفحول الذين انتهى إليهم علم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وكانت الأئمة بعد النبيّ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ورأي أبو بكر قتال من منع الزكاة. فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: واللهِ لأقاتلن مَنْ فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تابعه عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتلوه». أهـ.
مع هذا الوضوح من المتقدمين، كيف بالله يقال مع هذا أنهم ليسوا كفارًا، وإنما دخلوا في وصف الردة بالتغليب؟؟!! هذا الذي لا يُقبل ممن قاله من الخلف كائنًا من كان، وكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.
ثالثًـا: هذا ما أورده الطبري([1]) في حقهم في تفسيره بالرواية نقلاً عن السلف الصالحين يقول: «حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) إلى قـوله (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)([2])، أنزل اللهُ هذه الآية وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض اللهُ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس ـ قالوا: نصلي([3]) ولا نزكي ـ واللهِ لا تغصب أموالنا فَكُلِّمَ أبو بكر في ذلك، فقيل له: أنهم لو قد فقهوا لهذا أعطوها وزادوها. فقال: لا والله لا أفرِّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالاً مما فرضَ اللهُ ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث اللهُ عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء، فأتته وفود العرب فخيَّرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية وكانت أهون عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال».أهـ.
رابعًـا: وافق عمر أبا بكر على قتال مانعي الزكاة على كونهم مرتدين، تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، وكذلك كل الصحابة وافقوا أبا بكر على هذا.
وفي صلح مانعي الزكاة بعد إسلامهم فهذه هي حقيقة الأمر فيه:
جاء في مختصر السيرة([4]): «وحدث يزيد بن أبي شريك الفزاري عن أبيه قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبي بكر وافدًا حين فرغ خالد منهم. فقال أبو بكر: اختاروا بين خصلتين حرب مجلية أو سلم مخزية. فقال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن تردُّوا علينا ما أخذتم منا ولا نردَّ عليكم ما أخذنا منكم، وأن تدوا قتلانا كل قتيل مائة بعير منها أربعون في بطونها أولادها، ولا ندي قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع وتلحقون بأذناب الإبل حتى يُري اللهُ خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم، أو يرى منكم إقبالاً لما خرجتم منه. فقال خارجة: نعم يا خليفة رسول الله. فقال أبو بكر: عليكم عهد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلمون أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله في أموالكم. قالوا: نعم. قال عمر: يا خليفة رسول الله كل ما قلت كما قلت، إلا أن يَدوا من قُتل منا فإنهم قومٌ قتلوا في سبيل الله، فتتابع الناس على قول عمر فقبض أبو بكر كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى رأى عمر أن الإسلام قد ضرب بجرانه فدفعه إلى أهله وإلى ورثة من مات منهم».أهـ.
فلما شرح اللهُ صدر عمر لرأي أبي بكر في قتالهم على الردة، ووافق عمر رأي أبي بكر في الحرب المجلية والسلم المخزية، ووافق أبو بكر رأي عمر في رفع الدية عنهم لقتلى المسلمين، ولما أسلموا وحسن إسلامهم واستقر الإسلام في الجزيرة ردّ إليهم عمر ما في يديه من أموالهم، ولو عاش أبو بكر لربما فعل ذلك لارتباط الحكم بمناطه ومراعاة لنفس المقاصد الشرعية. ولم يحدث خلافًا في حروب الردة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا في شأن أهل ديار أزد عمان، لما نزلوا لحذيفة على الصلح على السلم المخزية كان يحب ألا يقتلوا ولا يسبوا، لأن هذا هو الشأن في الحرب المجلية وهم قد اختاروا السلم المخزية، فوجب أن يعاملوا بمقتضاها، وكان رأي أبي بكر ألا يقبل توبتهم لإبائهم التوبة قبل ذلك لمّا دعاهم إليها حذيفة وجعلوا يرتجزون:
لقد أتانا خبر ردي أمست قريش كلها نبي ظلم لعمر الله عبقري.
وكان عمر رضى الله عنه يتحامل بعض الشيء على خالد، وأبو بكر يدافع عنه، وكان خالد أهلاً لذلك. وفي شأن مالك بن نويرة لم يعجب الأنصار وربما عمر أيضًا أن يقتل قومه وقد أظهروا الإسلام، وكان خالدًا يعرف سلفًا أن هذا موقف مدبَّر منهم فلم يمنعه ذلك من قتلهم، هذا واللهُ أعلم على سبيل التحديد في حروب الردة وهي أمور تفصيلية لا تتعلق بصلب القضية التي نتكلم عنها واللهُ أعلم وأعزُّ وأجلُّ وأحكم، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
خامسًا: جاء في كتاب ”تبرئة الشيخين“ لابن سحمان عن موضوع مانعي الزكاة: يقول الشيخ ابن سحمان رضى الله عنه بعد ذكر كلام شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير الصحابة لمانعي الزكاة دونما تفرقة بين المقر والجاحد على مجرد المنع، واعتراض المعترض عليه بقول ابن حجر والقاضي عياض. يقول الشيخ سحمان:
فالجواب: أن نقول ما نقله هذا المعترض عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ ثابت عنه لكنه أسقط من كلام الشيخ قوله في مانعي الزكاة: فَكُفْرُ هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وهذا يهدم أصله فلذلك حذفه. وما نقله الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ونوَّر ضريحه ـ معروف مشهور عنه لا يستريب فيه عارف وهو الحق الصواب الذي ندين الله به كما هو معروف في السير والتواريخ وغيرها، ولا عبرة بقول هذا المعترض وتشكيكه في هذا النقل فيما لا شك فيه فإن عدم معرفته بإجماع العلماء على قتل المختار بن أبي عبيد وكذلك دعواه أن الإجماع لم ينعقد على قتل الجعد بن درهم وقد ذكر ذلك ابن قيم الجوزية في ”الكافية الشافية“ عن كلام أهل السنة وأنهم شكروه([5]) على هذا الصنيع ثم لم يكتف بتلك الخرافات حتى عمد إلى ما هو معلوم مشهور في السير والتواريخ وغيرها من كتب أهل العلم من إجماع الصحابة رضى الله عنهم على تكفير أهل الردة وقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم وإحراق بعضهم بالنار والشهادة على قتلاهم بالنار، وأنهم لم يفرقوا بين الجاحد والمقر بل سموهم كلهم أهل الردة لأجل أن القاضي عياض ومن بعده ممن خالف الصحابة وحكم بمفهومه ورأيه مما يعلم أهل العلم من المحققين الذين لهم قدمَ صدقٍ في العالمين أن هذا تحكم بالرأي، فإن من أمعن النظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى علم وتبين صحة ما قاله، وموافقته لصريح كلام الصحابة وإجماعهم، فإن الشهادة على قتلاهم بالنار واستباحة أموالهم وسبي ذراريهم من أوضح الواضحات على ارتدادهم مع ما ثبت من تسميتهم أهل الردة جميعًا، ولم يسيروا مع مانعي الزكاة بخلاف سيرتهم مع بني حنيفة وطليحة الأسدي وغيره من أهل الردة، ولم يفرقوا بينهم، ومن نقل ذلك عنهم فقد كذب عليهم وافترى.
ودعوى أن أبا بكر رضى الله عنه لم يقل بكفر من منع الزكاة وأنهم بمنعهم إياها لم يرتدوا عن الإسلام دعوى مجردة، فأين الحكم بالشهادة على أن قتلاهم في النار هل ذلك إلا لأجل ارتدادهم عن الإسلام بمنع الزكاة؟!، ولو كان الصحابة رضى الله عنهم لا يرون أن ذلك ردة وكفرًا بعد الإسلام لما سَبَوْا ذراريهم وغنموا أموالهم، ولساروا فيهم بحكم البغاة الذين لا تسبى ذراريهم وأموالهم ولم يجهزوا على جريحهم، وقد كان الصحابة رضى الله عنهم أخشى لله وأتقى من أن يصنعوا هذا الصنيع بمسلم ممن لا يحل سبي ذراريهم وأخذ أموالهم، وهل هذا إلا غاية الطعن على الصحابة وتسفيه رأيهم وما أجمعوا عليه؟!، وتعليله بأنه لو كان يرى أنهم كفَّار لم يطالبهم بالزكاة بل يطالبهم بالإيمان والرجوع تعليل لا دليل عليه، فإنهم لم يكفروا ويرتدوا بترك الإيمان بالله ورسوله وسائر أركان الإسلام وشرائعه فيطالبهم بالرجوع إلى ذلك، وإنما كان ارتدادهم بمنع الزكاة وأدائها والقتال على ذلك، فيطالبهم بأداء ما منعوه وأركان الإسلام، فلما لم ينقادوا لذلك وقاتلوا كان هذا سبب ردتهم، وعمر أجل قدرًا ومعرفةً وعلمًا من أن يعارض أبا بكر أو يقره على خلاف الحق، فإنه لما ناظره أبو بكر وأخبره أن الزكاة حق المال قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وأما دعواه أن أبا بكر دعاهم إلى الرجوع فلما أصرُّوا قاتلهم ولم يكفِّرهم، فدعوى مجردة وتحكم بلا علم. فأين إدخالهم في أهل الردة وسبي نسائهم وذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار لولا كفرهم وارتدادهم، فإنهم لو كانوا مسلمين عندهم لما ساروا فيهم سيرة أهل الردة بل كان يمكنهم أن يسيروا فيهم سيرتهم في أهل البغي والخروج عن الطاعة. وأما اختلافهم بعد ذلك ودعواهم أن الصحابة اختلفوا فيهم بعد الغلبة عليهم هل تقسم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار، أو لا تقسم أموالهم ولا تسبى ذراريهم كالبغاة، فذهب أبو بكررضى الله عنه إلى الأول، وذهب عمر رضى الله عنه إلى الثاني. فلو كان هذا ثابتًا صحيحًا عن الصحابة رضى الله عنهم لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وأنهم سمُّوهم أهل الردة.
وشيخ الإسلام رحمه اللهُ من أعلم الناس بأحوال الصحابة وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره وإليه المنتهى في ذلك، وبعد أن يذكر ما قاله الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية في معجم شيوخه وما قاله عنه ابن الوردي في تاريخه وهو أقل ما يقال في حق الإمام ابن تيمية. يقول: وإذا كانت هذه حاله عند أهل العلم بالحديث والجرح والتعديل. وأنه كان إليه المنتهى في هذه الحقائق علمًا وعملاً ومعرفةً وإتقانًا وحفظًا، وقد جزم بإجماع الصحابة فيما نقله عنهم في أهل الردة، تبيّن لك أنه لم يكن بين الصحابة خلاف قبل موت أبي بكر رضى الله عنه، ولم يعرف له مخالف منهم بعد أن ناظرهم ورجعوا إلى قوله، ولو ثبت خلافهم قبل موت أبي بكر وبعد الغلبة على أهل الردة كما زعم ذلك من زعم لذكر ذلك شيخ الإسلام، ولم يجزم بإجماعهم على كفر مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وقد اختلفوا، هذا ما لا يكون أبدًا. وسيأتي كلامه في ”المنهاج“ قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما أرجع عمر إلى من كان سباهم أبو بكر أموالهم وذراريهم بعد أن أسلموا، ورجعوا إلى ما خرجوا عنه تطييبًا لقلوبهم، ورأيًا رآه، ولم يكن ذلك إبطالاً لما أجمع عليه الصحابة قبل ذلك، كما أرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن ذراريهم لما أسلموا تطييبًا لقلوبهم. والمقصود أن ما ذكره هذا المعترض من عدم الإجماع لا يصح وأن ذلك إن كان صدر من عمر رضي الله عنه فهو رأي رآه بعد أن دخلوا في الإسلام.
أما قول ابن حجر: أن تسمية هؤلاء أهل الردة تغليبًا مع الصنفين الأولين وإلا فليسوا بكفار فهذا تأويل منه، وليس بأبشع ولا أشنع مما تأولوه في الصفات، فكيف لا يتأولون ما صدر عن الصحابة مما يخالف آراءهم وتخيله عقولهم؟، وقد بيَّنا ما في ذلك من الوهن والغلط على الصحابة لمجرد ما فهموه ورأوا أنه الحق، وإذا ثبت الإجماع عن الصحابة بنقل الثقاة فلا عبرة بمن خالفهم وادعى الإجماع على ما فهمه وليس ما نقله عنهم بلفظ صريح، ولم يخالف الشيخ محمد رحمه الله ما في البخاري وإنما ذكر ذلك عياض من عند نفسه لمجرد مفهومه من الحديث، والمخالف له ينازعه في هذا الفهم، وما نقله الشيخ محمد عن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن مخالفًا لما في الصحيحين، بل كان موافقًا لهما، وقد ثبت إجماع الصحابة كما ذكر ذلك العلماء في السير والتواريخ.
ثم يقـول([6]): ونذكر هنـا أيضًا ما ذكره شيـخ الإسـلام ابن تيمية ـ قدَّس اللهُ روحه ـ في ”منهاج السنة“، على قول الرافضي([7])، الخلاف السادس في قتال مانعي الزكاة: قاتلهم أبو بكر واجتهد عمر أيام خلافته فردَّ السبايا والأموال إليهم وأطلق المحبوسين. فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين، فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم بعد أن راجعه عمر في ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفةَ رسولِ الله كيف تقاتل الناس وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أمرتُ أن أقاتِلَ النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول اللهُ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، فقال أبو بكر: ألم يقل: إلا بحقها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقها، واللهِ لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فواللهِ ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وفي الصحيحين تصديق فهم أبي بكر عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنِّي رسولُ اللهِ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة وكذلك سائر الصحابة.
إلى أن يقول: ولكن من الناس من يقول سبى أبو بكر نساءهم وذراريهم وعمر أعاد ذلك عليهم. وهذا إذا وقع ليس فيه بيان اختلافهما فإنه قد يكون عمر كان موافقًا على جواز سبيهم لكن رد إليهم سبيهم، كما ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هوازن سبيهم بعد أن قسمه بين المسلمين فمن طابت نفسه بالرد وإلا عوضه من عنده لما أتي أهلهم مسلمين فطلبوا رد ذلك إليهم. وأهل الردة قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لا يمكنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يتركون يتبعون أذناب البقر حتى يُرِي الله خليفة رسوله والمؤمنين حسن إسلامهم، فلما تبيَّن لعمر حسن إسلامهم رد ذلك إليهم لأنه جائز. أهـ.
فتبيَّن بما ذكره شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على قتالهم وأنهم سمُّوهم كلهم أهل الردة، وأنه لم يكن بين عمر وبين أبي بكر خلاف بعد رجوع عمر إلى موافقة أبي بكر مع سائر الصحابة، وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يخالف ما في الصحيحين كما زعم هذا المعترض الجاهل واللهُ أعلم. انتهى.

([1]) تفسير الطبري، جـ4، ص 622.
([2]) سورة المائدة،الآية: 45.
([3]) هذا وجه ردتهم حسب السياق.
([4]) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، جـ1، ص 205.
([5]) يعني خالد القسري.
([6]) الشيخ ابن سحمان، تبرئة الشيخين، ص 172.
([7]) منهاج السنة، جـ3، ص 231-232.
([1]) سورة النور،الآيتان: 4-5.
([2]) تفسير ابن كثير، جـ3، ص 264.
([3]) الصارم المسلول، ص 459.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية