"سوسو" يطلب العلم على يدي شيخ السلطان

في لحظة محاسبة للنفس، أيقن "سوسو" المطرب أنه على خطير عظيم، وأنه إن مات على هذه الحالة، فسيكون وضعه عسيراً، فعزم "سوسو" على التوبة الصادقة والرجوع إلى الله سبحانه.

وقد أراد "سوسو" المطرب أن يحسن وضعه ويعمل على تكفير ذنوبه، فعمد إلى طنبوره - آلة موسيقية - ونظر إليه بتمعن ثم خاطبه قائلاً: (وداعاً يا طنبوري لن أرجع إليك أبداً)، ثم ألقى به في مخزن بيته وانطلق إلى بناء حياة جديدة بعيدة عن الفن وأهله.

وأراد "سوسو" أن ينضم في صفوف العاملين لهذا الدين، وقد علم "سوسو" أن العمل لهذا الدين يحتاج إلى علم وبصيرة، فأخذ يبحث عمن يعلمه أحكام دينه، فدُل على شيخ السلطان، فذهب مسرعاً إلى شيخ السلطان ليطلب على يديه العلم.

ولكنه فوجئ بأن شيخ السلطان لا يقبل الطلاب إلا أن يكونوا ملتزمين بالمظهر اللائق بطلاب العلم، فاستجاب "سوسو" لهذا الأمر فهو حريص على العمل لهذا الدين، فأطلق لحيته، ولبس ثوباً إلى نصف الساق، ووضع سواكه الطويل في جيبه، ووضع الشماغ على رأسه، وأخذ الكتاب المقرر ثم انطلق مسرعاً إلى شيخ السلطان.

فوجد الشيخ جالساً على نعشه وحوله الطلاب كأن على رؤوسهم الطير من الخشوع، دخل "سوسو" الحلقة وجلس فيها، فوجد الشيخ لا زال في بداية الكتاب وكان موضوع الدرس متعلقاً بالطهارة:

الشيخ: (هذا يا أبنائي باب الطهارة وما يناقضها من النجاسات، الطهارة يا أبنائي لفظ دال على انعدام النجاسة في ما تجب فيه الطهارة، كطهارة البدن، والثوب، والمكان، وما إلى ذلك.

ومن فقه مؤلف الكتاب أنه أفرد لفظ الطهارة، وجمع لفظ النجاسة، ليدلنا على فائدة عظيمة، وهي أن الطهارة شيء واحد ترجع إلى حكم واحد في الأصل والكيفية، على خلاف النجاسة فهي متعددة في النوع والكيفية.

والطهارة - يا أبنائي - واجبة على المسلمين، وهي أقسام؛ منها ما يكون متعلقاً بالبدن، ومنها ما يكون متعلقاً بالثياب، ومنها ما يكون متعلقاً بالمكان، إلى غير ذلك، وقد أجمع العلماء على أن النجاسات العارضة تتطهر بالماء، على خلاف النجاسات العينية فلا يطهرها الماء وإن كثر لأن النجاسة متعلقة بذات الشيء، وقد توسع العلماء في البحث في أبواب الطهارة وألفوا في ذلك كتباً عدة.

إلا أن العلماء قديماً لم يتحدثوا عن طهارة يجب على المسلم أن يحافظ عليها ويلتزمها، وهي طهارة الفكر الخارجي الذي ابتليت الأمة به في هذا الزمان، فهو فكر أجنبي عن الأمة يدعو إلى الفساد وهلاك المجتمع المسلم، ومن عجائبه؛ أنهم يتهمون السلطان بعدم التحاكم إلى شرع الله، وبموالاة الكافرين، إلى غير ذلك من الخزعبلات والخرافات التي تعرب عن دسائس خبيثة في النفس مرجعها الحقد والحسد، أعاذنا الله من ذلك! والأدهى والأمر، أنهم يسقطون الولاية عن السلطان ويدعون إلى الخروج عليه تحت ذريعة إصلاح المجتمع، كما هو حال الخوارج قديماً، فالشبهات – أبنائي - هي الشبهات، فاحذروا هؤلاء المفتونين وإياكم والاغترار بهم، فهؤلاء أعظم فتنة على المسلمين، بل إن ضررهم على الأمة أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس، والواجب عليكم يا أبنائي أن تعملوا على تطهير المجتمع منهم.

وكيفية تطهير المجتمع منهم تنقسم إلى قسمين:

أولاً: الناحية الإعلامية بحيث نضخم أعمالهم ونوصلها إلى حد الكفر الأكبر، ونحذر المسلمين منهم ومن أعمالهم، ونجعل ذلك الأمر في مقدمة أعمالنا، وننتقم من أتباع هذا الفكر شر انتقام، فيحذر العامة منهم، ولا ينخرطوا في صفوفهم.

ثانياً: إخبار السلطان عنهم، وعن مكائدهم، أو تسليمهم مباشرة إلى السلطان إن استطعم إلى ذلك سبيلاً، ويجوز أبنائي أن ننخرط في صفوفهم بغية التعرف عليهم لكشف من تستر منهم وهذا من باب "الحرب خدعة").

وهكذا يأخذ شيخ السلطان من خلال درسه "الفقه" بالتوسع في كيفية تطهير المجتمع من العاملين على إصلاحه.

رجل من العامة يستمع إلى الدرس لا يعجبه القول يقاطع الشيخ قائلاً: (اتق الله يا شيخ أتجعل هؤلاء أشد كفراً من اليهود والنصارى وهم من يضحون بأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه؟!).

شيخ السلطان - ينظر إلى الرجل بغضب شديد، فيراه حليقاً يرتدي بنطال - ثم يصرخ بوجهه قائلاً: (أنت يا هذا من تنكر علي؟! وأنت حليق صاحب بدعة وهوى، وأصحاب البدع أصحاب ضلالة، وأصحاب الضلالة في النار).

الرجل المسكين من حكمة الشيخ وعلمه وحلمه يخرج من الحلقة وهو يسترجع.

"سوسو" المطرب: (سيدي الشيخ هل الحليق مبتدع، والمبتدع صاحب ضلالة، وأصحاب الضلالة في النار؟).

شيخ السلطان: (نعم يا "سوسو"، فإن حلق اللحية تشبه بالكافرين، والتشبه بالكفار نوع من أنواع المولاة، وهذا طبعاً لا يجوز شرعاً لا بد من التشديد على أصحابه ومقاطعتهم في الله).

"سوسو" المطرب - يقول باضطراب -: (ولكن يا سيدي الشيخ، سلطان البلاد حليق، فهل نشدد عليه ونقاطعه في الله؟).

شيخ السلطان: (كلا يا "سوسو" الأمر مع السلطان مختلف، لا يجوز الإنكار عليه أو مقاطعته، بل الواجب طاعته ومحبته والذود عنه).

"سوسو": (ولم يا شيخي، أوليس السلطان مكلفاً بما كلفنا به، وتجري عليه أحكام الدين كما تجري علينا؟).

شيخ السلطان: (بلى يا "سوسو"، ولكن لا يجوز أن ننكر عليه لأن في ذلك فتنة عظيمة).

"سوسو": (ولم يا سيدي الشيخ؟).

شيخ السلطان: (إنه السلطان يا "سوسو").

"سوسو": (إنه السلطان، إنه السلطان).

ثم يستدبر "سوسو" الشيخ خارجاً من الحلقة.

الشيخ يستوقفه: (إلى أين يا "سوسو"؟!).

"سوسو": (لا شيء يا أبا محمد ولكنني تذكرت طنبوري) - آلته الموسيقية -

والله المستعان

الكاتب : إبراهيم بن عبد العزيز بركات



التعليقات
  • كتب من طرف لبنه:
    التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

    المدونه حقيقي تحفه
    لك مني اجمل تحيه

التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية