كيف نقوم بالدعوة السلفية الجهادية في بلادنا؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


كيف نقوم بالدعوة السلفية الجهادية في بلادنا رغم قبضة السجانين والطواغيت التي تفرض قبضتها علينا في كل مكان؟
وماهي الكتب التي تنصحون بالمثابرة عليها دائما لحفظ وفهم العقيدة السلفية عامة والسلفية الجهادية خاصة؟ والسؤال الأخير هو عن كيفية الاستقامة على دين الله تعالى بعد التوبة الصادقة وهل من كتب يمكن الرجوع إليها في هذا الأمر؟


وجزاكم الله خيرا

السائل: ابو عبيدة القاهري

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أخي السائل:

إن سؤالك هذا يحتاج إلى مجلدة ليُوفى بالإجابة, ونحن لا يسعنا هنا إلا الإجابة المختصرة, ولعل الله الواحد الوهاب؛ أن يفتح علينا بكتابة شيء مستقل في هذا الباب.

أما عن أصل الدعوة فهي توقيفية, ولكن سبلها ووسائلها غير توقيفية, وقد فتح الله تعالى على أهل الحق بوسائل لا حصر لها في نشر دعوتهم المباركة, ليس في بحبوحة البلد فحسب, بل في ربوع العالمين..

وأنا هاهنا أوصيك –ومن بطرفك- بأمور, وأرشدك إلى عدم التواني والقصور, في أخذ ما تراه صواباً مما حبرته لك في سطور:

1 – إخلاص النية لله تعالى في دعوة الناس, واللجوء إلى الله والاستعانة به على هدايتهم وشرح صدورهم للحق, قال الله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) [الفاتحة].

وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء, وإذا وعَظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: "يا بني ليستِ النائحة الثَّكلى مثل النائحةِ المستأجرة".اهـ [العقد الفريد].

2 - يستطيع الإنسان أن يدعو للحق بمظهره الشرعي, وأخلاقه ومعاملاته, وهذا ما يُعرف بـ "الدعوة الصامتة". عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خيار عباد الله من هذه الأمة الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى) [أخرجه البيهقي والخرائطي, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2849)].

وعن وهيب بن الورد, قال: "بلغنا أن عيسى عليه السلام مرَّ هو ورجل من بني إسرائيل من حواريه بلصّ في قلعة له. فلما رآهما اللصّ ألقى الله في قلبه التوبة. قال: فقال لنفسه: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام, روح الله وكلمته, وهذا حواريه, ومن أنت يا شقي؟! لصّ بني إسرائيل! قطعت الطريق, وأخذت الأموال, وسفكت الدماء! ثم هبط إليهما تائباً نادماً على ما كان منه..".اهـ [رواه أبو نعيم في الحلية 8/147, وفي سنده: محمد بن يزيد بن خنيس, قال عنه الحافظ في التقريب 2/219: مقبول وكان من العباد].

وعن ابن عون؛ قال: "كان إذا دخل محمد بن سيرين السوق لا يراه أحد إلا كبر الله؛ لصلاحه وخشوعه".اهـ [المجالسة وجواهر العلم 4/25].

وقال عبد الواحد بن زيد: "ما كان أحد يطيق ينظر إلى الحسن البصري إلا بكى عند رؤيته، رحمة الله عليه".اهـ [المجالسة 5/293].

وقال أيضاً: "لو رأيت الحسن إذا أقبل لبكيت لرؤيته من قبل أن يتكلم, ومن ذا الذي كان يرى الحسن فلا يبكي؟! ومن كان يقدر يملك نفسه عن البكاء عند رؤيته؟! ثم بكى عبد الواحد بكاء شديداً".اهـ

وعن قبيصة قال: "ما جلست مع سفيان –أي: الثوري- مجلساً إلا ذكرتُ الموت".اهـ [سير أعلام النبلاء 7/240].

