الخلط بين قصد العمل المكفِّر وقصد الكفر

اشترط البعض قصد الكفر للحكم بالتكفير، وأن الشخص مهما أتى من الأقوال والأفعال المكفّرة لايكفر مالم يقصد أن يكفر بهذا، وقد يبدو هذا الشرط صحيحا بادي الرأي لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريءٍ مانوى) الحديث متفق عليه
ولكن التفريق بين نوعين من النية أو القصد ــ مع أدلة أخرى ــ يبيّن أنه شرط باطل.

فالنوع الأول من القصد هو أن يتكلم الإنسان كلاماً مكفراً قاصداً له أي متعمداً غير مخطيء، فهذا القصد معتبر ولابد من اشتراطه لمؤاخذة صاحبه بكلامه، والنظر في قرائن الحال المصاحبة للكلام له أثر هام في تمييز العامد من المخطيء كما في حديث الرجل الذي أضلّ راحلته ...

والنوع الثاني من القصد هو أن يقصد الإنسان الكفر بكلامه المكفر الذي تعمّده، فهذا القصد غير معتبر وليس شرطاً للحكم بالكفر على صاحبه كما سنذكره بأدلته.

ولتقريب المسألة نذكر ماقاله القاضي شهاب الدين القرافي في قاعدة (مايشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة مالا يشترط)
قال رحمه الله
(اعلم أن النية شرط في الصريح إجماعا وليست شرطا فيه إجماعا وفي اشتراطها قولان وهذا هو متحصل الكلام الذي في كتب الفقهاء وهو ظاهر التناقض ولا تناقض فيه، فحيث قال الفقهاء إن النية شرط في الصريح فيريدون القصد لإنشاء الصيغة احترازا من سبق اللسان لِمَا لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها ياطالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ، وحيث قالوا النية ليست شرطا في الصريح فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق فإنها لاتشترط في الصريح إجماعا وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق وأما الصريح فلا.) (الفروق) 3/163.

فكذلك الكلام صريح الدلالة على الكفر يشترط فيه قصد الكلام أي تعمده احترازاً من سبق اللسان ولا يشترط قصد الكفر به.
وحتى أن القصد المعتبر في تعيين المراد من الأعمال محتملة الدلالة على الكفر ليس هو قصد الكفر بها وإنما القصد الذي تتميز به، فلو أن رجلا ذبح عند قبر ولم يُعرف لمن يذبح، وسُئِل عن قصده، فقال: اذبح لصاحب القبر عسى أن يفرج كربتي لكفر بذلك، ولايشترط أن يُسئل بعد ذلك هل تقصد الكفر بفعلك هذا أم لا؟.

أما عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر: فَلَوْ أن رجلاً سَبَّ الله ورسوله، أو قال ما أظن أن الله يبعث مَنْ في القبور، أو قال ماأظن الساعة قائمة، أو قال إن الله هو المسيح بن مريم، ونحو ذلك من الأقوال المكفرة، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك وماانشرح صدري بالكفر وماأردت الكفر بهذه الأقوال...
فهذا الرجل لايكفر عند الذين يشترطون قصد الكفر بالعمل المكفر وأنه لابد أن يقصد أن يكون كافراً، وهذا شرط فاسد ويمكن أن يكون حيلة يدرأ بها كل كافر عن نفسه مهما أتى من الكفر ..!!

والصحيح أن من قال شيئا من الأقوال السابقة كفر وإن قال لم أقصد الكفر، واشتراط قصد الكفر بالعمل المكفر شرط باطل ترده النصوص الشرعية، وقال صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم.

والدليل على بطلان هذا الشرط:

قوله تعالى (ولئن سألتهــم ليقـولن إنمـا كـنا نخـوض ونلعــب، قـل أباللـه وآياتـه ورســوله كنـتم تستهزءون، لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة 65 ــ 66

فهؤلاء المذكورون قالوا كلاماً مكفراً ـ وهو الاستهزاء المذكور ـ ولم يقصدوا أن يكفروا به بدليل اعتذارهم بأنه (إنما كنا نخوض ونلعب) ولم يكذبهم الله في اعتذارهم
فدل على أنهم كانوا يلعبون ولم يقصدوا الكفر بكلامهم، ولكن هذا العذر لم يمنع من الحكم بكفرهم بمجرد كلامهم كما قال تعالى (لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).

