الشبهة الثانية: الرد على شبهة أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون مكفراً إلا بالجحود.

هذه القضية محسومة تمامًا بما ذكرته في مقدمة كتاب ”حد الإسلام“ أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون على ضربين:
أحدهما:أن يحكم بغير ما أنزل الله إلتزامًا لشرع غير شرع الله، وهو: كفر ينقل عن الملة.
الثاني:أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له مع بقاء إلتزامه بشرع الله، فهو: كفر دون كفر.
والضرب الأول محسوم تمامًا عند علماء أهل السنة المعتبرين الخارجين عن نطاق البدعة إفراطًا أو تفريطًا والملتزمين لما كان عليه رسول الله صلي الله عليه و سلم وأصحابه والقرون الثلاثة المفضلة والذين عاشوا وماتوا على توحيد الأئمة وسلف الأمة وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وهذا بيان ذلك:
يقول ابن كثير1 في بيان واضح يمثل إجماع علماء الأمة بل يمثل العلم الضروري الشائع لدي العامة من عقيدة أهل السنة، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)2، ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شرِّ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جانكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيه كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه و سلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير». أهـ.
وأنقل عن كتاب ”الحد“3، نقلاً عن تحقيق الشيخ شاكر لتفسير ابن كثير: «وقد نقل الحافظ المؤلف في تاريخه أشياء من سخافات هذا الياسق ثم قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة ـ كفر ـ فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدَّمها عليه؟، من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين» .أهـ.
أما استغلال لفظ: «الجحد» للتلبيس فمردود عليه بثلاثة أمور:
أولاً: فسَّر معناه الشيخ شاكر في ”عمدة التفسير“، بأنه إهدار اعتبار الشرع جملة، كما نقلت ذلك عنه في ”حد الإسلام“، وكما شرحته هنا في بيان أوضاع الردة عن الشرائع.
ثانيًـا: هو عند ابن جرير في كل استعمالاته في تفسيره بمعنى الكفر، والكفر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ”الصارم المسلول“: يكون تكذيبًا، وجهلاً، ويكون استكبارًا، وظلمًا «بترك الانقياد» كما أوضح في كتابه. فمن ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين.
ثالثًـا: الجحد الذي قيد به غير ابن جرير من العلماء الحكم في الآية مرادٌ به تقييد الضرب الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله، وهو النوع الذي قال عنه ابن عباس: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وهو أن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض ما يعرض له لهوى، أو جهل، أو جور مع بقاء إلتزامه بشرع الله، وليس خروجًا عن شرع الله وعدلاً عنه إلى غيره من الشرائع من الدين المبدَّل أو المنسوخ، فذلك كفر بإجماع المسلمين كما هو مذكور سلفًا.
أما تفسير قوله تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)4، فأنا نقلت فقط ما قاله المفسرون وهو موجود في كتب التفسير جميعها ما نقلته منها وما لم أنقله على نفس ما نقلت ومعناه من النص نفسه ومن تفسير المفسرين له من علماء التفسير أوضح من الشمس في رائعة النهار أنهم بإقرارهم بنبوة موسى وصدقه وصحة التوراة ووجود هذا الحكم فيها وأن هذا الحكم ـ الذي هو الرجم ـ هو حكم الله جاء به موسى من عند الله وأنه لازم لهم، ثم أعرضوا عن هذا الحكم لمصالح دنيوية اجتماعية ارتأوها ليسوا مؤمنين بموسى، وأنهم بطلب الحكم عند محمد مع تكذيبهم له ليسوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وعلى موسى وسلم، ليس لهذا النص أي تفسير خلاف ذلك، وذلك ما ذكرته نقلاً عن المفسرين.
ويقول ابن كثير في التفسير5: «ثم قال منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم قال تعالى: (y وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)». أهـ.
ويقول النسفي في تفسير نفس الآية: «تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدَّعون الإيمان به». أهـ.
ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
«قال أبو جعفر: يعني ـ تعالى ذكره ـ: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد فيرضون بك حكمًا بينهم؟ (وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ ) التي أنزلها الله على موسى التي يقرون بها أنها الحق وأنها كتابي الذي أنزل على نبيِّي، وأن ما فيه من حكم فهو حكمي يعلمون ذلك ولا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم وهم مع علمهم بذلك يتولون. يقـول: يتركون الحكم بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي6 ـ وهذا وإن كان من الله ـ تعالى ذكره ـ خطابًا لنبيه صلي الله عليه و سلم فإنه تقريع لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية يقول لهم كيف تقرون7 أيها اليهود بحكم نبييِّ محمدٍ صلي الله عليه و سلم مع جحودكم بنبوته وتكذيبكم إياه وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ جاءكم به موسى من عند الله. يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرون بنبوته فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبييِّ محمد صلي الله عليه و سلم أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوته. ثم قال ـ تعالى ذكره ـ مخبرًا عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده وحال نظرائهم الجائرين عن حكمه الزائلين عن محجة الحق: (وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ليس من فعل هذا الفعل أي من تولى عن حكم الله الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه في خلقه بالذي صدق الله ورسوله فأقر بتوحيده ونبوة نبيه صلي الله عليه و سلم لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان». أهـ.
الأمر واضح أن هذا الحكم ـ الرجم ـ ليس مما حذفه اليهود من التوراة، وأن الجلد والتحميم ليس مما كتبه اليهود بأيديهم في التوراة ثم قالوا: هو من عند الله، وما هو من عند الله لدلالة هذه الآية أولاً، ولأنه لما رفع يده صلي الله عليه و سلم وضحت آية الرجم تلوح، وهذا الإخفاء حدث عارض ليس مناطًا يتعلق به حكم من لم يحكم بما أنزل الله أو غير ذلك من المناطات لأن الآيات أنزلت قبله لا بعده، ولأنها فيمن مضى منهم منذ أن حدث هذا التبديل.
ونوضح هنا حقيقة مهمة جدًا أن السياق القرآني المذكور في سورة المائدة أوضح ثلاث أحكـام:
الأول: حكم المسارعة في الكفر في أول السياق، وهذا منزَّل على المنافقين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وعلى اليهود للصفات المذكورة فيهم وهي: (?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *?سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)8. فاليهود المعنيون بهذا الحكم صفاتهم أنهم:
1- سمَّاعون للكذبِ عمومًا.
2- سمَّاعون لقومٍ آخرين يحرِّفونَ الكلمَ عن مواضعه خصوصًا. ومعنى التحريف هنا هو تسويغ الإعراض عن حكم الله مراعاة للمصالح الاجتماعية الدنيوية من خشية القتل مع قلة العدد، والمساواة في الحكم بين من يقدرون على إقامة الحد عليه ومن لا يقدرون، فاستساغوا منهم هذا التسويغ، أصغت إليه أفئدتهم ورضوه واقترفوا ما هم مقترفون كما قال الله عن غيرهم فهم مثلهم في هذا.
3- وهم مشتركون معهم في أنهم أراد اللهُ فتنتهم.
4- ولم يرد أن يطهِّرَ قلوبهم بما كسبت أيديهم ولالتواء فطرهم وما أوقعهم في ذلك كله إلا إصغاؤهم للكذب ورضاهم به.
5- وأكلهم السحت وهي الصفة الخامسة في هذ السياق.
وهذا الحكم فيه مشاركة، أوصاف وخصوصية محل، ولم يتنزل ـ على الحكم بغير ما أنزل الله ـ إعراضًا عن شرع الله وعدولاً عنه إلى غيره.
والحكم الثاني:( وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )9، للإعراض عن حكم الله الذي يعتقدون صحته، وطلبهم الحكم عند من يكذبون نبوته ولا يعتقدون في وجوب أحكامه عليهم ولزومها لهم، والحكم للإعراض عن شرع الله والعدول عنه إلى غيره، ولكن فيه خصوصية محل.
الحكـم الثالث:( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )10،المناط هنا لا علاقة له:
بالتحريف، ولا بسماع الكذب، ولا بأكل السحت، والبعد عن التطهر، ولا بفتنة القلوب.
فقد تجرد عن هذه الأوصاف تمامًا، كما تجرد عن خصوصية المحل، والحكم: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا يتنزل هنا إلا على من يتصف بهذا الوصف: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ ).
إذن: ( فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) لا علاقة لها بالتحريف، ولا بالإخفاء، ولا بالجحد، ولا الكتمان، ولا بوضع الإصبع، ولا بأي شيء من ذلك، واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل.




[1] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 67.
[2] سورة المائدة،الآية: 50.
[3] كتاب حد الإسلام وحقيقة الإيمان، ص 411.
[4] سورة المائدة،الآية: 43.
[5] تفسير ابن كثير، جـ2، ص 60.
[6]واضح جدًا أن الخلل راجع إلى فساد القوة العملية، وليس القوة العلمية.
[7]ترضون بطلبه أيها اليهود.
[8] سورة المائدة،الآيتان: 41-42.
[9] سورة المائدة،الآية: 43.
[10] سورة المائدة،الآية: 44.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية