أكذوبة الدولة المدنية بمرجعية إسلامية

كتبه / ناصر القاعدة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد :

يقول الله تعالى :

{ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}

جماعات محسوبة على الإسلام تخرج على الأمة بمفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان والمصيبة أن هذه الجماعات تزعم أن هذه المفاهيم مفاهيم شرعية رغم معارضتها الصريحة لأصل التوحيد ومن هذه المفاهيم مفهوم الدولة المدنية الذي تطرحه قيادات جماعة الإخوان المسلمين وبخاصة في مصر فالدولة المدنية تقوم على مرتكزات أهمها أن المرجعية فيها تعود لإرادة الناس باعتبارها مصدر السلطات فما يقرره الناس يصبح قانوناً على الجميع احترامه وتطبيقه ولو نص هذا القانون على إباحة الخمر والزواج المثلي وبالتالي فهي تتبنى الديمقراطية وتقوم على أساس المواطنة الكاملة فالناس فيها أمام القانون سواء بغض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم والمواطنون فيها متساوون في الحقوق والواجبات مما يعني أن
الدولة المدنية قد يحكمها نصراني أو يهودي أو بوذي أو لا ديني .

مما سبق يمكن القول بأن الدولة المدنية لا اعتبار فيها للدين فالدين خارج العملية لأن مصدر السلطة فيها للبشر وقبول الأمر أو رفضه يخضع لما تراه الأكثرية فلو تبنت الأكثرية النظام الشيوعي لصار ملزماً للجميع وعلى الجميع أن يعمل لخدمتها ما دامت رغبة الأكثرية .

ويحار المرء ويقف مذهولاً حين يسمع من ينادي بالدولة المدنية ويردد أنه يرفض الدولة الدينية بزعم أنها دولة ظلم لا تعطي الناس حقوقهم كما حصل في أوروبا في العصور الوسطى ولو طالب عباد الصليب بدولة مدنية بعد أن شاهدوا تسلط الكنيسة ورجال الدين وما ارتكبوه من مذابح بحقهم لهان الأمر لكن الذي يطالب اليوم بالدولة المدنية جماعات تنتسب إلى الإسلام وهم يعلمون أنه لم ينتشر العدل في الدنيا إلا حين قامت الدولة الدينية بالمفهوم الشرعي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذين يطالبون اليوم بالدولة المدنية وافقوا العلمانيين حين فصلوا الدين عن السياسة وكأن السياسة ليست من الدين مع أن الدين الإسلامي دين شامل يعنى بكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها ولا أدري كيف تجرأ هؤلاء على مثل هذا الطرح وهم يعون تماماً أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة العدل في المدينة والتي انتشرت بعد ذلك في كل أصقاع الدنيا فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الدين والسياسة ؟ !! وهل كان يقبل عليه الصلاة والسلام بدولة مدنية يتم فيها تداول السلطة بحيث يحكم الكفر والشرك أهل الإسلام ؟!

إن المطالبين بالدولة المدنية إنما يطالبون بما طالب به كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا له نعبد إلهك عاماً وتعبد آلهتنا عاماً فجاء الخطاب القرآني حاسماً في سورة (الكافرون ) :

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره :
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفارُ قريش.

وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة،فأنـزل الله هذه السورة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) يعني: من الأصنام والأنداد، (وَلاأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) وهو الله وحده لا شريك له. ف "ما" هاهنا بمعنى "من".

ثم قال: (وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها،وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم : 23] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة "< 8-508 > "يسلكها إليه،فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) كما قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41] وقال: لَنَاأَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص: 55].



إذاً فالمطالب بالدولة المدنية إنما يطالب بتنحية الشريعة عن واقع الحياة وهو إنما يطالب بياسق جنكيز خان الذي قامت عليها دول الكفر العالمي فالدول اليوم بأغلبها دول مدنية لا علاقة للدين فيها .

إن الذين يطالبون بالدولة المدنية إنما يهدفون من وراء مطالبتهم بها كسب قبول الآخرين وإن خالفوا دين الله جملة وتفصيلاً فهم يظنون أنهم لن يكونوا مقبولين إلا إذا أثبتوا للعلمانيين أنهم إن وصلوا إلى الحكم في يوم من الأيام فإن حقوقهم لن تتأثر بل سيكونون حراساً لحماية هذه الحقوق فلا فرق عندهم بين أهل التوحيد وأهل الشرك والتنديد فالكل عندهم سواء لذلك تراهم يسمحون للنصراني واللاديني بأن يكون عضواً في تنظيماتهم وأحزابهم فهو بحسب زعمهم أخ لهم في المواطنة له ما لهم وعليه ما عليهم !!!

لذلك ترى هذه القيادات تصرح بين وقت وآخر بأنهم ضد الدولة الدينية وأنهم لا يريدون إقامة إمارات إسلامية وأنهم مع إنشاء أحزاب لكل التيارات ويؤمنون بتداول السلطة وحين يسألهم أهل الإسلام: وأين ما تطالبون به من دين الله ؟ قالوا نحن نطالب بدولة دينية بمرجعية إسلامية !!.....فأين المرجعية الإسلامية أيها الأفاكون ؟! هل انشاء أحزاب شيوعية ولا دينية من المرجعية الإسلامية ؟! وهل تداول السلطة وأن يحكم الأمة يهودي أونصراني من المرجعية الإسلامية ؟ وهل القبول بأن يكون الشعب مصدر السلطات من المرجعية الإسلامية ؟!!

لقد أثبت الإخوان المسلمون بمطالباتهم تلك بأنهم تنظيم يتمسح بالدين لتسويق نفسه على الناس وإلا لو كان تنظيماً إسلامياً حقيقيا لطالب بالشريعة وسعى لذلك بكل ما يملكه من إمكانات هائلة سخرها في غير موقعها .

كفاكم دجلاً وتزويراً وتدليساً على الناس وسنقولها لكم بملء أفواهنا بل نريدها دولة دينية على منهاج النبوة يكون مصدر التشريع فيها للكتاب والسنة وليرفع كل موحد رأسه عالياً وهو يطالب بتحكيم شريعة الله لتكون واقعاً في حياة الناس .

وهذه نصيحة مشفق لأتباع هذه الجماعات المنحرفة عن الدين أن اتقوا الله في أنفسكم ولا تجعلوا من أنفسكم عبيداً لقياداتكم تحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا ولو خالفوا صريح الإسلام فتكونوا كمن اتخذهم أرباباً من دون الله ثم يكونوا أول من يتبرأ منك عند الله يوم الموقف العظيم
(إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ).



منقول من مدونة : المجاهدون فى مصر



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « يناير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                      1 2 3 4
                5 6 7 8 9 10 11
                12 13 14 15 16 17 18
                19 20 21 22 23 24 25
                26 27 28 29 30 31  
                التغذية الإخبارية