قال ابن تيمية رحمه الله في هذه الآيات :
(فقد أخبر ــ سبحانه وتعالى ــ أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كُفر، ولايكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام) (مجموع الفتاوي) 7/ 220.

وذكر ابن تيمية نفس الآيات السابقة وقال :
(فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كُفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كُفْراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه) (مجموع الفتاوى) 7/273.

فهذه الآيات نص في موضع النزاع يبطل اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر، أي يبطل اشتراط نية الكفر، كما يدل النص على أن المرجع في الحكم على الأقوال والأفعال إلى الشريعة لا إلى مايظنه الناس بأعمالهم.

دليـل آخر:

هو أنه قد ثبت بالنصوص القرآنية أن كثيراً من الكافرين يُحسنون الظن بأعمالهم وباعتقاداتهم التي هم عليها ويظنون بأنفسهم خيراً، وأنهم أَهْدى من الذين آمنوا سبيلا، وإذا رأوا الذين آمنوا قالوا إن هؤلاء لضالون، وكانوا منهم يسخرون، فإذا أجرينا هذا الشرط الفاسد على هؤلاء الكافرين، وقلت لأحدهم أتريد الكفر بما أنت عليه؟ لقال بل نحن مهتدون أو نحن أبناءُ الله وأحباؤه.
فإذا التزمت بالشرط الفاسد وصدقته في قوله لكذّبت بآيات الله وخبر الله تعالى ولصرت أنت من الكافرين بتكذيبك لخبر الله.
وهذا يكفي لبيان فساد هذا الشرط.

وقد نبّه على هذا شيخ المفسِّرين الطبري في تفسيره لقوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) الكهف 103 ــ 105.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيرها
(وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذِكْره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لايكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ماقالوا، فأخبر جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة) (جامع البيان) 16/43 ــ 35.

كما نبّه على هذا أيضا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في كلامه عمن نطق بكلمة الكفر ولا يعرف أنها تكفّره، فقال :
(وأما كونه لايعرف أنها تكفره، فيكفي فيه قوله «لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم» التوبة 66، فهُم يعتذرون من النبي صلى الله عليه وسلم ظانين أنها لاتُكفِّرهم. والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» الكهف 104، «إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون» الأعراف 30، «وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون » الزخرف 37، أيظن هؤلاء ليسوا كفاراً؟، ولاتستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها)
(الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جـ 8، كتاب المرتد، صـ 105).

وقد أضفت إلى كلامه مواضع الآيات وأرقامها.
وأضيف إلى ماذكره من آيات:
قوله تعالى (وقالت اليهـود والنصـارى نحـن أبنـاءُ الله وأحباؤه) المائدة 18، وقوله تعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) البقرة 111

فاعتقاد الكافر بأنه محسنٌ وأنه مُهتد ٍ أو أنه من أهل الجنة لايمنع من تكفيره إذا ثبت كفره بالدليل،
وأضيف إلى ذلك:
أن اعتقاده بأنه مُحسنٌ هو في ذاته عقوبة قدرية له من الله ليستمر على ضلاله وغوايته كما قال تعالى
(وقيّضنا لهم قُرناء فزينوا لهم مابين أيديهم وماخلفهم، وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين) فصلت 25
وقال تعالى (ومن يَعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 36 ــ 37.

فكيف تُعتبر هذه العقوبة القدرية مانعا من الحكم الشرعي عليهم بالكفر؟.

والخلاصــة:

أن القصـد المعتبر في التكفير هو قصد العمل المكفر أي تعمّده، لاقصد الكفر به .
وقد بيَّن ابن تيمية هذا الفرق بأوجز عبارة فقال رحمه الله :

(وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لايقصد الكفر أحدٌ إلا ماشاء الله) (الصارم المسلول) صـ 177 ــ 178.

وقد بوّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة ـ عدم اشتراط قصد الكفر للحكم بالكفر ــ في كتاب الإيمان من صحيحه في باب (خوف المؤمن من أن يحبط عملُه وهو لايشعر) (فتح الباري) 1/ 109.

فالقصد المعتبر كشرط في التكفير
هو تعمّد اتيان العمل المكفِّر ، أما تعمّد الكفر بهذا العمل فغير معتبر.



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « فبراير 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                            1
                2 3 4 5 6 7 8
                9 10 11 12 13 14 15
                16 17 18 19 20 21 22
                23 24 25 26 27 28 29
                التغذية الإخبارية