طبيعة هذا الدين--للأستاذ سيد قطب

هناك دائماً شبهة كاذبة أو الأمنية العاتبة: لماذا يا رب؟ لماذا يصاب الحق وينجو الباطل لماذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل؟ ولماذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل ويعود بالغلبة والغنيمة؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر؟ وفيم للباطل هذه الصولة؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة، وفيها فتنة للقلوب وهزة...

لقد وقع بالفعل أن قال المسلمون في غزوة أحد في دهشة واستغراب (أنّى هذا).. ويريح الله القلوب المتعبة ويجلو كل خاطرة تندسّ إلى القلوب من هذه الناحية ويبين سنته وقدره وتدبيره أمس واليوم وغدا... إن ذهاب الباطل ناجياً في معركة من المعارك وبقاءه منتفشاً فترة من الزمان ليس عناه أن الله تاركه أو أنه من القوة بحيث لا يُغلب أو بحيث يُضرّ الحق ضرراً. وإن ذهاب الحق مُبتلى في معركة من المعارك وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه أو أنه متروك للباطل يُهلكه ويرديه... كلا إنما هي حكمة وتدبير هنا.. وهناك.. يُملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق وليرتكب أبشع الآثام وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق. ويبتلي الحق ليميز الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت.. فهو الكسب للحق والخسار للباطل مضاعفاً هذا وذاك هنا وهناك.. والمعركة يريدها الله أن تكون قضيته هو.. فالعقدة التي تحيك في بعض الصدور والسّبهة التي تجول في بعض القلوب وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق متروكين لا يأخذهم العذاب ممتعين في ظاهر الأمر بالقوة والسلطة والمال والجاه مما يوقع الفتنة في قلوبهم وقلوب الناس من حولهم ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يحسبون أن الله سبحانه لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل فيدع للباطل أن يحطم الحق ولا يتدخّل لنصرته. أو يحسبون أن هذا الباطل حق، وإلا فلم يتركه الله ينمو ويكبر ويغلِبْ؟.. أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر ثم... يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين يلجّون في عتوهم ويسارعون في كفرهم ويلجّون في طغيانهم ويظنون أن الأمر قد استقام لهم وأن ليس هناك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم..

وهذا كله وهم باطل وظن بالله غير الحق والأمر ليس كذلك وها هو ذا سبحانه وتعالى يُحذّر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن.. إنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذين يسارعون فيه وإذا كان يعطيهم حظاً في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه... إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء فإنما هي الفتنة وإنما هو الكيد المتين وإنما هو الاستدراج البعيد (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً) وهكذا يتكشّف أن الابتلاء من الله نعمة لا تُصيب إلا من يريد الله به الخير فإذا أصابت أولياءه فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم... ولو وقع الابتلاء مترتباً على تصرفات هؤلاء الأولياء فإنما هناك الحكمة المُغيبة والتدبير اللطيف وفضل الله على أوليائه المؤمنين.. وهكذا تستقر القلوب وتطمئن النفوس وتستقر الحقائق الأصلية البسيطة في التصور الإسلامي الواضح المستقيم.. وقد شاءت حكمة الله وبرّه بالمؤمنين أن يميزهم عن المنافقين الذين اندسّوا في الصفوف فيبتليهم الله بسبب تصرفاتهم وتصوراتهم ليميز الخبيث من الطيب من هذا الطريق... (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فالله لن يدع الصفّ المسلم مختلطاً غير مميز يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ومظهر الإسلام بينما قلوبهم خالية من بشاشة الإيمان ومن روح الإسلام.. والله يريد من الأمة المسلمة أن تؤدي دوراً كونياً كبيراً ولتحمل منهجاً إلهياً عظيما ولتنشئ في الأرض واقعاً فريداً ونظاماً جديداً... وهذا الدور الكبير يقتضي التجرّد والصفاء والتميز والتماسك ويقتضي ألا يكون في الصف خلل ولا في بنائه دَخل... وكل هذا يقتضي أن يُصهر الصف ليُخرج منه الخبث وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة وأن تُسلّط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر... "



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

البحث
المجاهدون فى مصر
    شبكة أنصار المجاهدين
      شموخ الإسلام
        موقع الفرقان "د. إياد قنيبى"
          شبكة الفداء الإسلامية
            أخبار شبكة أنا المسلم
              محاضرات وخطب الدكتور هانى السباعى
                صفحتنا على الفيس بوك
                عداد الزوار
                إعلان
                التقويم
                « مارس 2020 »
                أح إث ث أر خ ج س
                1 2 3 4 5 6 7
                8 9 10 11 12 13 14
                15 16 17 18 19 20 21
                22 23 24 25 26 27 28
                29 30 31        
                التغذية الإخبارية