قوم كرام السجايا أينما جلسوا *** يبقى المكان على آثارهم عطراً

3 – لابد أن يفرق الداعية بين أمر الدعوة إلى الحق والنصح والإرشاد, وبين التنظيم والإعداد للجهاد, ولقد فصّل شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي فك الله أسره ذلك تفصيلاً رائعاً في كتابه "ملة إبراهيم" وإن مما قاله فك الله أسره: "واعلم بعد ذلك كله، أن لا تنافي بين القيام بملة إبراهيم والأخذ بأسباب السرية والكتمان في العمل الجاد لنصرة الدين.. وكلامنا هذا كله لا يرد هذا السبب العظيم الذي كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه من سيرته أكثر من أن تحصى.. ولكن الذي يقال: إن هذه السرية يجب أن توضع في مكانها الحقيقي.. وهي سرية التخطيط والإعداد، أما ملة إبراهيم والكفر بالطواغيت ومناهجهم وآلهتهم الباطلة فهذه لا تدخل في السرية بل من علنية الدعوة فينبغي إعلانها منذ أول الطريق كما بينا سابقاً، وعلى ذلك يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق).. الحديث. رواه مسلم وغيره.. أما إخفاؤها وكتمها مداهنة للطواغيت، وتغلغلاً في صفوفهم وارتقاء في مناصبهم.. فليس من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. بل هو من هدي وسرية أصحاب التنظيمات الأرضية الذين يجب أن يقال لهم أيضاً: (لكم دينكم ولي دين).. وخلاصة الأمر أنها: سرية في الإعداد والتخطيط, علنية في الدعوة والتبليغ".اهـ [ص36].

4 - لابد على الداعية أن يستخدم أسلوباً بليغاً رصيناً في دعوته, قال الله تعالى: (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) [النساء: 63]. وقال الله تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النور: 54].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ وَمِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ، وَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، سَمِعْتُ بِمَا اجْتَمَعْتُمْ لَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْضَرَكُمْ، وَلَنْ يَعْدِمَكُمْ مِنِّي رَأْيٌ وَنُصْحٌ، قَالُوا: أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ،... فَقَالَ قَائِلٌ: فَأَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَاسْتَرِيحُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ لَمْ يَضُرُّكُمْ مَا صَنَعَ وَأَيْنَ وَقَعَ، وَإِذَا غَابَ عَنْكُمْ أَذَاهُ اسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فِي غَيْرِكُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْي، أَلَمْ تَرَوْا حَلاوَةَ قَوْلِهِ وَطَلاقَةَ لِسَانِهِ وَأَخْذَهُ لِلْقُلُوبِ بِمَا يَسْتَمِعُ مِنْ حَدِيثِهِ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ثُمَّ اسْتَعْرَضَ الْعَرَبَ لِيَجْتَمِعُنَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لَيَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ حَتَّى يُخْرِجَكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ وَيَقْتُلَ أَشْرَافَكُمْ، قَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ، فَانْظُرُوا رَأْيًاً غَيْرَ هَذَا".اهـ [رواه ابن أبي حاتم].

قال الشيخ المجاهد أبو حمزة المهاجر رحمه الله: "وفيها ما يحسن أن يتمتّع به الداعية إلى الله من صفات؛ (أَلَمْ تَرَوْا حَلاوَةَ قَوْلِهِ، وَطَلاقَةَ لِسَانِهِ، وَأَخْذَهُ لِلْقُلُوبِ بِمَا يَسْتَمِعُ مِنْ حَدِيثِهِ).

وقالت أم معبد في قصة الهجرة لزوجها تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الحاكم (4/9-10) عن أبي معبد الخزاعي، وقال حديث صحيح الإسناد: (إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن)، وذلك بعد قولها: (وفي صوته صهل)، وكانت أم معبد امرأة برزة، إي كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشوابّ.

فإذا كان صاحب الحق لا يمتلك تلك المؤهلات فلا أقلّ من أن يستعين بمن يملكها ويوجهه إلى الخير، قال موسى عليه السلام: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)[القصص: 34]".اهـ [النبي القائد صلى الله عليه وسلم 1/19-20].

5 - يتخير الداعية من يدعوهم إلى الحق, قال الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)) [الأعلى].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي ذكر حيث تنفع التذكرة, ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله".اهـ

وقال علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى, بأن كان التذكير يزيد في الشر, أو ينقص من الخير, لم تكن الذكرى مأموراً بها, بل منهياً عنها".اهـ [تيسير الكريم الرحمن ص921].

6 – يحاول الداعية أن يزرع تعظيم الله وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس المدعوين, بأن لا يقدم قول أحد كائنا من كان على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله. أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر!".اهـ [أخرجه أحمد في مسنده].

قال العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب –رحمهم الله-: "فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر. وهما هما. فما تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟! ويجعل قوله عيارا على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان.

وما أحسن ما قال بعض المتأخرين:

فإن جاءهم فيه الدليل موافقا *** لما كان للآبا إليه ذهـاب
رضوه وإلا قيل: هذا مؤول *** ويركب للتأويل فيه صعاب

ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)".اهـ [تيسير العزيز الحميد: 544-545].

7 – يسعى الداعية لكسر وثن الأكثرية لدى المتلقي, ويثبت له بالأدلة الشرعية وبالحوادث الواقعية أن الحق لا يُعرف بالكثرة؛ قال الله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)).

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "ودلت هذه الآية، على أنه لا يستدل على الحق، بكثرة أهله، ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددا، الأعظمون -عند الله- قدرا وأجرا، بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه".اهـ

8 – يتدرج الداعية في دعوته, ويحرص على البناء, لأن: "ما أُخذ جملة ذهب جملة!".اهـ قال الله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) [آل عمران: 79].

قال الإمام البخاري رحمه الله: "ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره".اهـ [كتاب العلم من صحيحه, باب العلم قبل القول والعمل].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "المراد بصغار العلم ما وضح من مسائله, وبكباره ما دق منها, وقيل يعلمهم جزئياته قبل كلياته, أو فروعه قبل أصوله, أو مقدماته قبل مقاصده".اهـ [فتح الباري 1/162].

9 - على الداعي إلى الحق أن لا يتضرر إن لم يستجب له أحد, أو لم يستجب له إلا القليل, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد..) [الحديث؛ أخرجه البخاري].

وتأمل –أخي السائل- كم استغرق نوح عليه السلام من الوقت في الدعوة؟! قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)) [العنكبوت]. ثم تأمل كم عدد الذين آمنوا به خلال ذلك الزمان المديد؟!

قال العماد ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يخبره عن نوح عليه السلام أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله تعالى ليلا ونهارا وسرا وجهارا ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارا عن الحق وإعراضا عنه وتكذيبا له وما آمن معه منهم إلا قليل ولهذا قال تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) أي بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار فأنت يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك ولا تحزن عليهم فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور".اهـ [تفسير القرآن العظيم 3/502].

10 – الصبر على تكاليف الدعوة وضرائبها, لذلك أوصى لقمان ابنه بالصبر بعد وصيته له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كما قال الله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: 17].

وكذلك فقد بين الله تعالى لنا حال الفائزين من بين سائر الناس, وأن من أوصافهم أنهم يتواصون بالصبر بعد تواصيهم بالحق, فقال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) [العصر].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "يا مخنث العزم أين أنت والطريق؟! طريق تعب فيه آدم, وناح لأجله نوح, ورُمي في النار الخليل, وأُضجع للذبح إسماعيل, وبيع يوسف بثمن بخس, ولبث في السجن بضع سنين, ونُشر بالمنشار زكريا, وذُبح السيد الحصور يحيى, وقاسى الضرَّ أيوب, وزاد على المقدار بكاءُ داود, وسار مع الوحش عيسى, وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمدٌ صلى الله عليه وسلم".اهـ [الفوائد 54].

هذه أهم الوصايا في كيفية الدعوة إلى منهج الحق, وكما قيل: "ما لا يدرك كله, لا يُترك جله".اهـ

وأما عن الكتب التي ننصح بها في العقيدة, فقد أجاد وأفاد الشيخ العلامة سيد إمام فك الله أسره بالنصيحة بأهمها في كتابه "الجامع في طلب العلم الشريف", وقد عقد لها فصلاً مستقلاً فيه.

وأنا هاهنا أوصيك –أخي السائل- بشكل إجمالي: بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وكتب تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية رحمه الله, وكتب الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, وكتب علماء نجد رحمهم الله.

وأوصيك بكثرة المطالعة في "الدرر السنية, في الأجوبة النجدية" جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله, فإن قصرت عنه فعليك بـ: "فتاوى الأئمة النجدية, حول قضايا الأمة المصيرية" جمع الشيخ مدحت بن الحسن آل فراج.

كما أوصيك بكتب شيخنا العلامة أبي محمد المقدسي فك الله أسره, قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم شقرة حفظه الله وثبته على الحق: "لم يكتب أحد في التوحيد بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثلما كتب الشيخ المقدسي".اهـ

وقال الشيخ أبو بصير الطرطوسي إجابة لمن سأله عن الحاكمية والكتب المصنفة فيها: "أما عن سؤالك عن الكتب التي تناولت هذا الجانب من التوحيد.. فهي كثيرة جداً، أهمها وأعلاها وأجلها القرآن الكريم، ثم كتب السنة النبوية، ثم كتب العقائد ككتب ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب وأحفاده... وكذلك كتب ورسائل أخينا الشيخ أبي محمد المقدسي".اهـ [مسائل متفرقة وردود سريعة "الصفحة الأولى" ص 8 الجواب على سؤال 11].

وقال الشيخ المؤرخ أبو مصعب السوري فك الله أسره: "من المكتبات الفكرية الجهادية النافعة مؤلفات الشيخ أبو محمد المقدسي".اهـ [دعوة المقاومة ص1129].

وقال الشيخ المجاهد عبد الله الرشود رحمه الله: "كما أنَّ من أعظم من أقام الحجة من المعاصرين الشيخ الأسير أبو محمد المقدسي الذي أشرنا إليه آنفاً فإن في كتبه ورسائله من العلم الجم، والتأصيل الراسخ ما لا ينكره إلا مكابر أو جاهل أو عميلٌ للطواغيت والله ولي المؤمنين نعم المولى ونعم النصير".اهـ [التتار وآل سعود ص 22].

وللتعرف على أقوال بعض أهل العلم في كتب شيخنا؛ راجع كتابي: "القول النرجسي, بعدالة شيخنا المقدسي", مبحث: "مصنفات ومؤلفات شيخنا المقدسي حفظه الله", ص74 وما بعدها.

أما ما يتعلق بالاستقامة, فعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً غيرك, قال: (قل آمنتُ بالله, ثم استقم) [أخرجه مسلم].

ويكون الثبات على الاستقامة بأمور, أعظمها:

1 – تذكر ما أعده الله تعالى لأهل الاستقامة, وما وعدهم به في الدارين؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)) [فصلت].

وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)) [الأحقاف].

2 – دعاء الله تعالى بالاستقامة والثبات عليها دائماً؛ قال الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)) [الفاتحة].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائماً إلى حصول هذه الهداية, وأما سؤال من يقول: فقد هداهم إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى. وجواب من يجيب بأن المطلوب دوام الهدى. فكلام من لم يعرف حال الإنسان, وما أمر به؛ فإن الصراط المستقيم حقيقته أن تفعل كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل, ولا تفعل ما نهيت عنه, وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور, وكراهة جازمة لترك المحذور. وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة, لا يتصور أن يحصل للعبد في وقت واحد, بل كل وقت يحتاج أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهدى به في ذلك الوقت".اهـ [مجموع الفتاوى 22/400].

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى, وقال له: (اذكر بالسداد تسديدك السهم, وبالهدى هدايتك الطريق) [أخرجه مسلم].

"وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية –(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)- قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة".اهـ [انظر: جامع العلوم والحكم ص272].

3 – مصاحبة المستقيمين, ومجانبة غيرهم, ويدل على ذلك قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)) [هود].

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فأمره أن يستقيم هو ومن تاب معه, وأن لا يجاوزا ما أمروا به, وهو الطغيان, وأخبر أنه بصير بأعمالهم مطلع عليها".اهـ [جامع العلوم والحكم ص272].

وقد جاء في قصة قاتل المائة, التي أخرجها الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وفيها: (فدُل على رجل عالمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوءٍ).

4 – تذاكر سير المستقيمين, وقراءة سير من مضى منهم, فإن ذلك كفيل بتثبيت النفس البشرية على الاستقامة بإذن الله تعالى.

لذلك قص الله تعالى قصص بعض الأنبياء والأولياء في كتابه العزيز, وقال سبحانه وتعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 176].

قال الإمام ابن عيينة رحمه الله: "عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة".اهـ [التمهيد, ومقدمة صفة الصفوة].

وقال الإمام بشر الحافي رحمه الله: "حسبك أقوام موتى تحي القلوب بذكرهم..".اهـ [صفة الصفوة].

وكما قيل:

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر *** ضل قوم ليس يدرون الخبر

5 - الصبر على تكاليف الاستقامة, ذكر القشيري وغيره عن بعضهم: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام, فقال له: يا رسول الله قلت: شيبتني هود وأخواتها, فما شيَّبك منها؟ قال: قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)".اهـ[انظر: جامع العلوم والحكم ص273].

وقد أُثر عن شيخ المجاهدين, وأسد الموحدين أسامة بن لادن رحمه الله أنه قال: "من السهل أن تصل إلى القمة, لكن من الصعب أن تثبت عليها!".اهـ

6 – الاستغفار وتجديد التوبة, قال الله تعالى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) [فصلت: 6].

فالإنسان المستقيم لابد أن يبدر منه الخطأ والخطل, والنقص والزلل, فالتوبة والأوبة تجبر ذلك كله, كما قال صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا) [أخرجه ابن ماجة وأحمد والحاكم والبيهقي من حديث ثوبان, وابن ماجة أيضاً والطبراني من حديث ابن عمرو, والطبراني أيضاً من حديث سلمة بن الأكوع].

وأخيراً: إن لشيخنا العلامة أبي محمد المقدسي فك الله أسره محاضرة بعنوان: "وصايا القرآن" يتناول فيها باختصار الأمور المعينة على الثبات على الحق والاستقامة عليه, لاسيما في زمن الاستضعاف والغربة كزماننا هذا. والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية :



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية